روايه سوار جهنم الفصل السابع 7 بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه سوار جهنم الفصل السابع 7 بقلم الكاتبه فريده الحلواني
روايه سوار جهنم الفصل السابع بقلم الكاتبه فريده الحلواني
سوار جهنم
الفصل السابع
فريده الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده
الأمل مش إنك تقعدي تستنى معجزة... الأمل إنك تزرعي النهارده وإنتي واثقة إن الحصاد جاي
حتى لو المطر اتأخر الأرض عمرها ما بتنسى اللي سقاها بصبره
هتحصدي وهتفرحي... أنا واثقة
وبحبك.
في السابعة صباحًا كان الضباب لا يزال يُغطي الميناء وأصوات الرافعات الضخمة تشق الصمت ورائحة البحر المُختلطة بالزيت والصدأ تملأ المكان
وقف ياسر عند البوابة رقم سبعة كما جاء في الرسالة يرتدي سترة سوداء بسيطة ويداه في جيبيه والولاعة الفضية بين أصابعه داخل الجيب يُقلّبها دون أن يشعر
توقفت أمامه سيارة سوداء فارهة ونزل منها فيكتور بمعطفه الطويل وسيجاره الذي لا يفارقه ثم فتح الباب
الآخر ونزل منه شخص لم يتوقعه ياسر أبدا... حبيب
تبادلا النظرات للحظة واحدة فقط لكنها كانت كافية ليشعر ياسر بالكراهية تتدفق من عيني حبيب كالنار بينما حافظ هو على وجه بارد لا يحمل أي تعبير
قال فيكتور بابتسامة خفيفة:
– صباح الخير يا إبن شعبان... أعتقد أنكما تعرفان بعضكما؟
– شوفته مرة في الملهى
– مرة واحدة فقط؟
لم يرد ياسر فأكمل فيكتور وهو يشير إلى حبيب:
– إيفان يريد أن يتعلّم حبيب كيف تسير الأمور
سيبقى معك اليوم ويراقب كل شيء
أضاف بنبرة ذات مغزي:
– وأنت ستراقبه أيضًا
ابتسم حبيب ابتسامة صفراء ومد يده نحو ياسر وقال بالعربية:
– تشرفنا يا... باشا
نظر ياسر إلى يده الممدودة ثانيتين كاملتين ثم تجاهلها واستدار نحو البوابة وقال:
– الشُحنة هتوصل الساعة تمانية... ومش بحب حد يتأخر ورايا
تجمّدت يد حبيب في الهواء واحمرّ وجهه من الغيظ بينما ضحك فيكتور ضحكة خافتة وهمس لنفسه:
– نعم... هذا ما أراده إيفان تمامًا.
في نفس اللحظة كانت جودي تقف في مطبخ المنزل تُعد الفطور بنفسها لأول مرة منذ شهور وقد رفعت شعرها بعشوائية ولبست مريلة المطبخ القديمة التي كانت لأمها
دخل سفيان المطبخ مرتديًا بدلته الرمادية وحقيبته في يده فتوقف عند الباب بدهشة وهو ينظر إلى الطاولة المليئة بالأطباق
– إيه ده كله؟!
– فطار يا بابا... من زمان مفطرناش مع بعض
– بس أنا متأخر على الشغل يا حبيبتي عندي ورق لازم أمضيه في المينا
تجمدت يدها على الطبق ثم إلتفتت إليه بابتسامة واسعة ووضعت الطبق أمامه وقالت:
– وأنا عملتلك الفطير اللي بتحبه... والبيض بالبسطرمة زي ما ماما كانت بتعمله
– جودي...
– وكمان عايزاك تقعد معايا النهارده... مش عايزة أكون لوحدي بعد اللي حصل امبارح
نظر إليها سفيان للحظات ثم وضع حقيبته على الأرض ببطئ وجلس على المقعد دون أن يرفع عينيه عنها وقال بهدوء:
– مين قالّك متخلنيش أروح المينا النهارده؟
تجمّدت في مكانها وشعرت بالدم يهرب من وجهها وقالت بارتباك:
– محدش... أنا بس...
