سكريبت في عيد ميلاد حمايا كاملة حكايات انجى الخطيب
سكريبت في عيد ميلاد حمايا كاملة حكايات انجى الخطيب
في عيد ميلاد حمايا، جوزي ربطني تحت صورة العيلة الكبيرة اللي متعلقة في الصالة، عشان أمه كانت عايزة كل اللي موجودين يشوفوا بعنيهم إيه اللي بيحصل للست اللي تجرؤ وتسأل جوزها فلوس البيت بتروح فين. أخته قربت مني وشالت الشاش اللي كان مغطي الچرح اللي في جبيني، وأهله منعوا أي حد من قرايبهم إنه يتدخل أو حتى يحاول يساعدني. الډم كان بينزل على حاجبي، وأنا قاعدة على الأرض قدامهم، لحد ما المصور طلب من العيلة كلها تقرب من بعض عشان ياخد الصورة.
لحد النهارده، لسه فاكرة صوت حزام الكاميرا وهو بيتحرك، والكل بيزق في بعض عشان يقفوا في أماكنهم ويستعدوا للتصوير.
كان المفروض إنه عيد ميلاد عادي. احتفال بعيد ميلاد حمايا، ولمة عيلة، وتورتة وشموع وصور تفضل ذكرى حلوة للسنين الجاية. صورة تتحط في برواز كبير في نفس البيت اللي قضيت فيه سنين من عمري وأنا بحاول أرضي الكل وأحافظ على الهدوء، حتى لو كان ده على حساب راحتي وكرامتي.
لكن اللي حصل إنني كنت قاعدة على أرض الصالة تحت صورة العيلة، وإيديا مربوطين، وبسمع الناس اللي طول عمرهم بيقولوا إنهم أهلي بيتكلموا عن ۏجعي وكأنه مش أكتر من درس لازم آخده قدامهم كلهم.
حماتي كانت واقفة قدامي بكل غرور، وبتتكلم بنبرة واحدة بتشرح لستات العيلة إزاي يربّوا مرات ابنهم على الطاعة. فضلت تكرر إن كل ست لازم تعرف حدودها، وإن اللي تعيش في بيت جوزها لازم تتعلم ما تسألش عن الفلوس ولا تحشر نفسها في حسابات مش من حقها.
أنا ما سرقتش فلوس حد، ولا خنت جوزي، ولا عملت حاجة تستاهل اللي بيحصل لي.
كل اللي عملته إني سألت عن فلوس البيت اللي كانت بتخلص قبل آخر الشهر، وعن الفواتير اللي بدأت تتراكم، وعن المصاريف اللي بقت أكبر من دخل جوزي، رغم إنه كان دايمًا يرفض يشرح لي الفلوس بتروح فين.
كنت مراته، وشريكته في الحياة، والست اللي بتشيل معاه مسؤولية البيت، ومن حقي أفهم إحنا بنصرف فلوسنا إزاي.
لكن بالنسبة لهم، مجرد إني سألت كان كفاية عشان يقرروا إن لازم أتهان وأتكسف من نفسي قدام العيلة كلها.
أخت جوزي قربت مني بخطوات بطيئة، وبصت لي بنظرة كلها شماتة، وبعدها مدت إيدها وشالت الشاش عن چرحي پعنف.
حسيت بلسعة ۏجع خلتني أغمض عيني للحظة، لكني ما صرختش.
هي رفعت الشاش قدام الموجودين وقالت بصوت عالي أهو! عشان كل واحدة تعرف إن اللي تتحدى عيلة جوزها، لازم تستحمل نتيجة اللي بتعمله. إحنا مش هنفضل نطبطب على واحدة فاكرة نفسها تقدر تمشي البيت على مزاجها!
بصيت لها وأنا بحاول أتماسك، لكن الډم كان بينزل من الچرح وبيجري على جنبي وشي.
والأصعب من الۏجع نفسه ما كانش اللي بيحصل لي، لكن الناس اللي كانوا واقفين بيتفرجوا وساكتين.
قرايب جوزي اللي أكلوا من أكلي، وقعدوا على سفرتي، وكنت بخدمهم في كل مناسبة، كانوا بيهربوا بعنيهم من عيني. واحدة كانت ماسكة منديل وبتعصره بين صوابعها من التوتر، وواحد من رجالة العيلة كان بيحاول يبص في أي حتة غير ناحيتي.
لكن محدش اتحرك.
حماتي كانت مديّة أوامرها بوضوح، واللي يحاول يساعدني أو يفك رباط إيديا هيبقى هو كمان في وش المدفع.
وجوزي، اللي كنت فاكرة في يوم من الأيام إنه أماني وسندي، كان واقف جنب أمه، وكأنه بيتفرج على مشهد مش بيخصه.
ما حاولش حتى يسأل إذا كنت محتاجة دكتور، ولا اهتم إن الډم مش بيقف.
كل اللي كان فارق معاه إن أمه تكون راضية، وإن محدش يخرج عن الكلام اللي هي قالته.
وفجأة، المصور اللي كان واقف جنب باب البلكونة رفع الكاميرا وقال طيب يا جماعة، لو سمحتوا قرّبوا من بعض شوية. عايزين الصورة تطلع حلوة، خصوصًا إن دي مناسبة عائلية ومش بتتكرر كل يوم.
للحظة، افتكرت إنه أكيد مش فاهم اللي بيحصل، وإنه لما يشوفني بالشكل ده مستحيل يوافق يصور.
لكن حماتي ردت عليه بكل برود ما تقلقش يا أستاذ، إحنا بس بنفهم مرات ابننا الأصول. صوّر وإنت ساكت، دي حاجة عائلية ومش من حق حد يتدخل فيها.
وبعدها بصت لجوزي وقالت تعالى يا حبيبي، اقف جنبي. وخلي أختك تقف الناحية التانية. عايزين صورة تفضل فاكرة فيها كويس اليوم اللي اتعلمت فيه الأدب.
جوزي اتحرك ووقف جنب أمه، وأخته عدّلت طرحتها وبصت في مراية الصالة الصغيرة، وبعدها قربت من مكانها وهي بتبتسم ابتسامة باردة.
بعض قرايبهم بدأوا يقفوا وراهم، وكل واحد بيحاول يلاقي مكان مناسب عشان يظهر في الصورة.
والغريب إن واحدة من قرايب جوزي قالت وهي بتضحك يلا يا جماعة، ابتسموا بقى! مش معقول عيد ميلاد الحاج محمود يعدّي من غير صورة حلوة.
الحاج محمود، حمايا، كان قاعد على كرسيه المفضل جنب السفرة، لابس جلابية جديدة، وقدامه طبق جاتوه وكوباية شاي، وبيتفرج على كل اللي بيحصل من غير ما ينطق بكلمة.
كان ممكن يتدخل.
كان ممكن يقول كلمة واحدة توقف المهزلة دي كلها.
لكنه اكتفى إنه يرفع كوباية الشاي لشفايفه، وكأن اللي قاعدة على الأرض قدامه دي ست غريبة مش مرات ابنه.
في اللحظة دي، حسيت إن آخر خيط كان بيربطني بالعيلة دي اتقطع.
سنين وأنا بسكت عشان البيت ما يخربش، وبعتذر حتى وأنا مش غلطانة، وبحاول أعدّي كل موقف صعب على أمل إن جوزي في يوم يفهم إن ليّا كرامة ومشاعر، وإن الجواز مش معناه إن الست تتحول لخدامة مالهاش رأي ولا صوت.
لكن وأنا قاعدة تحت صورة العيلة الكبيرة، وإيديا مربوطين، والدم على وشي، فهمت إن كل السنين دي ما كانتش بتصلح حاجة.
كانت بس بتديهم فرصة يتمادوا أكتر.
المصور رفع الكاميرا من جديد، وطلب من الموجودين يقربوا مني عشان الصورة تبان كأن العيلة كلها واقفة حواليا.
جوزي وقف جنب أمه، ومد إيده يعدّل ياقة قميصه، وبعدها بص لي بطرف عينه وقال ببرود ارفعي راسك شوية، بدل المنظر اللي إنتِ عاملاه ده.
رفعت راسي ببطء.
لكن مش عشان أنفذ كلامه.
رفعتها عشان أبص فوقي، ناحية صورة العيلة المعلقة على الحيطة.
