القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سكريبت جوزي وصاحبتي كامله حكايات انجى الخطيب

 سكريبت جوزي وصاحبتي كامله حكايات انجى الخطيب



سكريبت جوزي وصاحبتي كامله حكايات انجى الخطيب


ليلة ما دخلت أوضتي ولقيت جوزي في سريري مع الست اللي كنت بعتبرها أختي وصاحبتي من أكتر من عشرين سنة، ماصرختش، وماعيطتش، وماسألتش أي واحد فيهم عملوا كده ليه.

أنا بس خرجت من الأوضة بهدوء، وروحت ناحية الجزامة اللي جنب باب الشقة، وخدت الشومة اللي كانت متعلقة هناك، ورجعت تاني.

لحد النهارده، وبعد تلات سنين، لسه فاكرة شكل الرعب اللي ظهر على وشهم أول ما شافوني داخلة عليهم بالشومة.

اسمي مريم عبدالسلام، واللي حصل الليلة دي كلفني تلات سنين من عمري.

ولما بوابة السجن اتفتحت أخيرًا وخرجت، كان شهر مارس، والجو لسه فيه نسمات باردة بتاعة آخر الشتا وأول الربيع.

وقفت بره البوابة أخد نفسي، وأنا مش مصدقة إني أخيرًا حرة.

رفعت عيني لقيت عربية واقفة على الناحية التانية من الطريق، وقدامها راجل ماسك بوكيه ورد عباد الشمس ضخم لدرجة إنه كان مغطي نص جسمه.

أول ما شافني، عينيه احمرت، ومشي ناحيتي بخطوات مترددة.

قال بصوت مبحوح:

“مريم…”

سكت لحظة، وبعدين كمل:

“أنا استنيتك كتير.”

ومد إيده بالورد ناحيتي.

“تعالي معايا… نروح بيتنا.”

الكلمتين دول هزوا حاجة جوايا عمري ما كنت متخيلة إنها لسه موجودة.

بس علشان تفهموا ليه كلامه كان ممكن يكسرني بالشكل ده، لازم نرجع لورا…

لـ17 ديسمبر 2021.

اليوم اللي كان المفروض يبقى تالت عيد جواز ليا أنا وجوزي كريم.

من الصبح، كنت في الشركة بتاعتي براجع حسابات السنة، ولحسن الحظ واحد من أكبر العملاء حوّل الدفعة بدري، فاضطريت ألغي اجتماع كان مقرر بعد الضهر.

وقتها افتكرت كريم.

بقاله حوالي ست شهور وهو كل شوية يتكلم عن ساعة غالية شافها وعجبته، وكل مرة كان بيقولها كأنه بيهزر:

“دي لو كانت معايا في إيدي هبقى مبسوط أوي.”

فقررت أعمله مفاجأة.

بعد ما خلصت شغلي، روحت مول كبير في مدينة نصر، ودخلت محل ساعات فخم، واشتريتله الساعة اللي كان نفسه فيها.

وأنا بدفع، البنت اللي في المحل بصت لخاتم جوازي وقالت بابتسامة:

“دي هدية مناسبة عيد جواز؟”

#انجي_الخطيب

ابتسمت وقلت:

“أيوه… تالت سنة النهارده.”

خرجت من المحل وأنا مبسوطة بشكل غريب.

وفي الطريق وأنا راجعة، وقفت عند محل ورد في مصر الجديدة، وفضلت أفكر أجيبله ورد كمان ولا لأ.

كنت حاسة إني أسعد واحدة في الدنيا.

وده أكتر جزء بيوجعني لما أفتكره.

إني كنت سعيدة فعلًا…

وماكنتش أعرف إن بعد ساعات قليلة حياتي كلها هتتقلب.

وصلت البيت قبل معادي المعتاد، وطلعت السلم بهدوء علشان أعمله مفاجأة.

فتحت باب الشقة بالمفتاح من غير ما أعمل صوت.

الشقة كانت ضلمة.

في الأول افتكرت إن كريم لسه بره.

حطيت علبة الساعة على الترابيزة، وفضلت أنادي عليه بصوت واطي:

“كريم؟”

مفيش رد.

وقبل ما أتحرك، سمعت صوت جاي من ناحية أوضة النوم.

