سكريبت خطيبه ابنى كامله امانى السيد
سكريبت خطيبه ابنى كامله امانى السيد
ابنى حب بنت من نفس منطقتنا يتيمه وأصر يتجوزها .. حاولت اقنعه بلاش لكن هو صمم إنه يتجوزها وقتها قررت أسأل عليها وأعرف امها بتشتغل ايه وبصرفوا منين خصوصاً انها يتيمه عرفت أنهم بياخدوا معاش قليل وامها بتشتغل فى البيوت بس مش قايله لحد عشان منظرهم وكده
واجهت ابنى لكن هو عارف ومتمسك بيها
قررت اسيبه يعمل اللى عايزه ويتجوزها واكيد البنت هتبقى شاطره فى شغل البيت ولما اطلب منها حاجه مش هيكون ليها عين ترفعها فيه خصوصاً لما تعرف انى عارفه امها بتشتغل ايه.
قررت اعمل الخطوبه عندى فى البيت بحجة إننا نلم الشمل ونوفر مصاريف القاعات، بس الحقيقة إني كنت برتب للمشهد اللي جاي وأعلمها الأصول من بدري.
وتاني يوم الخطوبة، مسكت التليفون وطلبت رقمها. أول ما ردت بصوتها الناعم المتوتر، قلت لها بجمود من غير مقدمات: “أهلاً يا هاجر.. معلش يا بنتي، تعاليلي الشقة دلوقتي حالاً عايزاكي في موضوع مهم ضروري.”
ما كملتش ربع ساعة ولقيت الباب بيخبط. فتحت لها، كانت داخلة بابتسامة ومكسوفه ولابسة بلوزة بسيطة ومبسوطة، فاكرة إن في حاجة حلوة مستنياها أو إني هعزمها على حاجة.
بصيت لها من فوق لتحت وقلت لها وأنا بشاور على الصالة المكركبة مطرح هيصة امبارح: “معلش يا هاجر، الشقة كركبة زي ما أنتِ شايفة من امبارح وأنا ضهري وجعني ومش قادرة أتحرك وبنتى فى الكليه وبتيجى تعبانه مش هتقدر تعمل حاجه وهى أصلا حتى لو مش تعبانه مابتعرفش تعمل حاجه
.. افرزي الصالة، امسحي الأرضيات، واغسلي مواعين اللى فى المطبخ
هاجر اتسمرت مكانها، الابتسامة اختفت من على وشها ودمها هرب. بصت للصالة المليانة أطباق وبواقي تورتة وكراسي متلخبطة، وبعدين بصت في عينيا، وكأنها فهمت الرسالة الضمنية اللي كنت عايزة أوصلها لها: “أنتِ هنا عشان تخدمي، وأنا عارفة سر أمك وحجمك كويس.”
وقفت هاجر مكانها زي الصنم، الدموع اتجمعت في عينها بسرعة ومالية جفونها، وبصت لي بصدمة وذهول وهي مش عارفة تعمل إيه ولا تتصرف إزاي.. إيديها كانت بترتعش على جنب ولسانها عاجز إنه ينطق بكلمة واحدة.
لكن أنا ما اديتهاش فرصة ولا سبتها تستوعب، وقربت منها وبصيت لها بنفس حاد وقلت لها بسخرية معايرة: “إيه مالك وقفتِ كده ليه والدموع مجمعة في عينك؟ إيه.. أول مرة تنضفي شقة؟ ولا مكنتيش بتروحي مع أمك تسانديها في شغل البيوت؟!”
الكلمة نزلت على هاجر زي الكرباج، وجهها اصفرّ ودمعة حامية كرت على خدها، وكأن الأرض انشقت وتبلعت كل حلم حلو كانت رسمتُه للخطوبة والجواز.
انكمشت هاجر في مكانها والدمعة نازلة على خدها وهي مش قادرة ترفع عينها فيا، وفي اللحظة دي اتفتح باب الأوضة ودخلت بنتي.
بصت لها بنتي من فوق لتحت بقلة ذوق، وقربت منها وقالت لها بنبرة حادة مليانة استعلاء: “إيه ده؟ أنتِ واقفة مكانك كده ليه ومشبكة إيديكي؟ هو أنتِ مش جاية عشان تساعدي ماما؟!”
