سكريبت بعد سبع ايام من ۏفاة جوزي كاملة زهرة الربيع
سكريبت بعد سبع ايام من ۏفاة جوزي كاملة زهرة الربيع
بعد سبع ايام من ۏفاة جوزي ، ضرتي رمتني ببناتي بره البيت لان المرحوم كتب لها ولاولادها كل اللي حيلته ، اما انا سابلي بيته القديم وقالي ده ورثك بارضه وترابه ، وقتها جريت انا وبناتي حفرنا الارض عشان نعرف مخبي ايه، بس مكانش فيه دهب ولا فلوس، اللي لقيناه كان اغرب بكتير خلاني اتجمدت من الصدمه ولحد انهارده مفهمتش ليه جوزي عمل كده!!!!
كنت قاعدة في الصالة، شايفة الدنيا بتضيق بيا، وساكتة. جوزي عبد القادر كان في عز شبابه لما المړض الخبيث ھجم عليه وتمكن منه في شهور قليلة. الأطباء قالوا كلمتهم الأخيرة مفيش أمل، أيام معدودة.
البيت كان مليان حزن وخوف، بس الخۏف الحقيقي محدش حسه غيري أنا.. مش بس عشان ھيموت وأنا بحبه وكنت بتمنى أشيل وجعه كله، لكن عشان وراه أم مفيش في قلبها رحمة، ومراته التانيه اللي اتجوزها بعد زن من امه كل همها المصلحة وبس
في الوقت ده أم عبد القادر دخلت عليه الأوضة وهو نايم على السرير وقالتله بصوت ناشف
يا ابني فيه حاجه لازم نكلم المحامي ونعملها بسرعه ،بناتك مسيرهم هيتجوزوا ويروحوا لبيوت أزواجهم، فلوسك وأرضك لو راحت لهم يبقى هتروح للغريب! حرام تعب سنينك يضيع برة العيلة، اكتب كل اللي ليك للولدين اللي حيلتك.
ضرتي نطت بسرعة وقالت بتأييد
بالظبط يا حماتي امال تعب الراجل يروح لرجالة غريبة؟ ده إحنا كفاية إنه ھيموت في عز شبابه! ولا إيه رأيك يا عبد القادر؟
انا بصتلهم بۏجع وقولتلهم. ..بس ده ظلم لبناتي
عبد القادر نزل عيونه في الارض من المړض ومن قلة الحيلة. بصلي أنا وبناتي الأربعة الواقفين في زاوية الأوضة، ودموعه لمعت في عينيه، وقال بصوت واطي
أمي معاها حق يا جميلة.. البنات ملهُمش ورث.
الكلمة دمرتني. كنت عايزة أصرخ وأقوله بناتك دول حتة منك!.. بس لما بصيت على وشه، شفت الۏجع والحزن والمړض تانين في ملامحه، صعب عليا أوي. حسيت إنه بېموت، وكنت عارفة كويس إن طول عمره الكلمه اللي بتقولها أمه مفيش فيها نقاش.
بلعت مرارة القهر، وبصيتله وبدموع نزلت ڠصب عني قلتله
ربنا يديك طولة العمر يا أبو البنات، ومالك يفضل ليك.. إنت ...ربنا قادر على كل شيء.
خدت بناتي الأربعة ودخلت بيها على الأوضة بتاعتنا، وتحت أنظار النصر والفرحة اللي كانت بتلمع في عيون ضرتي.. اللي ضمنت المستقبل كله لعيالها على حسابنا.
وفعلاً، مخدش الموضوع أيام.. جابوا المحامي لحد البيت، وكتب كل شبر وكل قرش باسم الولاد الصبيان.
بعدها بكام يوم، جوزي حالته ساءت قوي، لدرجة إنه جمعنا كلنا حواليه وصوته كان يا دوب بيطلع، وقال
أنا كتبت كل حاجة لاولادي الصبيان.. حتى البيت اللي إحنا قاعدين فيه ده.
سكت شوية، واخذ نفسه بصعوبة، وبعدين كمل وقال
بس.. جميلة وبناتها.. سبتلهم بيتي القديم، تلم بناتها فيه.
أنا اټصدمت! البيت القديم؟! البيت ده كان متهالك، واقع، مهدود، وحيطانه متشققه، ده كان كوم تراب وطوب قديم من أيام أبوه!
في اللحظة دي، ضرتي مقدرتش تكتم ضحكتها، وقالت بتريقة
خير ما عملت يا خويا! كتر خيرك إنك سبتلهم مأوى، ده آخرهم أصلاً!.
عبد القادر ما ردش عليها. بصلي أنا، ومد إيده الباردة التعبانة وقال بصوت ضعيف كأنه بيترجاني
قربي يا جميلة.. قربي.
قربت منه بسرعة وحطيت راسي جنب بقه، وبصيت في عينيه لقتهم مليانين كلام كتير مش مفسر. قال لي بصوت هامس
مسمحاني؟.. أنا ھموت وعايزك تبقي مسمحاني.
قلتله بۏجع
من كل قلبي مسمحاك يا حبيبي.. ربنا يجعل يومي قبل يومك.
ابتسم ابتسامة ضعيفة جداً، وضغط على إيدي جامد بقوة غريبة بالنسبة لواحد بېموت، وقال
البيت القديم.. ليكي إنتي والبنات.. ليكي بأرضه وترابه.. فهماني؟ بارضه وترابه!.
مكنتش فاهمة هو قاصد إيه بالكلام ده بالظبط، ولا إيه الحكمة انه يقول بارضه وترابه، بس هو كان حرفيا بېموت. هزيت رأسي بالموافقة عشان أريح قلبه.. وفي اللحظة دي، إيد عبد القادر وقعت من على إيدي، وطلع النفس الأخير.. وماټ!
وماټت معاه كل سعادتي من الدنيا.
بعد أسبوع واحد بس من مۏته، ضرتي متضيعش وقت.. طردتني أنا وبناتي من البيت الكبير، وقالتلي ببرود
يلا يا حبيبتي إنتي وبناتك.. جوزك سابلك خرابه اقعدي فيها.
لمېت هدوم بناتي، وخدتهم ورحنا البيت القديم. لما وصلنا، لقينا البيت فعلاً عبارة عن كوم حجارة ومكان متهالك يخوف.
البنات قعدوا يعيطوا، وقالولي
هنقعد هنا إزاي يا ماما؟ ده مش بيت.. ده مقپرة!.
حضنتهم وأنا دموعي على خدودي، بس وسط العياط، كلمة جوزي فضلت ترن في وداني ليكي بأرضه وترابه.. فهماني؟ بارضه وترابه!.
قعدت أفتكر نظرة عينيه الأخيرة، وضغطته على إيدي. بصيت حواليا في أرضية البيت، لقيت عدة حفر قديمة من سنين طويلة. وحسيت إن الارض دي وراها سر كبير.
بصيت للبنات وقلت لهم بحزم
ساعدوني.. هنحفر.
وبالفعل، بدأنا نحفر الأرض بالعده اللي في البيت ..وحتى بنتي الصغيره كانت بتحفر معانا بايدها
. كل يوم، كنا بڼموت من التعب والعرق وضرتي كل ما تعرف إننا بنحفر في التراب والخړابة، كانت تتصل عليا تفضل تضحك وتقولي
ها يا جميلة.. لقيتي كنوز سليمان ولا لسه؟ ولا هتحفري لحد ما ټموتي في التراب؟.
كنت بقفل في وشها التليفون من غير ما أرد، وأرجع أكمل حفر بإصرار أكبر
لحد ما اخيرا وقعت عيني فجأة على حاجة غريبة جداً جوه الحفرة.. حاجة مكانتش دهب ولا فلوس.. اللي لقيناه كان أغرب بكتير، خلاني اتجمد مكاني من الصدمة، وبقيت واقفة عيوني مزغللة ومش فاهمة لحد إنهارده.
. ليه جوزي عمل كده؟!ملحوظة القصة الكاملة ستجدها مثبتة في التعليقات علي الصفحه دي ورا كل باب حكاية مش في الجروبات اضغط بس ع اسم الصفحه هايطلعلك البوست باللينك
حكايات زهرة الربيع
اللهم صلي على حبيب الله
في اللحظة اللي شفت فيها الحاجة المدفونة تحت أرض البيت القديم، حسيت إن قلبي وقف... لأن اللي كان قدامي ماكانش كنز، ولا دهب، ولا فلوس، كان سر عبد القادر مخبيه عن الدنيا كلها، وسايبه ليا أنا وبناتي، سر لو اتكشف ممكن يقلب حياة عيلتين بالكامل!
فضلت واقفة مكاني، إيدي متعلقة بطرف الحفرة، وعيني مش قادرة تستوعب اللي شايفاه.
صړخت بنتي الكبيرة من ورايا مالك يا ماما؟ إيه اللي حصل؟ إنتِ شفتي إيه؟
ما رديتش.
كانت الحفرة قدامنا واسعة، والتراب متراكم حوالينا، وإحنا بقالنا أيام بنحفر فيها بإيدينا وبالأدوات القديمة اللي لقيناها في المخزن. لكن المرة دي، المجرفة خبطت في حاجة صلبة، ولما شيلنا التراب من حواليها ظهر غطاء حديد كبير، متآكل من الزمن، وعليه قفل قديم.
نزلت على ركبتي، ومسحت التراب بإيدي، فظهر على الغطاء اسم محفور بخط واضح رغم الصدأ
عبد القادر محمود عبد الرحيم.
شهقت بنتي الكبيرة وقالت ده اسم بابا!
بنتي التانية قربت وهي بتترعش يعني بابا كان مخبي حاجة هنا يا ماما؟
حاولت أتكلم، لكن صوتي كان محپوس في زوري.
مديت إيدي ولمست الاسم، وفجأة افتكرت آخر كلام قالهولي وهو على فراش المۏت
البيت القديم ليكي إنتِ والبنات.
.. ليكي بأرضه وترابه.
وقتها افتكرت إنه كان بيكرر كلمة ترابه بطريقة غريبة، وكأنه بيحاول يوصل لي رسالة
مش قادر يقولها بصراحة.
قلت للبنات هاتوا أي حاجة نقدر نفتح بيها القفل.