وقفت مكاني.

جسمي كله اتشد.

قلبي بدأ يدق بسرعة، رغم إني لسه مش فاهمة في إيه.

يمكن عقلي ماكانش مستوعب…

بس إحساسي كان عارف.

مشيت ناحية الأوضة.

الباب كان موارب.

قربت منه…

وبصيت.

وفي اللحظة دي، حسيت كأن الدنيا كلها وقفت.

كريم كان جوه.

على سريرنا.

ومعه…

نهى.

أقرب واحدة ليا.

صاحبتي من أيام المدرسة.

الست اللي كنت بعتبرها أختي.

الست اللي كانت واقفة جنبي يوم فرحي، وكانت ماسكة إيدي وبتعيط وبتقولي:

“إنتي مش صاحبتي وبس يا مريم… إنتي أختي.”

أنا اللي وقفت جنبها لما مشروعها خسر.

وأنا اللي ساعدتها في مصاريف علاج أبوها لما دخل المستشفى.

وعمري ما حسيت إني عملت معاها حاجة تستاهل الشكر.

لكنها كانت واقفة دلوقتي قدامي…

في سريري…

مع جوزي.

نهى شافتني الأول.

شهقت وقامت تشد الملاية عليها بسرعة.

“مريم؟!”

أما كريم، فبدل ما يقوم مرعوب أو يحاول يعتذر، رفع راسه وبصلي بضيق.

وقال:

“إنتي مش قولتي إن عندك اجتماع لحد العصر؟”

الجملة دي كانت أقسى من اللي شوفته بعيني.

هو ماكانش مصدوم إني اكتشفت خيانته.

هو كان متضايق إني رجعت بدري…

وضبطته.

في اللحظة دي، كل حاجة جوايا سكتت.

لا صريخ.

لا عياط.

حتى دموعي اختفت.

لفيت وشي وخرجت من الأوضة.

مشيت لحد مدخل الشقة.

جنب الجزامة كانت الشومة متعلقة في مكانها.

وقفت قدامها ثواني.

مديت إيدي وخدتها.

ومن ورايا سمعت كريم بيقول بصوت متوتر:

“البسي هدومك بسرعة… هي شكلها فقدت عقلها.”

رجعت ناحية الأوضة.

نهى كانت بتحاول تلبس هدومها وإيديها بتترعش.

أول ما شافت الشومة في إيدي، وشها اصفر.

قربت مني وهي بتعيط:

“مريم بالله عليكي… اسمعيني بس.”

وبعدين قالت الجملة اللي وجعتني أكتر من أي حاجة:

“إحنا أخوات… سيبيني أشرحلك.”

أخوات؟

في ثانية واحدة، افتكرت كل حاجة.

افتكرت أيام المدرسة وإحنا بناكل ساندوتشات من نفس الكيس.

افتكرت فلوس كنت بسلفهالها لما كانت ظروفها صعبة.

افتكرت أبوها وهو في المستشفى، وأنا واقفة جنبها وبطمنها.

افتكرت يوم فرحي…

وهي حضناني وبتعيط، وبتوعدني إني هفضل أهم واحدة في حياتها.

بصيتلها فترة طويلة.

وبعدين وقفت قدامها مباشرة.

رفعت الشومة.

نهى صرخت:

“مريم… لأ!”

اللي حصل بعدها ماخدش غير كام دقيقة…

لكن الدقايق دي غيرت حياتنا إحنا التلاتة للأبد.

لما نزلت إيدي أخيرًا، كان كريم بيصرخ باسمي، ونهى واقعة على الأرض، وأنا واقفة مش قادرة أصدق اللي حصل.

في اللحظة دي فهمت حاجة واحدة…

إن حياتي القديمة انتهت.

وإن مفيش أي طريق أقدر أرجع منه وأعيش كأن حاجة ماحصلتش.

بصيت للتليفون اللي كان واقع على الترابيزة.

مديت إيدي وخدته بنفسي.

واتصلت بالشرطة.

قلت لهم عنواني بالتفصيل.

ولما الموظف سألني:

“إيه اللي حصل؟”

بصيت لكريم ونهى.