هاجر حاولت تمسح دمعتها بسرعة وتداري وشها، بس بنتي ما ادتهاش فرصة ولا سمّت عليها، وقربت منها أكتر وقالت لها بتهديد مباشر: “بصي يا هاجر، لو ما سمعتيش الكلام وشمرتي إديكي ونضفتِى الشقة مطرح الخطوبة دي، ماما هتخلي أخويا يفسخ الخطوبة فوراً ويرميكي.. أنتِ عارفة إن أخويا بيسمع كلام ماما، وما يرضيناش ننسب ناس مش عارفين مقامهم!”
هاجر اتنفضت من مكانها، والدموع بقت تنزل من عينها زي المطر من غير صوت.. بصت لي وبصت لبنتي بكسرة قلب وهوان، وشفت في عينها نظرة واحدة بين الخوف على حلمها مع ابني وبين إحساسها بالاهانة اللي ما تتوصفش.
حطت شنطتها على الكرسي بإيد ترتعش، وقالت بصوت مكسور …
حطت هاجر شنطتها على الكرسي بإيد ترتعش، وقالت بصوت مكسور ومخنوق بالدموع:
“أنا.. أنا مسحت وساعدت في بيوت كتير مع أمي، وأمي ست شريفة وبتشتغل بالحلال عشان تصرف عليا وتخليني هانم وماحتجش لحد.. بس أنا جيت هنا عشان بحب ابنك، فاكرة إني داخلة بيت هيبقوا أهلي وسندي، مش عشان أتهان وتعايروني بأمي اللي جزمتها تتشال على الراس
رفعت هاجر رأسها بثبات، ومسحت الدمعة اللي على خدها بكبرياء وعينها في عينيا وعين بنتي، ونبرة صوتها اتغيرت تماماً من الانكسار للتحدي والقوة:
“وعلى فكرة.. أمي الشريفة اللي بتتكلموا عنها دي، شقاها وتعبها في بيوت الناس هو اللي خلاني واقفة قصادكم دلوقتي طالبة في كلية الهندسة! أنا بدرس هندسة، وبكرة هخلص واشتغل بشهادتي ويبقى ليا شأني ومكاني.. وعمري، عمري ما أتبرى من شغل أمي أبداً ولا أستعار منه، لأن شغلها الشريف ده هو اللي وصلني للمكانة دي، وهو اللي خلي ابنك يلف ورايا ويترجاني عشان أوافق بيه وينزل يدور على أصلنا وينسبنا!”
الكلمات نزلت عليا وعلى بنتي زي الصاعقة.. الصالة سادها صمت رهيب، وبنتي وقفت مذهولة عينها مفتوحة على آخرها ومش قادرة تنطق بحرف، والغموض والاستعلاء اللي كان على وشها اتقلب لذهول وصدمة.
هاجر ما استنتش ولا لحظة، قربت مسكت شنطتها بثقة، وبصت لي بكرامة وعزة نفس ما شفتهاش في حياتي وقالت:
“عن إذنكم.. البيت اللي ما يحترمش أمي وما يقدرش كرامتي، ما يلزمنيش حتى لو كان فيه روحي.. وابنك لما ييجي، ابقي قوليله يجي يأخد دبلته من إيد أمي الشريفة.”
لفت هاجر ضهرها ومشيت بخطوات ثابتة ناحية الباب، وفتحت الباب وقفلته وراها بهدوء هزّ البيت كله من جوه، وسابتنا واقفين في نص الصالة المكركبة مش عارفين نستوعب الصدمة ولا الحقيقة اللي كشفتها لنا.
بصيت لها بسخرية وابتسامة باردة ارتسمت على وشي، وقربت منها خطوات بطيئة وأنا بربع إيديا وبقولها بنبرة مليانة تهكم:
“بلاش كلام الإنشا والديباجات العاطفية دي يا حبيبتي.. خلينا نتكلم في الواقع! الواقع بيقول إيه؟ الواقع بيقول إن دي شغلانتك أنتِ وأمك، مهما كبرتي أو صغرتي، ومهما خدتي شهادات أو بقيتي مهندسة قد الدنيا.. هتفضلي ابن ناس مش معروفين وهيفضل أصلك وشغلانة أمك معلمين عليكِ، وهيفضل تنضيف البيوت مجالك وتخصصك اللي متربية عليه!”