الصورة دي كانت متعلقة من سنين، وكانوا دايمًا بيتفاخروا بيها قدام الضيوف. صورة قديمة للحاج محمود وحماتي وولادهم، وكلهم واقفين بملابس أنيقة وابتسامات واسعة، كأنهم أكتر عيلة مترابطة في الدنيا.
كنت كل ما أبص للصورة أفتكر إن ده البيت اللي المفروض أكون فيه مطمنة، وإن الناس اللي فيه مهما اختلفوا معايا، مش ممكن يسمحوا بإهانتي بالشكل ده.
لكن الحقيقة كانت قدامي دلوقتي.
الصورة اللي فوق راسي كانت مجرد شكل جميل بيغطّي على حاجات محدش عايز الناس تعرفها.
وفجأة، استوعبت إن الصورة الجديدة اللي بيحاولوا ياخدوها مش مجرد محاولة لإهانتي.
دي دليل.
دليل على اللي عملوه فيا، وعلى الطريقة اللي اتعاملوا بيها معايا، وعلى إن كل واحد فيهم اختار يقف في صف الظلم بدل ما يحاول يوقفه.
بصيت للمصور، ولأول مرة من بداية الليلة دي، ما حسيتش بالخۏف منه ولا من الكاميرا اللي في إيده.
خليهم يصوروا.
خليهم يبتسموا.
خلي كل واحد فيهم يفتكر إنه انتصر لمجرد إنه قدر يكسرني قدام الناس.
الكاميرا اترفعت للمرة التالتة، والمصور حط عينه ورا العدسة، وقال
تمام يا جماعة، بصوا هنا... واحد... اتنين...
لكن قبل ما يقول تلاتة، وقبل ما الفلاش ينور الصالة، سمعنا صوت خطوات جاية من ناحية باب الشقة.
واحد كان واقف عند المدخل اتحرك لقدام، وقال بصوت هادي لكنه واضح استنوا التصوير شوية... محدش يتحرك من مكانه.
الكل لف ناحية الباب.
جوزي عقد حواجبه وقال بعصبية إنت مين يا عم؟ وإزاي تدخل من غير استئذان؟
الراجل ما ردش عليه.
كان ماسك حاجة في إيده، وواقف ثابت قدام الباب، وعينيه بتتنقل بيني وبين حماتي، لحد ما رفع الحاجة اللي معاه قدامهم.
في اللحظة دي، ابتسامة حماتي اختفت من على وشها، وجوزي رجع خطوة لورا، وأخته شهقت وحطت إيدها على بقها.
أما الحاج محمود، اللي كان طول الوقت ساكت، فحط كوباية الشاي على الترابيزة بسرعة لدرجة إنها خبطت في الطبق اللي جنبها.
الراجل بص لهم كلهم، وبعدها قال جملة واحدة خلت الصالة كلها ټغرق في صمت مرعب
قبل ما تاخدوا الصورة دي، في حاجة لازم تعرفوها... الفلوس اللي مرات ابنكم سألت عنها مش هي المشكلة الحقيقية. المشكلة إن اللي سرق الفلوس دي واقف وسطكم دلوقتي، والليلة دي هنعرف مين هو.
حماتي بصت لجوزي، وجوزي بص لأبوه، وأبوه لأول مرة ما عرفش يهرب بعينيه من نظرات اللي حواليه.
أما أنا، ففضلت قاعدة على الأرض، مش فاهمة إيه اللي الراجل ده جابه، ولا إزاي عرف موضوع الفلوس.
لحد ما مد إيده وفتح الملف اللي كان ماسكه، وطلع منه ورقة عليها توقيع جوزي.
ساعتها بس، فهمت إن الليلة دي مش هتنتهي بصورة عائلية زي ما كانوا مخططين...
لأن السر اللي خبّوه عني سنين، واللي بسببه اتربطت واټجرحت واتذليت قدامهم، كان أخيرًا على وشك إنه ينكشف.
الراجل اللي كان واقف عند باب الشقة ما استناش حد يرد عليه، فتح الملف اللي في إيده وطلع منه كذا ورقة، وبعدها حطهم على الترابيزة اللي في نص الصالة، وقال بصوت ثابت أنا مش جاي أفسد عيد ميلاد حد، ولا جاي أعمل ڤضيحة لحد من غير دليل، أنا جاي عشان أوقف چريمة كانت بتتعمل في حق ست ملهاش ذنب غير إنها سألت عن حقها.
حماتي قامت من مكانها بسرعة، ووشها اتقلب من الغرور للڠضب، وقالت إنت بتقول إيه يا أستاذ؟ وإنت مين أصلًا عشان تدخل بيتنا وتتكلم بالطريقة دي؟ هو البيت بقى وكالة من غير بواب؟
الراجل بص لها بهدوء وقال أنا اسمي المستشار شريف منصور، المحامي اللي كان بيتابع حسابات الشركة اللي حضرتك وابنك بتتعاملوا معاها، وجيت هنا بناءً على طلب صاحب الحساب الأصلي، ومعايا مستندات تثبت إن فيه تحويلات مالية اتعملت من غير علم صاحبها.
حمايا وقف مرة واحدة، لدرجة إن الكرسي اتزحلق لورا وخبط في الحيطة.
تحويلات إيه؟ وإيه الكلام الفارغ ده؟
المستشار شريف فتح الملف تاني، وطلع صورة من كشف حساب، وحط صباعه على مجموعة أرقام وقال دي تحويلات خرجت من حساب شركة الحاج محمود عبدالسلام على مدار سنة ونص، بإجمالي مبلغ كبير، وكل تحويل منهم راح لحساب مختلف. لكن الغريب إن التوقيعات اللي على طلبات الصرف مش كلها متطابقة مع توقيع صاحب الشركة.
جوزي، كريم، حاول يضحك، لكنه فشل. ضحكته طلعت متقطعة، وعينيه كانت بتتحرك بسرعة بين الورق وبين الراجل.
قال باستهزاء مصطنع يا أستاذ شريف، حضرتك أكيد فاهم غلط. دي حسابات عائلية، وأي فلوس بتتحرك بتبقى بعلم بابا. إحنا مش في محكمة هنا.
المستشار رد عليه من غير ما يرفع صوته صحيح، إحنا مش في محكمة، لكن المستندات دي ممكن تبقى جزء من قضية لو ثبت إن فيه تزوير أو استيلاء على أموال من غير وجه حق. وعشان كده، قبل ما أي حد يتهم حد، خلينا نسمع التفسير.
حماتي قربت من ابنها وحطت إيدها على كتفه، كأنها بتحاول تحميه من حاجة أكبر منها، وقالت كريم مش ناقصه الكلام ده في يوم زي ده. والست اللي قاعدة على الأرض دي هي السبب في كل اللي بيحصل. من ساعة ما دخلت العيلة وهي بتدور على المشاكل، وكل شوية تسأل الفلوس راحت فين، وتفتش ورا جوزها كأنها رقيب عليه.
لأول مرة من بداية الليلة، حسيت إني مش قادرة أصدق اللي بسمعه.
حتى بعد ما ظهر دليل على وجود مشكلة مالية، كانت بتحاول تحوّل الموضوع كله لاتهام ضدي.
بصيت لها وقلت بصوت مبحوح أنا سألت عشان فواتير البيت كانت بتتراكم، وعشان كريم كان بياخد فلوس المرتب كلها، وفي آخر الشهر يقولي مفيش فلوس للأكل ولا لمصاريف البيت. أنا ما طلبتش غير إني أفهم.
كريم لف ناحيتي بعصبية وصاح إنتِ تسكتي خالص! إنتِ لسه فاكرة إن ليكي كلمة هنا؟
المستشار شريف رفع إيده يمنعه من الاقتراب، وقال بحزم لو سمحت، محدش ېهدد حد ولا يقرب منه. وإحنا لازم نبدأ بحاجة أهم من الفلوس كلها.
وبص ناحية إيديا المربوطين، وبعدها ناحية الډم اللي كان لسه ظاهر على جبيني.
ملامحه اتغيرت، وقال مين اللي ربط الست دي؟ ومين المسؤول عن إصابتها؟
ماحدش رد.
حتى صوت الموسيقى اللي كان شغال من أول الحفلة، حد راح قافله، فبقت الصالة ساكتة بشكل يخوف.