للشخصين اللي دمروا جوايا كل حاجة كنت مصدقاها عن الحب والصداقة والأمان.

وقلت بصوت هادي لدرجة إني أنا نفسي خفت منه:

“أنا مستنياكم… ابعتوا الشرطة.”

لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها…

إن اللي حصل في الشقة دي ماكانش نهاية الحكاية.

ده كان أول خيط في سر أكبر بكتير…

سر هعرف حقيقته بعد سنين، وهيخليني أسأل نفسي سؤال واحد:

هو أنا فعلًا خسرت تلات سنين من عمري بسبب اللي حصل في الليلة دي؟

ولا كان في حد تاني هو اللي رتب لكل حاجة من البداية؟

انجي_الخطيب

الموظف على الناحية التانية من الخط فضّل ساكت ثواني مش مستوعب الهدوء اللي بتكلم بيه، وقبل ما يلحق يسألني عن Details أكتر، نزلت التليفون على الترابيزة وحطيته جنب علبة الساعة الذهب المتربة.

كريم كان قاعد على جنب ماسك دراعه وبينزف، وعينيه طايرة في الأوضة كأنه بيدور على خروج من الكابوس ده، ونهى كانت حاطة إيدها على وشها ودموعها نازلة بمغص مكتوم، صوت شهقاتها كان الشيء الوحيد اللي بيقطع السكون اللي ساد الشقة.

أنا ما تحركتش من مكاني. فضلت واقفة بصلهم كأني بصل لتماثيل شمع دايبة. مفيش في قلبي غل، ولا حتى كره… كان فيه فراغ تام، زي أرض محروقة مفيش فيها أمل إن زرع ينبت تاني.

صوت سرينة اليدو وهي بتقرب من الشارع كان أشبه بنغمة مألوفة، نغمة ختام الفصل الأول. الباب اتخبط بقوة، وكريم جرى بلهفة يرغي مع العساكر والأمين اللي دخلوا، يبكي ويدعي إنه كان بيدافع عن نفسه وإن أنا اللي هجمت عليهم بفجائية.

الأمين بصلي، شاف الشومة مرمية على الأرض، وشاف أثر الدم، وبص للهدوء الغريب اللي كان على وشي. قرب مني وقال بثقل:

“تعالي معانا يا مدام من غير شوشرة.”

ما قاومتوش. مدّيت إيدي للكلابشات بمنتهى الاستسلام. وأنا طالعة من باب الشقة، لفيت وشي بصة أخيرة، لقيت كريم بيبصلي بنظرة مافيهاش أي ندم، كان فيها حاجة تانية خالص… كان فيها راحة، كأنه كان مستني اللحظة دي بفارغ الصبر.

عدت السنين، وجت لحظة الخروج اللي أنا واقفة فيها دلوقتي قدام السجن، والراجل اللي ماسك ورد عباد الشمس واقف قدامي عيونه مليانة دموع متجمعة.

“مريم… تعالي معايا… نروح بيتنا.”

قربت منه خطوتين، الريح الباردة خبطت في وشي، وبصيت للورد اللي في إيده، وبعدين رفعت عيني لوشه مباشرة.

“بيت مين يا طارق؟”

طارق… محامي الشركة بتاعتي، والصديق المقرب لكريم من أيام الكلية، الراجل اللي كان ماسك كل قضاياي ومتابعة حساباتي طول التلات سنين اللي فاتوا وأنا ورا القضبان.

طارق بلع ريقه وصوته اتهز وهو بيقول:

“بيتك يا مريم… أنا جهزت كل حاجة، كل الورق اللي يضمن حقك، وكل الحسابات اللي اتجمدت.. أنا استنيتك عشان أصلح اللي غيري دمره.”

مسكت العود بتاع ورده واحدة من البوكيه، وبصيتله بتركيز:

“أنا في السجن كان عندي وقت طويل أوي أفكر يا طارق.. أفكر في كل التفاصيل الصغيرة. افتكرت الاجتماع اللي اتلغى فجأة يوم 17 ديسمبر.. الاجتماع اللي إنت بنفسك اتصلت بيا الصبح وقبل ما أطلع الشركة قلتلي إن العميل حوّل الفلوس ومش محتاج نقعد معاه.”