– إنتي من وإنتي عندك خمس سنين مبتعرفيش تكدبي عليا يا جودي... ودنك بتحمر
رفعت يدها إلى أذنها بسرعة فابتسم ابتسامة صغيرة حزينة ثم قال:
– مش هسألك مين... بس اللي قالك كده بيخاف عليكي أوي
جلست أمامه ونظرت في طبقها وقالت بهمس:
– تفتكر يا بابا
مد يده وربت على يدها وقال:
– أنا متأكد... عشان مفيش حد بيخاف عليكي كده غيري أنا وهو
رفعت عينيها إليه بدهشة لكنه كان قد بدأ يأكل وكأنه لم يقل شيئًا
وفي الطابق العلوي كان فهد لا يزال نائمًا بينما كان فراش أسر فارغًا تمامًا.
في الثامنة تمامًا دخلت السفينة إلى الرصيف ببطئ وبدأت الرافعات تنزل الحاويات واحدة تلو الأخرى وكل واحدة منها تحمل شعار شركة سفيان الجبري واضحًا على جانبها
وقف ياسر بجوار الموظف المسؤول يستلم الأوراق ويوقع عليها واحدة تلو الأخرى بخط ثابت وكأنه يفعل ذلك منذ سنين بينما وقف حبيب خلفه مباشرة يراقب كل حركة كالصقر
همس حبيب من خلفه بصوت لا يسمعه غيره:
– شاطر أوي في الامضى... مضيت على قلبها كده برضه؟
لم يلتفت ياسر ولم تتوقف يده عن الكتابة
اقترب حبيب أكثر وأكمل بصوت أكثر سمًا:
– عارف هي بتحب إيه... بتحب البوس في رقبتها من ورى... كانت بتقولي كده وهي بتضحك
توقف القلم في يد ياسر لنصف ثانية فقط ثم أكمل التوقيع وكأن شيئًا لم يكن... لكن أصابعه كانت قد ابيضت من قوة قبضته على القلم
ابتسم حبيب بانتصار وقال:
– الشهر الجاي فرحنا... هبعتلك دعوة... ابقى تعالى اتفرج
أنهى ياسر آخر توقيع وسلم الأوراق للموظف ثم التفت إلى حبيب ببطئ ونظر في عينيه مباشرة وقال بصوت هادئ لا يحمل أي انفعال:
– إنت بتتكلم كتير أوي يا حبيب... والناس اللي بتتكلم
كتير في شغلنا ده بيدفنوهم بدري
ثم تجاوزه ومشى نحو الحاويات دون أن ينتظر ردًا بينما وقف حبيب في مكانه يرتجف من الغيظ وهمس من بين أسنانه:
– ماشي يا إبن شعبان... هنشوف مين اللي هيندفن بدري.
على بعد مئتي متر كانت عربة السباكة مركونة خلف مخزن مهجور ومعاذ يراقب الشاشات بتركيز شديد بينما كان تميم يمسك منظارًا ينظر منه إلى الرصيف
قال معاذ دون أن يرفع عينيه عن الشاشة:
– الواد حبيب ده هيجيبله جلطة... شايف إيده وهو بيمضي
– شايف... بس إتمالك نفسه
– راغب علّمه كويس
ظل تميم ينظر في المنظار ثم تجمد فجأة وقال بصوت حاد:
– معاذ... كبّر الكاميرا اللي عند الحاوية الزرقا
حرك معاذ الكاميرا فظهر على الشاشة شاب يرتدي زي عمال الميناء البرتقالي وخوذة صفراء ويحمل لوحًا خشبيا في يده ويتحرك بين الحاويات بحذر
– ده مين؟
– ده أسر ابن سفيان
ضرب تميم بقبضته على جدار العربة بغضب وقال:
– الغبي ده جاي يعمل إيه هنا؟
– يمكن جاي يحمي ياسر
– ولا جاي يموته... لو حد من رجالة فيكتور عرفه
هيعرفوا إن عيلة سفيان بتلعب من وراهم
أمسك الهاتف بسرعة وكتب رسالة لراغب:
– أسر في المينا... عند الحاوية الزرقا... لازم يخرج حالًا.