المصور كان واقف جنب البلكونة، والكاميرا نازلة من إيده، وعمال يبص لي وبعدين يبص للناس اللي حواليه.
المستشار شريف اتجه ناحيتي، ونزل على ركبة واحدة على مسافة مناسبة، وقال بهدوء مدام، إنتِ تقدري تتكلمي؟ محتاجة دكتور؟
بصيت له، وحاولت أبلع ريقي، لكن حلقي كان ناشف.
قلت أنا عايزة أفك إيديا الأول.
لف ناحية الموجودين وقال بصوت حاسم فكوا الرباط حالًا.
كريم اتحرك كأنه هيعترض، لكن أبوه سبقه وقال بصوت مرتعش فكوا إيديها.
واحد من قرايبهم قرب مني بسرعة، وبدأ يفك الحبل اللي كان رابط رسغي. أول ما إيديا اتحررت، حسيت پألم شديد في صوابعي، وفضلت أحركها ببطء عشان الډم يرجع يجري فيها بشكل طبيعي.
المستشار شريف مد لي منديل نظيف، وقال ما تلمسيش الچرح، والإسعاف لازم يكشف عليكي.
حماتي اڼفجرت في الكلام إسعاف إيه؟ هو إحنا قتلناها؟ دي خناقة بين راجل ومراته، والبيوت كلها بيحصل فيها خلافات! إنتوا هتكبروا الموضوع ليه؟
المستشار وقف وبصلها نظرة ثابتة.
الخلافات مش مبرر لربط إنسانة وإصابتها وإھانتها قدام الناس. وكون الواقعة حصلت جوه بيت مش معناه إنها خرجت من نطاق القانون.
الكلمة الأخيرة وقعت على الصالة زي الحجر.
القانون.
الكلمة اللي واضح إنهم ما تخيلوش إنها ممكن تدخل بيتهم في يوم من الأيام.
حمايا مسح على وشه وقال يا أستاذ شريف، أنا مش فاهم إنت جاي منين بكل ده. أنا صاحب الشركة، وأنا اللي أقرر أعمل إيه في فلوسي.
المستشار رد وده بالضبط اللي لازم نتأكد منه يا حاج محمود. حضرتك طلبت مني من أسبوعين أراجع حركة الحسابات بعد ما اكتشفت إن فيه نقص في السيولة، وطلبت مني ما أتكلمش مع أي حد لحد ما أجمع المستندات. أنا نفذت طلبك، لكن النهارده وصلني تسجيل من كاميرا المكتب فيه كلام خطېر، ومعاه مستندات إضافية.
كريم اتجمد مكانه.
أخته، داليا، بصت له بسرعة، وبعدها رجعت تبص للمستشار.
حمايا قال بحدة تسجيل إيه؟
المستشار طلع موبايله وقال تسجيل لاجتماع حصل في مكتب الشركة من حوالي
شهر، بين كريم وشخص تاني، واتكلموا فيه عن تحويل مبالغ مالية لحسابات خارج حسابات الشركة، وعن توقيعات اتعملت على مستندات من غير الرجوع لحضرتك.
كريم قرب خطوة وقال إنت بتسجل الناس من غير إذنهم؟ ده غير قانوني!
المستشار رد بهدوء التسجيل موجود على كاميرا المراقبة الخاصة بالمكتب، وهنسيب للجهات المختصة تقييمه وفحصه. أنا مش هنا عشان أصدر أحكام، أنا هنا عشان أسلم المستندات لصاحب الحق وأحافظ على الأدلة.
حمايا مد إيده للموبايل، لكن المستشار رجعه بعيد عنه.
من فضلك، ما تلمسش أي حاجة تخص الملف.
في اللحظة دي، حسيت إن فيه حاجة أكبر من مجرد فلوس البيت بتنكشف قدامنا.
بصيت لكريم، ولأول مرة ما شفتش جوزي اللي كنت بحاول أفهمه وأرضيه. شفت راجل خاېف من إن الحقيقة تظهر، وبيحاول بأي طريقة يهرب من اللحظة اللي لازم يواجه فيها نفسه.
لكن لسه ما كنتش أعرف إن الورقة اللي عليها توقيعه هتفتح باب لحكاية أفظع بكتير من كل اللي حصل لي في الصالة.
المستشار شريف طلع الورقة اللي كان رافعها من شوية، ومدها للحاج محمود.
دي صورة من طلب تمويل داخلي، عليه توقيع منسوب لحضرتك، وبموجبه اتسحب مبلغ كبير من حساب الشركة. المشكلة إن الطلب نفسه اتقدم في يوم حضرتك كنت فيه مسافر بره القاهرة، وفيه مستندات بتشير إن التوقيع اتعمل من خلال جهاز موجود في مكتب ابنك.
حمايا أخد الورقة بإيد بتترعش، وقعد يقراها كأنه مش فاهم الكلام المكتوب فيها.
وبعدين رفع عينه لكريم.
إنت عملت كده؟
كريم رد بسرعة لأ يا بابا، طبعًا لأ. ده أكيد تزوير، وحد بيحاول يوقع بيني وبينك.
طب مين اللي استخدم توقيعي؟
معرفش!
والفلوس راحت فين؟
كريم سكت.
حماتي دخلت بينهم وقالت يا محمود، إنت هتصدق واحد غريب وتسيب ابنك؟ كريم عمره ما يعمل كده. ده ابنك اللي شقيان معاك من سنين.
حمايا بص لها پصدمة وقال أنا ما اتهمتوش، أنا بس بسأله. ليه خاېفة من السؤال؟
حماتي اتلخبطت، لكنها رجعت بسرعة لنبرتها الحادة.
أنا مش خاېفة من حاجة، بس مش هسمح لحد يهين ابني قدامي.
داليا كانت واقفة ورا أمها، ووشها شاحب. فجأة قالت كفاية بقى!
الكل بص لها.
كريم صړخ إنتِ مالك؟
داليا رجعت خطوة لورا، لكنها المرة دي ما سكتتش.
مالي إنكم كلكم بتتكلموا عن العيلة والشرف، وكأن محدش فيكم غلطان. مالي إني شايفة مراته قاعدة مچروحة على الأرض، ولسه بدل ما تسألوا عليها بتفكروا مين هيطلع شكله وحش قدام الناس.
حماتي شهقت وقالت إنتِ كمان هتقفي ضد أخوكي؟
داليا بصت لها وعينيها لمعت بالدموع.
أنا مش ضد أخويا، أنا ضد اللي عمله. وده فرق كبير.
كريم قرب منها بعصبية، لكن الحاج محمود وقف بينهما.
محدش يتحرك من مكانه.
وبعدين بص لداليا وقال إنتِ عارفة حاجة؟
داليا بصت للأرض وسكتت.
السكون اللي حصل بعدها كان أقوى من أي اعتراف.
المستشار شريف قال لو فيه حد عنده معلومات، الأفضل يقولها دلوقتي، لكن من غير ضغط على أي شخص. وكل حاجة هتتراجع بشكل رسمي.
داليا أخدت نفسًا عميقًا، وبعدها بصت لأبوها.
أنا شفت كريم من شهرين داخل أوضة المكتب ومعاه واحد اسمه سامح. كانوا بيتكلموا عن فلوس اتحولت لشركة تانية، وعن ورق لازم يتخلصوا منه قبل ما حضرتك تراجعه. أنا وقتها افتكرت إنها شغلانة عادية، لكن بعدين سمعت ماما بتقول له إن لازم الموضوع يخلص قبل ما بابا يعرف.
حماتي صړخت كدابة! إنتِ بتخترعي كلام عشان ټنتقمي من أخوكي!
داليا دموعها نزلت، لكنها كملت أنا مش بقول إني فاهمة كل حاجة، لكن أنا سمعت الكلام ده. ولما سألت ماما، قالت لي ما اتدخلش في شغل الرجالة.
حمايا رجع قعد على الكرسي، وحط إيده على صدره، وكأنه بيحاول يستوعب إن المشكلة اللي كان بيدور عليها جوه الشركة كانت موجودة في بيته، وسط الناس اللي كان بيثق فيهم أكتر من أي حد.
أما أنا، فكنت قاعدة على طرف الكنبة، واحدة من قرايبهم حطت لي فوطة نظيفة على كتفي، وكنت حاسة إن جسمي كله بيرتعش.
مش من البرد.