جابتلي بنتي الكبيرة عتلة حديد كانت مرمية جنب الحيطة، وحاولت أرفع القفل، لكنه كان متماسك بشكل غريب.
فضلنا نحاول لحد ما اتفتح أخيراً.
رفعنا الغطاء بصعوبة، وظهر قدامنا صندوق حديد كبير، متغلف بطبقة من القماش المشمع، ومحكم الإغلاق.
قلبي كان بيدق بسرعة.
بنتي الصغيرة مسكت إيدي وقالت ماما، هو بابا كان مخبي لنا فلوس؟
بصيت لها وقلت مش عارفة يا حبيبتي... بس أكيد كان عنده سبب إنه يخبي الحاجة دي عن الناس.
فتحنا الصندوق.
وأول حاجة ظهرت قدامنا كانت مجموعة ملفات قديمة مربوطة بشريط قماش، وفوقها صورة فوتوغرافية كبيرة.
مسكت الصورة.
كانت صورة عبد القادر وهو شاب، واقف قدام البيت القديم، وجنبه راجل كبير في السن وست شايلة طفلة صغيرة.
لكن الصدمة مش كانت في الصورة نفسها.
الصدمة كانت في إن الست اللي واقفة جنب جوزي كانت أمه... والراجل الكبير كان أبويا أنا!
شهقت ووقعت الصورة من إيدي.
بصيت فيها تاني، وقربتها من عيني، وفضلت أقول مستحيل... مستحيل!
بنتي الكبيرة خطفت الصورة من إيدي هو جدو كان يعرف بابا من زمان؟
هزيت رأسي وأنا مش قادرة أستوعب.
أبويا ماټ من سنين طويلة، وعبد القادر عمره ما حكالي إنه كان يعرفه قبل جوازنا.
بل بالعكس، أنا فاكرة كويس إن أول مرة شفته فيها كانت عن طريق قرايبنا، وإنه كان شخص غريب عن عيلتنا تماماً.
إزاي الصورة دي موجودة هنا؟
وإزاي أبويا واقف جنب جوزي في البيت القديم؟
مديت إيدي للملفات وبدأت أفتح أول ملف.
كان جواه عقد قديم، ورقة مطوية، وصورة تانية أصغر.
قرأت أول سطر في العقد، وحسيت إن الأرض بتلف بيا.
كان مكتوب
إقرار باستلام أمانة وحفظ حقوق السيدة...
والاسم اللي بعده كان اسم أمي.
أمي!
أمي اللي ماټت من أكتر من عشرين سنة!
قعدت على الأرض وأنا ماسكة الورقة، ودموعي بتنزل من غير ما أحس.
بنتي الكبيرة قعدت جنبي يا ماما، إيه اللي في الورق؟
قلت لها بصوت متقطع جدتك... أم ماما... كانت ليها علاقة بالبيت ده.
قلبت الورقة، ولقيت توقيع عبد القادر، وتوقيع أبويا، وتوقيع راجل تالت معرفوش.
وتحت التوقيعات كان فيه تاريخ يرجع لسنين طويلة قبل ما أتجوز عبد القادر.
بدأت أفهم إن الموضوع أكبر من مجرد حاجة مدفونة في الأرض.
لكن لسه ماكنتش عارفة إيه علاقة أمي وأبويا بالبيت، وليه عبد القادر احتفظ بالأوراق دي طول السنين.
فتحت الملف التاني.
كان فيه ظرف أبيض مكتوب عليه بخط عبد القادر
إلى جميلة.
.. لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا مشيت من الدنيا، وإنك أخيراً وصلتي للمكان اللي كنت مستنيكي توصلي له.
إيدي اترعشت.
فتحت الظرف وبدأت أقرأ.
يا جميلة...
أنا عارف إنك دلوقتي زعلانة مني، وعارف إنك مش فاهمة ليه وافقت قدام أمي ومراتي التانية إني أكتب الأملاك باسم الولاد، وليه سبتك إنتِ وبناتك في البيت القديم.
عارف إنك اتوجعتي لما سمعتي مني إن البنات مالهمش ورث، وعارف إنك يمكن تكوني كرهتيني في اللحظة دي.
بس فيه حاجات ماقدرتش أقولها وأنا عايش.
البيت ده مش خړابة زي ما الناس فاكرة، والأرض دي مش مجرد أرض قديمة.
أنا عايزك تكملي قراءة الأوراق بالترتيب، وماتديش أي ورقة لأي حد قبل ما تعرفي حكايتها.
وأهم حاجة يا جميلة، مهما حصل، ماتخليش حد ياخد البيت منك إنتِ والبنات.
حتى لو الشخص ده كان من أقرب الناس ليكي.
وقفت عند الجملة الأخيرة.
بصيت للبنات، ولقيتهم كلهم مركزين معايا.
قلت هو كان عارف إن حد هيحاول ياخد البيت؟
بنتي التالتة قالت يمكن عارف إن مراتُه التانية هتطردنا؟
ما رديتش.
كملت قراءة الرسالة.
فاكرة لما أبوكي ماټ، وفضلتي شهور مش عارفة تتصرفي في ورثك؟ فاكرة لما قولتلك إنك ماخدتيش من أبوكي غير شوية حاجات بسيطة؟
أنا عارف إنك عمرك ما سألتي عن تفاصيل كتير تخص الماضي، وكنتِ فاكرة إن كل حاجة خلصت يوم ما أبوكي ماټ.
لكن الحقيقة إن أبوكي سابلك حق كبير، وأنا كنت شاهد عليه.
والبيت القديم ده كان المكان اللي أبوكي اختاره عشان يحفظ حقك لحد ما تكبري وتبقي قادرة تعرفي الحقيقة.
أنا اتجوزتك وأنا عارف إنك بنت الراجل ده، وعارف إن فيه أمانة في رقبتي.
ماكنتش عايز أقولك وأنا عايش، لأني وعدت أبوكي إني ماكشفش السر إلا لما تكوني إنتِ بنفسك صاحبة القرار.
أنا آسف إني خليتك تتوجعي، لكن كان لازم أوصلك للمكان ده.
وقفت عن القراءة.
بصيت في الورقة، وبعدين بصيت للبنات.
قلت أبويا كان سايبلي حق؟ حق إيه؟ وإزاي جوزي كان عارف كل ده؟
بنتي الكبيرة قالت كملي يا ماما، لازم نعرف.
رجعت للرسالة.
جوا الصندوق هتلاقي دفتر أزرق. الدفتر ده أهم من كل الأوراق اللي موجودة.
اقري أول صفحة، وبعدها هتعرفي تروحي لمين.
بس خلي بالك، مش كل اللي هيبتسم في وشك هيكون فرحان إن حقك يرجعلك.
رفعت عيني من الرسالة.
الدفتر الأزرق كان موجود بالفعل تحت الملفات.
كان شكله قديم جداً، والغلاف متآكل من الأطراف، لكن صفحاته محفوظة بعناية.
فتحته.
أول صفحة كان مكتوب فيها بخط أبويا
أنا محمود عبد الرحيم، أكتب هذه الكلمات حتى لا يضيع حق ابنتي جميلة بعد رحيلي.
حطيت إيدي على بقي.
ده خط أبويا.
أنا كنت بعرف خطه كويس، وكنت محتفظة برسائل قديمة منه، مستحيل أغلط فيه.
بدأت أقرأ.
في سنة من السنين، اتعرضت لمشكلة كبيرة مع شريك حياتي في التجارة، وكان فيه ناس حاولوا يستولوا على الأرض اللي ورثتها عن والدي.
اضطريت أبيع جزء من أملاكي، لكن احتفظت بجزء كبير باسم أمانة لابنتي جميلة.
الجزء ده مش مجرد أرض، ده أصل عيلة كاملة، وفيه حقوق ناس تانية لازم تتحفظ.
اتفقنا أنا وعبد القادر على إنه يحتفظ بالأوراق لحد ما جميلة تكبر وتعرف الحقيقة.
ولو حصل لي أي حاجة، يكون هو المسؤول عن توصيل الأمانة ليها.
فضلت أقرأ، لكن كل سطر كان بيفتح قدامي سؤال جديد.
مين الناس اللي ليهم حقوق في الأرض؟
وليه أبويا ماقالليش؟
وليه عبد القادر اتجوزني وهو شايل السر ده؟
قلّبت صفحات الدفتر لحد ما وصلت لصفحة مكتوب فوقها بخط كبير
الحقيقة التي لا يعرفها أحد.
وقبل ما أقدر أقرأ باقي الصفحة، سمعت صوت خبطة قوية على باب البيت.
البنات اتخضوا.
بصيت ناحية الباب، وسألت مين؟
جالي صوت من بره.
افتحي يا جميلة، أنا عارفة إنك جوه!
الصوت كان مألوف جداً.
كانت ضرتي، سعاد.
بصيت للبنات وقلت لهم محدش يتكلم، ومحدش يقولها إحنا لقينا إيه.
خبّيت الأوراق بسرعة جوه الصندوق، وقفلت الغطاء، لكن الدفتر الأزرق احتفظت بيه في إيدي.
فتحت الباب.
كانت سعاد واقفة قدامي، ووراها ابنها الكبير وابنها الصغير.
ابتسمت ابتسامة مستفزة وقالت إيه يا جميلة؟ لسه عايشة في الخړابة؟ أنا قلت أجيلك أشوفك، يمكن تكوني أخيراً اقتنعتي إن المكان ده ماينفعش لحد يعيش فيه.
قلت لها بهدوء خير يا سعاد؟ عايزة إيه؟
دخلت من غير استئذان، وبصت حوالين المكان.
أنا عايزة أخلص من الموضوع ده. إنتِ قاعدة هنا على إيه؟ عبد القادر الله يرحمه سابلك البيت ده، بس الأرض دي عليها كلام كتير.
حسيت بقلبي بيدق.
قلت كلام إيه؟
ردت وهي بتبص في عيني فيه ناس عايزة تشتري الأرض، وإحنا مش هنسيبها تضيع. البيت ده هيتباع، وإنتِ وبناتك هتاخدوا مبلغ كويس وتروحوا تشوفوا لكم مكان تاني.
قلت البيت بتاعي، وعبد القادر سابهولي.