في تلك اللحظة كانت إحدى الرافعات تنزل حاوية خضراء على الرصيف بجوار ياسر وحين لمست الأرض بعنف انفتح بابها الخلفي قليلا بسبب قفل مكسور
التفت ياسر بشكل تلقائي ورأى من خلال الفتحة الضيقة صناديق خشبية طويلة مكدسة وقد انكسر غطاء أحدها فظهر منه معدن أسود لامع لم يحتاج إلى أكثر من نظرة واحدة ليعرف ما هو
بنادق... بل عشرات البنادق
سمع في رأسه صوت تميم... متبصش أكتر من ثانيتين
أبعد عينيه فورًا ومد يده وأغلق الباب بقوة ثم التفت إلى أحد رجال فيكتور القريبين وقال بغضب مصطنع:
– القفل ده مكسور... عايزين الجمارك تشوف اللي جوه يا أغبيا
أسرع الرجل ليصلح القفل وهو يعتذر بالروسية بينما كان فيكتور يراقب المشهد من بعيد وابتسم برضا وقال لنفسه:
– لم ينظر حتى... إنه واحد منا حقًا
لكن حبيب كان يراقب أيضًا... ورأى شيئا آخر
رأى عامل ميناء بزي برتقالي يقف خلف الحاوية الزرقاء وينظر إلى ياسر بتركيز غريب
ضيق حبيب عينيه وحاول أن يرى وجهه من تحت الخوذة الصفراء لكن العامل التفت واختفى بين الحاويات.
وفي تلك اللحظة شعر أسر بيد قوية تمسك ذراعه من الخلف وتسحبه بعنف إلى ممر ضيق بين حاويتين
والتفت ليجد نفسه أمام رجل ضخم بوجه قاس ويد ملفوفة بضمادة
قال راغب بصوت منخفض غاضب:
– إنت اتجننت يا وِلد
– أنا جيت أحميه...
– تحمي مين... إنت اللي محتاج حد يحميك
عشر ثواني كمان وحبيب كان هيشوفك يا غبي
شحب وجه أسر والتفت نحو المكان الذي كان يقف فيه فرأى حبيب يتلفت بين الحاويات باحثًا عنه
جذبه راغب نحو سور الميناء الخلفي وقال بحزم:
– امشي وراي ومتبصش وراك... وإوعى تجول لأبوك إنك جيت إهنه
لو عرف هيموت من الخوف عليك جبل ما يموت من شي تاني.شش
في الإسكندرية كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة عصرًا حين دخل حسن غرفة نومه بخطوات حذرة كمن يدخل حقل ألغام فوجد غالية تجلس على طرف الفراش وظهرها إليه تُمشط شعرها أمام المرآة دون أن تلتفت
وقف عند الباب لحظة ثم قال بصوت ناعم:
– غالية
لم ترد
– يا غالية
– نعم يا حسن بيه
ابتسم وأغلق الباب خلفه واقترب منها ببطئ حتى وقف خلفها ونظر إلى وجهها في المرآة وقال:
– لسه زعلانة؟
– وأزعل ليه... جوزي كان عايز يداري على إبنه
اللي بيتخانق عشان بنت في المدرسة وعنده اتناشر سنة... عادي خالص
جلس على الفراش خلفها وأخذ المشط من يدها برفق وبدأ يُمشط شعرها بنفسه كما كان يفعل في سنوات زواجهما الأولى وقال بهدوء:
– تعرفي البنت إسمها إيه؟
– مش عايزة أعرف
– إسمها غالية
توقفت يدها على حافة التسريحة والتفتت إليه بدهشة فابتسم وقال:
– والواد التاني قالها إن إسمها وحش ودمه تقيل
فإبنك ضربه وقالّه محدش يغلط في الإسم ده... ده إسم أمي
ظلّت تنظر إليه للحظات وقد لمعت عيناها ثم قالت بصوت مهزوز:
– بجد يا حسن؟!
