القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

روايه سوار جهنم الفصل الخامس عشر 15بقلم الكاتبه فريده الحلواني

 

روايه سوار جهنم الفصل الخامس عشر 15بقلم الكاتبه فريده الحلواني




روايه سوار جهنم الفصل الخامس عشر 15بقلم الكاتبه فريده الحلواني


رواية سوار جهنم الفصل الخامس عشر بقلم الكاتبة فريدة الحلواني فقط وحصريا 

.الفصل الخامس عشر

صباحك بيضحك يا قلب فريده

 ستنا مريم كانت حامل وجالها المخاض لوحدها مكنتش قادرة تتحرك من مكانها بس ربنا أمرها تهز جزع الشجرة عشان البلح ينزلها... هل هي تقدر تعمل ده لا طبعًا بس الفكرة انها تلمسها بس... تاخد بالاسباب


 والباقي كله على ربنا 


انتي كمان خدي اول خطوة بس والباقي هيكون كله جبر و عوض... أنا واثقة 


وبحبك.

في السابعة صباحًا كانت شمس الإسكندرية قد بدأت تتسلل بين أشجار الفيلا حين جلست سيلا 


على طاولة الإفطار في الحديقة الخلفية


وضعت غالية أمامها كوب الشاي باللبن ثم جلست قبالتها ونظرت إلى وجهها بتركيز دون أن تتفوّه بحرف واحد


كانت سيلا قد غسلت وجهها ثلاث مرات ووضعت قليلًا من الكحل لتخفي الانتفاخ... لكنها كانت تعرف أن أمها ترى من خلال أي شيء


قالت غالية بهدوء وهي تقلب السكر في كوبها:


– إنتي معيطة؟


– لأ يا لولو... منمتش كويس بس


– سيلا... أنا امك لو مش أخده بالك


 أنا عارفة شكل عينك لما تعيطي وشكلها لما متناميش


 ودي عين واحدة عيطت لحد ما نامت من التعب.


لم ترد سيلا فقد انفتح باب الفيلا الخلفي وخرج نوح يجري بشنطة المدرسة على كتف واحد 


قميصه نصفه خارج البنطلون وفي يده سندوتش يأكله وهو يجري:


– صباح الخير يا سيلا... صباح الخير يا ماما... أنا اتأخرت


– اقعد افطر زي البني آدمين يا نوح


– مفيش وقت... عندي امتحان ساينس والمستر قال 


اللي هيتأخر هيقف جنب البورد... والوقوف جنب البورد ده ذل يا ماما


ضحكت سيلا رغمًا عنها فوقف نوح فجأة ونظر إليها وقال بجدية مضحكة:


– إنتي معيطة


– إنت كمان يا نوح


– عيونك حمرا زي الأرانب... هو معاذ زعلك؟


 أنا هكلمه وأقوله


– لأ يا حبيبي محدش زعّلني


 روح امتحانك بقى عشان متقفش جنب البورد


جرى نوح نحو البوابة فاصطدم في طريقه بأبيه الخارج من الجراج فأمسكه حسن من ياقة قميصه وأدخل القميص في البنطلون بحركة واحدة ثم قال:


– عشان تبقى راجل محترم قُدام المستر


– يا بابا متأخر


– متأخر بس محترم... يلا.

ابتعد نوح ووقف حسن لحظة يتابعه حتى خرج من البوابة إلى السيارة التي تنتظره


ثم ظلت عيناه معلقتين بالشارع وبدأ يتحدث بهمس:


- الراجل اللي بيبيع ترمس على العربية قدام البوابةبقاله يومين في نفس المكان


بس النهارده في واحد تاني... قاعد في عربية سودا آخر الشارع والإزاز نصه مفتوح ومش بينزل منها


عاد حسن إلى الطاولة بخطوات هادئة جلس بجوار غالية أخذ قطعة خبز وقال بصوت عادي جدا:


– سيلا... متخرجيش لوحدك الأيام دي


رفعت عينيها إليه بسرعة فأكمل وهو يغمس الخبز في الفول:


– ولا تقفي في البلكونة كتير... الشمس مضره للبشرة


نظرت إليه غالية ثم إلى سيلا ثم عادت إليه وقالت:


– حسن... الشمس مضره للبشرة ؟!