ضحكت بتاعك إيه بس؟ ده جوزك كان عايش معانا في البيت الكبير، وكتب كل أملاكه لولاده. إنتِ آخرك البيت
المهدود ده، وأنا أصلاً جاية أعمل فيكي خير.
بنتي الكبيرة ماقدرتش تسكت ماما مش هتبيع البيت.
سعاد بصتلها باستهزاء وإنتِ مالك يا بنتي؟ الكبار بيتكلموا.
قلت لها اتكلمي معايا أنا، وبناتي محدش يرفع صوته عليهم.
سعاد قربت مني وقالت بصوت واطي بصي يا جميلة، أنا مش جاية أضيع وقتي. فيه مشتري مستعد يدفع مبلغ كبير، والناس اللي معاه مستعجلين. عايزاكي تمضي على ورقة بيع، وناخد الفلوس ونخلص.
قلت مش همضي على أي حاجة.
وشها اتغير.
إنتِ فاكرة نفسك بقيتي صاحبة أملاك؟ إنتِ مش عارفة إن عبد القادر كان بيضحك عليكي؟ الراجل كتب كل حاجة لولادي، وإنتِ عايزة تعملي فيها صاحبة الأرض؟
قلت أنا مش هبيع البيت.
خرجت من شنطتها ملف صغير، وطلعته قدامي.
طيب شوفي ده.
فتحت الملف وطلعت صورة لعقد قديم، وحطته على الترابيزة.
قالت ده عقد ملكية الأرض، واسم عبد القادر موجود فيه، وأنا معايا صورة منه. يعني لو مشيتي بالذوق، هتمشي بالورق.
نظرت للعقد.
كان فيه اسم عبد القادر بالفعل، لكن فيه حاجة شدت انتباهي.
العقد كان مكتوب فيه إن الملكية انتقلت له من شخص اسمه محمود عبد الرحيم.
اسم أبويا!
بصيت لسعاد وقلت إنتِ جبتي العقد ده منين؟
ردت بسرعة مش مهم جبته منين. المهم إن الأرض مش من حقك.
حاولت أتماسك.
قلت سيبيلي فرصة أراجع الورق.
سعاد ضحكت وقالت تراجعي إيه؟ أنا هسيبك يومين، وبعدها هاجي ومعايا المشتري والمحامي. ولو ما مضتيش، هنشوف القانون هيقول إيه.
خرجت وهي بتقول لابنها يلا يا حبيبي، سيبيها تحلم شوية.
قفلت الباب وفضلت واقفة مكاني.
بنتي الكبيرة قربت مني ماما، هي عرفت منين إن فيه حاجة في الأرض؟
بصيت لها وقلت مش عارفة، بس واضح إن الموضوع مش جديد عليها.
رجعت للصندوق وفتحته تاني.
طلعت الدفتر الأزرق وبدأت أدور على الصفحة اللي وقفت عندها.
الحقيقة التي لا يعرفها أحد.
قرأت أول سطر
هذه الأرض لم تكن ملكاً لعبد القادر، ولم تكن ملكاً لي وحدي، بل كانت أمانة مشتركة بين عائلتين، وقد تم الاتفاق على أن تظل باسم شخص واحد حتى لا تضيع حقوق بقية الشركاء.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
يعني الأرض مش ملك أبويا وحده؟
كملت
وقد تم بناء البيت القديم فوق جزء من الأرض التي شهدت اتفاقنا، أما الجزء الأكبر فيمتد خلف المنزل وحتى نهاية السور الشرقي.
رفعت عيني وبصيت ناحية الحيطة.
البيت كان عبارة عن غرفتين وصالة، وفي الخلف مساحة واسعة مهجورة، كلها تراب وحشائش.
عمرنا ما اهتمينا بيها.
كملت القراءة
الأشخاص الذين شاركوا في الاتفاق كانوا أربعة.
محمود عبد الرحيم.
عبد القادر محمود.
إبراهيم الشناوي.
والشخص الرابع...
هنا كان الاسم ممسوحاً بحبر أسود، كأن حد تعمد يخفيه.
حاولت أقرب الورقة من النور، لكن الاسم ماكانش واضح.
قلّبت الصفحة اللي بعدها.
لقيت ورقة صغيرة متدبسة، مكتوب فيها
إذا عادت جميلة إلى البيت، فعليها أن تذهب إلى إبراهيم الشناوي، فهو آخر شخص يعرف الحقيقة كاملة.
قلت بصوت مسموع إبراهيم الشناوي؟
بنتي الكبيرة سألت تعرفيه يا ماما؟
هزيت رأسي.
الاسم ده سمعته قبل كده من أبوكي، بس مش فاكرة فين.
في اللحظة دي افتكرت موقف قديم جداً.
من حوالي عشر سنين، عبد القادر كان بيتكلم في التليفون مع شخص، ولما دخلت عليه قفل المكالمة بسرعة.
سألته وقتها مين يا عبد القادر؟
قال واحد صاحبي قديم اسمه إبراهيم.
وقتها ما اهتمتش.
لكن دلوقتي بدأت أربط الأحداث ببعض.
قلت للبنات بكرة الصبح هنروح ندور على إبراهيم الشناوي.
بنتي التانية سألت وهنسيب الصندوق هنا؟
قلت هنخبي الأوراق في مكان محدش يعرفه، ومش هنقول لأي حد إحنا لقينا إيه.
قضينا الليلة كلها في ترتيب الأوراق، وتصويرها بالموبايل، وحفظها في حقيبة صغيرة.
أما الصندوق، فغطيناه تاني بالتراب، لكن قبل ما نقفله، لقيت في قاعه مفتاحاً صغيراً مربوطاً بقطعة جلد.
كان عليه رقم محفور ١٧.
احتفظت بيه.
تاني يوم الصبح، سبت البنات في البيت مع بنت خالتي اللي اتصلت بيها وطلبت منها تيجي تقعد معاهم، ونزلت أدور على إبراهيم الشناوي.
بدأت أسأل في المنطقة القديمة، لكن محدش كان يعرفه.
لحد ما وصلت لكشك صغير عند آخر الشارع، وكان فيه راجل كبير قاعد بيشرب شاي.
سألته لو سمحت، تعرف راجل اسمه إبراهيم الشناوي؟
رفع عينه وبصلي باستغراب.
إبراهيم الشناوي؟ تقصدي عم إبراهيم بتاع المخازن؟
قلت بسرعة أيوه، هو فين؟
قال كان عنده مخزن كبير في شارع السوق، بس قفله من سنين. على حد علمي عايش في البلد القديمة عند بنته.
اداني العنوان.
ركبت مواصلة وروحت.
وصلت لبيت صغير في شارع هادي، وخبطت على الباب.
فتحتلي ست في أواخر الأربعينات.
قلت السلام عليكم، أنا بدور على الأستاذ إبراهيم الشناوي.
ردت مين حضرتك؟
قلت أنا جميلة، مرات المرحوم عبد القادر محمود.
مجرد ما سمعت الاسم، وشها اتغير.
قالت استني هنا.
دخلت وقفلت الباب وراها.
فضلت واقفة مستغربة.
بعد شوية، ظهر راجل كبير في السن، شعره أبيض ووشه مرهق، وكان بيتحرك بصعوبة.
بصلي طويلاً، وبعدين قال إنتِ جميلة؟
قلت أيوه.
اتنهد وقال كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
اتفضلت جوه.
قعدت قدامه، وطلعت صورة أبويا وعبد القادر.
أول ما شافها، دموعه نزلت.
قال الله يرحمهم... كانوا رجالة، بس كل واحد فيهم دفع تمن السكوت غالي.
قلت أنا عايزة أفهم. إيه حكاية البيت القديم؟ وإيه علاقة أبويا بجوزي؟ وليه عبد القادر سابلي البيت ده بالذات؟
بصلي وقال قبل ما أقولك، لازم أسألك سؤال.
قلت اتفضل.
إنتِ لقيتي الدفتر؟
اتجمدت.
قلت إنت عرفت منين؟
رد لأن عبد القادر كلمني قبل ما ېموت، وقال لي إنك هتيجي في يوم تسألي عن الحقيقة، وإن أول حاجة هتعمليها إنك تدوري على الاسم اللي مكتوب في الدفتر.
سكت شوية، وبعدين قال بس فيه حاجة تانية لازم تعرفيها يا جميلة.
الأرض اللي إنتِ عايشة فيها دلوقتي، مش هي كل الأمانة.
قلت يعني إيه؟
قال فيه جزء تاني من الأرض اتسجل باسم شخص مختلف، والشخص ده كان مسؤول إنه يحافظ على نصيبك ونصيب ناس تانية.
سألته مين الشخص ده؟
قام بصعوبة، ودخل أوضة جانبية، ورجع ومعاه صندوق خشب صغير.
حطه قدامي وقال قبل ما أبوكي ېموت، سلمني الصندوق ده، وقال لي ما افتحوش إلا لما جميلة تعرف إن ليها حق.
فتحت الصندوق.
كان فيه عقد شراكة قديم، وخريطة مرسومة بإيد، ومفتاح تاني.
المفتاح ده كان عليه نفس الرقم اللي لقيته في الصندوق المدفون.
١٧.
بصيت لإبراهيم.
قال المفتاح ده مش بيفتح باب البيت، ولا الصندوق اللي تحت الأرض.
قلت أمال بيفتح إيه؟
رد مخزن رقم سبعتاشر، اللي كان أبوكي بيستخدمه زمان.
حسيت إن قلبي هيخرج من مكانه.
والمخزن ده فين؟
قال في أرض قديمة جنب محطة القطر، مقفول من يوم ۏفاة أبوكي.
سألته وفيه إيه جواه؟
سكت إبراهيم فترة طويلة، وبعدين قال فيه الإجابة عن السؤال اللي إنتِ بتسأليه من يوم ما عبد القادر ماټ.
قلت ليه جوزي عمل كده؟
بصلي وقال لأن عبد القادر كان عارف إن لو عرفتي الحقيقة وإنتِ في بيته الكبير، مش هتقدري تحمي نفسك ولا بناتك.
حسيت ببرودة في جسمي.
قلت تحمينا من مين؟
قبل ما يرد، رن تليفونه.
بص للشاشة، ولقيته بيتغير.
رد بصوت متوتر أيوه... أيوه يا سعاد.
قلبي وقع.