– والله العظيم... وأنا مكنتش عايز أقولك عشان متفرحيش بيه وتدلعيه أكتر
ضحكت ودموعها على خديها ثم ضربته على صدره بخفة وقالت:
– وإنت خبيت عليا ليه؟
– عشان عارف إنك هتعيطي كده... وأنا مبحبش أشوفك بتعيطي غير في حضني
جذبها إليه وضمها إلى صدره فدفنت وجهها في عنقه وهمست:
– إبنك طالعلك
– في إيه؟
– في إنه بيعرف يخلي الواحدة تحبه أكتر وهي زعلانة منه
ضحك حسن ضحكة خافتة ورفع وجهها إليه ونظر في عينيها التي لم يتغير سحرها عليه رغم مرور السنين وقال بصوت أجش:
– وأنا لسه بعرف؟
– بتعرف إيه؟
– أخليكي تحبيني أكتر؟
مال عليها وقبّلها قبلة طويلة دافئة كأنها أول قبلة بينهما وهمس على شفتيها:
– بحبك يا غالية... من أول يوم ولحد آخر يوم في عمري
- وأنا بعشقك يا قلب الغالية لحد آخر نفس فيا.
في الثانية ظهرًا كانت آخر حاوية قد وصلت إلى الرصيف وكل الأوراق قد وُقّعت وبدأت الشاحنات تصطف لنقل الشحنة إلى المخازن
وقف ياسر بجوار فيكتور يراقب العمال وقد بدأ يشعر لأول مرة منذ الصباح أن الأمر قد انتهى دون كارثة بينما وقف حبيب على بعد خطوات يتحدث في هاتفه بصوت منخفض ثم أغلقه وابتسم ابتسامة غريبة
وفجأة... دوت صفارات الإنذار في أرجاء الميناء
التفت الجميع في لحظة واحدة فرأوا عشرات السيارات البيضاء والزرقاء تندفع من البوابات الثلاث في وقت واحد وعليها شعار الجمارك الأمريكية ورجال بسترات واقية يقفزون منها بأسلحتهم
صرخ أحدهم بالإنجليزية عبر مكبر الصوت:
– الجمارك... الجميع يبقى في مكانه... لا أحد يتحرك
تجمد ياسر في مكانه والتفت إلى فيكتور فرأى وجهه قد تحول في لحظة من الهدوء إلى شيء مرعب ثم اندفع رجلان من رجاله وأحاطا بفيكتور وسحباه نحو ممر خلفي بين الحاويات بينما سحب ثالث ياسر من ذراعه بعنف معهم
ركضوا بين الحاويات والصفارات تدوي خلفهم حتى وصلوا إلى زاوية مظلمة بعيدة عن الأعين فتوقف فيكتور فجأة واستدار ووجه مسدسه مباشرة إلى جبهة ياسر
قال بصوت منخفض يرتجف غضبًا:
– أربعون عامًا لم تقترب الجمارك من شحنة
تحمل إسم سفيان الجبري... وفي اليوم الذي تستلمها فيه أنت... يأتون من ثلاث بوابات في نفس اللحظة
نظر ياسر إلى فوهة المسدس ثم إلى عيني فيكتور ولم يرمش وقال بهدوء:
– لو أنا اللي بلغت... كنت هقف معاك دلوقت؟
– ربما هذا بالضبط ما تريده
ضغط فيكتور فوهة المسدس على جبهته أكثر وقال:
– واحد منا تكلم يا إبن شعبان... وأنا لا أعرف غيرك جديدًا في العائلة.
وعلى بعد عشرين مترا خلف حاوية حمراء كان حبيب يقف مختبئا يراقب المشهد وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة انتصار باردة وهمس لنفسه وهو يعيد هاتفه إلى جيبه:
– قولتلى... اللي بيتكلم كتير بيندفن بدري
بس إنت اللي هتندفن الأول يابن شعبان
في عربة السباكة كان تميم يقف متجمدًا أمام الشاشات ووجهه شاحب بينما ضرب معاذ الطاولة بقبضته وقال بغضب:
– مين اللي بلغ... إحنا متفقين مع الناس هناك إن محدش يقرب من الشحنة دي
– محدش من عندنا
مرر تميم يده على وجهه وقال بصوت مخنوق:
– لو الشحنة اتمسكت دلوقت تبقى سنة بحالها
من الشغل راحت في الأرض... إيفان هيختفي تاني وفيكتور هيقفل كل حاجة... وياسر هيموت قبل ما يطلع من المينا
– نتدخّل؟
– لو اتدخلنا يبقى إحنا اللي موتناه بإيدينا
ظلا ينظران إلى الشاشة عاجزين بينما كان رجال الجمارك ينتشرون بين الحاويات حتى توقفت سيارة سوداء أمام الرصيف ونزل منها رجل في الخمسين بشعر رمادي قصير وبدلة داكنة وشارة معلقة على صدره
قرب معاذ الكاميرا على وجهه ثم همس بدهشة:
– ده ريد... مايكل ريد نائب مدير الجمارك في الميناء كله
– وجاي بنفسه ليه؟
لم يكد تميم ينهي سؤاله حتى رأى الرجل يرفع يده في الهواء فتوقف رجاله في أماكنهم ثم سار ببطء نحو الحاوية الخضراء ذات القفل المكسور وفتحها بنفسه ونظر داخلها لثوان
ثم أغلقها... والتفت إلى رجاله وقال بصوت عال:
– بلاغ كاذب... الحاويات دي فيها قطع غيار سيارات
زي ما مكتوب في الأوراق بالظبط... يلا بينا
مفيش داعي لوجود الشرطة هنا
نظر تميم ومعاذ إلى بعضهما في صمت ثم قال معاذ ببطئ!:
– الراجل ده شاف السلاح بعينه
– وقفل عليه بإيده!
