القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت مرات ابنى كاملة أماني سيد 



سكريبت مرات ابنى كاملة أماني سيد 


مرات ابني من أول يوم جواز وهي شايلة البيت كله فوق دماغها، عمرها ما قالت «تعبت»، ولا مرة اشتكت لابني من حاجة، بالعكس كانت دايمًا بتحاول تخلينا مرتاحين على قد ما تقدر. كانت بتصحى الصبح بدري، تجهز بنتي للمدرسة، تعمل لها الساندوتشات وتحضر شنطتها، وتنزل توصلها بنفسها، ولما ترجع تكون جايبة معاها الفطار لينا كلنا.


تحضر الفطار، وتصحيّنا نفطر، وبعدها جوزها يروح شغله وهي تشوف إيه اللي وراها في البيت وتخلصه واحد ورا التاني، ولما اليوم يخلص تطلع شقتها وهي بالكاد واقفة على رجليها. وأنا كنت شايفة كل ده عادي. كنت بقول في نفسي: «ما هي مرات ابني، وده بيتها برضه».


لحد اليوم اللي دخلت عليَّ فيه وهي مترددة وقالت:ـ ماما، أنا عايزة أروح أشوف بابا النهارده... هو تعبان أوي وماما قالتلي أجيلهم. بصيت لها وقلت بمنتهى العادية:ـ النهارده بالذات؟ بناتي جايين، وإنتِ عارفة إننا هنتغدى كلنا هنا. خلصي اللي وراكي وبعدين روحي.



سكتت شوية، وبعدين قالت بصوت مكسور:ـ بس بابا تعبان وماما قالتلي أروح له. ـ وأنا مالي؟ ما تخلصي اللي وراكي الأول. من وقتها وهي بتشتغل، لكن واضح جدًا إنها بتعمل كل حاجة غصب عنها. إيديها بتتحرك، لكن عقلها كان في مكان تاني.


مرة وقفت تبص للموبايل، ومرة مسكت التليفون كأنها مستنية مكالمة، ولما لقيتها بتتنهد كتير قلت لها بعصبية:ـ إنتِ بتعملي الأكل من غير نفس ليه؟! الأكل هيطلع وحش كده!بصتلي ودموعها نزلت:ـ أنا مش قادرة يا ماما... أنا عايزة أروح لبابا. ـ خلصي وبعدين روحي.


ـ بس ماما كل شوية بتكلمني وبتستعجلني. ـ خلاص بقى! اقفلي الموبايل وخلصينا. فضلت تبكي وهي بتشتغل، وكل شوية موبايلها يرن. لحد ما أعصابي فلتت منها، أخدت التليفون من إيدها وقفلتُه وحطيته جنبي. ـ لما تخلصي هديهولك.


دلوقتي ركزي في اللي في إيدك. رفعت عينيها ليّ، وكان شكلها وقتها عمره ما هيروح من بالي. كانت بتبصلي وكأنها عايزة تقول حاجة، لكن ما قالتش. كملت شغلها، وأنا واقفة على راسها، كل ما تتأخر في حاجة أقول لها:ـ يلا... بناتي جايين. ـ خلصي السلطة. ـ شوفي الرز.


ـ متكروتيش الأكل. لحد ما خلصت كل حاجة. بناتي جم، اتغدوا، وهي قامت شالت السفرة وغسلت المواعين ونضفت المكان، كأنها كانت بتنفذ آخر حاجة مطلوبة منها في الدنيا. وقتها ادتلها الموبايل. مسكته بإيد بتترعش وفتحته. اول ما فتح ، لقت عشرات المكالمات الفائتة من أمها. بصتلي بسرعة، وبعدين اتصلت بيها.


ما لحقتش تقول «ألو» حتى، إلا وصوت أمها انفجر في السماعة بالبكاء:ـ إنتِ فين؟!اتجمدت مرات ابني مكانها. ـ في إيه يا ماما؟!صوت أمها كان بيتقطع من العياط:ـ أبوكي مات يا بنتي... الحقيه، سبنا ومشي!الكلمة نزلت عليها كالصاعقة.


الموبايل وقع من إيدها على الأرض واتكسر، وبقت سامعة صوت صريخ أهلها وعياطهم الجاي من الناحية التانية. وقفت مكانها مذهولة، جسمها كله بيترعش من الصدمه ، وعينيها مفتوحة على الآخر من هول الصدمة. ثواني معدودة وكانت صرخة وجع وقهر طالعة من جوه قلبها بتملأ الشقة.


بصتلي بعيون مليانة نار ودموع، نظرة وجع عمرها ما هتمسح من ذاكرتي، وقالت وهي بتشاور عليَّ بصوت بيترعش:ـ حسبي الله ونعم الوكيل فيكي! حرمتيني منه وهو بيحتضر... حرمتيني اطلب منه انه يسامحنى لو زعلته فى سوم وأشوفه آخر نظرة! الله لا يسامحك، لا دنيا ولا آخره!