إبراهيم سكت وهو بيسمع، وبعدها قال لأ، جميلة مش عندي.
قفل المكالمة وبصلي.
قلت هي عرفت إني جيت هنا؟
هز رأسه.
مش بس عرفت... دي عرفت إنك معاكي مفتاح المخزن.
قلت بسرعة إزاي؟
أنا ماقولتلهاش حاجة!
إبراهيم قرب مني وقال لأن فيه حد بيراقبك من يوم ما خرجتي من البيت.
اتسمرت مكاني.
مين؟
قال الشخص اللي ساعد
عبد القادر يخفي الحقيقة كل السنين دي، هو نفسه الشخص اللي دلوقتي بيحاول يوصل للصندوق قبلك.
سألته مين الشخص ده؟
بص ناحية الباب، وكأنه خاېف يكون حد بيسمعنا.
وبعدين قال مش هينفع أقولك هنا. لازم نمشي حالاً ونروح المخزن.
خرجنا من البيت، وإبراهيم أصر إنه يركب معايا في نفس العربية.
طول الطريق كان ساكت، وكل شوية يبص في المراية.
وصلنا للمنطقة اللي وصفها، ونزلنا قدام مبنى قديم، بابه الحديد مقفول بسلسلة كبيرة.
طلع المفتاح اللي معاه، لكن المفتاح ما فتحش.
قلت مش ده المفتاح؟
قال ده مفتاح القفل الداخلي، لكن لازم نفتحه من بره الأول.
فضلنا ندور لحد ما لقينا باب صغير جانبي، كان مستخبي ورا مجموعة من الأخشاب القديمة.
إبراهيم فتحه بمفتاح تاني كان معاه.
دخلنا.
المكان كان ضلمة ومليان تراب، وفي آخره باب حديد صغير عليه رقم ١٧.
طلعت المفتاح اللي معايا.
دخلته في القفل.
لف بسهولة.
فتحنا الباب.
كان جواه دولاب معدني، وعلى الرفوف ملفات كتير وصناديق خشب.
إبراهيم قرب من أول درج وفتحه.
طلع ملف كبير مكتوب عليه
ملف جميلة محمود عبد الرحيم.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
إبراهيم قال اقعدي يا بنتي، اللي هتعرفيه دلوقتي مش سهل.
قعدت وبدأ يطلع الأوراق واحدة واحدة.
أول ورقة كانت صورة عقد ملكية، والتانية كشف حساب قديم، والتالتة شهادة رسمية.
لكن اللي شد انتباهي كان ظرف كبير مكتوب عليه بخط أبويا
إلى ابنتي جميلة... يُفتح بعد ۏفاة عبد القادر.
مديت إيدي وخدته.
فتحته وأنا برتعش.
لقيت جواه خطاب طويل.
بنتي جميلة...
لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا وعبد القادر رحلنا من الدنيا، ووصلتي أخيراً للحقيقة اللي حاولنا نحافظ عليها.
أنا ما سبتكيش من غير حق، ولا كنت ناسيكي زي ما إنتِ يمكن افتكرتي بعد وفاتي.
البيت القديم اللي عبد القادر سابهولك، مش هو الهدية اللي ليكي.
البيت ده هو مفتاح الأمانة.
من سنين طويلة، أنا وعبد القادر وإبراهيم اشترينا أرض كبيرة، واتفقنا إن كل واحد فينا يحفظ نصيب عيلته.
لكن حصل خلاف بيننا وبين شريك رابع، وبدأت المشاكل تكبر.
الشريك ده كان عايز يستولي على الأرض كلها، وبدأ يهددنا إنه هيضيع حقوقنا.
اضطرينا نسجل جزء من الأرض بأسماء مختلفة، ونخفي باقي الأوراق في أماكن متفرقة.
أنا كنت خاېف عليكي، لأنك كنتِ بنتي الوحيدة، وكنت عارف إنك مش هتقدري تدخلي في صراع مع ناس عندها نفوذ.
علشان كده طلبت من عبد القادر إنه يحافظ على حقك.
لكن فيه سر أخطر من الأرض نفسها.
الراجل اللي كان عايز يستولي على الأرض، ماكانش غريب عن العيلة زي ما كنا فاكرين.
كان من أقرب الناس لينا.
واللي هيكشف هويته هو آخر ملف في الدولاب.
رفعت عيني لإبراهيم.
قلت مين الشخص ده؟
إبراهيم كان ساكت.
قلت بصوت أعلى إنت عارف مين؟!
رد وهو بيبص للأرض أيوه.
مين؟
قال أنا مش عايز أقولك قبل ما تشوفي الورقة بنفسك.
قمت وفتحت آخر درج.
كان فيه ملف بني كبير، مربوط بحبل.
فكيت الحبل وفتحت الملف.
أول ورقة كانت صورة شخصية لرجل أعرفه كويس.
رجل كنت بشوفه كل يوم تقريباً في البيت الكبير.
رجل كان بيزور عبد القادر في مرضه، وبيجلس معاه بالساعات.
رجل كانت سعاد بتثق فيه ثقة عمياء.
ورجل كان أول واحد وقف جنبها بعد ۏفاة عبد القادر.
بصيت للصورة، وخرج اسمه من بين شفايفي بصعوبة
مستحيل...
إبراهيم قال للأسف يا جميلة، هو.
قلبي كان بيدق پعنف.
قلت إنت بتقول إن أخويا هو اللي كان عايز ياخد الأرض؟!
أيوه.
أخويا من أمي، اللي كان دايماً بيظهر قدام الناس إنه بيحبني وبيخاف عليا.
أخويا اللي حضر عزاء عبد القادر، وفضل يطبطب عليا ويقولي أنا موجود يا جميلة، ومش هسيبك لوحدك.
فضلت أبص للصورة، مش قادرة أصدق.
إبراهيم بدأ يحكي
أخوكي كان عارف من زمان إن فيه أرض كبيرة باسم أبوكي، وكان بيحاول يوصل لأوراقها. لكن أبوكي اكتشف الموضوع بدري، ورفض يديله أي حاجة مش من حقه.
قلت بس أخويا عمره ما اتكلم معايا عن الأرض!
رد لأنه كان فاكر إنك مش عارفة حاجة. ولما اتجوزتي عبد القادر، عرف إن جوزك هو اللي محتفظ بالأوراق، فبدأ يقرب منه ويحاول ياخد منه المعلومات.
قلت يعني عبد القادر كان عارف؟
أيوه. وعشان كده كان بيتصرف بحذر شديد.
افتكرت زيارات أخويا المتكررة لعبد القادر في المستشفى، وافتكرت إنه كان بيصر يسأل عن أحواله المالية، ويقول إنه مستعد يساعده في أي إجراءات.
وفجأة افتكرت موقف حصل قبل ۏفاة عبد القادر بأيام.
كنت داخلة عليه بالأدوية، ولقيت أخويا خارج من الأوضة، ووشه متغير.
سألته فيه حاجة؟
قال لا يا جميلة، كنت بطمن على جوزك.
وقتها ما شكتش فيه لحظة.
دلوقتي كل حاجة بقت مختلفة.
قلت لإبراهيم طب وسعاد؟ هي تعرف؟
إبراهيم اتنهد.
سعاد مش عارفة كل التفاصيل، لكنها عارفة إن فيه أرض كبيرة، وإن فيه أوراق ممكن تغير كل حاجة. وعشان كده مستعجلة تبيع البيت.
قلت بس ليه أخويا يساعدها؟ دي مرات أخوه، ومش من مصلحته إنها تاخد حاجة مش من حقها.
إبراهيم بصلي وقال لأن الاتفاق بينهم مش زي ما إنتِ متخيلة.
سكت شوية، وبعدين طلع ورقة تانية.
كانت ورقة مكتوبة بخط أخويا، وفي آخرها توقيعه.
قرأت أول سطر
أتعهد أنا... بالحصول على موافقة جميلة على التنازل عن جميع حقوقها في الأرض، مقابل مبلغ يتم الاتفاق عليه مع المشترين.
حسيت إن صدري اتقفل.
أخويا كان بيجهز ياخد حقي، وعايزني أمضي على التنازل من غير ما أعرف الحقيقة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الورقة اللي بعدها.
كانت صورة لعقد اتفاق بين أخويا وسعاد.
العقد بيقول إنهم اتفقوا على تقسيم المبلغ الناتج عن بيع الأرض بينهم، وإن سعاد هتاخد نصيب أولادها، وأخويا هياخد باقي المبلغ مقابل إنه يخلص إجراءات البيع.
قلت وأنا مش مصدقة يعني هما الاتنين كانوا متفقين يبيعوا أرضي؟
إبراهيم هز رأسه.
أيوه، لكن فيه حاجة لازم تعرفيها. الأرض دي مش مجرد مساحة كبيرة زي ما إنتِ فاكرة. فيها جزء مخصص من سنين لمشروع خيري، وأبوكي كان بيبني عليه حلم كبير.
قلت مشروع إيه؟
قال مستشفى صغيرة لعلاج الأطفال، كان أبوكي عايز يعملها باسم والدتك، لأنها كانت نفسها تساعد الناس اللي مش قادرة تتعالج.
اتجمدت.
أمي كانت دايماً بتحلم يكون ليها عمل خير، وكانت كل ما تشوف طفل مريض تدعي ربنا يشفيه.
سألت والمستشفى اتبنت؟
قال لأ. المشروع وقف بسبب الخلافات، والأرض فضلت محفوظة لحد ما عبد القادر قدر يرجع الأوراق.
قلت يعني هو كان عايزني أكمل حلم أمي وأبويا؟
ابتسم إبراهيم بحزن.
أيوه. وده السبب اللي خلاه يسيبلك البيت القديم والأرض. هو كان عارف إنك الوحيدة اللي ممكن تحافظي على الأمانة.
فضلت ساكتة.
كل حاجة بدأت تتضح، لكن كان فيه سؤال واحد مش قادر يسيب دماغي.
ليه عبد القادر ماقالليش الحقيقة وهو عايش؟
ليه سابني أعيش أسبوع كامل بعد مۏته وأنا فاكرة إنه ظلمني؟
ليه سمح لسعاد تطردني وتضحك عليا؟
إبراهيم كأنه قرأ أفكاري.
