سكريبت أنا بقالي عشر سنين ماسك مرتبات 12 ألف عامل في أربع محافظات صافي هانى
«أنا بقالي عشر سنين ماسك مرتبات 12 ألف عامل في أربع
محافظات» قلت له «وإنت هتستبدلني بجدول إكسل عاملاه بنت أختك؟»
محمود ابتسم ابتسامة مستفزة وقال
«أيوه هات الباسوردات»
لميت حاجتي من على المكتب وأنا بابتسم
«ربنا يوفقكم يوم الاتنين ولما الناس ماتقبضش مرتباتها بلغ النقابة إني بسلم عليهم»
بعد 72 ساعة تليفون محمود ماكانش بيبطل رن
و1237 عامل اكتشفوا إن مرتباتهم ماوصلتش
كان يوم الجمعة الساعة 3 و17 دقيقة العصر
ويوم الاتنين الصبح كان المفروض 12 ألف موظف يستلموا مرتباتهم في معادهم
بس محمود كان فاكر إن موضوع المرتبات كله ضغطة زر وخلاص
بنت أخته مريم كانت قاعدة جنبه لابسة جاكت بيج وحاطة قدامها لاب توب جديد وواثقة في نفسها بشكل يضحك
ثقة واحدة عمرها ما اضطرت تراجع خصم من مرتب موظف ولا تصلح مشكلة في استقطاعات النقابة ولا تحسب ساعات إضافية لموظفين شغالين في محافظات مختلفة
ولا اضطرت تكتشف الساعة اتناشر بالليل إن ملف التحويلات البنكية كله اترفض بسبب خانة واحدة مكتوبة غلط
بصتلي وقالت
«أنا عملت نظام أنضف بكتير»
بصيت لها
«جدول إكسل؟»
ابتسمت وقالت
«نموذج مرتبات متطور»
بصيت لمحمود
هز كتفه وقال
«هي معاها ماجستير إدارة أعمال»
كنت بالعافية بمنع نفسي من الضحك
أنا بقالي عشر سنين ماسك مرتبات شركة كبيرة للتصنيع والنقل عندها فروع ومصانع في القاهرة والإسكندرية والمنوفية والشرقية
ونظام المرتبات عندنا كان معقد جدًا
فيه عمال تابعين لنقابات مختلفة
وفيه ورديات ليل ونهار
وبدلات شغل ومخاطر
وخصومات بأوامر من المحكمة
ونفقات أطفال
وتعديلات على العقود بأثر رجعي
وكمان حسابات وتأمينات وضرايب بتختلف حسب مكان الموظف وطبيعة شغله
مريم كانت قضت تلات أسابيع بس بتقول إنها بتعمل تحديث شامل للنظام
ومحمود قضى نفس التلات أسابيع وهو بيقول للإدارة إنها هتوفر للشركة ملايين الجنيهات كل سنة لأنها هتخلصهم من اللي سماه
«التعقيدات الإدارية القديمة»
واضح إن التعقيدات دي كان المقصود بيها أنا
قلت له
«صلاحيات الدخول بتتنقل عن طريق قسم تكنولوجيا المعلومات»
ابتسامته اختفت شوية
وقال
«اديها لمريم وخلاص»
هزيت راسي
«مينفعش سياسة الشركة بتمنع مشاركة بيانات الدخول الشخصية»
قلب عينه بضيق
«خلاص براحتك»
وقفت من على الكرسي
«كده انتهى الموضوع؟»
قال
«انتهى»
بصيت له باستغراب
«مفيش فترة تسليم؟»
رد بمنتهى الثقة
«مريم قالت إنها فاهمة كل حاجة»
مريم هزت راسها بسرعة وقالت
«أنا راجعت دليل الإجراءات بتاعك كله»
دليل الإجراءات اللي بتتكلم عنه كان 43 صفحة
لكن النظام الحقيقي للمرتبات كان محتاج سنين عشان حد يفهم كل تفاصيله
ومع ذلك ماكانش عندي أي نية أنقذ ناس طردوني عشان أنا كنت عارف شغلي أكتر منهم
لميت حاجتي في كرتونة واحدة
مج القهوة بتاعي
صورتين في برواز
وجاكت خفيف
وقبل ما أخرج من المكتب وقفت عند الباب وبصيت لمحمود
«ربنا يوفقكم يوم الاتنين»
ضحك وقال
«هنعديها يا عم إبراهيم»
ابتسمت
«إن شاء الله»
وبعدين قلت له
«بس لما الناس ماتقبضش مرتباتها بلغ النقابة إني بسلم عليهم»
وشه اتغير للحظة
لحظة صغيرة جدًا
وبعدين رجع يبتسم كأنه واثق من نفسه
خرجت من الشركة وروحت بيتي
لكن كان عندي سر واحد محمود ومريم ماكانوش يعرفوه
قبلها بست شهور كنت اكتشفت مشاكل خطيرة جدًا في نظام المرتبات بسبب قرارات اتاخدت من الإدارة من غير ما حد يرجعلي
فكتبت كل مشكلة بالتفصيل
ووثقت كل خطر
وكل حاجة كانت محتاجة تتصلح
وكل تقرير اتحط في ملف رسمي
والأهم من ده كله
إن محمود نفسه كان مضي بإيده على ورقة بتثبت إنه عارف بكل المشاكل دي
وأنا كان عندي نسخة من كل حاجة
هو افتكر إنه طردني
لكن اللي ماكانش يعرفه إن يوم الاتنين
أول يوم من غيري
كان كمان أول يوم هتبدأ فيه كل الأسرار اللي خبّاها تظهر واحدة ورا التانية
ولما تليفونه بدأ يرن الصبح
ماكنش المتصل شخص واحد
كانوا أكتر من ألف موظف. 
ملحوظة القصة الكاملة ستجدها مثبتة في التعليقات علي الصفحه دي عالم السطور  مش في الجروبات اضغط بس ع اسم الصفحه هايطلعلك البوست باللينك 
@أبرز المعجبين
#حكايات_صافي_هاني
الساعة كانت سبعة وخمسة وأربعين دقيقة صباح يوم الاتنين لما تليفوني رن لأول مرة.
كنت قاعد على ترابيزة السفرة قدام طبق فول وبيض وشاي بالنعناع.
بصيت على الشاشة.
رقم غريب.
ما رديتش.
رن تاني.
وبعدين تالت مرة.
رميت الموبايل جنبي وكملت أكلي.
أنا كنت عارف إن اليوم ده هيكون طويل.
لكن ماكنتش متوقع إنه هيبدأ بالسرعة دي.
الساعة سبعة وخمسين دقيقة جالي اتصال من رقم تاني.
وبعده بدقيقة رسالة.
وبعدها مكالمة من رقم أرضي.
وبعدين الموبايل بدأ يرن بشكل متواصل.
بصيت للشاشة.
ثمانية مكالمات فائتة.
تسعة.