من الصدمة.
كنت طول الوقت فاكرة إن كريم بيخبي عني فلوسه عشان مش عايزني أتدخل في حياته، أو لأنه شايف إن مسؤوليتي تنحصر في الطبخ والتنضيف وخدمة العيلة.
لكن لو كان فعلًا بيستولي على أموال أبوه، فده معناه إن الموضوع أكبر من الفلوس اللي كنت بسأل عنها.
ومع ذلك، ما كنتش مستعدة أفرح أو أشمت.
لأن اللي حصل لي ما كانش هيبقى أقل قسۏة لو اتضح إن كريم بريء من السړقة.
كان فيه چرح في جبيني، وعلامات على رسغي، وكرامة اتدهست قدام ناس كتير.
ودي حاجات ما يمسحهاش أي كشف حساب.
المصور اللي كان واقف ساكت من بداية المواجهة قرب من المستشار وقال بعد إذنك يا أستاذ، أنا عايز أوضح حاجة.
المستشار بص له وقال اتفضل.
المصور مسك الكاميرا ورفعها شوية.
أنا صورت جزء من اللي حصل قبل ما حضرتك تدخل. في الأول افتكرت إن ده تمثيل أو مشهد متفق عليه، لكن لما شفت الډم والرباط، فهمت إن الموضوع حقيقي. أنا ما مسحتش الصور ولا الفيديوهات.
كريم لف ناحيته پعنف.
إنت صورتنا من غير إذننا؟
المصور رد إنتوا اللي طلبتوا مني أصور. وأنا عندي صور من اللحظة اللي كانت فيها مراتك مربوطة على الأرض، وصور لوالدتك وهي بتشيل الشاش من على جرحها، وفيديو للصوت اللي اتقال فيه إنها لازم تتعلم الأدب.
حماتي حطت إيدها على رأسها وقالت يا نهار أسود!
أما كريم فاندفع ناحية المصور.
هات الكاميرا دي!
المستشار شريف وقف في طريقه وقال بحزم إياك تقرب منه.
كريم وقف مكانه وهو بيبص للمصور بنظرات مرعبة.
المصور نفسه كان خاېف، لكن صوته بقى أكثر ثباتًا.
أنا مش عايز مشاكل مع حد، لكن اللي شفته مش هقدر أتصرف كأنه ما حصلش. ولو الجهات المختصة طلبت مني التسجيلات، هقدمها بالطريقة القانونية.
في اللحظة دي، عرفت إن الصورة اللي كانوا عايزين ياخدوها عشان يثبتوا بيها إنهم عيلة مثالية، ممكن تتحول لشاهد على اللي حصل.
لكن قبل ما حد يتكلم، سمعت صوت عربية الإسعاف من الشارع.
كنت مش عارفة مين اتصل، لحد ما لقيت واحدة من قرايبهم، اسمها نادية، بتبص لي باعتذار.
همست لي أنا اللي اتصلت. سامحيني إني ما اتحركتش من الأول. كنت خاېفة، بس لما شفت الډم بينزل من وشك ما قدرتش أكمل سكوت.
بصيت لها، وما عرفتش أقول إيه.
كنت محتاجة أصدق إن لسه فيه ناس ممكن تختار الصح حتى لو اتأخرت، لكن جزء مني كان موجوع من فكرة إنهم استنوا لحد ما الغريب يدخل البيت عشان يقدروا يتحركوا.
المسعف دخل ومعاه زميله، وسألني عن اللي حصل.
جاوبته بصعوبة، وبعدها فحص الچرح وطلب مني أروح المستشفى عشان يتأكد إن مفيش إصابة أعمق.
كريم قرب مني وقال بنبرة مختلفة، فيها خوف أكتر من الندم.
استني يا منى، إحنا ممكن نتكلم لوحدنا.
بصيت له، وقلت لأول مرة من غير ما أخاف من رد فعله إحنا اتكلمنا لوحدنا كتير يا كريم. كنت بتسمعني لما كنت بطلب مصاريف البيت؟ كنت بتسمعني لما كنت بسألك ليه الفلوس مش مكفية؟
كنت بتسمعني لما كنت بقول لك إن أمك بتعاملني بطريقة بتوجعني؟
ما ردش.
كملت وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي إنت ما
سمعتنيش غير لما لقيت إن سكوتي انتهى، وإن فيه ناس ممكن تشوف الحقيقة بعينيها.
كريم مد إيده ناحيتي، لكني رجعت لورا.
ما تلمسنيش.
الكلمة طلعت مني بهدوء، لكنها كانت أقوى من أي صړخة.
المسعف ساعدني أقف، وأول ما حاولت أمشي حسيت بدوخة شديدة، فمسكني من دراعي بحذر.
قبل ما أخرج، بصيت ناحية الحاج محمود.
كان واقف وعينيه مليانة ندم، لكنه ما قالش أي كلمة.
يمكن كان مستحي من نفسه، ويمكن كان مصډوم من ابنه، ويمكن كان لسه مش قادر يصدق إن بيته اللي كان فاكره حصنًا آمنًا بقى مكانًا للإهانة والخۏف.
أنا ما كنتش قادرة أسامحه في اللحظة دي، لكني ما كنتش عايزة أعيش باقي عمري كمان وأنا مستنية منه اعتذارًا.
خرجت من الشقة، وكنت لأول مرة من سنين حاسة إن باب البيت اللي كنت بخاف أخرج منه، لما اتقفل ورايا ما كانش معناه إني اتسجنت.
كان معناه إني بدأت أخرج.
في المستشفى، الدكتور نظف الچرح وخاطه بغرز بسيطة، وطلب مني أرتاح شوية تحت الملاحظة بسبب الدوخة والصداع.
كانت نادية قاعدة جنبي، ماسكة شنطتي اللي قدرت تجيبها من الشقة قبل ما نخرج.
بعد ما الدكتور خلص، سألتني بهدوء تحبي أكلم أهلك؟
أول ما سمعت كلمة أهلي، دموعي نزلت.
أنا كنت طول عمري بحاول أخبي عنهم المشاكل، عشان ما أقلقهمش، وعشان كنت مقتنعة إن أي خلاف بيني وبين جوزي لازم يتحل جوه البيت.
لكن دلوقتي، وأنا قاعدة على سرير المستشفى، فهمت إن الحفاظ على الأسرار مش دايمًا بيحمي الناس، ساعات بيحمي اللي بيأذيهم.
قلت لها كلمي بابا.
بعد أقل من نص ساعة، باب المستشفى اتفتح، ودخل أبويا بسرعة، وورا منه أمي وأخويا الأكبر، حسام.
أبويا أول ما شاف الضمادة على جبيني، وقف مكانه وكأنه اتخبط في صدره.
مين عمل فيكي كده يا بنتي؟
حاولت أتكلم، لكن صوتي اتكسر.
قرب مني، وقعد على الكرسي جنب السرير، ومسح على شعري برفق.
ما تخافيش. أنا هنا.
الجملة البسيطة دي خلتني أعيط بطريقة ما عيطتش بيها من سنين.
أمي حضنتني بحذر، وهي بتبوس إيدي، وحسام كان واقف عند الباب، وشه أحمر من الڠضب.
أنا رايح أجيب كريم من قفاه.
أبويا رفع عينه له وقال مش هنعمل حاجة تخلينا نغلط زيه. أختك محتاجة أمان، ومحتاجة حقها يرجع لها بالقانون.
حسام شد على فكه، لكنه هز رأسه ووقف مكانه.
بعد ما هديت شوية، حكيت لهم كل اللي حصل من أول ما سألت كريم عن فلوس البيت، لحد ما ربطني تحت صورة العيلة.
كنت كل ما أحكي تفصيلة، أحس إن الۏجع بيرجع من جديد.
أبويا ما قاطعنيش مرة واحدة.
كان بيسمع، وملامحه بتتغير، لكن إيده فضلت ماسكة إيدي طول الوقت.
ولما خلصت، قال لي إنتِ مش مطالبة ترجعي بيت حد عشان تثبتي إنك ست محترمة. كرامتك مش امتحان، واللي أهانك هو اللي لازم يتحمل نتيجة فعله.
الكلام ده كان أول مرة أسمعه من حد قريب مني من غير ما يتبعه نصيحة إني أصبر وأستحمل.