– آه


– من إمتى وإنت بتعرف حاجة عن البشرة


– من ساعة ما اتجوزت ست بشرتها حلوة بخاف عليها


ابتسمت غالية لكن عينيها لم تبتسم


مدت يدها تحت الطاولة وأمسكت يده فضغط على أصابعها ضغطة صغيرة تعرف معناها جيدًا


ضغطة قالت لها... مش دلوقت.


بعد أن دخلت سيلا لتصلي الضحى بقيت غالية وحسن في الحديقة


قالت دون أن تنظر إليه:


– في حد برا؟


- في ناس بره البيت ملاحظهم بقالي يومين 


– حسن...


التفت إليها ووضع يده على خدها وقال بهدوء:


– غالية... إنتي فاكرة أول سنة اتجوزنا فيها


 لما الدنيا كلها كانت ضدنا والناس بتتكلم


 وأنا وإنتي وعيالنا في البيت ده لوحدنا؟


– فاكرة


– فاكرة كنت بقولك إيه كل ليلة؟


تنهدت وقالت بصوت منخفض:


– متخافيش طول ما أنا موجود


– ولسه موجود يا غالية


 مسح على خدها بإبهامه وأكمل:


– ابني راجل... وبنتك أشجع منه


 البيت ده مش هيدخله حد غير اللي إحنا عايزينه


نظرت إليه لحظة ثم أسندت رأسها إلى كتفه وقالت:


– أنا بكرهك لما تتكلم كده


– ليه؟


– عشان بحبك أكتر وأنا مش عايزة أحبك أكتر من كده... قلبي مش مستحمل


ضحك ضحكة خافتة ثم قبّل رأسها وقال:


– قلبك ده أنا جواه... يعني يستحمل أي حاجة.




لم يكد حسن ينهي جملته حتى انفتحت البوابة الحديدية ودخلت سيارة رمادية توقفت أمام الجراج


نزلت منها آسيا في يدها علبة حلويات وخلفها ياسين يحمل صينية بسبوسة قالت بصوت عالي:


– صباح الخير يا بابا... صباح الخير يا غالية إحنا جايين نفطر معاكم


ضحك حسن وقال:


– إنتو جايين تفطروا الساعة تسعة يا آسيا... ده الفطار خلص


– ياسين قال نعدي عليكم قبل الشغل... بس هو قاعد


 يقول من امبارح إنه نفسه في فول غالية


– أنا قولت كده مرة واحدة يا آسيا


– قولتها تلات مرات يا ياسين


جلس ياسين بجوار عمه وأخذ رغيفًا ثم مال عليه وقال بصوت منخفض:


– عمي... العربية السودا اللي في آخر الشارع دي بتاعة مين؟


نظر إليه حسن بطرف عينه وقال:


– إنت شوفتها؟


– أنا شايفها من امبارح وأنا معدي بالليل... وكان فيها نفس الراجل


– كُل فولك يا ياسين


– يا عمي...


– كل فولك... واعمل حسابك انكم هتقعدو معانا شويه


انا من الأول مكنتش حابب تتجوزوا وتعيشوا بعيد عننا... بس تمام ملحوقة


قبل أن يرُد ياسين انفتح باب الفيلا ونزل محمد السلم بخطوات سريعة شعره مبلول وفي يده مفتاح العربية:


– صباح الخير يا جماعة... أنا نازل


خرجت سيلا من الداخل في اللحظة نفسها ونظرت إليه من فوق إلى تحت وقالت بحدة:


– نازل فين بالتيشيرت ده يا محمد؟


– رايح الشغل يا سيلا


– بالتيشيرت المقطع ده؟!