وش طارق بدأ يتغير، والابتسامة المترددة اللي كانت على شفايفه اختفت كأنها ما كانتش.

كملت وأنا حاطة عيني في عينيه:

“ساعتها افتكرتك بتخدمني وتوفر عليا وقت.. بس لما قعدت في زنزانتي وجالي المحامي الثاني اللي عينته من وراك وشوفت كشوفات الحسابات اللي اتسحبت كلها ليلة ما أنا اتقبض عليا.. فهمت. إنت ماكنتش بتوفر عليا وقت.. إنت كنت بتتأكد إن مريم هترجع البيت بدري وتشوف الخيانة بعينيها.. إنت اللي أخرت كريم في البيت، وإنت اللي زقيت نهى، عشان عارف إني مش هسكت، وعارف إني لما أدخل السجن، الشغل والشركات والأصول كلها هتتحول لإدارتك إنت وكريم مناصفة.”

طارق نزل إيده بالورد شوية، وعينيه وسعت برعب مش مصدق إن كل حاجة انكشفت.

قربت منه أكتر لحد ما بقيت على بعد سنتيمترات من وشي، وقلتله بصوت واطي ومستقر كأن ألم التلات سنين كله تحول لحديد:

“أنا ما خسرتش تلات سنين يا طارق.. أنا اشتريت بالثلاث سنين دول حريتي منكم كلكم.. والنهارده، اللعبة اللي إنت وكريم بدأتوها، أنا اللي هقفلها.”


طارق سكت خالص، إيده اللي ماسكة الورد بدأت تترعش، والوردة اللي كنت ماسكاها اتفركت بين صوابعي ووقع ورقها الأصفر على الأرض الترابية.

“مريم… إنتي فاهمة غلط…”

صوته طلع واطي ومكسور، بس ماكانش فيه نقطة صدق واحدة.

ابتسمت ابتسامة باردة، ومشيت من جنبه بخطوات هادية ناحية العربية. فتحت الباب المالي جنب السواق وقعدت، وبصيتله من الشباك:

“اركب يا طارق… مش بتقول نروح بيتنا؟ يلا عشان نوصل.”

ركب جنب الشباك التاني وهو ساكت تمامًا، حط بوكيه الورد على الكنبة المقلوبة ورا، وطول السكة كان بيبصلي من مراية العربية بجزع. أنا ما بصيتش ورايا ولا مرة. كنت بفرج عيني على الشوارع، على المباني، على الناس اللي ماشية طبيعي كأن الزمن ما وقفش عند حد يوم 17 ديسمبر.

العربية وقفت قدام العمارة اللي فيها الشقة القديمة. الشارع هو هو، بس كل حاجة جوايا أنا كانت اتغيرت.

طلعت السلم، وطارق طالع ورايا بيتنفس بصعوبة. وقفت قدام الباب، حطيت إيدي على الأوكرة، وفتحت.

الشقة ماكنتش مهجورة زي ما كنت متوقعة. كان فيه ريحة سجاير طالعة من جوة، وصوت تلفزيون شغال بصوت واطي.

أول ما خطيت جوة، الصوت سكت.

كريم كان قاعد على الترابيزة، قدامه أوراق وملفات مفتوحة، وفي إيده كاس. أول ما شافني واقفة قدامه، إيده اتجمدت في الهواء. كَبَر ثلاث سنين كاملين، شعره شاب، والندبة القديمة بتاعة الشومة كانت واضحة على دراعه.

بص لطارق اللي واقف ورايا، وبعدين بصلي وقال بصوت مبحوح:

“مريم…”

“رجعت يا كريم…” قلتها وأنا بقفل الباب ورايا بالراحة. “رجعت عشان أخد الهدية اللي نسيتها يوم عيد جوازنا التالت.”

كريم قام من مكانه ببطء، عينيه بتروح بيني وبين طارق:

“إيه اللي جابك هنا؟ طارق… إنت مش قلت إنك هتستناها وتوديها الشقة الجديدة لحد ما نخلص نقل الأسهم؟”

طارق بلع ريقه وما نطقش.

أنا مشيت بخطوات ثابتة ناحية الترابيزة، مسكت ملف من الملفات المفتوحة وقريت العنوان اللي عليه. كان تنازل عن باقي أصول الشركة باسم شركة أوفشور مسجلة بره مصر… باسم طارق وكريم.

