سكريبت بعد و. فاة جوزي حكايات زهره كاملة
سكريبت بعد و. فاة جوزي حكايات زهره كاملة
بعد و. فاة جوزي مرات اخويا بعتت عيالها يدو عيالي هدومهم الشتويه المقطعه ، ولما كلمت اخويا قاللي الحق عليها اللي عايزه تساعدك ، وقتها عرفت ان مفيش حاجه اسمها سند وطلعت الكارت الاخير اللي احتفظت بيه للزمن وخليت اخويا يجيب مراته عند رجلي تعتذر ليا ولأولادي غصب عنها !!!
كان أتعس يوم في عمري لما اتأكدت إني بجد "لوحدي" ومفيش ضهر اتسند عليه. أبويا وأمي ماتوا وسابوني بدري وأنا لسه صغيرة، وماكنش ليا في الدنيا دي كلها غير أخويا سالم، وكنت فاكرة وقتها إنه عزوتي وحمايتي من بعد ربنا.
سالم كان كل فين وفين لما يفتكر يسال عني، يعتذر بشغله وبعياله ومسئوليته اللي متلتلة على كتافه، وكنت دايماً بعذره، لاني عارفه ان الدنيا لاهياه وغصب عنه، وعمري ما زعلت منه ولا حسسته أبداً إنه مقصر في حقي لحد ما المو.
ت خد مني جوزي من كم شهر، وسابني لوحدي في الدنيا مع عيلين أطفال، أكبرهم مكملش عشر سنين.
جوزي كان فرداني، أهله متوفين ومكنش ليه حد، ومن وقت مو. ته ومحدش دق بابنا ولا حد سأل على عيالي ورغم ان من جوايا كنت بتمنى ان سالم يجي يزورهم ويقويهم ويحسسهم إنهم مش لوحدهم في الدنيا دي بعد أبوهم لكن عمري ما تقلت عليه ولا طلبت منه ولا عاتبته حتى وكنت دايما اقول وقت الشده بجد هلاقيه لحد ما في يوم، كنت واقفة في المطبخ بطبخ لقمة عيش لعيالي، والباب خبط.
عيالي جريوا فتحوا الباب وبعد دقايق طلعت من المطبخ وأنا بمسح إيدي في مريلة المطبخ وبسألهم باستغراب: مين بيخبط يا ولاد؟لقيتهم مادين إيديهم بشنطة قماش قديمة وريحتها تراب، و قالوا لي: عيال خالي سالم جابوا الشنطة دي يا ماما، وقالوا لنا إن دي هدومهم القديمة، مامتهم بعتاها لينا عشان إحنا مش معانا فلوس نجيب لبس جديد!
الكلمة بجد وجعتني صحيح ظروفي كانت صعبة ومرة، وصحيح أنا ومراته عمرنا ما اتفقنا، بس متوقعتش أبداً إنها توصل للدرجة دي! تبعت عيالها للعيال الصغيره تقولهم الكلام ده قدامهم عشان تجرحهم وتكسر نفسهم ونفسي بالشكل القذر ده؟
!مسكت الشنطة وإيدي كانت بتترعش من القهر، فتحتها.. والاسوء ان دي مش هدوم اصلا..كانت بواقي هدوم شتوية متقطعة، ومبقعة، ومتخيطة كذا مرة، ومهملة بطريقة تستفز حرفياً ماتنفعش حتى مساحات للأرض! حسيت إن القصد مش مساعدة خالص، القصد إهانة متعمدة، كسر عين بطريقة وحشة، وتلذذ بضعفي أنا وعيالي الأيتام.
مسكت تليفوني فوراً واتصلت بأخويا بغضب وانا باصة لعيالي اللي واقفين حوالين الشنطة مستغربين. رن التليفون ورد، وبصوت كله غضب وقهر حكيت له اللي حصل، وقولتله اللي مراته عملتهلكن الصدمة الأكبر.. اللي كسرت ضهري فعلا، هي ردهزعق في التليفون وقال: "انتي عاملة مشكلة ليه ؟
! ده جزاتها إنها حبت تساعدك وتساعد عيالك.. أنتي مش هاين عليكي تقولي كتر خيرها حتى بعد ما عملت معاكي جميله؟!".اتسمرت مكاني ومبقيتش سامعة غير صدى صوته وهو بيزعق. قولتله وانا مش مصدقة وداني: "جميلة؟! أنت شوفت هي باعتة إيه وباعتته إزاي وقالت لأولادي إيه؟
!".قاطعني بانفعال : "آياً كان اللي بعتته واللي قالته، كان بحسن نية! وبعدين هي شايفة إنك مش هتقدري تشتريلهم اللبس الشتوي وقالت العيال تتدفى...ولا هو اقرع ونزهي".هنا.. حسيت إن الكلام خلص، وإن مفيش أي عتاب أو مبرر ممكن يعوض الكسرة دي.