– ده مش مقطع ده موضة


– موضة إيه يا حبيبي... ده لو معاذ شافك بيه هيقطعهولك على جسمك


وبعدين إنت ليه مبتردش على رسايلي من امبارح


اقترب منها محمد وقال بخبث:


– عشان بتبعتيلي رسايل كلها زعيق... وأنا قلبي رقيق مستحملش


– قلبك رقيق... ده إنت قلبك حجر


– طيب خلاص... هبعت لمعاذ أقوله إنك بتعامليني وحش وهو مش هنا


توقفت سيلا فجأة ونظرت إليه نظرة فهمها هو وحده


خفض محمد صوته وقال بجدية مفاجئة:


– أنا عارف كل حاجه  يا سيلا... معاذ قالّي


متخافيش... أنا هنا


لم ترُد... لكنها مدت يدها وعدلت ياقة التيشيرت المقطع وقالت بصوت أهدأ:


– ارجع بدري


– حاضر يا سيلا هانم


خرج محمد بسيارته من البوابة... وحين مر بجوار السيارة السوداء أبطأ قليلا نظر إلى الرجل الجالس فيها  ثم أكمل طريقه


ومن خلف ستارة غرفتها رأت سيلا الرجل في السيارة يرفع هاتفه إلى أذنه:


ألقت بصرها نحو عائلتها التي تجلس في الحديقة


ثم رفعت عينيها إلى السيارة السوداء في آخر الشارع


أغلقت الستارة ببطء امسكت المسبحة جلست على سجادتها وقالت بهمس:


– يا رب رجعهولي... وخليني افضل شجاعة لحد ما يرجع.




في السادسة صباحًا بتوقيت نيويورك انفتح باب غرفة ياسر بعنف


دخل فيكتور معه رجلان وطبيب أمريكي عجوز يبدو عليه الضيق


قال فيكتور بهدوء:


– صباح الخير يا عقرب... ستخرج الآن


– الدكتور قال لسه أسبوع


– الدكتور قال أسبوع في المستشفى... أو أسبوع في بيت فيه طبيب


 والسيد إيفان اختار البيت


نظر الطبيب إلى ياسر نظرة اعتذار صامتة ثم بدأ يفك المحلول من يده


ألقى فيكتور على الفراش كيسًا فيه قميص أسود وبنطال من نفس اللون ثم قال:


– ارتدي هذا ... أمامك عشر دقائق


حين خرج الجميع ليتركوه يغير ملابسه مد ياسر يده إلى أذنه ونزع السماعة الصغيرة


نظر إليها في كفه لحظة


كان يعرف أنهم سيفتشونه قبل أن يدخل بيت إيفان... وكان يعرف أنه بعد هذه اللحظة لن يسمع صوت راغب


وضعها تحت لسانه وابتلع ريقه بصعوبة


بعد عشر دقائق خرج من الغرفة ذراعه مربوطة إلى صدره ووجهه لا يقول شيئًًا




في السابعة صباحًا دخل ممرض فلبيني نحيل بكمامة زرقاء غرفة ياسر يدفع عربته الصغيرة


وتوقف عند الباب


الفراش فارغ... الملاءات مطوية و المحلول مُلقى على الأرض


اقترب من الممرضة الجالسة عند الكاونتر وسألها بإنجليزية هادئة عن مريض الغرفة 412 فقالت دون أن ترفع عينيها:


– خرج الفجر... أهله أخذوه


عاد تميم إلى الممر بخطوات بطيئة حتى دخل دورة المياه وأغلق الباب خلفه أخرج هاتفه بيد ترتجف:


– معاذ... ياسر مش في الأوضة


– يعني إيه مش في الأوضة؟


– خدوه الفجر... والسماعة مش بترد.




في الشقة الآمنة نهض راغب من مقعده ببطء ألقى السيجارة في المنفضة وقال بصوت هادئ هدوءًا مخيفًا:


– يبجى خدوه بيت إيفان


 وفي بيت إيفان... محدش بيدخل غير اللي إيفان عايزه


نظر إليه أسر وقال بقلق:


– وإحنا هنعرف أخباره إزاي؟


– منك إنت يا ولد


– مني أنا


– النهارده الجمعة... أبوك رايح يتغدى عند عمك


 إيفان مش هيسيب سفيان يدخل بيت منصور من غير ما يبعت عينه


 والعين ديه هتبجى ياسر.