حسبي الله ونعم الوكيل فيكى من غير ما تستنى تسمع مني حرف، ومن غير ما تلتفت لبناتي اللي كانوا قاعدين، جرت زي المخبولة على الباب. فتحته ونزلت السلالم تجري بجنون، كأنها طايرة من كتر القهر والسرعة، وعايزة تلحق تلحق أبوها لو حتى وهو ميت ، وسايباني واقفة مكاني عى كان ساعه ورجع ابني من الشغل، دخل البيت وشده .



بص حواليه باستغراب وسأل بصوت قلقان:ـ مال البيت ساكت كده ليه؟ وفين مراتي؟ مش عادتها تتأخر لحد دلوقتي!سبقت بالكلام عشان اقلب الترابيزه عليها ، عشان ما يشيلنيش الذنب، وقررت أقوله اللي هي عملته عشان أكسر عينها واخليه يربيها:ـ مراتك أبوها مات.


. ومشيلاني ذنبه ومش فاهمة ليه! فضلت تدعي عليّ وتزعق وجريت في الشارع زي المجانين كأنها مجنونة!وقف مكانه، الشنطة وقعت من إيده على الأرض، وعينيه اتفتحت بصدمة مش مصدق اللي ودانه سامعاه، وبصلي بذهول وقال بصوت مرتعش:ـ بتقولي إيه؟


! أبوها مات؟! وإنتِ... إنتِ بتقولي إيه؟!طيب محدش كلمنى ليه اسيب الشغل واروحلهم يلا بينا دلوقتي نروحلهم بسرعه انا هدخل اغير وانتى كمان وهكلم بابا عشان يجلنا هناك بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أبان عادية وأنا بقوله بلجلجة:ـ نروح فين يا ابني؟ ما هم وسط أهلهم.



.. وزمان البيت زحمة دلوقتي بناس بتعزي، واحنا هنقرفهم وسط زحمتهم، لما يهدوا نبقى نروح واجب، ولا أقولك؟ روح لوحدك اطمن عليهم وتعال!بصلي نظرة أول مرة أشوفها في عيونه، نظرة مليانة شك وحيرة، وقال بصوت حاسم ما فيهوش نقاش:ـ واجب إيه وتقارير إيه؟


! دي مراتي يا أمي، وأبوها ميت، وأهلها دلوقتي منهارين ومش لوحدهم! مفيش وقت للكلام الفارغ ده.. قومي البسي عبايتك يلا بينا، مش هسيب مراتي وأهلها في الظروف دي لوحدهم، حتى لو مش محتاجين، وقفتنا جمبها واجب علينا!


حاولت أتلكك تاني وأتهرب:ـ يا ابني البس إنت واطلع على هناك، وأنا تعبانة ومش قادرة على زحمة العزا...قاطعني بعصبية وهو بيفتح باب الشقة:ـ بقولك قومي البسي يا أمي! بلاش كلام كتير، مش هروح لوحدي وأسيبك، يلا!


حسيت إن شكوكه زادت، وإن إصراره بقى يعورني من جوه، فما لقيتش قدامي حل غير إني ألبس عبايتي وأنا بجر في رجليا من كتر الخوف والكسفة اللي مستنياني هناك. ركبنا العربية طول السكة وأنا قلبي بيدق ألف دقة ودقة، لحد ما وصلنا بيت أهلها.


الشارع كان مليان ناس، وطلعنا الشقة اللي كانت كلها صريخ وعياط. أول ما دخلنا، قابلنا أخوها أو حد من أهلها بالدموع، وابني دخل قدامي بخطوات مكسورة. دخلنا جوه، ولقيتها قاعدة على الأرض، وشها باهت وعنيها حمرا ورموشها لازقة من كتر العياط، وحولها الحريم بيحاولوا يهدوها.


أول ما عينيها جت في عيني، وطلت في وشي، كأن شرارة ولعت فيها. نطت من مكانها كأن لدغها عقرب، وقفت قدامي وهي بتترعش، وبصوت مجروح ومبحوح صرخت في وسط الكل:ـ إنتِ جيتي هنا تاني؟! إيه اللي جابك هنا ؟! جاية تشمتى فيه صح ؟!


جاية تشوفي إيه اللي حصل بعد ما حرمتيني منه؟! امشي من هنا.. امشي مش عايزة أشوف وشك! إنتِ السبب.. إنتِ اللي مو. تيه بحسرتي عليه!الكل في الشقة اتجمد، والستات بصلولنا بذهول واستنكار، وابني وقف في النص باصصلي وباصص لها، عيونه متسعة من الصدمة، ومش فاهم حاجة خالص من اللي بيتقال!


قرب منها ابني بخطوات بطيئة، وشه أصفر ونبرة صوته بتترعش من الخضة والهول اللي شافه:ـ اهدي يا حبيبتي... اهدي واطلعي من اللي إنتِ فيه، وفهميني بالراحة.. إيه اللي حصل؟ وليه بتقولي الكلام ده لأمي؟رفعت عينيها ليه، وعيونها كانت بتطلع شرار من القهر، ودموعها نازلة بغزارة، وصوتها المبحوح هز القلوب:ـ أمك يا محمود.