قفلت التليفون في وشه فوراً من غير ما أنطق بحرف تاني، ودموعي بتنزل بصدمة مالهاش حدود. عيالي كانوا ماسكين الهدوم المقطعه ومستغربين وزعلانين. مسحت دموعي بالعافية، وح. ضنتهم وقولت لهم : "انتوا مش هتلبسوا الحاجات دي.. ماتخافوش، أنا هجيبلكوا جديد أحسن لبس في الدنيا كلها".
العيال فرحوا بكلمتي، وأنا اخدت الشنطة ودخلت على الأوضه بتاعتي فوراً وطلعت الحاجه اللي عمري ما خطر على بالي أبداً إني هضطر أستخدمها ضد أخويا.. بس لما الموضوع يوصل لكرامة عيالي، يبقى خلاص، الحكاية خلصت، ومبقاش فيه لا سند ولا نيله، ومفيش عزيز ولا غالي.وتاني يوم الصبح.
. أخويا جه بنفسه وجاب مراته واجبرها تعتذر ليا ولأولادي غصب عنها وبأمر منه، واللي حصل بعدها كان صادم أكتر بكتير!!!!!!وقفت في نص الأوضة وعيني على الكارت الأخير اللي في إيدي.. كارت السند القديم اللي ورثناه عن أبويا الله يرحمه، ورقة رسمية وقرار بخط إيده وبصمته مع شهود عدل، بيثبت إن حتة الأرض والبيت اللي سالم عايش فيه وواضع يده عليه وكاتبه باسمه، ملك أصلاً لأبويا الله يرحمه وما تقسمش الميراث الشرعي زي ما أصول الشرع بتقول، وسالم كان مستغل طيبتي وسكتي السنين دي كلها وماطالبش بحقي فيها عشان "صلة الرحم" و"عشان أخويا كبير العيلة".
مسكت التليفون وطلبت رقمه بصوت هادي ومن غير عياط ولا انفعال.. وقلت له جملة واحدة: "ساعة وتكون عندي هنا يا سالم، ومعاك الهانم مراتك، عشان نتكلم في كلمتين يخصوا أرض أبويا.. ولو مجتش برجليك خلال الساعة دي، القسم والنيابة هما اللي هيجيبوك، وأنت عارف كويس أنا معايا إيه ومش هرحم".
قفل السكة في وشي، وكنت عارفة النار اللي ولعت قلبه.. هو عارف كويس أنا بتكلم عن إيه وعارف قيمة الورقة اللي في إيدي اللي ممكن تهد البيت اللي هو قاعد فيه وتخليه يقف قدام القانون مباحث وأملاك دولة وورثة.
بعد ساعة بالضبط، سمعت صوت خبط شديد على الباب.. فتحت، ولقيت سالم واقف وشه أصفر وشفايفه بتترعش، ومراته وراه منكمشة ومرعوبة، وعينها في الأرض مش قادرة ترفعها خالص. دخلوا الصالة، وسالم بلع ريقه وقال بصوت مكسور ومرجف: "إيه الجنون اللي بتقوليه في التليفون ده يا صابرين؟
! ورقة إيه وزفت إيه اللي هتدخليني بسببها النيابة والشرطة؟! أنتي اتجننتي بجد ولا ضاع عقلك بعد جوزك؟!"..بصيت له نظرة طويلة باردة، وقعدت على الكرسي وقلت له بصوت حازم: "الجنون الحقيقي هو اللي مرتك عملته في عيالي الأيتام امبارح..
الجحود والقلة الأصل لما تبعت هدوم مقطعة وزبالة تكسر بيها نفس عيال أخوك اللي ملهمش سند في الدنيا.. وأما عن ورقة أبويا.. فأنا كنت ساكتة عشان كنت فاكرة إنك ضهري، لكن لما لقيت ضهري هو اللي بيطحني، بقا لازم آخد حقي وحق عيالي بالرصاص القانوني.
. الأرض دي بتاعتي والبيت ده بتاعي، وتلت القيراط اللي باقيني أطالب بيه هخذه تمليك مش إيجار".سالم اتجنن من كلامي، حاول يعلي صوته ويهدد، بس بصيت له نظرة خلته يسكت ويبلع ريقه.. قلت له بصوت قاطع: "من غير صوت عالي ومن غير حركات قرعة..