“كنتوا فاكرين إن السجن بيقفل العقل؟”

رميت الملف على الترابيزة وبصيت لكريم في عينيه مباشرة:

“إنت بعتني عشان فلوس ورغبة رخيصة… وهو باعك إنت كمان يا كريم. طارق كان بياخد نسبي ونسبتك طول التلات سنين اللي فاتوا، والحساب اللي إنت فاكر إنه باسمكم أنتوا الاتنين، طارق حوله الأسبوع اللي فات باسمه هو لوحده… برقم سري إنت بنفسك عملتله توقيع تفويض عليه وأنت سكران.”

كريم وشها ابيض، وبص لطارق بذهول:

“طارق؟ الكلام ده صح؟”

طارق رجع خطوة لورا ناحية الباب، بس قبل ما يلحق يفتحه، صوت جرس الباب رن. رنة منتظمة وثقيلة.

فتحت الباب بنفسي.

كان واقف بره اتنين برتب عالية من مباحث الأموال العامة، ومعاهم القوة بتاعتهم.

الباشا بصلي وقال:

“مدام مريم عبدالسلام؟”

“أيوه يا فندم.”

بص لطارق وكريم وقال بلهجة حاسمة:

“طارق المحامي وكريم… مطلوب القبض عليكم بتهمة التزوير، والاستيلاء على أموال شركات، وغسيل أموال بناءً على البلاغ والمستندات المقدمة للنيابة العامة.”

كريم انهار على الكنبة وهو مش مصدق، وطارق حاول يتكلم بس العساكر كانوا أسرع منه وحطوا الكلابشات في إيديه.

أنا فضلت واقفة في نص الصالة، بصلهم وهما بيتاخدوا واحد ورا التاني.

لما الباب اتأفل وراهم والشقة فضيت، السكون رجع تاني… بس المرة دي ما كانش فيه رعب، ولا خيانة، ولا قهر.

مشيت ناحية الجزامة اللي جنب الباب. مكان الشومة كان فاضي، بس علبة الساعة الذهب القديمة كانت لسه مركونة فوق الترابيزة، مغطاة بتراب السنين.

مسكت العلبة، فتحتها، وطلعت الساعة. حطيتها في إيدي، وبصيت للعقارب وهي بتتحرك بثبات.

الزمن ما وقفش… هو بس كان مستنيني أرجع أظبطه من جديد.


مسحت التراب عن وش الساعة بطرف كم بلوزتي، وبصيت فيها بتركيز. دقات العقارب الناعمة كانت الصوت الوحيد اللي مالي الشقة الفاضية، كأنها بتعد أول ثواني في حياتي الحقيقية.

نزلت السلم بخطوات متزنة، مش حاسة بعجل ولا خافقة من حاجة. لما خرجت الشارع، الشمس كانت بدأت تغرب، والسما أخدت لون أورانج دافي. الجو البارد لمس وشي تاني، بس المرة دي ما حسيتش ببرودة، حسيت بفرق كبير بين هواء الشارع الناشف وهواء السجن اللي كان مكتوم بريحة الخوف والانتظار.

وقفت على أول الشارع ورفعت إيدي لأول عربية تاكسي معدية.

السواق بصلي في المراية وقال بابتسامة طيبة:

“على فين يا مدام؟”

سكت ثواني.. الكلمة نفسها كانت غريبة عليا. “على فين؟”.. بقالي تلات سنين ماليش الحق أختار أنا رايحة فين ولا جاية منين.

“على مصر الجديدة يا أسطى.. مول المحلاوي.”

وصلت هناك، ونزلت مشيت في الشوارع اللي حافظاها حارة حارة. دخلت مكتب محامي كبير، راجل عجوز شعره أبيض كأنه قطن، كان مستنيني في مكتبه المطل على الجاردن. الراجل ده هو اللي زارني في السجن من سنة، وهو اللي اشتغل في صمت على قضايا الفساد والتزوير اللي طارق وكريم افتكروا إنهم دفنوها.

أول ما دخلت، قام وقف ومد إيده بثبات:

“حمد الله على السلامة يا مريم.. حقك رجع بالكامل.”