قال عبد القادر كان عنده سبب. هو كان عايز يشوف مين هيظهر على حقيقته بعد مۏته. وكان عارف إن وجودك في البيت الكبير هيخلي الناس تراقبك وتمنعك من الوصول لأي حاجة.
قلت بس أنا اتبهدلت يا إبراهيم. بناتي ناموا على الأرض، وأكلنا من اللي كان موجود في البيت، وكل الناس كانت بتضحك علينا.
رد بصوت حزين أنا عارف. وعبد القادر كان عارف إنك هتتوجعي، لكن كان شايف إن ده الطريق الوحيد اللي يضمن إن الأوراق توصل
لإيدك من غير ما حد ينتزعها منك.
بصيت للأرض ودموعي نزلت.
قلت كان ممكن يثق فيا ويقول لي.
إبراهيم قال كان نفسه، والله كان نفسه. لكنه كان خاېف إن أي كلمة منه توصلك لحد تاني، فتضيع الأمانة كلها.
في اللحظة دي، سمعنا صوت حركة بره المخزن.
إبراهيم قام بسرعة وبص من فتحة صغيرة.
وشه اتغير.
قلت فيه إيه؟
قال فيه عربية واقفة بره.
مين؟
ما ردش.
بعد ثواني، سمعنا صوت حد بيخبط على الباب الحديد.
وبعدين صوت راجل بيقول
يا عم إبراهيم، افتح. إحنا عارفين إن جميلة عندك.
بصيت لإبراهيم.
همس ده أخوكي.
حسيت برجلي بتترعش.
أخويا كان واقف بره.
الرجل اللي كنت لسه شايفة صورته في الملف.
الرجل اللي اكتشفت إنه كان بيخطط ياخد حقي.
فضل يخبط ويقول افتح يا إبراهيم، بلاش نكبر الموضوع.
إبراهيم بصلي وقال اسمعيني كويس. خدي الملف ده، واخرجي من الباب الخلفي. فيه ممر بيوصل للشارع التاني.
قلت وإنت؟
قال أنا هفضل هنا.
مش هسيبك.
يا بنتي، دي مش وقت عواطف. لازم الأوراق دي توصل للمحامي اللي أبوكي اختاره.
مد إيده واداني كارت صغير مكتوب عليه اسم مكتب محاماة وعنوانه.
لكن قبل ما أتحرك، سمعت صوت أخويا من بره
جميلة! أنا عارف إنك سامعاني. افتحي يا أختي، أنا جاي أطمن عليكي!
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة.
أختي.
هو لسه قادر يناديني أختي بعد كل اللي عرفته؟
قربت من الباب وقلت بصوت عالي عايز إيه يا حسن؟
سكت لحظة، وبعدين رد عايز مصلحتك يا جميلة. افتحي نتكلم.
قلت مصلحتي؟ ولا مصلحتك إنت؟
صوته اتغير.
إنتِ بتقولي إيه؟ مين اللي لعب في دماغك؟
قلت أنا عرفت كل حاجة يا حسن.
سمعت صوته وهو بيتنهد.
إنتِ مش فاهمة. إبراهيم بيستغلك. الراجل ده كان سبب خړاب أبوكي، وهو اللي ضيع فلوس العيلة.
بصيت لإبراهيم، لقيته بيهز رأسه بالنفي.
قلت طيب، إيه رأيك نتكلم قدام المحامي؟
حسن سكت.
وبعدين قال إنتِ معاكي أوراق؟
ما رديتش.
فجأة صوته بقى حاد جميلة، اسمعيني. اللي في إيدك ده مش من حقك لوحدك. فيه ناس ليها حقوق، وإنتِ لو مشيتي ورا إبراهيم هتضيعي نفسك وبناتك.
قلت أنا هعرف حقي بالقانون.
ضحك ضحكة قصيرة.
القانون؟ إنتِ فاكرة إن الموضوع سهل؟ فيه عقود، وفيه توقيعات، وفيه ناس شهود على إن أبوكي باع الأرض من سنين.
قلت لو أبويا باعها، إيه اللي مخليك مستعجل تاخد مني توقيع تنازل؟
ما ردش.
قلت وليه اتفقت مع سعاد على تقسيم فلوس البيع بينكم؟
الصمت اللي جه بعد كلامي كان كفاية.
عرفت إنه فهم إني شفت الورق.
بعد لحظات، قال مين ورّاك العقد؟
قلت مش مهم.
قال جميلة، افتحي الباب.
لازم نتكلم.
رديت مش هفتح.
وفجأة سمعت صوت موبايله وهو بيتكلم مع حد تاني.
قال بصوت واطي، لكني سمعته
أيوه يا سعاد... هي عرفت جزء من الموضوع. لأ، لسه مش معاها الورقة الأساسية. لازم نوصل لها قبل ما تروح للمحامي.
اتسمرت مكاني.
الورقة الأساسية!
يعني فيه ورقة أهم من كل اللي شوفته؟
إبراهيم قرب مني وهمس لازم تمشي دلوقتي.
خدت الملف، والدفتر الأزرق، وخرجت من الممر الخلفي.
كنت ماشية بسرعة، وكل شوية أبص ورايا.
وصلت للشارع التاني، وركبت عربية أجرة، وطلبت من السواق يوصلني لعنوان المحامي.
طول الطريق كنت بفكر في كل حاجة.
في أبويا.
في أمي.
في عبد القادر.
وفي بناتي اللي كانوا مستنييني في البيت القديم، ومش عارفين إن حياتنا كلها ممكن تتغير بسبب ورق قديم.
وصلت لمكتب المحامي.
كان اسمه الأستاذ فؤاد النجار.
دخلت وسألت عليه، والموظف قال لي إنه في اجتماع.
استنيت في الصالة، وبعد حوالي عشرين دقيقة خرج راجل في أواخر الستينات، لابس بدلة رمادي ونظارة سميكة.
أول ما شافني وقف مكانه.
قال حضرتك جميلة محمود؟
قلت أيوه.
بصلي فترة، وبعدين قال أنا كنت مستنيكي من سنين.
حسيت إن الجملة دي بقت بتتكرر في كل مكان أروحه.
دخلني مكتبه، وقفل الباب.
قلت له أنا عايزة أفهم كل حاجة.
قال قبل ما تفهمي، لازم أقولك إن عبد القادر جه عندي قبل ۏفاته بشهر، وسلمني ظرف، وطلب مني ما افتحوش إلا لما تيجي بنفسك.
طلع درج مكتبه وفتح خزنة صغيرة.
أخرج ظرفاً كبيراً مختوماً.
كان مكتوب عليه
إلى جميلة، بعد وصولها ومعها الدفتر الأزرق.
بصيت للظرف وقلبي بيدق.
قلت هو كان متأكد إني هلاقي الدفتر؟
قال كان متأكد إنك هتدوري على الحقيقة، حتى لو احتاجت وقت.
فتح الظرف.
طلع منه خطاب، ومعاه صورة مستند رسمي.
المحامي بدأ يقرأ
أنا عبد القادر محمود، أقر أنني لم أكتب أملاكي كلها باسم أولادي الصبيان بهدف حرمان بناتي، وإنما كان ذلك حفاظاً على ممتلكات تخصهم بالفعل، ولا علاقة لها بالأرض التي تعود حقوقها إلى زوجتي جميلة وبناتها.
أما البيت القديم، فقد تركته لها لأنه يقع على جزء من أرض كانت ملكاً لوالدها، وأحتفظ أنا بالأوراق التي تثبت ذلك.
وأشهد أن جميلة هي صاحبة الحق في إدارة هذه الأرض، وأن لها وحدها حق اتخاذ القرار بشأن المشروع الذي أوصى به والدها.
بصيت للمحامي.
قلت يعني الأرض كلها بتاعتي؟
رد فيه تفاصيل لازم تتراجع، لكن الأوراق دي بتثبت إن ليكي حق أصيل في جزء كبير من الأرض، وإن فيه مستندات رسمية لازم نطلع عليها من السجلات.
سألته وموضوع المستشفى؟
ابتسم وقال ده كان حلم والدك ووالدتك، وعبد القادر كان بيحاول ينفذه قبل ۏفاته.
وبعدين فتح المستند الرسمي.
كان فيه خريطة كاملة للأرض، ومقسمة إلى أجزاء.
الجزء الأول البيت القديم.
الجزء التاني الأرض الخلفية.
الجزء التالت مساحة كبيرة مخصصة للمشروع الخيري.
لكن فيه جزء رابع مكتوب عليه ملاحظة بخط اليد
لا يتم التصرف في هذا الجزء قبل حضور الشريك الرابع وإثبات هويته.
سألته مين الشريك الرابع؟
المحامي سكت.
وبعدين قال دي المشكلة يا جميلة. الشريك الرابع لسه عايش، وعبد القادر كان بيحاول يوصلك له.
قلت مين هو؟
بصلي وقال الشخص ده موجود في حياتك من وقت طويل، وإنتِ تعرفيه كويس.
حسيت بقلبي بيهبط.
قلت حسن؟
هز رأسه.
لأ.
سألته سعاد؟
قال لأ.
وبعدين مد إيده لملف تاني، وطلع منه صورة قديمة.
قال بصي كويس.
أخدت الصورة.
كانت صورة جماعية قديمة لأبويا وعبد القادر وإبراهيم، ومعاهم رجل رابع.
الرجل كان واقف في الخلف، ملامحه مش واضحة أوي، لكني عرفته.
عرفته من أول لحظة.
لأن الصورة كانت لراجل ماټ من سنين طويلة، وكنت فاكرة إن مفيش بيني وبينه أي علاقة.
كان جدي.
والد أبويا.
قلت إزاي جدي؟ ده ماټ قبل ما أنا أتولد!
المحامي رد لأنه ما ماتش في التاريخ اللي إنتِ تعرفيه.
حسيت إن المكتب بيلف بيا.
قلت يعني إيه؟
قال جدك اختفى من العيلة قبل ولادتك بسنين، واتقال إنه ماټ، لكن الحقيقة إنه سافر وعاش بعيد عن الناس، وكان هو الشريك الرابع في الأرض.
قلت طب هو فين دلوقتي؟
المحامي فتح درج تاني وطلع ورقة حديثة نسبياً.