في الثانية ظهرًا كانت جودي تقف أمام المرآة في غرفتها في فستان أبيض بسيط بأكمام طويلة


لم تكن تريد أن تذهب... لكن أباها قال أن وجودها مُهم


مدت يدها إلى العلبة القطيفة الحمراء على التسريحة أخرجت منها السوار الذهبي القديم... سوار أمها


وضعته في معصمها وأغلقته ثم نظرت إليه 


منذ ليلة الفرح لم تلبسه... كانت تخاف أن ترى عليه الدم


لكن اليوم شعرت أنها تحتاج أمها في يدها




دق الباب ودخل سفيان ببدلة رمادية وقف خلفها ينظر إلى انعكاسها وقال بهدوء:


– لبستيه!


– حسيت إني محتاجاها النهارده يا بابا


وضع يديه على كتفيها وقال:


– اسمعيني يا جودي


 النهارده هتقعدي جنبي... متسيبيش إيدي


 أي حاجة عمك يقولها... تضحكي وتسكتي


– حضرتك قلقان من إيه؟


نظر إليها لحظة طويلة ثم قبًل رأسها وقال:


– أنا مش قلقان... أنا بس عايز أقعد مع أخويا وبنتي جنبي


 زي زمان.




في الصالة تحت كان أسر يقف عند الباب متجهما فاقترب منه سفيان وقال بصوت منخفض لم تسمعه جودي:


– لو فتحت بُؤك بكلمة واحدة النهارده... أنا اللي هقفلهولك


– بابا ده زوّر إمضتك وباع أختي!


– أنا عارف... وهقعد آكل من إيده وأضحك في وشه


 لأن إبنه في إيد ناس ممكن تقتله


 ولأن أختك اسمها مكتوب جنب إسم إبنه في ورقة


 والورقة دي مش هتتقطع غير لما أنا اللي أقطعها... فاهم؟


خفض أسر عينيه وقال:


– فاهم


أما فهد فكان يقف خلفهما يأكل تفاحة وقال بفَم ممتلئ:


– أنا مش فاهم حاجة بس أنا جعان... فهروح معاكم.


في القاهرة كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة مساء حين أغلق سالم الشريف هاتفه في مكتبه بفيلًا الشريف


ظل جالسا في الظلام لحظات ثم ضغط على زر صغير في هاتف المكتب وقال بصوت منخفض:


– عايز أربعة كمان في إسكندرية... الليلة


وعايز عيون على العربية السودا لحد ما أعرف صاحبها مين


بعد أن أغلق الهاتف انفتح الباب فجأة ودخلت سمر في يدها كوب ينسون ساخن وضعته أمامه ثم وقفت خلفه وضعت يديها على كتفيه وقالت بهدوء:


– إنت مبتنامش يا سالم؟


– هنام يا بابا


– إنت بتقولّي يا بابا لما تبقى عايز تقفل الكلام


ضحك ضحكة متعبة ثم أمسك يدها على كتفه وقبل باطنها وقال:


– انتي بتعرفي كل حاجة يا بابا؟


– عشان عايشة معاك أربعة وتلاتين سنة يا سالم


عارفة إن ابني مش في إسكندرية... وإن ياسر مش مسافر شغل


مش هسألك... بس قولي حاجة واحدة.


– قولي


– هيرجعوا؟


سكت سالم للحظات ثم سحبها برفق حتى جلست على ساقيه  أسند رأسه إلى صدرها كطفل وقال بصوت مبحوح:


– هيرجعوا يا بابا... أنا مش هسيبهم


مسحت سمر على شعره الأبيض بأصابعها وقالت بهمس:


– يبقى اشرب الينسون ونام


عشان لما يرجعوا يلاقوا أبوهم صاحي وفايق.