هاجر وقفت مكانها، ما تهزتش ولا رمش لها جفن، وبصت لي بنظرة حادة وباردة، أعمق بكتير من السخرية اللي في عيني، وقالت لي بثبات يصدم:
“وابنك عارف إنك بتبصيلي كده؟”
وقتها سكت مكنتش عارفه ارد اقول ايه وفى نفس الوقت مش عايزه اطلع كدابه قدامها
ـ وانتى مالك انتى ومال ابنى … هيفرق معاكى فى حاجة اذا كان عارف ولا لأ ولا هيغير الحقيقة
ـ انا قبل اى قرار هاخده عايزه اعرف إذا كان ابنك يعرف اللى بتعمليه ده ولا لأ
بصتلها بسخريه وقولتلها
ـ وأنا كنت اعرف منين انك اننى وانك بتنضفى بيوت
لقتها بصتلى بصدمه وقالتلى
ـ يعمى هو عارف وموافق على اللى بيتعمليه معايا دلوقتي
ومسكت التليفون واتصلت على ابنى
خطيبه ابنى ٢
امانى السيد
لقتها مسكت تليفونها بصرامة وإيد ثابتة، وبدأت تطلب رقم ابني.. وقتها اتحركت من مكاني بسرعة والنبرة العالية رجعت لفهلي، وقلت لها بصوت حاد وأنا بحاول أبان مش فارق معايا:
“أنتِ بتعملي إيه يا بت أنتِ؟! اقفلي التليفون ده فوراً! هو أنتِ فاكرة نفسك هتخوفيني بيه ولا هتعملي عليا نمرة؟ سيبيه في شغله ومش عايزين وجع دماغ وشغل عيال!”
لكن هاجر ما هزتش رأسها حتى، ولا نفذت كلامي.. رفعت التليفون على ودنها وبصت لي ببرود وهدوء يرعب، وكأنها مش شايفاني أصلاً. ثواني وكان صوت ابني جيلها من الناحية الثانية، أول ما رد قال بلهفة:
“أهلاً يا هاجر.. خير يا حبيبتي؟ فيه حاجة؟ صوتك ماله؟”
هاجر قالت له بصوت رايق، بثبات وهدوء نسف كل محاولاتي للتغطية:
“أهلاً يا أحمد.. معلش اعذرني إني بكلمك في وقت شغلك، بس أنت لازم تيجي الشقة عند والدتك دلوقتي حالاً وبدون تأخير.. موضوع خطوبتنا وقبل ما أخد أي خطوة لازم يتقفل أو يتحسم قدامك.”
أحمد اتخض وسألها بقلق شديد:
“هاجر! فيه إيه؟ أمي عملت حاجة؟ أنتِ عندها في البيت؟!”
هاجر بصت في عينيا بصة أملت الصالة كلها تحدي، وقالت له:
“تعال يا أحمد وأنت تفهم كل حاجة بنفسك.. أنا مستنياك، ومش هتحرك من مكان خطوتي دي إلا لما تيجي.”
قفلت الخط من غير ما تستنى يرد، وحطت التليفون في شنطتها ووقفت في نص الصالة، ساندة ضهرها بثقة، ومستنية.
أنا وبنتي اتوترنا، وبنتي قربت مني وتوشوشني بخوف: “ماما.. هو إيه اللي بتعمله ده؟ أحمد لو جه وشاف المنظر ده وفهم اللعبة هينقلب علينا!”
حاولت أتماسك، وزعقت فيها بصوت واطي: “اسكتي أنتِ! هو هيصدق الغريبة ويكذب أمه وأخته يعني؟! خليه ييجي ونشوف أخرتها إيه مع الست هانم!”
مرت نص ساعة كانت أتقل من الجبال على الشقة.. الصمت كان بيقطع في المكان، وهاجر واقفة زي الجبل ما بتهتزش، لحد ما أخيرًا سمعنا صوت خطوات سريعة ومندفعة على السلم، وبعدها المفتاح اتلف في الباب ودخل أحمد ونفسه مقطوع والحريرة باينة في عينيه.
أول ما أحمد فتح الباب، عينيه جابت الصالة كلها في ثانية؛ شاف الأطباق وبواقي التورتة المرمية، وشاف هاجر واقفة في النص وشها أصفر وعينيها محمرة من الدموع، وشافني أنا وأخته واقفين قصادها.