قال ده آخر عنوان مسجل باسمه.
بصيت للورقة.
كان العنوان في نفس المدينة، وعلى بعد شوارع قليلة من البيت القديم.
قلت هو عايش؟
المحامي هز رأسه.
حسب آخر معلومة وصلت لعبد القادر، أيوه.
حطيت إيدي على صدري.
كل اللي حصل في حياتي كان مبني على حكاية ناقصة.
أبويا كان مخبي حق.
عبد القادر كان بيحافظ على الأمانة.
وجدي اللي اتقال إنه ماټ، ممكن يكون لسه عايش!
سألت المحامي وليه كل ده اتخبى عني؟
قال لأن جدك كان طرفاً في خلاف قديم، ووجوده كان ممكن يضيع الأرض كلها. عبد القادر كان بيحاول يوصل له قبل ما ېموت، لكنه ماقدرش.
قلت طب ليه حسن عايز الورقة الأساسية؟
المحامي رد لأن الورقة دي فيها إقرار من جدك بتنازله عن
جزء من الأرض لصالحك، وفيها كمان اعتراف بحقيقة الشريك اللي حاول يستولي على الممتلكات.
سكت شوية، وبعدين قال والورقة دي لو ظهرت، هتثبت إن فيه ناس حصلت على أموال وممتلكات مش من حقها.
افتكرت كلام سعاد عن المشتري، وعقد البيع اللي كانت عايزاني أمضي عليه.
قلت يعني هما عايزين يبيعوا الأرض قبل ما الورقة تظهر؟
قال بالضبط.
المحامي طلب مني أسيبله نسخة من الأوراق، وبدأ يجهز إجراءات قانونية لحماية الأرض ومنع أي تصرف فيها لحين مراجعة الملكية.
قبل ما أمشي، سألته أقدر أشوف جدي؟
قال العنوان اللي معايا قديم، لكن فيه شخص واحد ممكن يعرف مكانه.
قلت مين؟
قال حسن.
اټصدمت.
أخويا؟
قال أيوه. لأن جدك كان بيتواصل معاه من فترة، وعبد القادر اكتشف ده قبل ۏفاته.
خرجت من المكتب وأنا مش عارفة أعمل إيه.
كان لازم أرجع البيت القديم وأطمن على بناتي.
وصلت البيت بعد العصر.
لقيت البنات قاعدين في الصالة، ووشوشهم كلها قلق.
بنتي الكبيرة جريت عليا ماما، إنتِ كنتِ فين؟ خال حسن جه هنا.
قلبي اتقبض.
قلت عمل إيه؟
قالت دخل معاه اتنين، وكانوا بيسألوا عنك. قالوا إنهم عايزين يتكلموا معاكي في موضوع الأرض.
سألت وإنتوا قلتولهم إيه؟
ردت قولنالهم إنك مش موجودة، وإننا مش هنسلمهم أي حاجة.
حضنتها.
شاطرة يا حبيبتي.
بنتي التانية قالت ماما، هو خالي ممكن ياخد البيت مننا؟
قلت محدش هيقدر ياخد حقكم طول ما إحنا متمسكين بيه وبنمشي بالقانون.
لكن وأنا بقول الكلام ده، كنت حاسة إن الموضوع أكبر من مجرد خلاف على أرض.
فيه ناس بتتحرك من ورا ضهرنا، وفيه سر لسه ناقص.
دخلت الأوضة، وفتحت الشنطة اللي فيها الأوراق.
طلعت آخر ورقة من ملف المحامي، وبدأت أقرأها من جديد.
كانت عبارة عن خطاب صغير، مكتوب في آخره
إذا وصلت جميلة إلى هذه المرحلة، فعليها أن تعلم أن الحقيقة الأخيرة لا توجد في المخزن، ولا في البيت القديم، ولا في مكتب المحامي.
الحقيقة عند الشخص الذي حمل اسم العائلة، لكنه لم يعش بينها.
قعدت أفكر.
مين الشخص ده؟
هل المقصود جدي؟
ولا فيه شخص تاني؟
وبينما أنا غرقانة في التفكير، سمعت جرس الباب.
قمت وفتحت.
كانت سعاد واقفة، لكن المرة دي ماكانتش لوحدها.
كان معاها حسن، ورجل غريب لابس بدلة، ومعاه شنطة جلد.
سعاد دخلت وهي بتبتسم ابتسامة مصطنعة.
قالت مساء الخير يا جميلة. إحنا جايين نخلص الموضوع بالذوق، ونريح بعض.
قلت أنا قلتلك قبل كده مش هبيع.
حسن قرب مني وقال يا جميلة، بلاش تعاندي. إنتِ مش فاهمة اللي بيحصل.
قلت أنا فهمت أكتر مما تتخيل.
بص لسعاد، وبعدها رجع بصلي.
مين اللي قالك إن ليكي حق في الأرض؟
قلت الورق قال.
الراجل الغريب اتدخل لأول مرة أنا محامي المشتري، ومعايا عرض نهائي. هنشتري البيت والأرض بمبلغ كبير جداً، وهتقدري تفتحي لبناتك مستقبل محترم.
قلت الأرض مش للبيع.
سعاد ضحكت هو إنتِ فاكرة إنك لما لقيتي شوية ورق قديم بقيتي صاحبة أملاك؟
قلت على الأقل أنا عارفة إن الأرض مش ملكك.
وشها اتغير.
حسن قال جميلة، إحنا مش أعداء. أنا أخوكي، وعايز أحميكي.
بصيت له وقلت لو كنت عايز تحميني، ماكنتش اتفقت مع سعاد على بيع حقي وتقسيم الفلوس بينكم.
وشه اصفر.
سعاد بصت له بسرعة.
إنتِ بتقولي إيه؟
قلت بقول اللي في الورق.
حسن حاول يسيطر على نفسه.
الورق اللي معاكي مش كامل.
قلت عارفة.
سكت.
قلت وعارفة كمان إن فيه شريك رابع، وإن فيه ورقة أساسية لسه محدش وصل لها.
في اللحظة دي، الراجل الغريب بص لحسن، وحسن بص لسعاد.
التلاتة تبادلوا نظرات سريعة.
عرفت إن كلامي لمس حاجة حساسة.
قلت هو إنتوا خايفين من الورقة دي ليه؟
حسن رد بعصبية عشان إنتِ مش فاهمة حجم الکاړثة اللي ممكن تحصل لو الورقة دي ظهرت!
قلت کاړثة على مين؟ عليا ولا عليكم؟
سعاد قربت مني وقالت يا جميلة، إحنا ممكن نحل كل حاجة. بس لازم تسلمي الأوراق اللي معاكي، وإحنا هنضمنلك مبلغ يخليكي تعيشي إنتِ وبناتك مرتاحين.
قلت مش هسلم حاجة.
حسن رفع صوته إنتِ بتضيعي مستقبلك بإيدك!
رديت مستقبلي أنا وبناتي مش للبيع.
سكت الجميع.
وبعدين حسن قال جملة خلتني أحس إن فيه حاجة أخطر بكتير لسه ماعرفتهاش
طيب، طالما إنتِ مصممة تعرفي الحقيقة، اسألي نفسك سؤال واحد ليه عبد القادر كتب أملاكه كلها لولاده، وليه ماكتبش الأرض باسمك من البداية؟
قلت عشان كان بيحافظ على الأمانة.
ضحك حسن بسخرية.
أمانة؟ إنتِ لسه فاكرة إن عبد القادر كان بيعمل كل ده عشانك؟
قلت أيوه.
قرب مني وقال بصوت منخفض
عبد القادر ماكانش بيحميكي مننا يا جميلة... كان بيحميكي من شخص تاني. شخص لو عرف إنك وصلتي للورقة الأخيرة، مش هيسيبك تعيشي في هدوء.
حسيت بقلبي بيقبض.
قلت مين الشخص ده؟
حسن بص لسعاد، وسعاد هزت رأسها كأنها بتحذره مايتكلمش.
لكن حسن كمل
الشخص اللي كان عبد القادر خاېف منه طول عمره... هو جدك.
اتجمدت.
قلت جدي؟ بس إنتوا بتقولوا إنه ماټ!
حسن رد لأنه لو كان ظهر، كان كل شيء هيتغير.
سعاد تدخلت بعصبية حسن، خلاص!
لكن حسن ماوقفش.
طلع من جيبه صورة قديمة وحطها قدامي.
كانت صورة لرجل كبير في السن، قاعد على كرسي، وورا منه شباك مفتوح.
وعلى ظهر الصورة مكتوب
أنا لم أمت يا جميلة... وأنا مستني اليوم اللي ترجعي فيه تاخدي حقك.
إيدي بدأت تترعش.
قلبت الصورة.
كان فيه عنوان مكتوب بخط اليد، وتاريخ قريب جداً.
رفعت عيني لحسن وقلت إنت شفته؟
ما ردش.
قلت إنت عارف مكانه؟
حسن بصلي طويلاً، وبعدها قال أيوه... وأنا كنت آخر واحد قابله قبل ما يختفي من جديد.
حسيت إن نفسي اتقطع.
قلت طب هو فين دلوقتي؟
حسن فتح بقه عشان يرد، لكن موبايله رن.
بص للشاشة، ووشه اتبدل تماماً.
رد بسرعة أيوه... إيه؟!
فضل ساكت وهو بيسمع، وبعدها
قال
مستحيل! إنت متأكد؟
قفل التليفون ببطء.
سعاد سألته فيه إيه؟
بصلها، وبعدها بصلي.
قال بصوت متوتر
جالنا خبر من المستشفى...
سألته مين في المستشفى؟
حسن بلع ريقه وقال
جدك يا جميلة... اتعرف عليه من شوية، وطلب يشوفك بالاسم.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
قلت هو عايش؟
حسن هز رأسه.
أيوه... بس فيه مشكلة.
مشكلة إيه؟
قرب مني، وطلع من جيبه ورقة صغيرة، ومدها ليا.
قال
قبل ما يدخل المستشفى، سلّم الورقة دي لشخص، وقال له ما يديهاش غير لجميلة محمود عبد الرحيم.
فتحت الورقة.
كان مكتوب فيها بخط مرتعش
يا جميلة، لو وصلتك الرسالة دي، يبقى عبد القادر نفذ وعده، وإنتِ عرفتي مكان الأمانة.