في الطابق الأسفل كانت سما تقف عند أول درجة من السلم


نظرت إليها للحظة... ثم تذكرت صوت ياسر وهو يقول:


- متقعديش على السلم تاني لوحدك


فعادت خطوة إلى الخلف ووقفت


خرج عدي من غرفة المعيشة ورآها فاقترب منها ولف ذراعه حول كتفها وقال:


– إيه يا بنتي... واقفة كده ليه؟


– ياسر قالّي مقعدش على السلم لوحدي


ابتسم عدي ابتسامة حزينة تشبه ابتسامة أخيه التوأم تمامًا وقال:


– طيب تعالي اقعدي معانا جوه... ضي عاملة كيكة


 بالشوكولاتة محروقة من تحت إنما إيه حاجة استغفر الله يعني


– سمعتك يا عدي


قالتها ضي من الداخل بصوت عالي فضحكت سما رغمًا عنها ودخلت معه


جلست سما على الكنبة وأخذت ضي قطعة كيك وضعتها في طبقها ثم جلست على الأرض عند قدمي عدي وأسندت رأسها إلى ركبته


مد عدي يده وبدأ يلعب في شعرها دون أن ينتبه وعيناه على التلفزيون المغلق:


قالت ضي بهمس:


– عدي


– نعم


– إنت مبتضحكش من أسبوع


– بضحك أهو


– دي مش ضحكتك... دي ضحكة واحد بيمثل إنه بيضحك


نزل عدي على الأرض بجوارها أخذ وجهها بين كفيه وقال بصوت منخفض:


– أنا بس محتاج أخويا يرجع يا ضي


أنا عمري ما افترقت عن تميم أكتر من أسبوع


أنا حاسس إن نصي مش هنا


– ونصك التاني؟


– نصي التاني قاعد قدامي ومش عايزه يعيط في الحمام تاني


نظرت إليه ضي وعيناها تمتلئان وقالت:


– إنت سمعتني؟


– أنا بسمع نفسك يا ضي... متعيطيش لوحدك تاني


لو عايزة تعيطي... عيطي هنا


وأشار إلى صدره فدفنت وجهها فيه


نظرت سما إليهما وابتسمت... ثم أكلت قطعة الكيك المحروقة كلها.




في العاشرة ليلًا في الإسكندرية كانت الفيلا قد هدأت


نام نوح على كتبه ودخلت سيلا غرفتها وأغلقت الباب... خرجت غالية إلى الشرفه الكبيرة المطلة على البحر فوجدت حسن هناك يقف في الظلام ينظر إلى الشارع


اقتربت منه ووضعت شالًا على كتفيه وقالت:


– الجو برد


– نفسك لسه أحلى من الهوا


– إنت بقيت شاعر النهارده


التفت إليها ولف الشال حولهما معا وقال:


– أنا مش شاعر يا غالية... أنا راجل خايف


ولما بخاف بفتكر إنتي ليه في حياتي


نظرت إليه في ضوء القمر الخافت وقالت بهدوء:


– وأنا ليه في حياتك؟


– عشان لما الدنيا كلها بتتقلب... إنتي الحاجة الوحيدة اللي بتفضل مكانها


مدت يدها ووضعتها على صدره فوق قلبه وقالت:


– لسه مكاني هنا؟


– مكانك هنا من أول يوم شوفتك فيه... ومحدش هياخده


ضمها إلى صدره ودفن وجهه في شعرها... ثم همس في أذنها:


– تعالي ننام يا غالية


– مش هتنام وإنت عارف إن في عربية برا


– هنام وأنا حاضنك... والعربية تولع باللي فيها  


ضحكت ضحكة خافتة ودخلت معه


لكن قبل أن تغلق باب البلكونة ألقت نظرة أخيرة على الشارع...


كانت السيارة السوداء قد اختفت... وفي مكانها سيارتان لم ترهما من قبل


لم تكن تعرف أن سالم الشريف في القاهرة قد نفذ وعده.




في الثالثة كانت سيارة سفيان تتوقف أمام بيت منصور في بروكلين


فتح منصور الباب بنفسه وقف على العتبة وابتسامة واسعة على وجهه و عينان متعبتان كأنه لم ينم منذ أيام:


– أهلا يا حبيبي... أهلا يا جودي... أهلا يا رجالة


احتضن سفيان أخاه فشعر بجسده يرتجف بين ذراعيه


قال منصور بصوت مبحوح:


– وحشتني يا سفيان


– وإنت كمان يا منصور


كانت الطاولة في غرفة الطعام ممتلئة بكل ما يحبه سفيان... الملوخية بالأرانب والرز المعمر والكفتة والمحشي


نظر سفيان إليها وابتسم ابتسامة لم تصل إلى عينيه وقال:


– إنت فاكر كل حاجة يا منصور!