اتناشر.
سبعتاشر.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ماكنتش فرحان في مصيبة حد.
لكن كنت عارف إن اللي حصل كان نتيجة طبيعية لقرار اتاخد باستهانة.
فتحت أول رسالة.
“أستاذ إبراهيم لو سمحت رد عليا بسرعة المرتب مانزلش.”
قفلت الرسالة.
جت بعدها رسالة تانية.
“يا أستاذ إبراهيم أنا مش عارف أعمل إيه البنك بيقول مفيش تحويل.”
وبعدها واحدة من مشرف في فرع المنوفية.
“إبراهيم بيه رد عليا لو سمحت.”
حطيت الموبايل على الترابيزة.
وقلت لنفسي
“لسه بدري.”
في نفس اللحظة كان محمود قاعد في مكتبه.
وأول حاجة حصلت معاه كانت مكالمة من مدير مصنع في الشرقية.
رد وهو متضايق.
“أيوه يا حاتم.”
جاله صوت متوتر من الناحية التانية.
“يا أستاذ محمود عندنا مشكلة.”
محمود بص لمريم اللي كانت قاعدة قدامه وبتقلب في اللاب توب.
“إيه المشكلة؟”
“العمال بيقولوا المرتبات مانزلتش.”
محمود ضحك.
“بدري يا حاتم.”
“الساعة داخلة على تمانية ونص.”
“النظام لسه بيحدث البيانات.”
مريم رفعت عينيها وقالت بثقة
“أيوه قوله النظام بياخد وقت في أول تشغيل.”
محمود قال
“سمعت؟ أول تشغيل.”
صوت حاتم كان لسه متردد.
“بس يا أستاذ محمود فيه أكتر من مية عامل بيقولوا إن حساباتهم فاضية.”
محمود اتنرفز.
“يا حاتم متكبرش الموضوع.”
وقفل المكالمة.
مريم ابتسمت.
“قلت لك الموضوع بسيط.”
محمود حرك راسه.
“أنا واثق فيكي.”
وبعد أقل من دقيقة
رن التليفون تاني.
المرة دي كان مدير فرع الإسكندرية.
وبعده مسؤول المخازن.
وبعده مدير الحسابات.
وبعده واحد من أعضاء مجلس الإدارة.
وبعده البنك.
وبعدين بدأت المكالمات تيجي من كل مكان.
محمود مسك راسه.
“هو إيه اللي بيحصل؟”
مريم كانت بتحاول تفتح ملف على اللاب توب.
“استنى بس.”
“مريم.”
“استنى.”
“الناس مش عارفة تسحب فلوسها.”
“أنا شغالة على الموضوع.”
“إنتي قولتيلي النظام جاهز.”
رفعت وشها.
“هو جاهز.”
“أمال المشكلة فين؟”
سكتت.
كانت أول مرة من ساعة ما استلمت الشغل مايبقاش عندها إجابة.
فتحت الملف.
الصفوف ظهرت قدامها.
أسماء.
أرقام موظفين.
مرتبات.
خصومات.
حسابات بنكية.
لكن في عمود كامل كان فيه حاجة غريبة.
بعض الأرقام كانت مكتوبة بشكل مختلف.
مريم قربت من الشاشة.
“غريبة.”
محمود قال
“إيه؟”
“فيه بيانات اتغيرت.”
“يعني إيه اتغيرت؟”
“مش عارفة.”
“إنتي اللي عملتي الملف.”
“أنا نقلت البيانات من الملف القديم.”
محمود سكت.
وبص للشاشة.
“طيب صلحيها.”
“بحاول.”
بعد عشر دقايق
كانت المشكلة أكبر.
الملف اللي مريم جهزته كان بيحسب المرتبات بشكل صحيح لبعض الموظفين.
لكن مش لكل الموظفين.
الخصومات القديمة اتكررت.
بدلات الورديات اختفت من عند ناس.
ناس اتخصم منها أقساط انتهت من شهور.
وفي موظفين اتحسبت لهم ساعات إضافية ما اشتغلوهاش.
والأسوأ
إن 1237 موظفًا لم يتم إرسال تحويلاتهم البنكية أصلًا.
محمود وقف.
“ليه؟”
مريم كانت بتبص للشاشة كأنها أول مرة تشوف كمبيوتر.
“فيه خطأ في ملف التحويل.”
“صلحيه.”
“مش هينفع.”
“ليه؟”
“لأن البنك رفض الملف.”
“طيب نبعته تاني.”
“لازم يتراجع ويتعتمد من جديد.”
“اعملي ده.”
“محتاجين بيانات إبراهيم.”
الجملة وقعت في المكتب كأن حد رمى حجر في إزاز.
محمود بص لها.
“إيه؟”
“بيانات إبراهيم.”
“إنتي عندك كل البيانات.”
“عندي البيانات الموجودة في الملفات.”
“أمال هو كان بيعمل إيه؟”
مريم سكتت.
ومحمود لأول مرة بدأ يفهم.
إبراهيم ماكانش مجرد شخص بيضغط زر تحويل المرتبات.
كان هو الشخص اللي حافظ تفاصيل النظام كله.
كان عارف إن الموظف فلان في مصنع شبين بياخد بدل وردية مختلف عن الموظف اللي في نفس المصنع.
كان عارف إن فيه أحكام خصم نفقة لازم تتراجع يدويًا.
كان عارف إن فيه عقود مؤقتة اتجددت.
وكان عارف إن فيه موظفين ليهم بدلات متغيرة حسب أيام العمل.
وكان عارف إن بعض الملفات البنكية لازم تتراجع خانة خانة قبل إرسالها.
مريم ماكانتش تعرف ده.
لكنها كانت واثقة إنها تعرف.
الساعة تسعة إلا عشر دقايق
وصلت أول مجموعة عمال على إدارة الشركة.
وبعدها بدقائق
زاد عددهم.
العشرات.
وبعدين المئات.
كل واحد ماسك موبايله.
كل واحد بيقول نفس الجملة.
“المرتب مانزلش.”
مدير الموارد البشرية خرج لهم.
“يا جماعة فيه تأخير بسيط.”
واحد من العمال رد
“تأخير بسيط إزاي وأنا عندي قسط بيتسحب النهارده؟”
واحد تاني قال
“أنا عندي إيجار.”
واحد تالت قال
“أنا ابني عنده امتحانات ومحتاج مصاريف.”
صوت من الخلف قال
“إحنا كل شهر بنقبض في نفس المعاد.”
وبدأت الأصوات تعلى.
في نفس الوقت
في مصنع الإسكندرية
كان العمال واقفين قدام مكتب الإدارة.
وفي المنوفية
المشرفين بدأوا يتصلوا بالموارد البشرية.
وفي الشرقية
اتحولت المشكلة لاجتماع طارئ.
أما القاهرة
فكانت الكارثة الأكبر.
لأن بعض الموظفين اكتشفوا إن المرتبات وصلت فعلًا.