في اليوم نفسه، قدمنا بلاغًا رسميًا بالاعتداء، واحتفظنا بالتقرير الطبي، وبدأ المحامي اللي استعان به أبويا يتابع الإجراءات.
أما المستشار شريف، فقدم المستندات المالية للجهات المختصة، وطلب فحص التحويلات والتوقيعات.
ما كانش فيه حكم صدر ضد كريم، ولا كان من حق حد يعلن إنه مذنب قبل ما التحقيق يكتمل، لكن الأدلة كانت كفاية عشان يبدأ تحقيق جاد في حركة الأموال.
في الليلة دي، نمت في بيت أبويا وأنا لأول مرة مش مستنية صوت مفتاح في الباب، ولا خاېفة من خطوات حد في الممر، ولا بفكر أعمل إيه عشان أتجنب خناقة جديدة.
لكن الراحة ما استمرتش طويلًا.
تاني يوم الصبح، موبايلي رن.
كان كريم.
سيبت الموبايل يرن لحد ما وقف، وبعدها بعت لي رسالة
منى، أنا عارف إنك زعلانة، بس لازم تسمعيني. اللي حصل امبارح خرج عن السيطرة. أنا ما كنتش أقصد أوصلك للحالة دي.
قرأت الرسالة مرتين.
خرج عن السيطرة.
كأن اللي حصل كان حاډثة مفاجئة، مش سلسلة قرارات اتاخدت واحدة ورا التانية.
ربط إيديا كان قرارًا.
إهانتي قدام الناس كانت قرارًا.
ترك الډم ينزل من چرحي من غير ما يهتم كان قرارًا.
ووقوفه جنب أمه وهو بيطلب مني أرفع رأسي عشان الصورة كانت قرارًا.
كتبت له أنا مش مستعدة أتكلم دلوقتي. أي كلام بينا هيكون عن طريق المحامي.
وبعدها قفلت الموبايل.
بعد ساعات، أمه اتصلت بيا من رقم تاني.
رديت من غير ما أتكلم.
قالت بصوت منخفض على غير عادتها منى، أنا عايزة أشوفك.
سكتُّ.
كملت أنا عارفة إنك زعلانة، بس اللي حصل ما كانش المفروض يوصل لكده. تعالي نقعد ونتكلم، وأنا أوعدك إن كل حاجة هتتحل.
سألتها هتتحل إزاي يا طنط؟
قالت بسرعة هنقول إن اللي حصل كان سوء تفاهم، وإنك اتعصبتي وإحنا اتعصبنا، وكل واحد يرجع بيته.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة المرارة.
سوء تفاهم؟ أنا كنت مربوطة على الأرض والدم بينزل من جبيني، وإنتِ كنتِ بتشرحي للناس إزاي يربوا مرات ابنهم. ده اسمه سوء تفاهم؟
صوتها اتغير.
إنتِ عايزة تفضحينا؟ عايزة الناس تقول إن بيت محمود عبدالسلام فيه مشاكل؟
رديت بهدوء أنا ما فضحتش حد. أنا حكيت اللي حصل لي. لو الحقيقة هتفضحكم، يبقى المشكلة مش فيا.
وسكرت المكالمة.
بعدها بيومين، بدأت تظهر تفاصيل جديدة في التحقيق المالي.
المستشار شريف اتصل بأبويا، وطلب يقابلنا بحضور المحامي.
قعدنا في مكتب المحامي، وفتح قدامنا ملفًا كبيرًا.
قال الفحص الأولي أظهر إن فيه تحويلات مالية تمت من حساب الشركة لحساب شركة توريدات اتأسست من حوالي سنة، والشركة دي مسجلة باسم شخص اسمه سامح فؤاد.
حسام سأله وسامح ده مين؟
رد كان شريكًا سابقًا لكريم في مشروع تجاري، والمشروع اتعرض لخسائر. لكن فيه مؤشرات إن جزءًا من الفلوس اللي خرجت من الشركة اتستخدم في تسديد التزامات مرتبطة بالمشروع ده.
أبويا بص لي، وبعدها رجع للمستشار.
يعني كريم كان بيسحب فلوس أبوه عشان يغطي خسارته؟
شريف هز رأسه.
ده احتمال قوي، لكن لازم التحقيق يحدد مين وافق على التحويلات، ومين استفاد منها، وهل فيه تزوير متعمد في المستندات ولا لأ. وفيه حاجة تانية.
طلع ورقة إضافية.
بعض التحويلات اتعملت بعد ما الشركة بدأت تواجه عجزًا في السيولة، وفي الفترة نفسها، كريم كان بيطلب من والده زيادة ميزانية البيت. وفيه مصروفات شخصية اتسجلت على إنها مصروفات تشغيل.
حسام ضړب كفه في كفه وقال يعني مراته كانت بتسأله على فلوس البيت، وهو بدل ما يشرح لها كان بيضغط عليها ويسكتها؟
المستشار قال ده اللي لازم يتفحص. إحنا ما نخلطش بين الاعتداء الجسدي والملف المالي، لكن الاتنين محتاجين يتعامل معاهم بشكل جاد.
أنا كنت قاعدة ساكتة، وبحاول أربط كل حاجة ببعضها.
افتكرت الأيام اللي كنت فيها بطلب من كريم فلوس أجيب بيها احتياجات البيت، فيرد إنه مضغوط وإن الشغل مش ماشي.
افتكرت لما طلبت منه يدفع مصاريف علاج أمي، فقال لي إن الشهر ده صعب.
وافتكرت لما كنت بفتح درج مكتبه أدور على إيصال، فألاقيه يقف ورايا فجأة ويسألني أنا بدور على إيه.
دلوقتي، بدأت أفهم ليه كان خاېف من أي سؤال.
لكن أكتر حاجة وجعتني إني افتكرت كل مرة كنت بلوم فيها نفسي، وأقول يمكن أنا بطلب كتير، يمكن أنا مش مقدرة تعبه، يمكن لازم أكون زوجة أفضل.
طلع الموضوع مش إني كنت
بطلب كتير.
أنا كنت بطلب وضوحًا وأمانًا، وهما كانوا بيعتبروا ده تهديدًا لسيطرتهم.
بعد الاجتماع، رجعت بيت أبويا، وبدأت أرتب حياتي من جديد.
جبت هدومي وأوراقي الشخصية من البيت عن طريق محامينا، وبوجود أشخاص محايدين، ومن غير ما أضطر أقابل كريم أو أمه لوحدي.
كان فيه حاجات بسيطة كنت بحبها، زي كتاب قديم كنت بقراه قبل النوم، وكوباية عليها رسمة ورد، وصورة ليا مع أمي يوم تخرجي.
حاجات ما لهاش قيمة مادية كبيرة، لكنها كانت بتفكرني إن لسه فيه جزء مني ما اتكسرش.
وفي وسط الهدوء ده، وصلني خطاب من كريم عن طريق المحامي.
كان مكتوب فيه إنه عايز يقابلني عشان يعتذر.
المحامي سألني تحبي نرتب مقابلة في مكان عام وبوجودي؟
فكرت شوية، وبعدها وافقت، لكن بشرط واضح المقابلة تكون قصيرة، وما يكونش فيها ضغط عليا عشان أرجع البيت.
بعد أسبوع، قابلته في مكتب المحامي.
كان شكله متغيرًا. دقنه طالعة، ووشه مرهق، وعينيه فيها سهر كتير.
أول ما قعد، قال أنا عارف إن كلمة آسف مش كفاية.
ما رديتش.
كمل أنا غلطت لما سمحت لأمي تتدخل في حياتنا بالشكل ده، وغلطت لما ربطتك. أنا مش هبرر اللي عملته.
بصيت له وقلت كمّل.
اتنهد وقال كنت خاېف.
سألته من إيه؟
من إن بابا يعرف اللي حصل في الشركة. المشروع اللي دخلت فيه خسر فلوس كتير، وسامح كان بيضغط عليا عشان أسدد ديون. كنت فاكر إني هقدر أعوض الخسارة قبل ما حد يعرف، لكن كل ما الوقت كان بيعدي، كنت بغرق أكتر.
قلت وعشان كده كنت بتاخد فلوس البيت؟
هز رأسه.
كنت بحاول أغطي المصاريف، لكني كذبت عليكي. وكنت عارف إنك لو عرفتي هتسأليني أسئلة مش هعرف أجاوب عليها.