قدامك حلين لا تالت لهم: يا إما الهانم دي تقف هنا دلوقتي قدامي وقدام عيالي وتعتذر بالكلمة الطيبة وتبوس راس عيالي اللي كسرت نفسهم، يا إما نقسم العيشة في المحاكم وتشوفني هعمل فيك إيه بالورقة دي".
مراته لما سمعت الكلام ده، بصت لسالم بعين كلها رعب ودموع، وخافت من الطرد والفضايح ومن إن الجوازة والبيت يضيعوا.. بصت لي وبدأت تعيط بنحيب وتقول بصوت منكسر: "حقك عليا يا صابرين.. حقكم عليَا يا ولاد.
. والله العظيم ما كان قصدي أجرحكم، سامحوني والنبي واستروا علينا".. وجريت على عيالي اللي كانوا واقفين في باب الأوضة خايفين، وبدات تبوس دماغهم وتقولهم حقكم على راسي، وسالم واقف مكتوف الأيدي، دمه محروق، ووشه متلون بكل ألوان القهر والذل، وشايف مراته اللي كانت ماليّة عليه البيت واقفة بتتذلل قدامي عشان أنقذ رقبتهم.
بعد ما انتهى مشهد الاعتذار، بصيت لسالم وقلت له: "تشربوا إيه؟.. شاي العار ده حلو ولا مر زي عمايلكم؟".. سالم بص لي نظرة حسرة ونفَسَه بيطلع بصعوبة وقال بصوت مكسور: "كفاية يا صابرين.. كفاية.. عملتي اللي أنتِ عاوزاه وكسرتي عضمي قدام مراتي وفي بيتي".
. رديت عليه بمنتهى البرود والقسوة: "أنا مكسرتش حد.. أنا بس رجعت كل واحد لحجمه الطبيعي.. وورقة الأرض دي هتفضل في خزنتي، لو فكرت تاني تدوس لي على طرف ولا تبص لعيالي بعين قليلة الأدب، هقسم البلد نصين عليك.. ادخلوا في داهية تاخدكم".
مشوا من عندي وهم مكسورين، والذل ماشي وراهم خطوة بخطوة.. دخلت لعيالي، لقيتهم بيبصولي بفخر وامتنان.. ح. ضنتهم جامد وبستهم، ودموع النصر والوجع مع بعض نازلة على خدودي.. حسيت لأول مرة إني مش ضعيفة، وإن الست اللي وراها كرامة وعزّة نفس، وتقدر تزل أقوى راجل لو تجرأ وقرب لولادها.
. ومن اليوم ده، لا سالم تجرأ يرفع عينه في وشنا، ولا مراته جابت سيرة عيالي بكلمة واحدة، وبقينا أنا وعيالي سند بعض، والدنيا عرفت إن "اللي ملوش ضهر.. ربنا سبحانه وتعالى بيدي له القوة يكسر بيها أي ضهر كسر ضهره".
حكايات زهره 2
عدت الأيام، ورغم إن سالم ومراته نفذوا اللي طلبته بالحرف وبقوا ماشيين جنب الحيط وخايفين يفتحوا بقهم بكلمة واحدة، إلا إن جرح عيالي وكسرة نفسي ماكانوش بيختفوا بالساهل. فلوس معاش جوزي كانت على قد اللقمة، والديون اللي سابها وراه كانت كتيرة، وأنا كنت قاعدة في بيت قديم الإيجار بتاعه بينتهي خلال شهرين، وصاحب البيت كان مهددني إنه يا إما يدفعني أضعاف المبلغ يا إما يطردني أنا وعيالي في الشارع.
في يوم، وأنا قاعدة بالليل ماسكة ورقة وقلم وبحسب الحسابات اللي مش بتكفي، سمعت صوت خبط خفيف على باب الشقة.. استغربت، مين هيخبط في وقت متأخر كده؟! فتحت الباب، وهنا كانت المفاجأة اللي هزتني من جوه.
لقيت قدامي جارتنا الحاجة "تيسير"، ست كبيرة في السن ومن أطيب أهل الشارع، ومعاها شنطة صغيرة وفي إيدها طبق رز بعلبة سمنة بلدي.. دخلت ودخلتها معايا وهي بتقول بصوت هادي وحنين: "ازيك يا صابرين يا بنتي؟..