لكن ناقصة.
ناس لقت خصومات غريبة.
وناس لقت مرتباتها أقل بآلاف الجنيهات.
وموظفين لقوا إن بدل الورديات مش موجود.
وموظف قديم اكتشف إن الشركة خصمت منه مبلغًا كان قد تم إيقافه من ستة أشهر.
وبدأت الأسئلة.
مين عمل النظام؟
مين راجع؟
مين اعتمد؟
ومين وافق إن إبراهيم يمشي من غير فترة تسليم؟
محمود كان عايز يهرب من السؤال الأخير.
لكن المشكلة إن الإجابة كانت موجودة على ورقة.
ورقة موقعة بإيده.
الساعة عشرة إلا ربع
دخل عليه مدير الشؤون القانونية.
وشه كان جامد.
قال
“أستاذ محمود محتاجين نتكلم.”
محمود أشار له يقعد.
“قول.”
حط الراجل ملف على المكتب.
“وصلتنا شكاوى.”
“هتتحل.”
“مش كلها.”
محمود ضيق عينيه.
“يعني؟”
“فيه موظفين اتخصم منهم مبالغ بدون سند.”
“خطأ تقني.”
“وفيه ناس ماوصلهاش مرتب.”
“خطأ تقني.”
“وفيه تحويلات ماخرجتش أصلًا.”
محمود سكت.
مدير الشؤون القانونية فتح الملف.
“والأهم إن عندنا محضر اجتماع من ستة شهور.”
محمود قلبه دق.
“أي محضر؟”
الراجل طلع ورقة.
“الاجتماع اللي إبراهيم حذر فيه من المشاكل دي.”
مريم رفعت رأسها.
محمود بص لها.
وبعدين للورقة.
“مين عنده نسخة من دي؟”
مدير الشؤون القانونية قال
“النسخة موجودة في الأرشيف.”
محمود حاول يبتسم.
“طيب وإيه المشكلة؟”
الراجل رد بهدوء
“المشكلة إنك كنت موقع إنك استلمت التحذير.”
سكت المكتب.
مريم بصت لمحمود.
“بس ده كان من زمان.”
الراجل قال
“بالضبط.”
وبعدين فتح صفحة تانية.
“وفيه تقارير متابعة بعدها.”
صفحة.
وبعدها صفحة.
وبعدها صفحة.
كل تقرير كان فيه نفس الملاحظة.
النظام محتاج إعادة هيكلة.
بيانات بعض الموظفين محتاجة مراجعة.
ملفات التحويل البنكي لازم تتراجع.
خصومات الأحكام لازم تتحدث.
التعديلات لازم تمر بمراجعة مزدوجة.
والأهم
إن كل تقرير كان فيه توقيع محمود.
مريم بدأت تتوتر.
“بس إبراهيم ماقالش إن فيه مشاكل كبيرة.”
مدير الشؤون القانونية بص لها.
“هو قال.”
مريم سكتت.
“قالها كتابة.”
محمود ضرب بإيده على المكتب.
“طيب نحل المشكلة بدل الكلام ده.”
الراجل رد
“عشان نحلها محتاجين الشخص اللي كان ماسك التفاصيل.”
محمود عرف المقصود.
لكن ماقالش اسمه.
الساعة عشرة وسبع دقايق
تليفوني رن.
المرة دي رقم أعرفه.
مدير الحسابات.
رديت.
“أيوه يا أستاذ سامح.”
صوته كان متوتر.
“إبراهيم إنت فين؟”
“في البيت.”
“ممكن تيجي؟”
“ليه؟”
سكت شوية.
“الموضوع كبير.”
قلت
“أنا سلمت شغلي يوم الجمعة.”
“عارف.”
“وخرجت.”
“عارف.”
“يبقى المشكلة عندكم.”
سمعته ياخد نفس طويل.
“إحنا محتاجين نفهم إيه اللي حصل.”
ضحكت بهدوء.
“أنا فاهم إيه اللي حصل.”
سكت.
“إنت كنت عارف؟”
“كنت متوقع مشاكل.”
“ليه؟”
“لأني قلت لهم.”
صوته بقى أوطى.
“محمود قال إنك كنت مكبر الموضوع.”
قلت
“وده كان رأيه.”
“إبراهيم.”
“نعم.”
“إنت معاك نسخة من التقارير؟”
بصيت قدامي.
“أيوه.”
سكت.
“ليه؟”
قلت
“عشان أنا ما بحبش أتكلم من غير مستندات.”
ماقالش حاجة.
قلت
“لو الشركة محتاجة مني حاجة رسمية ابعتوا لي طلب رسمي.”
“بس الوقت ضيق.”
“الوقت كان واسع من ست شهور.”
وقلت له
“سلام يا أستاذ سامح.”
وقلت المكالمة.
ماعداش عشر دقايق
وجالي إيميل رسمي.
طلب حضور عاجل لمناقشة أزمة المرتبات.
بصيت للإيميل.
وما رديتش.
بعد دقيقة
وصل إيميل تاني.
وبعده رسالة من المدير العام.
وبعدين اتصال من رقم الشركة.
ما رديتش.
أنا ماكنتش عايز أستغل مصيبة الناس.
لكن كنت عايز حاجة واحدة.
إنهم يفهموا إن اللي حصل مش بسبب غيابي.
اللي حصل كان بسبب قرارهم.
الساعة حداشر ونص
كان عدد الشكاوى وصل لأكتر من ألف.
وفي مكتب محمود
كانت مريم بتبكي لأول مرة.
“أنا مش عارفة أصلحها.”
محمود قال بعصبية
“ما تعيطيش.”
“أنا عملت اللي طلبته.”
“إنتي قولتي إنك فاهمة النظام.”
“كنت فاكرة إني فاهمة.”
محمود وقف.
“إبراهيم.”
قالها كأنه بيكلم نفسه.
مريم بصت له.
“نكلمه.”
محمود سكت.
وبعدين قال
“لا.”
“ليه؟”
“عشان لو كلمناه هيستغل الموضوع.”
مريم قالت
“بس الناس مش هتقبض.”
محمود ما ردش.
وفي اللحظة دي
دخل مدير البنك.
كان جاي بنفسه.
ودي كانت علامة إن الموضوع خرج من كونه مشكلة داخلية.
قال
“أستاذ محمود عندنا مشكلة في ملف التحويل.”
محمود حاول يحافظ على هدوئه.
“عارف.”
“الملف فيه بيانات غير متطابقة.”
“هنصلحها.”
“الموضوع مش مجرد تصحيح.”
مدير البنك فتح جهازه.
“فيه حسابات اتحولت لها بيانات قديمة.”
محمود قرب.
“قديمة إزاي؟”
“أرقام حسابات اتغيرت من فترة.”
مريم بصت للشاشة.
“بس الملف عندنا فيه الأرقام دي.”
مدير البنك رد
“الأرقام اللي عندكم مش محدثة.”