أمسك تميم ورقة وكتب عليها الإسم ووضع تحته خطين وقال بصوت بارد:
– يبقى إيفان مش شاري مينا بس... ده شاري الجمارك نفسها.
في الزاوية المظلمة بين الحاويات رن هاتف فيكتور فجأة فرد دون أن يبعد المسدس عن جبهة ياسر واستمع للحظات ثم تغيرت ملامحه وأنزل المسدس ببطئ
– ريد يقول إن الأمر انتهى... الشحنة ستخرج كما خُطط لها
زفر الرجال من حوله بارتياح لكن فيكتور لم يبتسم بل نظر إلى ياسر وقال:
– ريد يكلفنا مئتي ألف دولار كل مرة يغمض فيها عينيه
واليوم أغمضهما في وجه جيش كامل من رجاله... إيفان لن يغفر لمن كلفه هذا
– وأنا مالي؟
– ربما لا شيء... وربما كل شيء
ثم التفت إلى أحد رجاله وقال بالروسية:
– أريد أن أعرف من أين خرجت المكالمة... قبل حلول الليل
وحين استدار ليغادر وقعت عيناه على حبيب الذي كان قد خرج للتو من خلف الحاوية الحمراء بوجه شاحب يحاول أن يرسم عليه القلق
توقف فيكتور ونظر إليه نظرة طويلة صامتة ثم قال بهدوء مخيف:
– أين كنت يا حبيب؟
– كنت... كنت بستخبى لما الجمارك دخلت
– وحدك؟
– أيوه
– حسنا
وتجاوزه دون كلمة أخرى بينما شعر حبيب بقطرة عرق باردة تنزل على ظهره.
في السيارة المتجهة إلى الشقة الآمنة كان أسر يجلس بجوار راغب صامتًا ينظر من النافذة ويداه متشابكتان على ركبتيه حتى قال فجأة دون أن يلتفت:
– عمي منصور كان بيجيبلنا الشيكولاتة كل خميس... أنا وفهد وجودي
كان بيخبيها في جيب الجاكيت وبيخلينا ندوّر عليها
لم يرد راغب فأكمل أسر بصوت مكسور:
– ولما ماما ماتت هو اللي فضل صاحي مع بابا
تلات ليالي في المستشفى... إزاي واحد زي ده يبيع أخوه؟!
ظل راغب ينظر إلى الطريق للحظات ثم قال بصوت أهدأ مما اعتاد:
– الفلوس يا ولدي بتعمل في الجلب كيف الصدا في الحديد
مبتبانش في الأول... وبعدين تلاجي الحديدة
كلها اتاكلت من جوه وهي لسه واجفة جدامك
التفت إليه أسر بعينين دامعتين:
– إنت عرفت الكلام ده منين
– عشت جوه الصدا سنين كتيرة... وكنت هتّاكل لولا واحدة مسكت يدي وطلعتني
مد يده وربت على كتف أسر بخشونة حانية وقال:
– أبوك وياك ومعاك أخواتك... متخليهوش يتّاكل لوحده.