بصيت له طويلًا، وبعدها قلت وإيه علاقة ده بإنك ربطتني وضربتني؟
وشه نزل للأرض.
مفيش علاقة تبرر اللي عملته. أنا كنت ڠضبان، وأمي فضلت تقول إنك بتفضحيني وإنك لازم تعرفي حدودك، وأنا بدل ما أوقفها، سمحت لها تتحكم فيا. ولما اعترضتي، فقدت أعصابي.
قلت له لأ يا كريم. إنت ما فقدتش أعصابك وبس. إنت اخترت تعمل كده. في فرق بين إنك تكون ڠضبان وبين إنك تقرر ټؤذي إنسانة مش قادرة تدافع عن نفسها.
رفع عينه ليا، ودموعه كانت متجمعة فيها.
أنا عارف.
سألته وعارف إيه كمان؟
سكت شوية، وبعدها قال عارف إنك مش مطالبة ترجعي لي.
لأول مرة من بداية المقابلة، حسيت إن كلامه فيه جزء من الحقيقة.
لكن ده ما كانش كفاية.
قلت أنا مش جاية أسمع إنك ندمان عشان خسرتني.
أنا عايزة أعرف إذا كنت فاهم إن اللي عملته چريمة في حقي، وإن اعتذارك مش معناه إني لازم أسامحك أو أرجع لك.
هز رأسه ببطء.
فاهم.
وعايزة أعرف إذا كنت مستعد تتحمل نتيجة أفعالك من غير ما تلوم أمك، ولا الفلوس، ولا الضغط، ولا أي حد تاني.
رد بصوت منخفض مستعد.
قمت من مكاني.
يبقى ابدأ من هنا. اتحمل مسؤولية اللي عملته، وسيبني أعيش في سلام.
خرجت من المكتب وأنا مش عارفة إذا كنت هقدر أسامحه يومًا أم لا.
لكن كنت متأكدة من حاجة واحدة أنا مش هرجع لنفس الحياة لمجرد إنه قال آسف.
مرت أسابيع، والتحقيق المالي استمر، وبدأت الجهات المختصة تفحص المستندات والتوقيعات والتحويلات. كريم اضطر يقدم أوراقه، وسامح تم استدعاؤه لسماع أقواله، واتضح إن فيه اتفاقات مالية مكتوبة بينه وبين كريم لم يتم الإفصاح عنها لوالده.
أما حماتي، فحاولت تتواصل معايا أكتر من مرة، لكني رفضت أي لقاء خارج وجود المحامي.
وبعد فترة، حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها.
الحاج محمود بنفسه طلب يقابلني.
المحامي سألني إذا كنت موافقة، وبعد تفكير وافقت أقابله في مكتبه، بحضور أبويا.
لما دخل، كان شكله أكبر من سنه بكتير. مشى ببطء، وقعد قدامي، وفضل ساكت للحظات.
وبعدين قال أنا جاي أعتذر لك.
بصيت له من غير ما أتكلم.
كمل أنا شفتك مربوطة قدامي، وشفت الډم على وشك، وسكت. كنت قادر أوقف كل ده، لكني خفت من المشاكل، وخفت من كلام الناس، وخفت إن البيت يتقلب عليا. وفي الآخر، أنا ساهمت في أذيتك بسكوتي.
صوته اتكسر عند آخر كلمة.
أنا مش هطلب منك تسامحيني. بس لازم تعرفي إني غلطت في حقك.
لأول مرة، حسيت إن اعتذارًا وصل لي من الشخص اللي كان يقدر يمنع جزءًا كبيرًا من اللي حصل.
قلت له أنا كنت مستنية منك كلمة واحدة يومها. مش كنت مستنية منك تحل كل مشاكلي، كنت مستنية تقول لهم كفاية.
هز رأسه، ودموعه نزلت.
عارف. ودي حاجة هفضل فاكرها طول عمري.
وبعدها قال إنه بدأ يراجع نظام الإدارة في الشركة، وإنه فصل الحسابات العائلية عن حسابات العمل، وإنه استعان بمحاسب مستقل لمراجعة العمليات المالية.
ما طلبش مني أساعده، وما حاولش يقنعني أرجع لكريم.
وده خلاني أحترم اعتذاره، حتى لو ما قدرتش أرجع علاقتي بالعيلة زي الأول.
بعد شهرين، ظهرت نتائج مهمة في التحقيق.
ثبت وجود تحويلات غير مصرح بها، وظهرت مستندات تحمل توقيعات محل فحص، كما اتضح إن بعض الأموال استُخدمت في سداد التزامات المشروع الخاص بكريم وسامح.
بدأت الإجراءات القانونية اللازمة، واتفق كريم مع محاميه على التعاون وتقديم المستندات التي بحوزته، لكن ده ما أنهى المسؤولية القانونية عن الأفعال اللي ثبتت عليه.
وفي ملف الاعتداء، قدم المصور التسجيلات والصور التي احتفظ بها، واتسمعت أقوال الموجودين في الحفلة، ومنهم نادية وداليا.
الصور اللي كانت معمولة عشان تخلد عيد ميلاد الحاج محمود بقت جزءًا من الأدلة اللي بتوضح اللي حصل في الصالة.
الصورة اللي فيها كريم واقف جنب أمه، وأنا قاعدة على الأرض تحت صورة العيلة، ما كانتش صورة مثالية زي ما تخيلوا.
كانت صورة للحقيقة.
ومع الوقت، بدأت أستعيد نفسي.
رجعت أشتغل في المكان اللي كنت سيبته بعد الجواز، وبدأت أتعلم حاجات جديدة كنت مأجلاها سنين.
في البداية، كنت بخاف من أي صوت عالي، وأتوتر لما حد يقرب مني فجأة، وأصحى من النوم وأنا فاكرة نفسي لسه قاعدة على أرض الصالة.
لكن بمساعدة أخصائية نفسية، بدأت أتعامل مع اللي حصل بدل ما أدفنه جوايا.
فهمت إن الخۏف مش ضعف، وإن التعافي مش معناه إني أنسى، لكنه معناه إن اللي حصل ما يبقاش هو اللي بيحدد كل يوم في حياتي.
وفي يوم، كنت قاعدة مع أمي في البلكونة، وبنشرب الشاي، فقالت لي عارفة يا منى، أنا كنت خاېفة عليكي لما اتجوزتي، بس ما كنتش عايزة أخوفك من الدنيا. كنت عايزاكي تبقي سعيدة.
مسكت إيدها وقلت أنا كمان كنت عايزة أبقى سعيدة. وكنت فاكرة إن السعادة معناها إني أستحمل لحد ما الناس تتغير.
أمي ابتسمت بحزن.
فيه ناس بتتغير يا بنتي، وفيه ناس لازم نبعد عنهم عشان نقدر نعيش.
فضلت أفكر في كلامها طول الليل.
أما داليا، فبعتت لي رسالة طويلة بعد فترة، اعتذرت فيها عن كل مرة سكتت فيها، وعن اللحظة اللي شالت فيها الشاش من على چرحي بدل ما تساعدني.
كتبت لي إنها بدأت تروح جلسات إرشاد نفسي عشان تفهم ليه كانت بتسمح لنفسها تشارك في إهانة غيرها، وإنها مش مستنية مني أسامحها.
ما رديتش عليها فورًا.
كنت محتاجة وقت.
وبعد أيام، كتبت لها أنا مش جاهزة نرجع زي الأول، لكن أتمنى تكوني فعلًا بتتغيري.
التغيير مش كلام، التغيير مواقف.
ردت بكلمة واحدة
فاهمة.
وكان ده كفاية
في الوقت ده.
أما كريم، فاستمر في محاولاته لإثبات إنه تغير، لكني ما كنتش براقبه ولا بعتبر نفسي مسؤولة عن إصلاحه.
عرفت من المحامي إنه التزم بالإجراءات القانونية، وإنه بدأ يسدد جزءًا من الالتزامات المالية التي ثبتت مسؤوليته عنها، وإنه وافق على الخضوع لبرنامج متخصص لإدارة الڠضب والسلوك العڼيف.
لكن كل ده ما كانش معناه إن الجواز رجع.
أنا كنت بدأت أفهم إن الإنسان ممكن يندم، وممكن يحاول يصلح، ومع ذلك الطرف اللي اتأذى مش ملزم يرجع له.