محمود بص لمريم.
“إنتي جبتي البيانات دي منين؟”
مريم قالت
“من الملف اللي كان موجود.”
مدير البنك قال
“وده بالضبط سبب المشكلة.”
وبعدين سأل
“مين كان مسؤول عن التحديثات؟”
محمود سكت.
مدير الحسابات قال
“إبراهيم.”
مدير البنك هز راسه.
“طيب لازم إبراهيم يرجع يراجع الملف.”
محمود قال بسرعة
“هو مش شغال معانا.”
مدير البنك بص له باستغراب.
“مش شغال؟”
“أنهينا تعاقده.”
الراجل اتنهد.
“في الوقت ده؟”
محمود رد
“كان قرار إداري.”
مدير البنك قال
“أنا مش بتدخل في قراراتكم.”
وبعدين جمع أوراقه.
“لكن لو الملف ما اتصلحش النهارده قبل نهاية دورة التحويلات هتتأجل التحويلات ليوم تاني.”
الجملة كانت كفيلة تخلي محمود يفقد لونه.
يوم تاني.
يعني آلاف الأسر هتفضل من غير مرتبات.
مدير البنك خرج.
محمود قعد على الكرسي.
مريم بصت له.
“اتصل بيه.”
محمود ما ردش.
“اتصل بإبراهيم.”
رفع عينه لها.
“لو اتصلت بيه هيفتكر إننا محتاجينه.”
مريم قالت
“إحنا محتاجينه.”
الكلمة خرجت منها ببساطة.
لكنها كانت الحقيقة.
في نفس الوقت
كنت أنا واقف في البلكونة.
ماما كانت بتسألني
“إنت ليه ساكت؟”
قلت
“مفيش.”
قالت
“من ساعة ما رجعت وإنت ماسك الموبايل.”
ابتسمت.
“الشغل.”
قالت
“ما إنت سيبته.”
قلت
“أهو بيفتكرني.”
ضحكت.
“خليهم يفتكروك.”
دخلت أوضة المكتب.
فتحت درج قديم.
طلعت ملف أسود.
جواه نسخ من التقارير.
محاضر الاجتماعات.
إيميلات مطبوعة.
ملاحظات بخط إيدي.
وورقة واحدة كنت محتفظ بيها لوحدها.
كانت مذكرة كتبتها قبل ستة شهور.
في آخرها كان مكتوب
“أوصي بعدم تغيير مسؤول إدارة المرتبات قبل اكتمال عملية تحديث النظام والتأكد من سلامة ملفات التحويل البنكي.”
وتحتها
توقيع محمود.
كنت عارف إن الورقة دي هتفرق.
لكن ماكنتش عارف لسه هتفرق إزاي.
الساعة اتناشر ونص
رن الموبايل.
الرقم المرة دي كان محمود.
بصيت للشاشة.
سيبته يرن.
رن تاني.
سيبته.
رن تالت.
رديت.
“أيوه.”
صوته كان مختلف.
مش نفس الصوت اللي قال لي يوم الجمعة “انتهى”.
قال
“إبراهيم.”
“نعم.”
“محتاجك تيجي الشركة.”
“ليه؟”
“فيه مشكلة.”
ابتسمت.
“عارف.”
سكت.
“الموضوع كبير.”
“عارف.”
“ومحتاجين نراجع النظام.”
قلت
“النظام اللي مريم عملته؟”
سكت.
قلت
“مش كان أنضف بكتير؟”
ما ردش.
قلت
“ولا الجدول محتاج جدول؟”
سمعته ياخد نفس.
“إبراهيم خلينا بعيد عن الكلام ده.”
“أنا بعيد فعلًا.”
“تعالى نحل المشكلة.”
قلت
“أنا مستعد أساعد.”
محمود قال بسرعة
“طيب تعالى.”
قلت
“بس مش كموظف.”
سكت.
“يعني إيه؟”
“يعني هدخل الشركة بطلب رسمي ومهمة محددة.”
“إنت بتساومني؟”
“لا.”
قلت بهدوء
“أنا بحمي نفسي.”
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال
“هتطلب إيه؟”
قلت
“أول حاجة كل حاجة هتتم كتابة.”
“تمام.”
“تاني حاجة أي تعديل هيتراجع ويتوقع عليه المسؤول الحالي.”
“تمام.”
“تالت حاجة محدش هيطلب مني أستخدم بيانات شخصية أو كلمات مرور.”
“تمام.”
“رابع حاجة أي قرار اتاخد قبل ما أوصل أنا مش مسؤول عنه.”
محمود سكت.
وبعدين قال
“تمام.”
قلت
“ابعتوا لي طلب رسمي.”
وقلت له سلام.
بعد خمس دقايق
الإيميل وصل.
وكان فيه طلب رسمي باسمي.
بصيت للرسالة.
لبست قميصي.
وأخدت الملف الأسود.
وقبل ما أخرج
ماما قالت
“رايح فين؟”
قلت
“أرجع حاجة لأصحابها.”
قالت
“فلوس؟”
ضحكت.
“حق.”
ركبت عربيتي.
ووصلت الشركة بعد حوالي نص ساعة.
أول ما دخلت
الناس بصت لي.
موظفين.
عمال.
مشرفين.
ناس أعرفهم من سنين.
واحد منهم قرب مني وقال
“الحمد لله إنك جيت.”
ماعرفتش أرد.
لأن في اللحظة دي
أنا فهمت إن الموضوع مش مجرد أرقام.
الناس دي كانت مستنية المرتب عشان بيوتها.
دخلت مكتب الحسابات.
الجو كان متوتر.
مريم قاعدة قدام الكمبيوتر.
أول ما شافتني
وشها اتغير.
قالت
“إنت جيت.”
قلت
“أيوه.”
محمود كان واقف.
قال
“نبدأ.”
فتحت اللاب توب.
قلت
“فين النسخة الأصلية من بيانات المرتبات؟”
مريم ردت
“عندي.”
“فين سجل التعديلات؟”
سكتت.
“مريم؟”
قالت
“مش فاهمة.”
بصيت لمحمود.
قلت
“وده أول فرق بين شغل المرتبات وجدول إكسل.”
محمود قال
“إبراهيم.”
قلت
“مش مشكلة.”
قعدت.
فتحت الملفات.
وبدأت أراجع.
أول عشر دقايق
لقيت مشكلة.
بعدها مشكلة تانية.
بعدها تالتة.
وبعد ساعة
كنت لاقيت سبب تأخر معظم التحويلات.
ملف التحويل كان معمول بتاريخ خاطئ.
وفيه أرقام حسابات قديمة.
وفيه بيانات لموظفين تم تعديلها من غير ما التعديل يدخل في الملف النهائي.
وفيه خصومات اتكررت.
والأخطر
إن فيه موظفين كان المفروض يتم إيقاف الخصم عنهم من شهور.
مريم كانت قاعدة جنبي.