حط قدامي على الترابيزة ملف أزرق ضخم فيه أوراق النيابة، وإفادات البنوك، والتحفظ على أموال طارق وكريم، وإعادة ملكية الشركة والمقر والمصنع باسمي أنا لوحدي.

“والقضايا التانية؟” سألته بصوت هادي.

الاستاذ جلال ابتسم ابتسامة هادية وقال:

“كريم وطارق قدامهم تهم تزوير واستيلاء وغسيل أموال، غير البلاغات القديمة اللي فتحناها.. مش هيشوفوا الشارع قبل عشر سنين على الأقل. أما بالنسبة لنهى…”

أول ما نطق اسمها، قلبي ما انقبضش زي زمان.

كمل كلامه:

“نهى لما عرفت إن طارق أخد الفلوس وهرب بيها بره قبل ما نلحقه، وإن كريم مابقاش حيلته حاجة، حاولت تضغط عليه بعقد شقة قديم، ودلوقتي هي مدانة في قضايا إيصالات أمانة مزورة كان طارق بيبتزها بيها.”

بصيت للأوراق اللي قدامي، مسكت القلم المذهب اللي كان محطوط على المكتب، ووقعت على استلام كل أصولي وشركاتي.

خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن جسمي خفيف كأني بتنفس لأول مرة من سنين. أخدت عربية وروحت على العمارة الجديدة اللي كنت شريتها من أرباح أقدم مشروع ليا قبل ما أتسجن، شقة محدش يعرف عنها حاجة غيري.

فتحت الباب، وشغلت النور. المكان كان هادي، ريحة الدهان الجديد والمفروشات النظيفة كانت بتملى المكان.

مشيت ناحية البلكونة وفتحتها على وسعها، دخل الهواء البارد بتاع الليل يطير طرطشة الستائر البيضا.

مسكت التليفون الجديد اللي اشتريته وأنا في الطريق، وفتحت كشف الحساب البنكي اللي وصلني رسالة بيه.. الأرقام كانت موجودة، الشركة شغالة، واسمي راجع يلمع في السوق من تاني.

بس أهم من الفلوس والشركة، إني وقفت قدام مراية الصالة المذهبة، وبصيت لوشي.

الخطوط التعبانة اللي كانت تحت عيني اختفت، وملامحي المكسورة بتاعة ليلة 17 ديسمبر ما بقاش ليها أثر. اللي واقفة قدامي دلوقتي مش مريم الضحية، ولا مريم المخدوعة.. دي مريم اللي دفعت التمن كاش، ورجعت تاخد حسابها بالمليم.

ابتسمت للمراية، وقفلت البلكونة، وقعدت على الكنبة وأنا بحط رجل على رجل وبشرب كباية شاي سخنة في هدوء تام.. هدوء مافيهوش خيانة، ومافيهوش خوف، ومافيهوش حد يقدر يكسرني تاني.


النور بدأ يرجع للشقة بالتدريج مع أول خيوط الفجر، وشمس الشتا الباردة قطعت الضباب الدافي اللي كان على زجاج البلكونة.

قمت من على الكنبة ببطء، حطيت كباية الشاي الفاضية في الحوض، وتلفوني رن. بصيت على الشاشة… كان رقم غريب مش مسجل عندي.

رديت بصوت متزن:

“أيوة؟”

جه الصوت من الناحية التانية، متقطع ومصحوب بنشيج مكتوم، صوت ضعيف وطالع بالعافية، بس مألوف لدرجة خلّت جسمي يقشعر ثانية واحدة قبل ما أرجع لثباتي:

“مريم… أنا نهى.”

سكت وما ردتش. سبتها تسمع صوت أنفاسي الهادية.

كملت وهي بتتكلم بسرعة ولهفة كأنها خايفة أقفل السكة في وشها:

“مريم أنا عارفة إني مالياش عين أكلمك… وعارفة إنك مش هسامحيني… بس والله العظيم طارق وكريم ضحكوا عليا، طارق استغل إن عليا شيكات ومصنع أبويا المديون وهددني بيهم… كريم هو اللي أصر ناكل حقك… أنا محبوسة في قسم قصر النيل بتهمة شيكات مزورة طارق لبسهالي… المحامي قاللي إنك الوحيدة اللي تقدري تتنازلي عن البلاغ المباشر وتنقذيني… أنا بموت يا مريم… أرجوكي!”