لكن قبل ما تدخلي عليا، لازم تعرفي إن الحقيقة اللي أبوكي وعبد القادر خبّوها عنك مش متعلقة بالأرض بس.
إنتِ طول عمرك فاكرة إنك بنت محمود عبد الرحيم الوحيدة.
لكن الحقيقة إن...
وتوقفت الرسالة عند السطر ده، كأن باقي الكلام اتقطع عمداً.
رفعت عيني لحسن.
يعني إيه؟ إيه الحقيقة؟!
حسن ما ردش.
وفجأة، بنتي الصغيرة اللي كانت واقفة عند باب الأوضة قالت بصوت مرتعش
ماما...
لفيت لها.
كانت ماسكة ورقة تانية، لقتها واقعة من الملف اللي كان مع حسن.
قالت الورقة دي مكتوب عليها اسمي!
خدتها منها.
وكان مكتوب في أعلاها
إلى جميلة... بخصوص ابنتك الكبرى.
قلبي وقف.
فتحت الورقة بسرعة، وقرأت أول سطر.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت حسن ورايا بيقول
استني يا جميلة... ماتقريش الورقة دي قبل ما تسمعي مني، لأن اللي جواها ممكن يغير نظرتك لأبوكي وعبد القادر طول عمرك.
بصيت له وأنا حاسة إن الدنيا كلها پتنهار حواليا.
قلت إنتوا مخبيين إيه عن بنتي؟!
حسن مد إيده ناحيتي وقال
جميلة... بنتك الكبيرة مش هي الشخص
الوحيد اللي عبد القادر كان بيحاول يحميه...
سكت لحظة، وبعدين قال الجملة اللي خلتني أحس إن كل الأسرار اللي اكتشفتها لحد دلوقتي كانت مجرد بداية
لأن جدك قبل ما يختفي، كتب في وصيته إن فيه واحدة من بناتك الأربعة ليها علاقة مباشرة بالورث كله... وإن ظهورها قدام الناس هو اللي هيكشف مين صاحب الحق الحقيقي في الأرض!
بصيت لبناتي الأربعة.
كل واحدة فيهم كانت بتبص للتانية پخوف وحيرة.
وبعدين بصيت للورقة اللي في إيدي.
لكن قبل ما أقدر أكمل قراءتها، رن تليفون حسن مرة تانية.
رد، وسمعناه بيقول بصوت مخڼوق
إيه؟! يعني هو فاق؟!
سكت شوية، وبعدها قال
وطلب جميلة لوحدها؟!
قفل التليفون، وبصلي.
جدك فاق من الغيبوبة، والدكتور بيقول إنه رافض يتكلم مع أي حد غيرك.
سألته وأنا ماسكة الورقة
وليه عايز يشوفني أنا بالذات؟
حسن بص في عيني وقال
لأنه عنده اعتراف أخير... وطلب من المستشفى يبلغوكي إنك لازم تيجي قبل ما يكتشفوا الحقيقة التانية.
قلت حقيقة إيه تاني؟!
حسن قرب مني، وخفض صوته
جدك بيقول إن عبد القادر ماكانش جوزك الأول في الحقيقة... وإن فيه عقد قديم باسمك موجود معاه، ولو ظهر، ممكن يثبت إن جوازك من عبد القادر بدأ بسر محدش في العيلة يعرفه!
وقعت الورقة من إيدي.
وفي نفس اللحظة، وصلتني رسالة على الموبايل من رقم مجهول.
فتحتها، ولقيت صورة قديمة لعبد القادر وهو شايل طفلة صغيرة، وتحت الصورة جملة واحدة
قبل ما تروحي لجدك، اسألي عبد القادر كان يعرف بنتك الكبيرة من إمتى؟
رفعت عيني ناحية بناتي، وبصيت لبنتي الكبيرة اللي كانت واقفة ساكتة ووشها شاحب.
ولأول مرة في حياتي، حسيت إن فيه سر في بيتي أنا نفسي ماكنتش أعرفه...
وقبل ما أقدر أسألها أي سؤال، بنتي الكبيرة قربت مني، ودموعها مالية عينيها، وقالت
ماما... أنا لازم أحكيلك حاجة عن بابا عبد القادر... حاجة هو وصاني أخبيها عنك طول عمري.
يتبع...
زهرة الربيع 2
وقفت قدام بنتي الكبيرة وأنا حاسة إن قلبي بيتقطع من الخۏف. كانت واقفة في نص الصالة، إيديها بتترعش، وعينيها مليانة دموع، وكل شوية تبص ناحية خالها حسن وبعدين ترجع تبصلي.
قلت لها بصوت مخڼوق إنتِ عايزة تحكيلي إيه يا نور؟ وإيه اللي عبد القادر وصاكي تخبيه عني؟
نور نزلت عينيها في الأرض، وفضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت ماما، أنا عارفة إنك هتزعلي مني، ويمكن تفتكري إني كنت بخبي عليكي حاجة كبيرة، بس والله أنا كنت صغيرة، وبابا هو اللي طلب مني ماقولكيش.
حسن اتدخل بسرعة استني يا نور، مش وقته الكلام ده.
بصيت له بعصبية إنت مالك؟ سيب بنتي تتكلم!
نور مسحت دموعها بطرف طرحتها، وقالت فاكرة يا ماما لما كنت في ابتدائي، وبابا كان بياخدني كل فترة معاه البيت القديم؟ كنتِ فاكرة إنه بياخدني أتمشى أو يوريني البيت اللي كان عايش فيه زمان؟
هزيت رأسي.
قالت هو ماكانش بياخدني عشان كده. كان بياخدني أقابل راجل كبير، وكنت بقعد معاه في أوضة صغيرة ونتكلم. الراجل ده كان بيقولي إنه يعرف جدو محمود، وإنه كان صاحب بابا من زمان.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
راجل مين يا نور؟
مش عارفة اسمه الحقيقي، بابا كان بيقولي أناديه عمو.
وإنتِ كنتِ بتروحي لوحدك؟
لأ، بابا كان معايا. وكان دايماً قبل ما ندخل يقول لي مهما حصل، ماتقوليش لماما إنك قابلتي الراجل ده، لحد ما ييجي اليوم اللي أسألك فيه عن حاجة معينة.
سألتها وأنا بحاول أتماسك وإيه الحاجة دي؟
قالت كان بيسألني كل مرة عن جدتي، وعن شكلها، وعن الحاجات اللي كانت بتحكيهالي عنها. وكان بيخليني أفتكر كلامها، خصوصاً حكاية المستشفى اللي كانت نفسها تعملها.
بصيت لها باستغراب إنتِ كنتِ تعرفي حكاية المستشفى؟
هزت رأسها.
أيوه يا ماما. الراجل ده كان معاه صور قديمة لتيتا، وكان بيقول لي إنها كانت ست طيبة جداً، وإنها كانت بتحب الأطفال، وإن فيه حلم لازم حد من العيلة يكمله.
حسيت إن دموعي بتنزل.
أمي!
حتى بعد السنين دي كلها، حلمها لسه عايش.
قلت لها طب ليه ماقولتيليش كل ده؟
ردت لأن بابا كان بېخاف عليكي. كان بيقول إن فيه ناس لو عرفت إن الراجل ده لسه عايش، هتحاول توصله قبلنا.
حسن اتحرك من مكانه وقال خلاص بقى، كفاية كلام. إحنا لازم نمشي.
بصيت له.
إحنا مش هنمشي في أي حتة قبل ما أعرف الحقيقة.
سعاد كانت واقفة جنب الباب، وملامحها اتغيرت.
واضح إنها بدأت تحس إن الموضوع خرج من إيدها.
قالت أنا مش فاهمة إنتوا بتتكلموا عن إيه أصلاً. إحنا جايين عشان موضوع البيع، مش عشان نفتح حكايات قديمة.
بصيت لها وقلت البيع انتهى يا سعاد. البيت مش للبيع، والأرض مش للبيع، وأي حد عنده اعتراض يروح للمحكمة.
ضحكت بسخرية محكمة إيه؟ إنتِ فاكرة إنك هتقدري تواجهي الناس دي كلها؟
قلت أنا مش هواجه حد لوحدي. معايا ربنا، ومعايا حقي، ومعايا بناتي.
حسن قرب مني وقال جميلة، أنا مش عدوك.
رديت عليه أمال إنت إيه؟ أخويا اللي اتفق مع مرات أخويا على بيع أرض أبويا وتقسيم الفلوس؟ ولا أخويا اللي كان بيحاول يوصل للأوراق قبل ما أنا أعرف؟
وشه احمر، لكنه ما ردش.
قلت أنا مش هسمع منك أي كلام تاني إلا لما نروح نشوف جدي، ونعرف منه الحقيقة كاملة.
حسن سكت، وبعدها قال طيب. بس لازم تعرفي إن مش كل اللي هتسمعيه هيكون في صالحك.
قلت أنا استحملت كتير، ومش هخاف من الحقيقة.
وصلنا المستشفى بعد المغرب.
كنت ماشية في الممر وأنا ماسكة إيد نور، وبنتي التانية ماشية ورايا، أما حسن فكان متقدمنا بخطوات، وسعاد فضلت في العربية بحجة إنها تعبانة ومش قادرة تطلع.
وصلنا أوضة في آخر الممر.
كان فيه راجل كبير قاعد على السرير، شعره أبيض بالكامل، ووشه مليان تجاعيد، لكنه أول ما شافني حاول يقوم.
قال بصوت ضعيف جميلة...
وقفت مكاني.
سنين طويلة وأنا فاكرة إن جدي ماټ، وإن مفيش حد من عيلة أبويا باقي غير الذكريات والصور.
قربت منه ببطء.
إنت جدو محمود؟
دموعه نزلت.
أيوه يا بنتي... أنا جدك.
ماقدرتش أمنع نفسي من العياط.
قربت منه وحطيت إيدي على إيده.
قلت ليه عملت فيا كده؟ ليه سبتوني طول السنين دي وأنا فاكرة إنك مت؟ ليه محدش قال لي إنك عايش؟
غمض عينيه، وقال سامحيني يا جميلة. أنا غلطت، وغلطتي كانت كبيرة. كنت فاكر إن البعد هيحميكي، لكن ماعرفتش إن البعد نفسه هيبقى ۏجع في قلبك.