كل دقيقة كانت بتسأل
“إزاي عرفت؟”
كنت بقول
“لأني شفت الحالة دي قبل كده.”
بعد ساعتين
بدأنا نجهز ملف تصحيح.
لكن وأنا براجع
وقفت.
فيه مجموعة أسماء.
1237 اسم.
بصيت على العدد.
نفس العدد اللي كان اتذكر في أول الأزمة.
قلت
“استنى.”
مريم قالت
“إيه؟”
“مين عمل الفلتر ده؟”
قالت
“أنا.”
“ليه؟”
“عشان دول اللي التحويلات فشلت عندهم.”
قلت
“لأ.”
قربت الشاشة.
“دول مش كل الناس اللي فشل التحويل عندهم.”
محمود قرب.
“يعني إيه؟”
قلت
“دول الموظفين اللي بيانات حساباتهم اتغيرت خلال آخر فترة.”
سكت.
فتحت سجل قديم.
ورجعت البيانات.
“والتغييرات دي حصلت قبل ما مريم تستلم.”
محمود قال
“مين عملها؟”
قلت
“ده السؤال.”
فتحت سجل التعديلات.
وظهرت الأسماء.
اسم موظف.
وبعدين اسم تاني.
وبعدين تالت.
كلهم تابعين لإدارة واحدة.
إدارة الشؤون الإدارية.
بصيت لمحمود.
“إنت كنت عارف إن بيانات الحسابات اتغيرت؟”
قال
“لا.”
قلت
“فيه توقيع اعتماد.”
قرب.
وبص.
سكت.
كان توقيعه.
لكن المرة دي
التوقيع كان على مستند مختلف.
تعديل بيانات مجموعة موظفين.
محمود قال
“أنا ما شفتش الورقة دي.”
قلت
“بس مضيت عليها.”
مريم بصت له.
“عمو محمود؟”
محمود قال
“مش فاكر.”
قلت
“أنا فاكر.”
وسحبت ورقة من الملف الأسود.
حطيتها قدامه.
“دي المذكرة اللي اتقدمت لك وقتها.”
محمود قرأها.
وبعدين بص لي.
“إنت كنت عارف؟”
قلت
“أنا كنت بحذرك.”
سكت.
قلت
“لكن المشكلة إن تغيير الحسابات ماكانش عشوائي.”
محمود قال
“يعني؟”
قلبت الصفحة.
وكان فيها قائمة كاملة.
“الأسماء دي كلها اتغيرت حساباتها في نفس الأسبوع.”
“وبعدين؟”
“وبعدين جزء منهم مرتباتهم اتأخرت.”
“وده معناه إيه؟”
بصيت له.
“معناه إن اللي حصل يوم الاتنين مش بدأ يوم الاتنين.”
سكت المكتب كله.
مريم قربت من الشاشة.
“طيب بدأ إمتى؟”
قلت
“من ست شهور.”
محمود قعد.
كان أول مرة أشوفه مش عارف يقول إيه.
وفي اللحظة دي
دخل مدير الشؤون القانونية.
ومعه المدير العام.
المدير العام قال
“إبراهيم.”
“أيوه.”
“محتاجين نشوف كل المستندات.”
فتحت الملف الأسود.
وقلت
“كلها موجودة.”
مدير الشؤون القانونية بدأ يقلب.
وفجأة وقف.
طلع ورقة.
وبص لمحمود.
“دي إمضتك.”
محمود قال
“عارف.”
“وعليها موافقة على إعادة هيكلة جزء من نظام المرتبات.”
مريم قالت
“إعادة هيكلة؟”
مدير الشؤون القانونية قال
“أيوه.”
قلب الصفحة.
“والتاريخ قبل ما إبراهيم يسيب الشركة بستة شهور.”
المدير العام قال
“محمود.”
محمود ما ردش.
“إيه اللي حصل وقتها؟”
محمود قال
“كنا بنحاول نوفر.”
“توفر إيه؟”
“مصروفات.”
مدير الحسابات رد
“إحنا وفرنا إيه؟”
محمود سكت.
المدير العام قال
“مين طلب تغيير بيانات الموظفين؟”
محمود قال
“أنا مش فاكر.”
بصيت له.
“أنا فاكر.”
الكل بص لي.
قلت
“كان فيه اقتراح لتغيير بنك التحويلات.”
محمود هز راسه.
“أيوه.”
“والاقتراح كان إن الشركة تنقل جزء من التحويلات لبنك تاني.”
مدير الحسابات قال
“وده حصل.”
قلت
“لكن المشكلة إن بعض الموظفين بياناتهم ما اتحدثتش في الوقت المناسب.”
مريم قالت
“يعني المرتبات كانت معرضة تتعطل من وقتها؟”
قلت
“أيوه.”
المدير العام بص لمحمود.
“وإنت وافقت؟”
محمود قال
“كان المفروض النظام يتصلح.”
قلت
“وأنا كتبت ده.”
سحبت تقرير.
“وده التقرير اللي قدمته.”
سحبت التاني.
“وده الرد.”
سحبت التالت.
“وده طلب المتابعة.”
وبعدين حطيت ورقة أخيرة.
“وده آخر تحذير.”
المدير العام قرأ.
وبعدين رفع عينه.
“محمود.”
محمود ما ردش.
المدير العام قال
“إنت كنت عارف.”
سكت.
“كنت عارف من ستة شهور إن النظام محتاج مراجعة.”
محمود حاول يتكلم.
“أنا كنت فاكر إننا هنلحق.”
قلت
“وده سبب إنك استبدلتني؟”
محمود بص لي.
“ما تدخلش الموضوع في بعضه.”
ضحكت.
“الموضوع كله بعضه.”
المدير العام قال
“إبراهيم كمل.”
رجعت للكمبيوتر.
وبدأت أراجع باقي البيانات.
لكن بعد حوالي عشرين دقيقة
لقيت حاجة أغرب.
فيه مجموعة تعديلات اتعملت على ملفات المرتبات يوم الجمعة.
اليوم اللي أنا خرجت فيه.
بصيت للتاريخ.
الساعة.
ثلاثة وعشرين دقيقة بعد الظهر.
قبل ما أخرج من الشركة بدقائق.
قلت
“مين كان عنده صلاحية تعديل الملف يوم الجمعة؟”
مريم قالت
“أنا.”
بصيت لها.
“إنتي عدلتيه؟”
قالت
“أيوه.”
محمود قال
“عشان تبدأ شغلها.”
قلت
“مين وافق؟”
محمود قال
“أنا.”
فتحت سجل التعديل.
“طيب ليه التعديل اتعمل على بيانات ماكانش المفروض تتغير؟”
مريم قربت.
“أنا ما غيرتش دي.”
قلت
“مين غيرها؟”
سكتنا كلنا.
لأن السجل كان فيه اسم مستخدم مختلف.
اسم مستخدم ماحدش في الغرفة كان عارفه.