معلش جيت في وقت متأخر، بس قلبي كان حاسس بيكي، وعارف اللي مررتي بيه الأيام اللي فاتت مع أخوكي، وحسيت إني لازِمه أجيلك وأطمن عليكي بنفسي".أول ما سمعت كلامها، حسيت إن الدموع اللي حبستها أيام نزلت غصب عني..
قعدت على الكرسي وأنا بعيط بهدوء، وقلت لها: "الدنيا ضاقت عليّ قوي يا حاجة تيسير.. جوزي مات وسابني، وأخويا باعني، وصاحب الشقة هيدخلني القسم عشان الإيجار، وعيالي بيبصولي كأنهم مستنيين المعجزة.. وأنا مفيش في إيدي حاجة".
الحاجة تيسير ابتسمت بحنان، وقالت لي جملة غيرت مجرى تفكيري كله: "مين قال إن مفيش في إيدك حاجة يا بتي؟.. هو أنتِ مفكرة إنك لسه ضعيفة زي الأول؟.. ده أنتِ بقيتي حديث الشارع كله بشجاعتك، والست اللي تقف وتقهر راجل زي سالم وتجيبه هو ومراته لبيت غلبانة عشان تعتذر، قادرة تعمل المستحيل".
سألتها باستغراب: "مستحيل إيه بس يا حاجة؟.. أنا أخري مخرز في حيطة وبطبخ بالقطارة".قالت لي وهي بتطلع كارت صغير من جيبها: "اسمعي مني.. أنا ليا بنت أخت شغالة مسؤولة في مصنع ملابس كبير هنا في المنطقة، والمصنع ده بيوزع شغل تطريز وخياطة منزلية للستات اللي زي الذهب اللي زيك، بيدي فلوس كويسة جداً، وأنتِ ماشاء الله عليكي إيدك تتفحر في الصخر وتعرفي تعملي أحلى شغل.
. وأنا كلمتها عليكي، وهي مستنية تروحيلها بكره الصبح بالبطاقة عشان تاخدي أول دفعة شغل تفصيل وتطريز في البيت، وتكسبي من تعب إيدك بالحلال ومن غير ما تحتاجي لجزمة أخوكي ولا لغيره".الكلام نزل على قلبي زي براد مية ساقعة في عز الحر.
. حسيت إن باب السما اتفتح، وإن ربنا سبحانه وتعالى بيبعت لي المدد من حيث لا أحتسب. ح. ضنت الحاجة تيسير وعيطت من الفرحة، وقلت لها: "ربنا يجعلك سبب لسترنا وفرحة عيالي يا حاجة.. بكره الصبح أكون عندك وعند بنت أختك".
وفعلاً، تاني يوم الصبح الباكر، لبست ونزلت وأنا حاسة إن خطواتي على الأرض أثقل وأقوى.. دخلت المصنع، وقابلت بنت أخت الحاجة تيسير، شافت عينات من شغلي القديم في التطريز والخياطة، وانبهرت بيه جداً، وطلعت لي أول عقد شغل منزلي مع دفعة أقمشة جديدة فخمة وجميلة، وقبضت "عربون" الشغل في ايدي لأول مرة أحس بطعم الفلوس اللي جاية من تعرق جبيني وكرامتي المصانة مش من مية المنّ والذل.
رجعت البيت على أسرع ما يمكن، وفتحت شنطة الشغل قدام عيالي، وعينيهم لمعت بالفرحة والذهول.. طلعت لهم من عربون الشغل لبس جديد وجميل، وعلبة حلويات كانوا بيحلموا بيها.. وقلت لهم بصوت كله عزة نفس وشموخ: "شايفين يا ولاد؟.. ربنا عمره ما بينسى حد..
من النهاردة مفيش حد هيقدر يكسرنا، وأمكم هتبني لكم قصر بتعب إيديها".بس القصة لسه مخلصتش.. وفي الوقت اللي كنت ببدأ فيه صفحة جديدة وناجحة في حياتي، وصلني خبر من جوه عيلة سالم.. خبر هيخلي سالم بنفسه يجيلك لغاية باب الشقة ويطلب الرضا رجاءً، واللي حصل بعد كده كان مفاجأة ما تخرش المية!
الجزء ده كان نقطة تحول في حياتي، بدأت أسهر الليالي اشتغل بإيدي وبكل حب وفن في شغل التطريز والخياطة، وفلوس الشغل بقت تدخل البيت بالحلال، ورفعت راسي قدام الدنيا كلها. عيالي بقوا بيروحوا مدارسهم بلبس نظيف وجديد، وابتسامتهم رجعت تاني تملى البيت، ونسوا أيام القهر والشنطة القديمة.