.. أمك منعتني أجوف أبويا وهو بيمو. ت عشان أخدمها هي وبناتها، وأنضف البيت بعد ما ياكلوا، كأني خُدامة جابتها بالفلوس!وقفت وهي بتصرخ بصوت بيقطع في قلب الكل، وشارت عليّ بإيدها:ـ فضلت تذلني طول اليوم وتستعجلني، وكل ما أمي تتصل بيا وتستنجد بيا وتقولي الحقيه بيمو.


ت، أمك خطفت التليفون من إيدي غصب عني وقفلته وحطته جنبها!


حرمتني من أبويا وهو بيحتضر.. حرمتني أقبله وأودعه وآخر نظرة في وشي.. أبويا مات وأنا محبوسة هنا بمسح ورا بناتك يا محمود! مات من غير ما أسمع صوته ولا أقوله سامحني!وقعت الكلمات على ابني زي الصواعق المتتالية.



وقف مكانه متجمد، عينه اتسعت لحد ما كادت تنط من مكانها، وبصلي بذهول مش مصدق اللي ودانه سامعاه. لف وشكلي، وبصلي بنظرة ما انكسرتش فيها بس، دي انطفى فيها كل احترام وحب، وقال بصوت واطي وخشن من كتر الصدمة:ـ كلامها صحيح ياما؟! عملتي فيها كده وهي أبوها بيطلع في الروح؟


!وقفت مكاني، لساني اتشل في بقي، وحسيت إن الأرض بتلف بيا. بصيت لابني اللي عيونه كانت بتطق شرار، والكل حوالينا بيبصلي بنظرات لوم وقرف قطعت في قلبي. بلعت ريقي بصعوبة وبتلجلج في الكلام:ـ يا... يا ابني اسمعني... أنا كنت... كنت...


قاطعني بصوت عالي هز حيطان الشقة كلها، صوت لأول مرة في حياتي أسمعه منه، كأن روحه بتطلع مع كل كلمة:ـ أسمع إيه؟! أسمع إيه تاني ياما؟! إنتِ دمرتي مراتي وحرمتيها من أبوها وهي حتة من قلبها!




إنتِ قسيتي عليها لحد ما اتحرقت بالمنظر ده؟!بصلي بنظرة أخيرة مليانة كسرة وقهر، وقال ببرود وجعني أكتر من صراخه:ـ ليكي حق تقعدي لوحدك... ويوم ما تحسي باللي عملتيه ابقي افتكري إنك خسرتي ابنك كمان.


سابني واقفة في وسط الشقة، والكل بيبصلي بوعيد، ووطى على مراته اللي كانت منهارة في العياط، شالها بحنية وطلع بيها عشان تهدا بعيد عن وشي، وأنا بقيت واقفة لوحدي في وسط الناس،


والكلمات بترن في ودني، وحسيت ساعتها إن الندم جه متاخر أوي، وإن القسوة مابتجيبش غير الخراب والوحدةفاتت الأيام، لكن المذلة والوحدة كانوا هما الضيف الثقيل اللي ما بيروحش.


حاولت أطلع لمرات ابني كذا مرة عشان أعتذر لها وأحايلها، وأقول يمكن قلبها يلين وتسامحني، بس أول ما كانت تشوفني كانت تبصلي بنظرة باردة وتقولي بصوت قاطع:ـ ارتاحي .. مفيش بينا كلام تاني. ولا أنا هقدر أخدمك ولا أدخل بيتك تاني، اكتفي باللي عملتيه زمان، وسيبيني في حالي.


قفلت بابها في وشي نهائي، ورفضت تخدمنا أو تحط إيدها في البيت عندنا تاني كأنها كانت طيف وراح. اللي صدمنى بجد هو بنتي الصغيرة؛ دي اللي كانت مرات ابني بتشيلها في عينيها وتجهزها للمدرسة، طلعت بتحبها بجد وبقت تسيبني لوحدي وتطلع تجري على شقة مرات ابني عشان تقعد معاها وتساعدها في اللي تقدر عليه، وكأنها لقت الأمان هناك بعيد عن قسوتي.


أما ابني... فده اللي وجع قلبي بجد. بقى طول الوقت قاعد في شقته فوق، نازل على شغله وطالع على بيته ومراته، كأنه مش شايفني أصلاً. لا كلمة حلوة، لا قعدة صفا، ولا حتى بيبص في وشي وهو نازل.


حتى بناتي الكبار، اللي كنت مفكراهم سند ليا، بقوا ييجوا زي الغربا، قاعدين متجهمين، وبیعاملوني بجفاء وعتاب صامت لأنهم شافوا عملتي السودا بعينهم، ولما بطلب منهم طلب صغير بقوا يتهربوا مني. لقيت نفسي لوحدي تماماً في بيت واسع، بشرب من كاس القسوة اللي دستها بإيدي.


بقيت أخدم نفسي بنفسي، أعمل لقمة لوحدي، وأكلم الحيطان من كثرة السكوت. فهمت متأخر أوي إن الظلم حصيلته مرة، وإن الكرسي اللي كنت قاعدة عليه أتحكم في الناس اتهد بيا، ومبقاش ليا لا سند ولا ضهر، غير وجع ضمير ما بيخلصش.


تعليقات