مدير تكنولوجيا المعلومات اتصلنا به فورًا.
دخل بعد دقائق.
بص للسجل.
وشه اتغير.
قال
“الحساب ده مش تابع لمريم.”
محمود قال
“تابع لمين؟”
الراجل سكت.
وبعدين قال
“تابع لحساب إداري قديم.”
محمود قال
“قديم لمين؟”
فتح البيانات.
وسكت تاني.
قلت
“قول.”
رفع عينه.
“تابع لصلاحيات الإدارة العليا.”
محمود اتوتر.
“مين كان بيستخدمه؟”
مدير تكنولوجيا المعلومات قال
“ده حساب مشترك.”
المدير العام قال
“مين عنده كلمة المرور؟”
الراجل رد
“أنا مش عارف.”
وهنا
لأول مرة
الموضوع بقى أكبر من مجرد مرتب ماوصلش.
لأن حد دخل على النظام.
وعدل بيانات.
واستخدم حسابًا إداريًا مشتركًا.
وفي نفس اليوم اللي أنا خرجت فيه.
والتعديلات كانت السبب المباشر في جزء كبير من الكارثة.
مريم بصت لي.
“إبراهيم.”
قلت
“نعم.”
“إنت كنت تعرف إن الحساب ده موجود؟”
قلت
“أيوه.”
“ليه ماقلتليش؟”
“عشان الحساب ده مش من مسؤوليتي.”
مدير تكنولوجيا المعلومات قال
“بس في حاجة أهم.”
محمود قال
“إيه؟”
“الحساب دخل على النظام يوم الجمعة بعد ما إبراهيم خرج من المكتب.”
محمود قال
“الساعة كام؟”
الراجل بص للشاشة.
“الساعة ٤:١٢.”
المدير العام قال
“إبراهيم كان خرج الساعة كام؟”
قلت
“حوالي ٣:٣٠.”
محمود بص لي.
“يعني حد دخل بعد ما مشيت.”
قلت
“بالضبط.”
المدير العام قال
“هاتوا تسجيلات الكاميرات.”
مدير تكنولوجيا المعلومات قال
“أقدر أجيبها.”
وبعد أقل من ساعة
كانت شاشة كبيرة في غرفة الاجتماعات بتعرض تسجيل يوم الجمعة.
الممر.
المكاتب.
الساعة.
٣:٣١.
أنا خرجت.
٣:٤٧.
المكتب فاضي.
٤:٠٥.
موظف يعدي.
٤:١٢.
باب مكتب الإدارة يتفتح.
الكل قرب من الشاشة.
شخص دخل.
وشه مش واضح.
كان لابس جاكت غامق.
مشى ناحية مكتب محمود.
وبعدها خرج.
المدير العام قال
“وقف الصورة.”
توقفت.
محمود قرب من الشاشة.
“مين ده؟”
مدير الأمن قال
“الصورة مش واضحة.”
بصينا لبعض.
لكن فجأة
مريم قالت
“أنا أعرفه.”
الكل بص لها.
قالت
“ده ياسر.”
محمود اتفاجئ.
“ياسر مين؟”
“ابن خالي.”
سكتت.
المدير العام قال
“هو بيشتغل هنا؟”
مريم هزت راسها.
“لا.”
مدير الشؤون القانونية قال
“إزاي دخل؟”
مريم بدأت تتوتر.
“أنا مش عارفة.”
محمود بص لها.
“إنتي كنتي قولتي إنك ما بتعرفيش حد هنا غيري.”
مريم قالت
“هو كان جايلي.”
“ليه؟”
“مش عارفة.”
المدير العام قال
“اتصلي بيه.”
مريم مسكت الموبايل.
اتصلت.
رن.
ما ردش.
اتصلت تاني.
مفيش رد.
محمود قال
“اتصلي تاني.”
رن.
المرة التالتة
المكالمة اترد عليها.
مريم قالت
“ياسر؟”
صوت راجل جاء من الطرف التاني.
“أيوه.”
“إنت جيت الشركة يوم الجمعة؟”
سكت.
“ياسر؟”
“أيوه.”
مريم بصت لنا.
“ليه؟”
سكت.
وبعدين قال
“كنت باخد ورق.”
“ورق إيه؟”
“ورق يخص مريم.”
المدير العام أشار لها تشغل السماعة.
فعلت.
قال
“مين اداك صلاحية الدخول؟”
سكت.
محمود قال
“أنا.”
كلنا بصينا له.
مريم نفسها اتصدمت.
“إنت؟”
محمود قال
“أنا سمحت له يدخل.”
المدير العام قال
“ليه؟”
محمود رد
“عشان يساعد مريم.”
المدير العام قال
“يساعدها إزاي؟”
محمود ما ردش.
أنا بصيت له.
وقلت
“هو دخل على النظام.”
محمود قال
“ماعرفش.”
مدير تكنولوجيا المعلومات رد
“الحساب الإداري اتستخدم من جهاز داخل المكتب.”
محمود قال
“أنا ماطلبتش منه يعمل حاجة.”
ياسر كان لسه على السماعة.
فجأة قال
“أنا عملت اللي طلبته مني.”
الغرفة كلها سكتت.
محمود اتجمد.
“إيه اللي طلبته؟”
ياسر قال
“إنت قلت لي أراجع البيانات القديمة وأظبطها.”
محمود صرخ
“أنا ماقولتش لك تعدل المرتبات!”
ياسر رد
“أنا ماعدلتش المرتبات.”
سكت.
“أنا غيرت البيانات اللي قلت لي عليها.”
محمود قال
“مين قال لك تغير أرقام الحسابات؟”
سكت ياسر.
وبعدين قال
“إنت.”
مريم حطت إيدها على بقها.
المدير العام قال
“إبراهيم.”
بصيت له.
“نعم؟”
“إنت عندك نسخة من كل التقارير؟”
قلت
“أيوه.”
“خليها معاك.”
قلت
“حاضر.”
المدير العام بص لمحمود.
“والاجتماع ده لسه ماخلصش.”
محمود قعد مكانه.
وشه كان شاحب.
أما أنا
فكنت عارف إن اللي حصل يوم الاتنين ماكانش النهاية.
ده كان أول الخيط.
لأن ياسر قال جملة واحدة قلبت كل حاجة.
“أنا عملت اللي طلبته مني.”
والسؤال بقى
إيه بالضبط اللي طلبه محمود منه؟
وليه كان محتاج يدخل بعد ما أنا خرجت؟
وليه اتغيرت بيانات 1237 موظف في نفس الليلة؟
والأهم
مين كان مستفيد من إن المرتبات ماتنزلش في ميعادها؟
في اليوم التالي
بدأ التحقيق الداخلي.
وتم إيقاف صلاحيات مريم مؤقتًا.
ومحمود اتطلب منه يقدم إفادة مكتوبة.
أما أنا
فطلبوا مني أراجع النظام بالكامل.