وفي يوم، وأنا مندمجة في الشغل، لقيت خبط على الباب.. استغربت، مين هيخبط في الوقت ده؟ فتحت الباب، وهنا كانت الصدمة.. لقيت "سالم" أخويا واقف قدامي، بس مش سالم القديم المتكبر اللي كان بيزعق في التليفون.. كان واقس وشه مكسور، عينه في الأرض، ودموعه على خدوده، ومنهار بطريقة تقطع القلب!
وقبل ما انطق بكلمة، رمى نفسه على بابه وبدأ يعيط بنحيب وهو بيقول بصوت مجروح: "سامحيني يا صابرين.. سامحي أخوكي.. الدنيا انتقمت مني أشد انتقام، وربنا جابلك حقك تالت ومثلث وأنا واقف عاجز مش قادر أعمل حاجة!".اتسمرت مكاني وبصيت له باستغراب وقسوة: "أنت جاي تعمل إيه هنا يا سالم؟
! وايه اللي جابك بعد ما بعتني للزمن؟!".رفع عينه المكسورة وقال لي بصوت مخنوق: "مراتي.. مراتي اللي بعتت عيالها تكسر نفس عيالك وتذلكم.. عملت حادثة عربية مرعبة من ساعتين.. وهي دلوقتي في المستشفي بين الحياة والموت، والدكاترة بيقولوا حالتها خطيرة ومحتاجة عملية تكلف آلاف الجنيهات، وأنا مش معاي مليم واحد، والكل تخلى عني.
. ومافيش غيرك أخته سند وستر.. وعارف إني ما أستاهلش، بس عشان خاطر أبويا اللي مات، الحقينا!".قلبي اتقبض، وبصيت له وهو واقف كسران ومنهار قدامي، ولقيت عيالي واقفين ورایي بيبصوا لخالهم وهو بيعيط.. فكرت لحظة.. هل أعامله بقسوته ولا أعمل بأصله وأصل أخلاق أبويا الله يرحمه؟
ودلوقتي وصلنا للمحطة الأخيرة.. الجزء اللي هيختم الحكاية دي كلها ويكشف مصير مرات سالم وإيه اللي هيحصل بيننا!وقف قدامي مستني كلمة واحدة.. بصيت له وهو منهار ومنكسر، والدنيا اللي كانت فخورة بقوتها وبتجبرها عليه، وقفت قدام ميزان الإنسانية وأصل التربية.
العقل كان بيقول لي: "فكر في اللي عملته فيك وفي عيالك، دي كانت شمتانة فيكم وفي فقركم، وبعتت عيالها تذلكم"، بس القلب اللي تربى على صلة الرحم وريحة أبويا الله يرحمه كان بيرفض القسوة المطلقة.
بلعت غصة في ضلمة زوري، وبصيت لعيالي اللي كانوا واقفين مترقبين، وكأنهم مستنيين يشوفوا رد فعلي على "خالهم" اللي كسر نفوسهم قبل كده. نزلت لمستوى أصغرهم، وطبطبت على كتفه، وبصيت لسالم وقلت بصوت حاسم وجاد:"أنت ظلمتني يا سالم.
. وظلمت عيالي الأيتام في وقت كنا محتاجين فيه كلمة طيبة مش إهانة وذل.. ومرتك جادت على عيالي بالزبالة والمقطع وهي فاكرة إن ربنا مش هيدير الكفة.. بس أنا مش هعمل زيها.. أنا مش قاسية، ولا اتشمت في مأساة حد، لأن وجع الفقد ده أنا دوقته وعارفة هو إيه..
ادخل يا سالم، وربنا يكتب لها الشفاء".سالم فتح عيونه بصدمة ودموعه نزلت بغزارة أكبر، وباس إيدي وهو بيعيط بحرقة: "أنا كنت جاهل وعمياني الدنيا يا صابرين.. تسلمي لي يا بنت أبويا، وربنا ما يكسر لك قلب ابداً".
دخلت الأوضة وطلعت "حويشة" الفلوس اللي كنت جمعتها بعرق جبيدي وتعب ليالي التطريز والخياطة اللي فاتت، واديتها له كلها من غير تردد، وقلت له: "خد، دي للعملية.. مش عشان خاطر مرتك، ولا عشان خاطرك أنت، دي عشان ربنا يعلم إني لو لقيت ميت قدامي مش هسيبه، وعلشان ولادها ما يحسوش بالكسرة اللي عيالي حسوها يوم ما بعتت لهم الهدوم المقطعة.