اتقدم خطوات سريعة ووشه أصفر من القلق، وقرب من هاجر وسألها بلهفة ونفسه مقطوع:
“فيه إيه يا هاجر؟ إيه اللي بيحصل هنا؟ وأنتِ إيه اللي جابك دلوقتي ومين اللي زاعلك كده؟”
هاجر بصت له بكسرة عين، بس صوتها طلع متماسك وواضح، وقالت له وهي بتشاور عليا وعلى أخته:
“والدتك كلمتني الصبح يا أحمد، قالت لي تعالي ضروري عشان عايزاكي في موضوع مهم.. جيت فاكرة إن فيه حاجة حلوة، أو إني داخلة بيت أهلي وناسي.. لقيت والدتك بتشاور لي على الصالة والمطبخ وتقول لي افرزي الصالة، امسحي الأرضيات، واغسلي مواعين الخطوبة.. ولما اتصدمت ووقفت مكاني، عايرتني بأمي وقالت لي: ‘هو أنتِ مكنتيش بتروحي مع أمك تسانديها في شغل البيوت؟!'”
أحمد بص لي بصدمة وذهول، حواجبة اتعقدت وعينيه وسعت وهو مش مصدق، والتفت لهاجر بسرعة وكأنه مستني تقوله إنها بتهزر، بس هاجر كملت ونبرتها بتزيد وجع وتحدي:
“وأختك دخلت كملت عليا وقالت لي: ‘لو ماشمرتيش إيديكي ونضفتِ، ماما هتخلي أخويا يفسخ الخطوبة ويرميكي، وما يرضيناش ننسب ناس مش عارفين مقامهم’.. ولما قولت لهم إن أمي ست شريفة وبتشتغل بالحلال عشان تصرف عليا وتخليني هانم وأني بدرس هندسة، والدتك ردت عليا بمنتهى البرود وقالت لي: ‘الواقع بيقول إن دي شغلانتك أنتِ وأمك، ومهما بقيتي مهندسة هتفضلي ابن ناس مش معروفين وهيفضل تنضيف البيوت مجالك اللي متربية عليه’!”
في اللحظة دي، الصمت خيم على المكان بشكل يرعب.. أحمد بص لأمه وأخته بنظرة عمري ما شفتها في عينيه قبل كده، نظرة فيها خيبة أمل وصدمة زلزلت كيانه.. وشه اتغير ودمه هرب منه، وبص لي وقال بصوت مبشوح ومكسور:
“الكلام ده حصل يا أمي؟! الكلام ده يخرج من بيتك ولخطيبتي اللي أنا اخترتها وشاريها؟!”
حاولت أتدخل بسرعة وألم الموضوع، وزعقت بنبرة حادة عشان أداري موقفي:
“أنت هتصدق كلام الغرب وتكذب أمك وأختك؟! ما أحنا بنقولها تساعدنا ونشوف أصلها وإذا كانت وش نعمة ولا…”
بس أحمد ما سبنيش أكمل، صرخ فيا بصوت هز الشقة كلها، صوت طالع من أعمق نقطة وجع جواه:
“بس بقى يا أمي!! بسسس! أصل إيه ووش نعمة إيه؟! أنتِ وعيتي على الكلام اللي بتقوليه؟! أنتِ بتتنمري على بنت يتيمة وعلى ست شريفة بتشتغل بعرق جبينها عشان تربي بنتها وتطلعها مهندسة؟! أنتِ بدل ما تحترمي شقاها وتكبري بيها، بتعايريها وبتستغليها وتخلي أختي الصغيرة تقف تتنطط عليها بالشكل ده?!”
التفت أحمد لأخته اللي كانت واقفة ورايا ومستخبية ومسهمة من الخوف، وزعق فيها بقلة حيلة:
“أنتِ يا هانم؟ الكلية اللي فرحانة بيها نسيتك الأدب والأصول؟! بدل ما تصوني كرامة أخوكي وخطيبته، واقفة بتهدديها إنها تتطرد وتترمى؟!”
البنت وجهها اصفرّ وما قدرتش تنطق بكلمة واحدة.. وأحمد رجع بص لي، والدموع اتجمعت في عينيه من هول الصدمة فينا، وقال بنبرة مكسورة:
“أنا طول عمري فاكر إننا بيت أصول ومتربيين على احترام الناس وشقاهم.. طلعتوا بتعاملوا الناس بمظاهرهم وبتقيسوا القيمة بالفلوس والخدمة؟! أنا مصدوم فيكم.. مصدوم إن دي أمي ودي أختي!”