لكن المرة دي
ماكانش عندي مكتب صغير في قسم المرتبات.
اتحطيت في غرفة الاجتماعات.
قدامي كل المستندات.
وورايا فريق كامل.
وكان المدير العام نفسه حاضر.
بدأنا مراجعة آخر ستة شهور.
يوم ورا يوم.
ملف ورا ملف.
وكان كل ما بنرجع خطوة للخلف
بنكتشف حاجة جديدة.
موظفين اتغيرت حساباتهم.
موظفين اتغيرت خصوماتهم.
مبالغ اتحولت من بند لبند.
بدلات اتلغت.
وأسماء اتنقلت من نظام لنظام.
وفي وسط كل ده
ظهر اسم شركة خارجية.
شركة صغيرة كانت بتقدم خدمات استشارية للشركة.
اسمها كان موجود في بعض المستندات.
ولما سألنا عن علاقتها بالنظام
طلع إن محمود هو اللي رشحها.
مدير الحسابات قال
“دي الشركة اللي كانت هتعمل النظام الجديد.”
بصيت له.
“مين صاحبها؟”
سكت.
المدير العام فتح ملف.
وقال
“اسمها مسجل باسم شخص اسمه ياسر فؤاد.”
رفعت عيني.
نفس الاسم.
ياسر.
لكن هل هو نفس الشخص؟
طلبنا بيانات الشركة.
وبعد مراجعة الأوراق
طلع فعلًا نفس الشخص.
مريم كانت تعرفه.
ومحمود كان متعامل معاه.
والأغرب
إن العقد مع الشركة الخارجية كان أعلى من تكلفة النظام القديم بأضعاف.
المدير العام قلب في الأوراق.
“إبراهيم.”
قلت
“نعم.”
“إنت كنت معترض على التعاقد؟”
قلت
“أيوه.”
“ليه؟”
قلت
“لأن الشركة ماكانش عندها خبرة كافية في أنظمة المرتبات.”
“وكتبت ده؟”
“أيوه.”
طلع التقرير.
“وهنا قلت إن التعاقد محتاج مراجعة قانونية ومالية.”
المدير العام بص لمحمود.
“وإنت وقعت على التعاقد؟”
محمود قال
“كان قرار الإدارة.”
المدير العام رد
“وأنا كنت فاكر إن القرار مبني على توصية فنية.”
سكت محمود.
أنا ماقلتوش حاجة.
لأن الحقيقة بدأت تظهر لوحدها.
بعد أسبوع
تم إصلاح المرتبات.
كل الموظفين أخدوا مستحقاتهم.
الخصومات الغلط اتراجعت.
والتحويلات اتعملت.
لكن التحقيق ماوقفش.
وفي آخر اجتماع
دخل المدير العام ومعاه ملف جديد.
حطه قدامي.
قال
“إبراهيم.”
قلت
“نعم.”
“إحنا راجعنا كل التقارير اللي كتبتها.”
سكت.
“وأنت كنت محذرنا من معظم المشاكل دي.”
هزيت راسي.
“أيوه.”
قال
“وفيه حاجة تانية.”
فتح الملف.
“إحنا اكتشفنا إنك كنت رافض تسليم بعض الصلاحيات لمريم.”
قلت
“صحيح.”
“ليه؟”
قلت
“لأن الصلاحيات كانت مرتبطة ببيانات حساسة.”
“لكن ده اتفسر إنك بتعطل التطوير.”
ابتسمت.
“وده كان قراركم.”
سكت.
وبعدين قال
“إحنا عايزينك ترجع.”
بصيت له.
“كموظف؟”
قال
“كمدير إدارة المرتبات.”
سكت.
محمود ماكانش موجود.
مريم ماكانتش موجودة.
كان القرار قد اتاخد.
قلت
“أنا هفكر.”
المدير العام اتفاجئ.
“تفكر؟”
قلت
“أيوه.”
“إنت مش هتوافق؟”
قلت
“أنا مش هكرر نفس الغلطة.”
“أي غلطة؟”
قلت
“إني أكون مسؤول عن نظام وأنا مش مسؤول عن القرارات اللي بتتخذ حواليه.”
المدير العام سكت.
قلت
“لو هرجع هكون عندي صلاحيات واضحة.”
“تمام.”
“ومراجعة مستقلة.”
“تمام.”
“وممنوع أي حد يدخل على النظام من غير سجل رسمي.”
“تمام.”
“وأي تغيير في بيانات الموظفين لازم يبقى موثق.”
“تمام.”
“ومفيش حد يتدخل في شغلي عشان قريب حد أو قريبه.”
المدير العام فهم قصدي.
وقال
“موافق.”
رجعت بعدها بأسبوع.
لكن المرة دي
ما رجعتش لنفس المكتب.
اتغير النظام كله.
تم إلغاء الحسابات المشتركة.
كل موظف بقى له صلاحيات محددة.
أي تعديل بيتسجل.
وأي تحويل بيتراجع.
وأي تغيير في حساب بنكي لازم يتم تأكيده.
أما مريم
فتم نقلها لقسم تاني بعد انتهاء التحقيق.
وأما ياسر
فتم التحقيق معاه رسميًا بسبب دخوله للنظام واستخدام صلاحيات مش من حقه.
لكن محمود كان لسه عنده مشاكل أكبر.
لأن التحقيق كشف إن شركة ياسر الخارجية كانت هتاخد عقد كبير جدًا لتطوير نظام المرتبات.
والعقد كان هيتم تمديده لسنوات.
والفلوس كانت هتخرج من الشركة تحت بند “خدمات استشارية”.
وفي الآخر
تم إلغاء العقد.
أما محمود
فتم إعفاؤه من منصبه بعد انتهاء التحقيق الداخلي.
وفي آخر يوم له
مر من قدام مكتبي.
وقف عند الباب.
أنا كنت براجع كشف مرتبات.
قال
“إبراهيم.”
رفعت عيني.
“نعم.”
دخل.
قعد.
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال
“كنت فاكر إنك مجرد موظف قديم.”
بصيت له.
“وأنا كنت فاكر إنك مدير يعرف قيمة الناس اللي شغالة معاه.”
سكت.
قال
“أنا غلطت.”
ما رديتش.
قال
“كان ممكن تنقذنا من أول يوم.”
قلت
“أنا حاولت.”
“كان ممكن تيجي حتى بعد ما مشيت.”
قلت
“أنا ماكنتش هعرف أصلح حاجة من غير طلب رسمي.”
هز راسه.
“فاهم.”
وبعدين وقف.
قبل ما يخرج
قال
“إنت كنت صح.”
قلت
“مش مهم مين كان صح.”
بص لي.
قلت
“المهم إن 12 ألف أسرة مايتحطوش في موقف زي ده تاني.”
هز راسه.
وخرج.
فضلت أبص للباب شوية.
وبعدين رجعت لشغلي.