– أنا عمري ما نسيت حاجة تخصك


جلسوا... وبدأ منصور يتحدث عن زمان عن البيت القديم وعن أمهم وعن الكرة التي كان سفيان يلعبها في الشارع


كان سفيان يضحك في المكان الصح ويهز رأسه في المكان الصح


وتحت الطاولة كانت يد جودي في يده




ثم دق جرس الباب


تجمد منصور لحظة ثم قام بسرعة ليفتح


وحين عاد كان خلفه فيكتور بابتسامته الباردة... توقف قلب جودي


حينما رأت ياسر خلف فيكتور يتحرك بهدوء غريب 


يرتدي قميص أسود وذراعه مربوطة إلى صدره ووجهه شاحب


لكنه واقف... واقف على قدميه




قال فيكتور بالإنجليزية بلطف مبالغ فيه:


– أعتذر عن المقاطعة يا سيد منصور... السيد إيفان أرسلني لأطمئن على العائلة


 وأرسل معي بطلنا... حتى يرى الجميع أنه بخير


 فالرجل الذي ينقذ ابنة العائلة يستحق أن يجلس على طاولتها




نظر سفيان إلى ياسر نظرة  هادئة... ثم أشار إلى المقعد الفارغ وقال بالعربية


– اتفضل يا ابني... البيت بيتك


جلس ياسر على المقعد المقابل لجودي


لم ينظر إليها... كان ينظر إلى طبقه الفارغ


لكنها رأت أصابعه السليمة تنقبض على حافة الطاولة حين لمح السوار في معصمها




جلس فيكتور بجوار منصور وبدأ يأكل بشهية ويمدح الطعام


قال منصور بتوتر وهو يصب له:


– حبيب كان بيحب الملوخية دي أوي


 قالها وصوته انكسر في آخرها فتوقف الجميع عن الأكل


ابتسم فيكتور وقال بهدوء:


– وسيعود ليأكلها قريبًا يا سيد منصور... حين تنتهي كل الأوراق




ساد الصمت حول الطاولة... ثم وضع سفيان الملعقة في طبقه بهدوء التفت إلى أخيه وقال بصوت عادي جدًا


– فاكر يا منصور لما كنت بتمضي بدالي في كراسة الواجب؟


توقفت يد منصور في الهواء


– كنت بسيبك تمضي عشان كنت عايز أنزل ألعب


 وكنت بقولك إمضتك أحلى من إمضتي


 ابتسم ابتسامة حزينة وأكمل:


– لحد النهارده يا منصور... إمضتك أحلى من إمضتي


سقطت الملعقة من يد منصور على الطبق بصوت عال


وابيضّ وجهه حتى صار بلون الحائط خلفه




لم يفهم فيكتور  العربية كلها... لكنه فهم الصمت


نظر إلى وجه منصور ثم إلى وجه سفيان الهادئ وضاقت عيناه قليلًا


قال سفيان وهو يمد يده إلى الخبز:


– متتخضش يا منصور... أنا بس افتكرت زمان


 كمّل أكلك




نهضت جودي فجأة وقالت بصوت خافت:


– بعد إذنكم... هغسل إيدي


مرّت خلف مقعد ياسر في طريقها إلى الممر... كانت المسافة بينهما سنتيمترات


لم ينظر أحد... إلا فهد


وضع فهد يده على بطنه فجأة وقال بصوت عالي:


– آه... بطني... يا عمو منصور الكفتة دي فيها حاجة غلط


  نظر إلى ياسر وقال:


– إنت يا عم البطل ممكن توريني الحمام فين عشان أنا هموت


نظر فيكتور إليه بضيق لكن فهد كان قد قام ويده على بطنه يتأوه بطريقة مسرحية


فقام ياسر ببطء وقال:


– تعالى




في الممر الطويل المؤدي إلى دورة المياه وقف فهد عند الزاوية ظهره إلى الحائط وقال بهمس:


– دقيقة واحدة... أنا هعمل صوت كأني بموت


دخل الحمام وأغلق الباب




كانت جودي تقف عند الحوض والماء يجري دون أن تمد يدها إليه


التفتت حين سمعت خطواته... وقفا ينظران إلى بعضهما في المرآة


قال بصوت أجش:


– لبستيه!