قرب أحمد من هاجر، وكانت إيديه بترتعش وهو بيحاول يبص في عينها، بس هاجر كانت خلاص أخدت قرارها ورفعت رأسها فوق، وبصت له بكرامة ما تهزتش.
قرب أحمد من هاجر أكتر، وإيديه بترتعش وهو بيحاول يمسك إيدها أو يبص في عينها ويصلح الكارثة اللي حصلت، وقال بنبرة مكسورة ومحروقة:
“هاجر.. أرجوكي يا هاجر، أنا آسف.. حقك عليا أنا، والجزمة اللي في إيد أمك فوق راسي، أنا والله العظيم ما أعرف…”
بس هاجر سحبت إيدها بهدوء وثبات يوجع، وبصت له بنظرة فيها كمية حزن وكسرة قلب متتوصفش، لكنها كانت محاطة بكبرياء وعزة نفس هزت كيانه.
حطت إيدها التانية على صباعها، وببطء شديد ختعت الدبلة اللي ما لحقتش تفرح بيها أربع وعشرين ساعة.. مسكت الدبلة الذهبية في كف إيدها الترعش، وقربت من أحمد وحطتها في إيده، وقفلت صوابعه عليها بقوة.
بصت له في عينه ونزلت دمعة حامية واحدة من عينها، وقالت له بصوت واطي ومسنود بالكرامة:
“كل شيء قسمة ونصيب يا أحمد.. أنت راجل وسيد الرجالة، وما شفتش منك غيركل خير واحترام.. بس البيت اللي يهين أمي ويستقل بشقاها، ما ينفعش أدخله ولا أكون واحدة منه.. كرامة أمي وشقا سنينها عندي بالدنيا كلها.”
أحمد بص للدبلة في إيده وكأنها جمرة نار بتقتله، وصرخ بصوت مخنوق:
“لا يا هاجر! ما تعمليش كده! الذنب مش ذنبك ولا ذنبي.. أنا شاريج ومتمسك بيكي وأنا اللي هقف وش أي حد!”
هاجر هزت رأسها بالرفض بهدوء حاسم وقالت له:
“الذنب مش ذنبك يا أحمد.. بس الواقع أكبر منا.. إحنا لو كملنا، العمر كله هيفضلوا يبصولي من فوق لتحت، وهيفضلوا يعايروني بأمي.. وأنا أمي عندي خط أحمر، ما أقبلش عليها الكلمة من أي مخلوق، حتى لو كان الشخص اللي بحبه.”
مسكت شنطتها بثقة، وبصت لي أنا وأخته بابتسامة خفيفة مليانة استهانة وكسرة، وقالت:
“ربنا يهديلكم نفوسكم.. ويسامحكم على الوجع اللي سببتوهولنا.”
لفت هاجر ضهرها، ومشيت بخطوات ثابتة ومرفوعة الرأس ناحية الباب، وخرجت وقفلت الباب وراها بهدوء، وسابت المكان وراها زي المدافن.
أحمد بَص للباب المقفول، وبعدين لف بص لي ولأخته.. عينيه كانت مليانة دموع وقهر وصدمة، وصرخ فينا بصوت زلزل جدران الشقة، ودب الفوضى في كل أركان البيت بعد ما ساب الدبلة تقع منه على الأرض ترن رنة الفراق.
أحمد ساب الدبلة على الأرض، ورزع الباب وراه بأعلى قوته وخرج يجري ورا هاجر في الشارع عشان يحاول يلحقها، بس هاجر كانت خلاص اختفت عن عينيه.. ومن اللحظة دي، حظنا الأسود ابتدى، والبيت اللي كنا فاكرين إننا بنحميه ونحافظ على هيبته، اتطفت فيه اللمبة ودخله الجفاف.
أحمد رجع الشقة بالليل، مش عشان يعيش معانا، لكن عشان يلم هدومه ومقتنياته في شنطة سفر واحدة. حاولت أقف قصاده، وجريت عليه وأنا بصرخ وبقوله:
“أنت بتعمل إيه يا أحمد؟! هتسيب أمك وأختك عشان خاطر بنت؟! كبر عقلك وتعال اقعد معايا ونتكلم!”