بعد كام شهر
الشركة عملت نظام جديد بالكامل.
مش جدول إكسل.
ولا حل سريع.
نظام حقيقي.
مراجعة.
توثيق.
صلاحيات.
نسخ احتياطية.
ومسؤولية واضحة.
وفي أول يوم مرتبات بعد إعادة بناء النظام
وقفت قدام شاشة التحويلات.
الساعة كانت عشرة الصبح.
كل الأرقام ظهرت.
تمت التحويلات.
واحد ورا التاني.
12 ألف موظف.
ولا مشكلة واحدة.
مدير الحسابات دخل.
وقال
“خلصنا.”
بصيت للشاشة.
وقلت
“الحمد لله.”
ابتسم.
“فاكر يوم ما محمود قال إن الموضوع مجرد ضغطة زر؟”
ضحكت.
“أيوه.”
قال
“طلع زرار واحد فعلًا.”
بصيت له.
“إيه هو؟”
قال
“زرار اسمه مراجعة.”
ضحكنا.
لكن وسط الضحك
جالي إيميل.
فتحته.
كان من المدير العام.
بيشكرني على إدارة الأزمة.
وفي آخر الرسالة كتب
“أثبتت الأزمة أن الخبرة لا يمكن استبدالها بمجرد ملف جديد.”
قفلت الإيميل.
وما اهتمتش بالجملة.
لأن بالنسبة لي
كان فيه حاجة أهم.
في آخر الشهر
واحد من العمال وقف قدام مكتبي.
قال
“يا أستاذ إبراهيم.”
“أيوه.”
قال
“أنا مش عارف أشكرك إزاي.”
قلت
“على إيه؟”
قال
“إن مرتبي وصل في ميعاده.”
ابتسمت.
قلت
“ده شغلي.”
قال
“بس أنا عرفت بعد اللي حصل إن المرتب بالنسبة لك مش رقم.”
سكت.
قال
“ده بيت كامل مستنيه.”
الجملة دي فضلت في دماغي.
لأن ده كان أصل الحكاية كلها.
محمود شاف المرتبات أرقام.
مريم شافتها خلايا في جدول.
أما أنا
فكنت شايف ورا كل رقم بيت.
أب.
أم.
طفل.
قسط.
إيجار.
علاج.
مدرسة.
ومصاريف بيت كامل.
وعشان كده
لما قالوا لي يوم الجمعة
“انتهى.”
ابتسمت.
مش عشان كنت مستني فشلهم.
لكن عشان كنت عارف إن شغلي أكبر من شخص.
وأصعب من جدول.
وأهم من غرور مدير.
بعد سنة
كنت في نفس الشركة.
لكن المنصب اتغير.
بقيت مسؤول عن تطوير منظومة المرتبات على مستوى كل الفروع.
وفي أول اجتماع للموظفين الجدد
سألني واحد منهم
“إيه أهم نصيحة في الشغل ده؟”
بصيت له.
وقلت
“ماتستهونش بحاجة.”
قال
“حتى لو كانت مجرد خانة في ملف؟”
ابتسمت.
“خصوصًا لو كانت خانة في ملف.”
ضحكوا.
قلت
“لأن غلطة صغيرة في خانة واحدة ممكن توقف مرتب إنسان.”
وسكت شوية.
وبعدين قلت
“واللي ماسك أرقام الناس لازم يفتكر إن ورا كل رقم حياة كاملة.”
بعد الاجتماع
رجعت مكتبي.
فتحت الدرج.
ولقيت الكارت القديم اللي كان محمود طلب مني أسلمه.
كلمة المرور القديمة.
احتفظت بيه وقتها من غير ما أستخدمه.
بصيت له.
وبعدين قطعته.
ورميته.
لأن النظام اتغير.
والناس اتعلمت.
وأنا كمان اتعلمت.
اتعلمت إن الإنسان ممكن يخسر وظيفته في دقيقة.
لكن ممكن يكسب احترام الناس في سنين.
وإن اللي يفتكر إن منصبه أكبر من الناس
غالبًا بينسى إن المنصب نفسه مؤقت.
لكن السمعة
هي اللي بتفضل.
أما جملة محمود الأخيرة
“أنا كنت فاكر إنك مجرد موظف قديم.”
فضلت فاكرها.
لأنها كانت أكتر جملة اختصرت كل اللي حصل.
هو شافني موظف.
لكن الشركة اكتشفت إني كنت شايل نظام كامل على كتفي.
هو شافني تكلفة.
لكن آلاف الموظفين كانوا شايفيني الشخص اللي بيرد على مشاكلهم حتى بعد نص الليل.
هو شافني سهل الاستبدال.
لكن أول يوم حاولوا يستبدلوني
اكتشفوا إن الخبرة اللي استغرق بناؤها عشر سنين
مش بتتنقل في ملف إكسل.
ولا بتتكتب في سطر.
ولا بتتنسخ بزرار.
وفي النهاية
أنا ما انتقمتش من محمود.
ولا طلبت منه يعتذر.
ولا فرحت إنه خسر منصبه.
لأن الحقيقة كانت أقوى من أي انتقام.
هو اتخذ قراراته.
والقرارات ظهرت نتائجها.
أما أنا
فكملت حياتي.
وفي يوم من الأيام
وأنا خارج من الشركة
لقيت عامل كبير في السن مستنيني عند الباب.
قال
“يا أستاذ إبراهيم.”
قلت
“أيوه.”
مد إيده وسلم عليا.
وقال
“ربنا يكرمك.”
قلت
“خير؟”
قال
“ابني بدأ شغل هنا الأسبوع اللي فات.”
ابتسمت.
“مبروك.”
قال
“قلت له لو قابل إبراهيم في الشركة قوله إن أبوك بيسلم عليك.”
ضحكت.
وقلت
“وصله السلام.”
مشيت ناحية عربيتي.
وقبل ما أركب
بصيت على مبنى الشركة.
افتكرت يوم الجمعة.
افتكرت الكرتونة.
افتكرت محمود وهو بيقول
“انتهى.”
وابتسمت.
لأن بعض النهايات
بتطلع مجرد بداية.
ويوم الاتنين
اللي محمود كان فاكره أول يوم من غير إبراهيم
طلع في الحقيقة
أول يوم الشركة تعرف فيه قيمة إبراهيم.
وأول يوم 12 ألف موظف يعرفوا
إن المرتب اللي بينزل على حسابهم
مش مجرد رقم.
ده تعبهم.
وده حقهم.
وده أمان بيوتهم.
وعشان كده
من يومها
أي حد جديد كان بيدخل إدارة المرتبات
كان بيقرأ أول صفحة في دليل العمل.
وكان مكتوب فيها بخط كبير:
“قبل ما تبص على الرقم
افتكر الإنسان اللي مستنيه.”
وده كان الدرس الوحيد اللي ماقدرش أي جدول إكسل يعلّمه.#حصرياً

تعليقات
إرسال تعليق