وفي يوم، وصلني من كريم خطاب جديد.
كتب فيه إنه مش هيطلب مني أرجع، وإنه هيحترم قراري، وإنه أخيرًا فهم إن الحب مش مجرد كلام ولا إنفاق فلوس ولا لقب زوج.
كتب أنا كنت فاكر إن البيت بيبقى بيتي لمجرد إن اسمي عليه، وإنك لازم تسمعي كلامي عشان إنتِ مراتي. لكني فهمت إن البيت اللي مفيهوش أمان مش بيت، وإن الزوج اللي يخوف مراته ما يستحقش يطلب منها إنها تطمن له. أنا آسف يا منى، مش عشان مشيتي، لكن عشان خليتك تحتاجي تمشي عشان تحمي نفسك.
قرأت الخطاب، وبعدها حطيته في درج مكتبي.
ما بكيتش.
وما حسيتش إني لازم أرد.
لأول مرة، قدرت أسيب رسالة من غير ما أشغل نفسي إزاي أرد بطريقة ترضي صاحبها.
بعد ست شهور، الإجراءات القانونية كانت لسه مستمرة في بعض جوانبها، لكن حياتي كانت اتغيرت بشكل كبير.
استأجرت شقة صغيرة قريبة من شغلي، وبدأت أجهزها على ذوقي.
اخترت الستائر بنفسي، واشتريت ترابيزة خشب صغيرة، وحطيت فوقها مزهرية فيها ورد أبيض.
علقت على الحيطة صورة ليا مع أبويا وأمي وحسام، يوم ما خرجنا نتعشى بعد أول شهر لي في الشغل.
كنت كل ما أبص للصورة، أفتكر إن العيلة مش لازم تكون مجموعة ناس بتجمعهم نفس الأسماء، لكن مجموعة ناس بيختاروا يحافظوا على بعض من غير ما يدوسوا على كرامة حد.
وفي مساء هادي، وأنا براجع شغلي، سمعت جرس الباب.
فتحت، ولقيت نادية واقفة ومعاها علبة حلوى.
ابتسمت وقالت جيت أزورك لو مش هكون تقيلة عليكي.
ضحكت وفتحت لها الباب.
اتفضلي، ده أنا زهقت من الوحدة.
دخلت، وبصت حوالين الشقة بإعجاب.
ما شاء الله، المكان جميل. حاسة إنه شبهك.
قعدنا نتكلم، وبعد شوية سألتني إنتِ لسه بتفكري في اللي حصل؟
بصيت ناحية البلكونة.
أيوه، ساعات. بس مش بنفس الطريقة. زمان كنت بفتكر اللي حصل وأسأل نفسي أنا عملت إيه عشان أستحق ده. دلوقتي بقيت أسأل نفسي إزاي أقدر أحمي نفسي وما أسمحش لحد يعاملني كده تاني.
نادية ابتسمت.
وده فرق كبير.
قلت لها أكبر فرق إني بطلت أعتبر السكوت دايمًا فضيلة. ساعات السكوت بيكون خوف، وساعات بيكون حماية للي بيأذيك.
فضلنا نتكلم لحد ما الليل دخل، ولما مشيت، حسيت إني بدأت أبني حياة فيها ناس أقدر أثق فيهم، حتى لو عددهم قليل.
بعد فترة، جالي اتصال من المحامي.
قال إن فيه تطورًا في القضية، وإن كريم قدم مستندات إضافية ساعدت في توضيح مسار جزء من الأموال، وإن التحقيقات استمرت في تحديد المسؤوليات المالية بدقة.
وسألني إذا كنت مستعدة أحضر جلسة إجرائية تخص ملف الاعتداء.
وافقت.
يوم الجلسة، لبست بدلة بسيطة بلون كحلي، وربطت شعري، وبصيت في المراية قبل ما أخرج.
الچرح اللي في جبيني كان اختفى تقريبًا، لكن أثره النفسي كان لسه موجودًا في أماكن ما حدش بيشوفها.
ومع ذلك، كنت ماشية ورأسي مرفوعة.
مش عشان أثبت لكريم إنه خسرني، ولا عشان أنتقم من حماتي، لكن عشان أثبت لنفسي إني أقدر أقف في المكان اللي كنت زمان بخاف حتى أتخيله.
في الممر، شفت كريم واقف مع محاميه.
لما عينيه جت في عيني، قرب خطوة، لكنه وقف على مسافة.
قال بهدوء صباح الخير يا منى.
رديت صباح الخير.
سكت شوية، وبعدها قال أتمنى تكوني بخير.
قلت أنا بتحسن.
هز رأسه.
الحمد لله.
ما حاولش يفتح موضوع الرجوع، وما طلبش مني أغير أقوالي، وما قالش إن اللي حصل كان سوء تفاهم.
يمكن لأنه فهم أخيرًا إن فيه حدودًا ما ينفعش يتجاوزها، أو يمكن لأنه عرف إن أي محاولة ضغط هتزود الأمور سوءًا.
دخلنا الجلسة، واتسمعت الأقوال، واستمرت الإجراءات وفق ما يقتضيه القانون.
ولما خرجت، حسيت بإرهاق شديد، لكن ما كانش إرهاق الخۏف القديم.
كان إرهاق شخص واجه حاجة صعبة وخرج منها وهو عارف إنه عمل اللي عليه.
في المساء، رجعت شقتي، وفتحت الشباك، وخليت الهوا يدخل.
كانت الدنيا هادية، وصوت العربيات جاي من الشارع بعيد، وريحة الأكل من الشقة اللي جنبي مالية المكان.
عملت لنفسي عشا بسيط، وقعدت على الترابيزة الصغيرة.
وفجأة، افتكرت عيد ميلاد الحاج محمود.
افتكرت الكاميرا، والابتسامات المصطنعة، والرباط اللي كان بيجرح رسغي، وصوت حماتي وهي بتقول إني لازم أتعلم الأدب.
زمان، كنت أفتكر المشهد وأحس إني عايزة أختفي من الدنيا كلها.
لكن الليلة دي، لقيت نفسي بمد إيدي ناحية رسغي، ولمست المكان اللي كان عليه الرباط.
ما كانش فيه ألم.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقلت لنفسي أنا نجيت.
ما كانتش نهاية كل المشاكل، ولا كان معناها إن كل اللي أذوني اختفوا من حياتي تمامًا.
لكنها كانت نهاية مرحلة كنت فاكرة إني مش هقدر أخرج منها.
بعد سنة تقريبًا، وصلتني دعوة لحضور مناسبة عائلية عند أبويا وأمي، بمناسبة عيد جوازهم.
كانت دعوة بسيطة، من غير بهرجة ولا صور مرتبة ولا كلام عن العيلة المثالية.
حضرت، ولقيت حسام بيجهز الأكل، وأمي بتضحك وهي بتحاول تمنعه ېحرق الفراخ، وأبويا واقف بيحكي لنادية موقفًا قديمًا من أيام شبابه.
الضحك كان حقيقيًا.
والناس كانت مرتاحة.
محدش كان خاېف يسأل، ولا حد كان مضطر يضحك عشان يرضي شخصًا تاني.
بعد العشا، أبويا طلع ألبوم صور قديم، وبدأنا نتفرج على صور طفولتي.
وصلنا لصورة كنت فيها عندي عشر سنين، واقفة قدام المدرسة، وماسكة شهادة تقدير أكبر من إيدي.
حسام ضحك وقال أهو من زمان وإنتِ بتحبي الشهادات والصور!
ضحكت، وخدت الصورة منه.
لكن وأنا ببص لها، حسيت إن البنت الصغيرة اللي في الصورة كانت تستحق إنها تكبر وهي عارفة إن احترامها لنفسها مش ذنب.
وإنها مش مطالبة تستحمل الإهانة عشان الناس تقول عليها بنت أصول.
بعدها بأيام، قابلت داليا بالصدفة في مكان عام.
كانت جاية مع واحدة من صديقاتها، ولما شافتني، وقفت مترددة.
أنا كنت أقدر أمشي من غير ما أكلمها، لكني قررت أسلم عليها.
قالت لي إزيك يا منى؟
قلت الحمد لله.
سألتني عن شغلي، وعن الشقة، واتكلمنا دقائق قليلة.