وقفت قدام الشباك وبصيت على الشارع من فوق. حركة العربيات كانت بدأت تزيد، والناس رايحة شغلها طبيعي.

قلت ببرود أبرد من هواء الصبح:

“نهى… فاكرة لما دخلت عليكي الأوضة ليلة 17 ديسمبر وقربتي مني وقلتيلي ‘إحنا أخوات’؟”

صوت عياطها زاد:

“فاكرة… والله فاكرة…”

“أنا يومها ما سمعتكيش عشان الشومة كانت في إيدي… بس التلات سنين اللي قضيتهم في السجن علموني أسمع كويس.”

سكت لحظة، وبعدين كملت بنبرة هادية ومستقرة:

“الأخت ما بتسرقش جوز أختها، والصاحبة ما بتنهبش شقا عمر صاحبتها لما تقع. إنتي مش مظلومة يا نهى… إنتي بس طمعتي، ولما الكيكة صغرت، أصحابك أدوكي بالقلم على وشك. أنا مش هجي أتنازل… ومش هسحب ولا قضية… كل قرش وكل ليلة قضيتها في الضلمة، هتدفعوا تمنها بالقانون.”

وقبل ما تنطق بأي كلمة تانية، قفلت السكة في وشها، وعملت للرقم بلوك.

مسكت شنطتي، ولبست جاكيت الأسود الطويل، وخرجت من الشقة.

نزلتي الشارع المرة دي كانت مختلفة. المشية بقت أسرع، والنظرة بقت أثبت. ركبت عربيتي الجديدة اللي المحامي جابهالي الشقة الصبح مع الأوراق، ومشيت بيها في اتجاه مقر الشركة في التجمع الخامس.

أول ما دخلت المبنى الفخم، موظفين الأستقبال وقفوا بذهول، والنظرات كانت بين مصدوم ومش مصدق.

مدير الأمن جرى عليا وهو بيبلع ريقه:

“مدام مريم… حمد الله على السلامة يا فندم!”

ابتسمتله ابتسامة صغيرة مشيت بيها ناحية الأسانسير:

“الله يسلمك يا عم حسين… اجمعلي مدراء الأقسام كلهم في قاعة الاجتماعات الرئيسية… بعد عشر دقايق بالظبط.”

طلعت الدور الأخير، ودخلت مكتبي الكبير. كان زي ما هو، بنفس خشبه الأبنوس ورسمة اللوحة المعلقة على الحيطة، بس الشاشات والأوراق المرمية كانت بتدل على العشوائية اللي سابها طارق وكريم وراهم.

قعدت على كرسي الجلد الفخم، وفتحت المكروباد بتاع المكتب، وشغلت النور.

عشر دقايق بالظبط، والباب اتفتح ودخل مدراء الأقسام ورا بعض، خايفين ومترددين، مش عارفين المستقبل فيه إيه بعد ما الملاك القدامى اتقبض عليهم ليلة امبارح.

بصلتهم واحد واحد، وقلت بصوت حاسم ورنان مالي القاعة:

“من النهاردة… الشركة دي ملهاش غير مالك واحد، ومدير واحد… أنا. كل العقود اللي اتوقعت في غيابي هتتراجع، وكل الحسابات هتتقفل، واللي ليه حق عندي هياخده… واللي فاكر إن الشركة كانت سايبة، يجهز استقالته من دلوقتي.”

سكتوا كلهم، ومفيش حد أتجشأ ينطق بحرف، قبل ما مدير المبيعات ينحني باحترام ويقول:

“تحت أمرك يا فندم… جاهزين لنقطة ومن أول السطر.”

سندت ظهري على الكرسي، وبصيت من شباك المكتب الزجاجي على السحاب الماشي في السما.

الحكاية اللي بدأت بخيانة في غرفة نوم، ودم على أرضية الشقة، وتلات سنين ورا القضبان… انتهت النهاردة. مش بالانتقام الدموي ولا بالصريخ… انتهت لما كل واحد رجع لمكانه الطبيعي: هما ورا الحديد… وأنا هنا، على قمة شغلي وحياتي من جديد.