بص لي أحمد بنظرة غريبة، نظرة خالصة من أي مشاعر، وكأني بقيت حد غريب عنه تماماً.. وقال بصوت هادي يرعب أكتر من الزعيق:
“أنا ماليش قعدة في بيت بياكل في كرامة الناس الشريفة.. أنتِ مش بس كسرتي البنت اللي اخترتها، أنتِ كسرتيني أنا وجرستيني قدام نفسي.. اعتبريني مت بالنسبة لكم يا أمي، لأن أحمد اللي كان بيمشي وراكم عمياني مات النهاردة.”
خرج أحمد وساب الشقة، وأخد أوضة إيجار قريبة من شغله، وقطع كل وسائل الاتصال بينا.. عمل لرقامنا ورسائلنا بلوك على كل حتة، وبقت محاولاتنا عشان نوصل له شبه مستحيلة.
الأيام مرت وتقلت علينا.. الصالة اللي كنا فاكرين إننا بنعلم فيها هاجر الأدب، بقت هي مصدر نكدنا. بنتي بقت تقعد في أوضتها بالساعات خايفة ومتوترة، حاسة بالذنب والكسرة، والكلية اللي كانت بتتفشخر بيها بقت حاسة إنها ملهاش قيمة بعد ما أخوها بقى يتهرب منها ولا يرضى يلمس مكالمة منها.
حاولت أراضيه بكل الطرق.. بقيت أستنى قصاد الشغل بتاعه بالساعات عشان بس ألمس إيده أو أخليه يبص في وشي، أجي أقف قدامه وأنا بدمع وأقوله:
“عشان خاطري يا أحمد، أنا أمك اللي ربتك وشقت عليك.. جلّ من لا يسهو، أنا كنت خايفة عليك وعلى مستقبلك، ارجع بيتك ويا سيدي تعال نروح نطلبها تاني وأنا ألمس جزمتها وجزمة أمها بس ترجعلي!”
لكن أحمد كان بيبص لي بجمود وعينيه محجرة، ويرد بنبرة جافة تقطع القلب:
“المرمى لما بيتكسر ما بيتصلحش يا أمي.. أنتِ ما خفتيش عليا، أنتِ خفتي على منظرك وجبروتك.. والست الشريفة وبنتها مش لعبة في إيدك وقت ما تعوزي تذليهم تذليهم، ووقت ما تعوزي ترضيني تروحي تطبطبي عليهم.. هاجر وأمها أنظف وأعلى بكتير من إنسانية بيتك، وسيبيني في حالي لو باقي عندك ذرة رحمة.”
كل محاولة كانت بترجعنا لنفس نقطة الصفر.. بنتي راحت له المكتب واترجته وهي بتبكي وتقول له: “يا أحمد أنا أختك الصغيره، غلطت واستقويت بس والله ما كنت فاهمة.. سامحني ويرجع البيت، بابا لو كان عايش ما كانش هيرضى باللي بيحصل ده!”
رد عليها بقسوة ما عهدناهاش فيه: “لو بابا كان عايش، كان تبرأ منك ومن تصرفك الرخيص ده.. تعليقك لشهادتك واستعلاءك على الناس مش هينفعك لما تكتشفي إنك بقيتي لوحدك.. امشي يا هانم وركزي في كليتك عشان تشبعي بيها.”
البيت بقى فاضي وموحش، وأنا وبنتي بقينا نقعد قصاد بعض في الصالة المكركبة ندمانين على لحظة استعلاء وكبر، كسرنا بيها قلب بنت يتيمة وأمها الشريفة، فخسرنا قصادها السند الوحيد اللي كان مالك علينا دنيتنا.
بعد ما كل الأبواب اتسدت في وشنا، وأحمد بقى يهرب مننا وزي ما يكون بنطهره باللمس، ما بقاش قدامي أنا وبنتي غير حل واحد.. الحل اللي كنا بنهرب منه ونعتبره يقل من هيبتنا، بس الشوق لأحمد والندم اللي أكل قلوبنا خلانا ندوس على كبرياءنا المزيف.
مسكت إيد بنتي، ونزلنا المشوار اللي كنا فاكرين عمرنا ما هنمشيه.. مشينا في الشارع البسيط اللي ساكنة فيه هاجر، وكانت رجلينا أتقل من الجبال، وكل خطوة بنقرب فيها من بيتهم، كنا بنفتكر كلامنا القاسي والاستعلاء اللي طلع مننا، فنحس بالخزي والكسرة.