قبل ما نمشي، قالت أنا عارفة إن مفيش حاجة ترجع اللي فات، بس أنا فعلًا اتعلمت من اللي حصل. مش هقول لك إني بقيت إنسانة مختلفة تمامًا، لكني بقيت أحاول ما أهربش من الحقيقة لمجرد إنها بتوجعني.
بصيت لها وقلت أتمنى لك الخير يا داليا. بس لازم تعرفي إن الاعتذار مش بيمسح كل حاجة، وإن فيه ثقة بتاخد وقت طويل عشان ترجع.
هزت رأسها.
فاهمة.
وافترقنا من غير عناق ولا وعود كبيرة.
وكان ده مناسبًا لنا إحنا الاتنين.
أما كريم، فاختار بعد فترة إنه ينهي محاولات التواصل الشخصية، ويحصر أي تواصل ضروري في الإجراءات الرسمية. وعرفت إن حياته اتغيرت، وإنه اضطر يواجه نتائج قراراته، سواء في شغله أو علاقاته أو سمعته.
ما فرحتش بألمه، وما تمنيتش له الشړ.
لكن ما عدتش أشعر إن إصلاح حياته مسؤوليتي.
كنت أخيرًا حرة من الفكرة اللي عاشت جوايا
سنين إن لو صبرت أكتر، واحتويت أكتر، وسامحت أكتر، كل الناس هتتغير.
الحقيقة إن كل إنسان مسؤول عن اختياراته، وأنا مسؤولة عن نفسي وعن الحدود اللي أحطها لحمايتها.
وفي يوم من الأيام، كنت براجع بعض الأوراق في مكتبي، ولقيت صورة قديمة من يوم عيد الميلاد ضمن المستندات اللي رجعت لي بعد انتهاء جزء من الإجراءات.
الصورة كانت واضحة.
كريم واقف جنب أمه، وداليا على الناحية التانية، وباقي العيلة واقفين وراهم بملابس أنيقة وابتسامات واسعة.
وأنا في أسفل الصورة، قاعدة على الأرض، وإيديا مربوطين، والدم على جبيني.
الصورة اللي كانوا عايزينها ذكرى لانتصارهم، بقت بالنسبة لي ذكرى للحظة اللي عرفت فيها حقيقتهم.
فضلت باصة لها شوية، وبعدها قفلت الملف.
ما مزقتهاش، وما احتفظتش بيها في مكان أشوفه كل يوم.
حطيتها مع الأوراق الرسمية، في درج بعيد.
مش عشان أخبي اللي حصل، لكن عشان ما أسمحش له يفضل في مقدمة حياتي.
أنا مش الصورة دي.
أنا مش الست اللي كانت مربوطة على الأرض.
أنا الست اللي قامت، وطلبت المساعدة، وواجهت الحقيقة، وبدأت من جديد.
وبعد سنتين من الليلة دي، افتتحت مشروعًا صغيرًا كنت بحلم بيه من زمان، مكتبًا لتقديم خدمات تنظيم الحسابات والمصروفات للأعمال الصغيرة.
مكنتش خبيرة في كل حاجة من أول يوم، لكني اتعلمت بالتدريج، واستعنت بمتخصصين، واشتغلت على نفسي لحد ما بقي عندي عملاء ثابتون.
كنت بحب شغلي لأنه خلاني أشوف قد إيه الوضوح مهم، وقد إيه الحسابات المنظمة بتحمي الناس من الخلافات وسوء الفهم.
وفي يوم الافتتاح، أبويا وقف جنبي، وأمي كانت بتوزع الحلوى على الموجودين، وحسام پيتخانق مع المصور عشان يختار أفضل زاوية للصورة.
المصور ضحك وقال طيب يا جماعة، قرّبوا من بعض شوية. عايزين صورة حلوة.
كلنا قربنا.
وبعدين بص ناحيتي وسأل تحبي تقفي في النص؟
ابتسمت وقلت أيوه، هقف في النص.
وقفت بين أبويا وأمي، وحسام حط إيده على كتفي، ونادية وقفت جنبنا وهي بتضحك.
المصور رفع الكاميرا.
واحد... اتنين... تلاتة!
الفلاش نور.
ولما الصورة ظهرت بعد كده، لقيت نفسي بضحك من قلبي.
ما كانش فيه حد بيبص لحد پخوف، ولا حد بيجبر حد يبتسم، ولا حد قاعد على الأرض عشان الباقيين يحسوا إنهم أعلى منه.
كانت صورة عادية جدًا.
لكن بالنسبة لي، كانت أغلى صورة اتصورت في حياتي.
لأنها كانت بتثبت إني قدرت أبدأ من جديد، وإن الذكرى اللي كانوا عايزينها تفضل دليلًا على كسرتي ما قدرتش تمنعني من بناء حياة مختلفة.
في المساء، بعد ما الناس مشيت، قعدت لوحدي في المكتب الجديد، وبصيت للصورة اللي اتحطت على الرف.
افتكرت الچرح، والخۏف، والليالي اللي كنت بصحى فيها مڤزوعة، واللحظة اللي سمعت فيها صوت المستشار شريف وهو بيقول إن الحقيقة لازم تظهر.
لو ما كانش دخل البيت في اللحظة دي، يمكن كنت هحتاج وقتًا أطول عشان أخرج من الدائرة اللي كنت محپوسة فيها.
لكنني عرفت بعد كده إن النجاة ما كانتش بسبب شخص واحد فقط.
كانت بسبب إني قررت أتكلم، وبسبب أبويا اللي صدقني، وأمي اللي حضنتني من غير ما تلومني، وحسام اللي اختار القانون بدل الاڼتقام، ونادية اللي طلبت المساعدة حتى لو اتأخرت، وكل شخص اختار بعد كده إنه ما يسكتش عن الظلم.
رفعت عيني للصورة، وقلت لنفسي الحمد لله.
ما كنتش رجعت بالزمن عشان أغير اللي حصل، وما كنتش قادرة أمسح الۏجع من ذاكرتي، لكني قدرت أغير النهاية.
وفي اللحظة دي، رن موبايلي برسالة من أمي
فخورة بيكي يا بنتي. ربنا يعوض قلبك خير ويفرحك دايمًا.
ابتسمت، ورديت عليها
وجودكم جنبي هو أحلى تعويض.
قفلت الموبايل، وطفيت نور المكتب، وخرجت للشارع.
كانت السما صافية، والهواء لطيف، والطريق قدامي مفتوح.
ولأول مرة من سنين، ما كنتش بفكر مين هيزعل مني، ولا مين هيقول عليا إيه، ولا إزاي أقدر أرضي الناس على حساب نفسي.
كنت بفكر في بكرة.
في شغلي، وأحلامي، والبيت اللي هفضل أبنيه على راحتي، والحياة اللي هعيشها من غير ما أحتاج أستأذن حد عشان أكون نفسي.
أما الصورة القديمة، ففضلت موجودة في الملف الرسمي، شاهدة على اللي حصل، وعلى إن الحقيقة ممكن تتأخر لكنها ما بتختفيش.
والعيلة اللي حاولت تعلمني الأدب بالإهانة، اكتشفت إن الكرامة مش حاجة يقدر حد يمنحها أو يسحبها من إنسان.
أنا كنت أستحق الاحترام من أول يوم، حتى وأنا ساكتة، وحتى وأنا بحاول أصلح، وحتى وأنا قاعدة على الأرض ومش قادرة أدافع عن نفسي.
والنهاية السعيدة ما كانتش إن كل اللي أذوني اعتذروا، ولا إن كل المشاكل اتحلت في يوم وليلة.
النهاية السعيدة كانت إني رجعت لنفسي.
إني بقيت أعرف أقول لأ من غير ما أعتذر.
وأطلب حقي من غير ما أحس بالذنب.
وأمشي من المكان اللي بيكسرني من غير ما أعتبر الرحيل فشلًا.
ومن يومها، كل ما أشوف صورة عائلية فيها ناس واقفة جنب بعض وبتضحك، بفتكر إن أجمل الصور مش اللي كل الناس فيها متراصة قدام الكاميرا، لكن اللي كل شخص فيها واقف بإرادته، مطمن، ومش مضطر يخبي وجعه عشان يرضي حد.
تمت بحمد الله.
حكايات الكاتبة انجي الخطيب

تعليقات
إرسال تعليق