الشهور عدت بعد اليوم ده زي المية اللي بتجري في النهر بسرعة، من غير ما تسيب وراها غير الأثر الطسيب.

الشركة رجعت لوضعها الطبيعي، وأحسن كمان. العقود الجديدة اللي وقعتها كانت أضعاف اللي فات، واسمي في السوق بقى يتقال معاه ألف حساب. ما بقيتش مريم الهادية اللي بتعدي وتفوت… بقيت مريم اللي الكل عارف إن ضربتها بالقانون والقلم، وما بترحمش.

في يوم في نص شهر نوفمبر، كنت قاعدة في مكتبي براجع التقرير السنوي، والتليفون الأرضي رن.

كان الأستاذ جلال المحامي.

“مساء الخير يا مريم يا بنتي.”

“مساء النور يا أستاذ جلال… خير؟”

“الجلسة المجمعة بتاعة كريم وطارق ونهى اتحددت، والحكم الصادر من المحكمة اتصدق عليه خلاص.”

سندت ضهري على الكرسي، وبصيت للشاشة:

“يا ترى أخدوا إيه؟”

صوت الأستاذ جلال كان فيه نبرة ارتياح ثقيلة:

“طارق أخد 12 سنة مع الشغل والنفاذ بتهم التزوير والاستيلاء وغسيل الأموال ورد المبالغ المنهوبة بالكامل… كريم أخد 7 سنين مشاركة وتزوير… ونهى أخدت 3 سنين في قضايا الشيكات وإيصالات الأمانة، والمحكمة رفضت كل طعونهم.”

سكت ثواني. التلات سنين اللي أخدتهم نهى كانوا بالظبط نفس التلات سنين اللي أنا قضيتهم في السجن بسببها وبسبب كريم.

عدالة القدر ساعات بتكون دقيقة لدرجة تخوف.

“ومحدش فيهم طلب يعرض تسوية تاني؟” سألته.

ضحك الأستاذ جلال بصوت واطي:

“كريم حاول يبعتلك جواب مع المحامي بتاعه بيترجاكي تفيقي دينه عشان ما يترماش في التخشيبة، وبيقولك إنه لسه بيحبك وإن طارق هو اللي ضحك عليه… أنا طبعًا رميت الجواب في الزبالة قدام المحامي بتاعه من غير ما أرجعلِك.”

“عملت الصح يا أستاذ جلال… كريم بالنسبة لي مات من ليلة 17 ديسمبر.”

قفلت المكالمة مع المحامي، وقمت وقفت قدام الشباك الكبير.

الليل كان نزل على القليوبية والقاهرة، والأضواء الملونة مالي الشوارع. فتحت شنطتي، وطلعت منها العلبة الصغيره اللي كانت فيها الساعة الذهب… الساعة اللي اشتريتهاله يوم عيد جوازنا، واللي اتغطت بالتراب سنين.

مسكت علبة الساعة، ومشيت بيها لحد باسبور الزبالة المخصص للمكتب، ورميتها جواها بنفس الهدوء اللي خرجت بيه من شقتي ليلة الخيانة.

رميت أخر قطعة من الماضي… رميت الذكرى اللي كانت ممكن تفكرني بأي ضعف.

خرجت من المكتب، ونزلت السلم الرئيسي. الموظفين كانوا بيسلموا عليا باحترام وهما ماشيين، والابتسامة على وشوشهم صريحة مش مجاملة.

ركبت عربيتي، وشغلت الراديو على أغنية هادية، ومشت في الزحمة وأنا حاسة برائحة الأمان الحقيقي. الأمان اللي ما بيجيش من راجل، ولا من صاحبة، ولا من كلمة حلوة… الأمان اللي بنبنيه بإيدينا لما نعرف قيمتنا، ولما نسدد حسابنا مع الحياة بالكامل وما نسيبيش وراها ملّيم واحد لأي حد.

ابتسمت للنور الأخضر اللي فتح قدامي على الطريق، ودست بنزين… وأنا متأكدة إن اللي جاي في حياتي مش مجرد بداية جديدة، ده كان الانتصار الأخير.


تمت


تعليقات