. روح، وربنا يقومها بالسلامة".سالم خد الفلوس وجري على المستشفى، وعدت الساعات الطويلة وأنا قاعدة على أحر من الجمر، بدعي من قلبي إن ربنا ينجي الست دي عشان ما يتتمش عيالها برضه، لأن إحساس الأيتام أنا عارفاه كويس ومش تمناه لحد، حتى لو كان لظالم. بعد ساعات، رجع سالم البيت.
. ملامحه كانت متغيرة، ودموع الندم كانت واضحة على وشه. دخل ووقف قدامي، وقال بصوت خاشع ومكسور: "العملية نجحت يا صابرين.. الدكاترة قالوا إنها عدت مرحلة الخطر بفضل ربنا ثم بفضلك وبفلوسك اللي أنقذت حياتها.. ومراتك فاقت، وأول كلمة نطقتها وهي بتعيط قالت لي: روح هات صابرين وعيالها عشان أبوس رجليها وأطلب السماح منها قدام الدنيا كلها".
هزيت رأسي بهدوء، وقلت له: "مش عايزة حد يبوس رجلي يا سالم.. الكرامة مش في التذلل، الكرامة في الفعل.. ومرتك لو اتعلمت الدرس وفهمت إن الدنيا دايرة، يبقى كفاية عليّ كده.. خلى بالك من بيتك ومن عيالك، وانسى موضوع ورقة الأرض اللي كنت مخوفك بيها، أنا حرقت الورقة دي من يومين.
. لأن حقي اخدته بكرامتي وعمل إيدي، ومش محتاجة أملك بيت أخدته بالطريقة دي".سالم اتسمع مكاني كأنه اتكهرب، وبص لي بعدم تصدق: "حـ.. حرقتي الورقة يا صابرين؟! بعد كل اللي عملناه معاكي؟!".ابتسمت بهدوء وثقة، وقلت له: "آه حرقتا..
عشان تفهم إن اللي معاها ربنا وبتجيب رزقها بعرق جبينها، مش محتاجة تلوح ل أخوها بورقة ولا تهدده.. أنا عشت بقوتي ومش بضعفي، ومسامحكم لوجه الله، بس بشرط.. إياك في يوم تقفل بابك في وش محتاج، وإياك تنسى إن السند الحقيقي هو ربنا ثم عملك الطيب".
مشي سالم وهو حاسس إنه أصغر راجل في الدنيا قصاد كرم أخته اللي كسرت عينه بالأصول والأخلاق مش بالقانون والشرطة. ومن اليوم ده، حياتنا أنا وعيالي انقلبت 180 درجة. المصنع بتاع التطريز والخياطة كبر والشغل بقى كتير، وبقيت أستاذة معروفة في منطقتنا بجودة شغلي وأمانتي، وفتحت محل صغير خاص بي أنا وعيالي، والكل بقى يحترمني ويقدرني.
عيالي دخلوا أحسن المدارس، وبقوا شاطرين ومتميزين، وكل ما حد فيهم يبص لي ويقول لي: "يا ماما إحنا فخورين بكي"، بحس إن تعب السنين ومرارة الأيام راحوا ونسيتهم في ثانية. أما سالم ومراته، فبقوا أسرة تانية خالص..
مراته بقت تزورنا في الأعياد والمناسبات وهي حاطة عينها في الأرض من كتر الكسوف والخجل، وبقت تجيب معايا هدايا لعيالي تعويضاً عن اللي فات، وكل ما تشوفني تبوس راس وتقول لي: "أنتِ مش أخت سالم وبس، أنتِ أجدع ست في الدنيا علمتينا معنى الأصول والكرامة الحقيقية".
وعرفت ساعتها الحكمة الإلهية في الابتلاء.. ربنا مش بيختبرنا عشان يكسرنا، ربنا بيختبرنا عشان يطلع أنظف ما فينا، ويقوينا لحد ما نبقى جبل ما يهزه ريح. والدنيا مهما كانت قاسية، ومهما حسيت في يوم إنك "لوحدك" ومفيش ضهر تتسند عليه، افتكر دايماً إن "اللي معاها ربنا.
. عندها أجدع وأقوى ضهر في الدنيا كلها"، وإن الكرامة والعزة هما الكنز الحقيقي اللي مفيش أي مال في الدنيا يقدر يشتريه.

تعليقات
إرسال تعليق