في التاسعة مساء كانت جودي تقف على جسر حجري صغير في حديقة قريبة من منزلها تشد معطفها حولها من البرد وتنظر إلى الماء المظلم تحتها حين سمعت خطوات تقترب من خلفها
التفتت فوجدته يقف على بعد خطوات ويداه في جيبي سترته السوداء ووجهه متعب كأنه لم ينم منذ أيام
كانت قد اتصلت به بعد أن سمعت في الأخبار عن بلاغ كاذب في ميناء شركة أبيها ولم تقل أكثر من كلمتين... تعالى أرجوك
اقتربت منه بسرعة ونظرت إلى وجهه بقلق وقالت:
– إنت كويس... حصلك حاجة؟
هز رأسه بالنفي لكنها رأت شيئًا على جبهته في ضوء المصباح الخافت دائرة حمراء صغيرة باهتة كأن شيئًا ما ضغط عليها بقوة
رفعت يدها ببطئ ولمستها بأطراف أصابعها فتراجع خطوة لكنها لم تبعد يدها وقالت بصوت مرتجف:
– إيه ده يا ياسر؟
– مفيش
– دي علامة... علامة مسدس صح
لم يرد ونظر بعيدًا إلى الماء فشعرت بالدموع تحرق عينيها وقالت بهمس:
– عشان كده قولتلي أخلي بابا ميروحش المينا... إنت كنت هناك؟
التفت إليها أخيرًا ونظر في عينيها للحظات ثم قال بصوت مبحوح:
– جودي... أنا مش الراجل اللي إنتي فاكراه
ولا الراجل اللي حبيب فاكره... ولا حتى الراجل اللي أنا فاكره
– ومين اللي إنت فاكره؟
– واحد كان المفروض ميقرّبش منك من أول ليلة
اقتربت منه خطوة أخرى حتى لم يعد بينهما سوى أنفاسهما المتلاحقة في برد الليل ووضعت كفها على صدره فوق قلبه كما فعلت في المخزن وقالت:
– وهو ده بيقول إيه؟
أغمض عينيه ووضع يده فوق يدها وضغط عليها وقال بصوت يكاد لا يسمع:
– بيقول إنه اتسرق يا جودي... ومش عايز يرجع
فتح عينيه فوجد وجهها قريبًا منه جدًا وعينيها مغمضتين تنتظر فمال عليها ببطئ ولمس جبهتها بجبهته وظل هكذا لحظات يتنفس أنفاسها دون أن يُقبّلها وهمس:
– مش دلوقت... مش وإنتي لسه لابسة دبلته
رفع يدها ونظر إلى الخاتم في إصبعها وقبل ظاهر يدها قبلة طويلة وتركها وابتعد في الظلام قبل أن تستطيع أن تقول شيئًا
ظلت واقفة على الجسر تنظر إلى الخاتم في إصبعها وقد انهمرت دموعها ثم خلعته ببطئ وأمسكته في قبضتها وهمست:
– خلاص... مبقتش لابساها.
في الحادية عشرة ليلًا وصل ياسر إلى باب بنايته فوجد سيارة فيكتور السوداء واقفة أمامها والنافذة الخلفية مفتوحة قليلًا
قال فيكتور من الداخل:
– اركب
جلس ياسر بجواره في المقعد الخلفي فأشعل فيكتور سيجاره ببطئ ثم قال:
– عَرفنا من أين خرجت المكالمة... من هاتف مسجل
بإسم شركة حراسة يملكها منصور الجبري... والهاتف كان
داخل الميناء اليوم... خلف حاوية حمراء
تجمّد ياسر في مكانه فأكمل فيكتور وهو يخرج من جيب معطفه مسدسًا صغيرًا ويضعه على ركبة ياسر:
– إيفان لا يحب الخونة يا إبن شعبان... ويحب أكثر أن يرى رجاله الجدد وهم يثبتون ولاءهم
نظر ياسر إلى المسدس ثم إلى فيكتور وقال بصوت جاف:
– عايزني أعمل إيه؟
– حبيب الجبري... الليلة... قبل شروق الشمس
ثم ابتسم ابتسامة باردة وأضاف:
– وبعدها يا صديقي... ستكون الفتاة حرة تمامًا... أليس هذا ما تريده.
ماذا سيحدث ياترى...
سنرى.....
انتظروووني.....
بقلمي/ فريده الحلواني
تكملة الرواية بعد قليل
الرواية الكاملة من هناااااااا

تعليقات
إرسال تعليق