وصلنا قدام بيتهم، بيت بسيط جداً بس نتيجته وعتبته منضفة وزي الفل.. وقفت ثواني أتردد، وإيدي بترتعش وأنا برفعها عشان أخبط على الباب. أخت أحمد كانت واقفة ورايا باصة في الأرض ودموعها في عينها، حاسة بحجم الذنب اللي شاركت فيه.
خبطت خبطتين هاديين.. وبعد لحظات اتفتح الباب، ووقفت قصادنا أم هاجر.
ست بسيطة، وشه بشوش رغم التعب، لابسة هدوم متواضعة جداً، وإيديها باين عليها أثر الشقا والتعب بالحلال.. بصت لنا بذهول واستغراب، وما كانتش عارفة إحنا مين في الأول، لحد ما أنا نطق صومي بصوت مخنوق:
“أنا.. أنا أم أحمد يا أم هاجر.”
ملامح الست اتغيرت فوراً، وظهرت على وشها طيبة الشرفاء وعزة نفس أصلية، ومسكت طرف طرحتها بهدوء وقالت بنبرة راقية ومفيهاش أي غل:
“أهلاً وسهلاً يا أم أحمد.. اتفضلوا، البيت بيتكوا.”
ما هانتش علينا نفسنا ولا هان علينا الكرم ده، وما قدرتش أدخل الشقة أصلاً.. وقفت على العتبة، ودموعي كرت على خدي، وبصيت للأم الشريفة دي وقلت لها بصوت مكسور ومشروخ:
“لا يا أم هاجر.. إحنا ما نستاهلش ندخل بيتك ونقعد على كرسيك قبل ما تسمحينا.. أنا جيت لحد عندك النهاردة عشان أقولك حقك عليا، وحق جزمتك فوق راسي.. أنا ظلمت بنتك واستعليت عليها، وعايرتك بشقاكي الشريف اللي المفروض الكل ينحني له احتراماً.. أنا جيت أقولك إني كنت عمياء وقاسية، وبطلب منك ومن ربنا تسامحوني.”
في اللحظة دي، خرجت هاجر من الأوضة جوه على صوتنا.. كانت لابسة بيتي بسيط، أول ما شافتنا وقفت مكانها ومسكت في إيد أمها.
بنتي ما استنتش، وقربت من هاجر بسرعة، ومسكت إيدين هاجر وهي بتبكي بحرقة وتتوسل لها:
“سامحيني يا هاجر.. والله أنا كنت عيلة وغبية وأخدي العزة بالإثم.. أنا اعتذرت لأخويا بس رفض يسمعني، والبيت من غيره بقى مقبرة.. اعتذاري ليكي ولشهادتك ولأمك الفاضلة دي من كل قلبي، ارجعي لأخويا وأنا والله هكون لك أخت وأقل منك في البيت ده!”
أم هاجر بصت لبنتها، وبعدين بصت لي وأنا بمسح دموعي وبترجاها بعيني.. الست الأصيلة أخدت نفس طويل، وقربت مني وحطت إيدها الشقيانة على كتفي بقداسة ورحمة وقالت:
“المسامح كريم يا أم أحمد.. إحنا ناس بنعرف ربنا، وما بنشيلش في قلوبنا غل.. شقايا ده هو وسامي وتاجي، وما بعجلش منه، ولما بنتي اتوجعت اتوجعت عشان كرامة أمها.. بس إحنا سامحناكم لوجه الله.”
التفتنا كلنا لـ هاجر.. كانت واقفة والدموع متجمعة في عينها الكحيلة، بصت لي ولأخت أحمد، وظهرت في عينها طيبة الهندسة وأصل التربية السليمة، وقالت بصوت هادي وراسي:
“أنا مسامحاكم.. ربنا يعلم إني ما كرهتكمش، بس كنت زعلانة على أمي وعلى نفسي.. سامحتكم عشان ربنا، وعشان أحمد اللي ما شفتش منه غير كل خير ورجولة.”
الكلمة نزلت على قلبي زي المية الباردة.. أخدت هاجر في حضني وعيطت بحرقة وأنا بتبوس رأسها، وبنتي حضنتها وهي بتستغفر.. وفي اللحظة دي بالذات، حسيت إن البيت البسيط ده هو اللي بيعلمنا الأصول، وإن المعنى الحقيقي للمقام والعز مش بالفلوس ولا بالمنظرة.. لكن بالقلوب النظيفة والنفس العفيفة.

تعليقات
إرسال تعليق