– حسيت إني محتاجة ماما النهارده


اقترب منها خطوة واحدة... ثم مد يده السليمة ببطء 


وأمسك معصمها لمس السوار بأطراف أصابعه:


– الاسوره دي كانت في إيدك وإنتي بتبُصيلي في الرقصة


 كنت حاسس إنه ملفوف حوالين رقبتي أنا مش حوالين إيدك


رفعت عينيها إليه وقالت بهمس:


– هو بيوجعك؟


– بيحرقني يا جودي


 بس أنا مش عايزه يتفك من على رقبتي


امتلأت عيناهابالدموع  فقالت بصوت مرتجف:


– إنت خرجت من المستشفى بدري... الجرح لسه مخفش


– الجرح ده أهون حاجة


 مال نحوها حتى لامست جبهته جبهتها وأكمل بصوت لا يكاد يسمع:


– اللي صعب إني قاعد قصادك ومش قادر أبصلك.




من خلف باب الحمام جاء صوت فهد يتأوه بصوت عالي:


– آاااه... يا رب... الكفتة دي هتموتني


ضحكت جودي ودموعها على خديها وضحك ياسر رغمًا عنه


ثم ابتعد خطوة إلى الخلف بعد أن قبّل ثغرها بسطحيه سريعا  ترك معصمها وقال:


– ارجعي قبلي


نظرت إليه نظرة أخيرة... ومرّت بجواره عائدة إلى غرفة الطعام


وقف هو في الممر يتنفس ببطء حتى عادت ملامحه إلى صمتها


ثم دق باب الحمام مرتين وقال:


– خلاص يا فهد... بطنك خفت


خرج فهد وقال بهمس:


– إنت مديون ليا بشاورما طول عمرك.




حين عاد ياسر إلى غرفة الطعام كان هاتف فيكتور يرن


نظر إلى الشاشة وابتسم ونهض وقال:


– اعذروني... ضيف آخر وصل


اتجه إلى الباب وفتحه... دخل شاب أشقر نحيل في الثامنة والعشرين بقميص أبيض بسيط وعينين رماديتين هادئتين... هادئتين أكثر من اللازم


قال فيكتور بالإنجليزية:


– أقدم لكم ديمتري سوكولوف... ابن أخي شريكنا العزيز في موسكو


 وصل قبل موعده بأسبوع... فهو يحب المفاجآت




انتفض منصور واقفًا... وتجمّد سفيان في مقعده


أما ديمتري فلم ينظر إلى أحد منهم


مشى بهدوء حول الطاولة حتى وقف أمام ياسر مد يده فصافحه ياسر بيده السليمة


كانت يد الشاب باردة ناعمة... وكانت عيناه لا تنظران إلى عينيه


كانتا تنظران إلى شفتيه


قال ديمتري بعربية مكسرة لكنها مفهومة وابتسامة مهذبة على وجهه:


– سمعت عنك كثيرا يا ابن شعبان


 الرجل الذي قفز أمام رصاصة لم تكن له


 والرجل الذي ترك مصر من أجل امرأة


 ثم مال رأسه قليلا وأكمل:


– سؤال واحد فقط قبل أن أجلس


 لماذا تركت مصر حقا؟




ساد صمت ثقيل حول الطاولة


وتحت الطاولة شدت جودي على يد أبيها حتى ابيضت أصابعها


كان ياسر يعرف أن هذا هو السؤال الأول... من ثلاثة

ماذا سيحدث يا ترى.........

سنرى.......

انتظروووني......

بقلمي  / فريده الحلواني

تكملة الرواية بعد قليل 

الرواية الكاملة من هناااااااا



تعليقات