قعدت على الكرسي جنبه.
أنا عايزة أفهم كل حاجة. عايزة أعرف ليه أبويا وجوزي خبوا عني، وليه كل اللي حصل ده.
بص لنور، وبعدين رجع بصلي.
نور كبرت؟
قلت أيوه، بقت شابة.
ابتسم بحزن.
عبد القادر كان بيحبها أوي.
نور قربت منه وقالت إنت عرفت بابا؟
مد إيده ليها.
أكتر مما تتخيلي يا بنتي. عبد القادر كان راجل جدع، لكنه شال فوق طاقته.
بصيت لجدي وقلت أنا عايزة أعرف حكاية الصورة اللي وصلتني، والرسالة اللي بتقول إن فيه سر متعلق بنور.
جدي سكت شوية، وبعدها قال قبل ما أقولك، لازم تعرفي إن نور مش بنت عبد القادر بيولوجياً.
الصمت نزل على الأوضة.
بصيت له وأنا مش فاهمة.
إنت بتقول إيه؟
نور رجعت خطوة لورا.
حسن وطى عينه.
جدي كمل نور بنتك يا جميلة، وده عمره ما كان محل شك. لكن أبوها الحقيقي مش عبد القادر.
حسيت إن الدنيا بتضيق بيا.
قلت مين أبوها؟
جدي بص ناحية الشباك، وبعدها قال أبوها كان راجل من عيلتنا، ماټ قبل ما نور تتولد.
شهقت.
يعني إيه؟ أنا كنت متجوزة مين قبل عبد القادر؟
هز رأسه.
لأ يا بنتي، إنتِ ماكنتيش متجوزة حد قبله. الموضوع مختلف تماماً.
بدأ يحكي.
من سنين، قبل ما أتجوز عبد القادر، كنت لسه بنت صغيرة، وأبويا كان عنده صديق قريب منه اسمه إبراهيم الشناوي. وكان إبراهيم عنده ابن اسمه ياسين.
ياسين كان شاب محترم، وكان بيشتغل مع أبويا في التجارة، وكان بين العيلتين معرفة قديمة.
في فترة من الفترات، حصلت أزمة كبيرة في العيلة، وياسين اختفى فجأة، وبعدها وصل خبر إنه ماټ في حاډث خارج البلد.
وقتها أنا كنت لسه صغيرة، وماكنتش أعرف أي تفاصيل.
جدي قال ياسين كان له بنت رضيعة، وأمها ماټت بعد الولادة بفترة قصيرة. والطفلة دي كانت نور.
بصيت له وأنا مش قادرة أتكلم.
يعني نور...
قال نور اتولدت قبل ما عبد القادر يتجوزك، وكانت يتيمة. وأبوكي هو اللي كان بيتابع حالتها، لأنه كان بيعتبر ياسين ابنه، وكان نفسه يضمن إن البنت ماتضيعش.
قلت طب إزاي بقت بنتي؟
جدي مسك إيدي وقال لأن أبوكي طلب منك زمان إنك تساعدي في رعاية طفلة صغيرة، وقالك إنها بنت ناس غلابة ومحتاجة بيت آمن. وإنتِ وافقتي، وفضلتي معاها فترة، لحد ما بقيتي متعلقة بيها جداً. وبعدها لما اتجوزتي عبد القادر، اتفقتوا إن نور تفضل معاكي وتعيش وسط بناتك.
كنت بحاول أفتكر.
وفجأة افتكرت طفلة صغيرة كانت عندنا في البيت قبل جوازي، وكنت بحبها جداً، وكانت أمي بتقولي إنها أمانة عندنا.
لكن أنا كنت فاكرة إن الطفلة دي رجعت لأهلها بعد فترة.
قلت بس أنا فاكرة إن الطفلة دي ماټت!
جدي هز رأسه.
اللي ماټت كانت طفلة تانية، حصل خلط في الأوراق وقتها،
وعبد القادر اكتشف الحقيقة بعد سنين.
بصيت لنور.
كانت بټعيط بصمت.
قلت وإنتِ كنتِ عارفة؟
هزت رأسها.
كنت عارفة إني مش بنت عبد القادر، لكن كنت فاكرة إنك عارفة يا ماما.
بابا قال لي إنك عارفة كل حاجة، وإنك اخترتيني بنتك بإرادتك. عشان كده ماكنتش بسألك.
حضنتها بقوة.
إنتِ بنتي يا نور، سواء كنتِ بنتي پالدم أو لأ. أنا اللي ربيتك، وإنتِ اللي كبرتي في حضڼي، ومفيش ورقة في الدنيا تغير ده.
نور اڼفجرت في العياط.
أنا كنت خاېفة تزعلي مني.
قلت لها أزعل منك ليه يا حبيبتي؟ إنتِ مالكيش ذنب في أي حاجة.
جدي فضل باصص لنا، وبعدها قال فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. ياسين ماكانش ماټ في الحاډث زي ما اتقال.
رفعت رأسي بسرعة.
إزاي؟
قال ياسين كان عايش فترة طويلة، وكان بيحاول يرجع ياخد بنته، لكنه اكتشف إن فيه ناس عايزة تستغل وجوده عشان تستولي على أملاك أبوه. فاختفى تاني، وطلب من عبد القادر إنه يحافظ على نور.
قلت يعني ياسين عايش لحد دلوقتي؟
جدي هز رأسه ببطء.
مش عارف. آخر مرة وصلني عنه خبر كانت من سنين.
سألته طب إيه علاقة ده بالأرض؟
قال ياسين كان صاحب النصيب الرابع في الأرض. والأرض دي اتجمعت من فلوس أربع عائلات، وكان الهدف منها إنشاء مشروع كبير يخدم أهل المنطقة.
قلت والمشروع ده هو المستشفى؟
أيوه. لكن فيه جزء تاني من المشروع كان ياسين مسؤول عنه، وهو إنشاء دار رعاية للأطفال اللي مالهمش أهل.
بصيت لنور.
بدأت أفهم ليه عبد القادر كان بيهتم بيها بشكل مختلف، وليه كان بياخدها تقابل الراجل المجهول.
جدي كمل عبد القادر كان عارف إن نور هي الوريثة الشرعية لنصيب ياسين، وإن وجودها مهم عشان المشروع يكمل. لكنه ماكانش عايزها تعرف ده وهي صغيرة.
قلت طب ليه أخويا حسن كان بيدور على الورق؟
جدي بص لحسن.
اسأليه هو.
لفيت ناحية حسن.
كان واقف عند الباب، وشه متغير.
قلت اتكلم يا حسن.
حسن اتنهد وقال أنا كنت عارف إن فيه أرض، لكن ماكنتش عارف إن نور ليها علاقة بيها. أنا كنت فاكر إن كل الأرض تخص أبوكي، وإنك لو تنازلتي عن نصيبك، هنقدر نبيعها ونخلص الموضوع.
قلت وكنت هتقسم الفلوس مع سعاد؟
قال أيوه، بس...
قاطعته مفيش بس يا حسن. إنت كنت عايز تاخد حقي وحق بناتي.
نزل عينه.
أنا غلطت.
قلت غلطت؟ إنت كنت بتجهز تبيع أرض كاملة، وفيها حلم أمي وأبويا، وحق طفلة ملهاش ذنب!
حسن سكت.
جدي قال بصوت ضعيف يا جميلة، حسن مش هو الشخص الوحيد اللي غلط. فيه حد تاني كان بيحرك كل ده من بعيد.
سألته مين؟
جدي طلب مني أقرب.
افتحي الشنطة اللي جنب السرير.
فتحتها، ولقيت جواها ظرف بني كبير.
مدهولي.
ده آخر مستند احتفظت بيه. عبد القادر كان عايزك تشوفيه بنفسك.
فتحت الظرف.
كان فيه عقد قديم، وصورة، وخطاب مكتوب بخط ياسين.
لكن أول حاجة شدت انتباهي كانت توقيع الشاهد على العقد.
توقيع عبد القادر.
والشخص اللي كان موقع معاه كشاهد كان...
سعاد!
بصيت لجدي.
سعاد كانت تعرف ياسين؟
قال سعاد كانت تعرف أكتر مما إنتِ متخيلة. هي كانت موجودة وقت ما حصل الاتفاق الأول، وكانت عارفة إن نور ليها حق في الأرض.
حسيت إن قلبي اتقبض.
يعني هي كانت عارفة إن نور ليها نصيب، وبرضه كانت بتحاول تخلينا نمشي؟
جدي هز رأسه.
أيوه. وده مش كل شيء.
فتح الخطاب اللي كان في الظرف، وبدأ يقرأ
إلى ابنتي نور، التي لم أتمكن من رؤيتها كما تمنيت...
لو وصلتك الرسالة دي، يبقى عبد القادر نجح في الحفاظ على الأمانة، ونجح في إنه يخليكي تعيشي وسط عيلة بتحبك.
أنا مش بطلب منك فلوس، ولا أرض، ولا ممتلكات.
أنا بطلب منك تعرفي إن ليكي أب كان بيتمنى يشوفك، وإن فيه ناس كتير ضحت عشان مستقبلك.
أما بالنسبة للأرض، فحقك فيها مش عشان تكوني أغنى من غيرك، لكن عشان تكملي المشروع اللي بدأناه.
خلي بالك من جميلة، لأنها كانت أمك حتى قبل ما تعرف الحقيقة.
وما تسمحيش لأي حد يخليكي تختاري بين حقك وبينها.
نور كانت بټعيط وهي بتسمع.
مديت إيدي ومسحت دموعها.
قلت أبوكي كان بيحبك يا نور.
قالت وأنا كان عندي أب تاني رباني وحبني. بابا عبد القادر.
جدي ابتسم.
وده اللي لازم تفضلي فاكره.
بعد يومين، رجعنا البيت القديم.
لكن المرة دي ماكنتش داخلة البيت وأنا مکسورة، ولا خاېفة من كلام سعاد.
كنت داخلة وأنا عارفة إن المكان ده شايل حكاية أربع عائلات، وإن فيه أمانة لازم أحافظ عليها.
المحامي فؤاد بدأ يراجع كل المستندات، وطلب استخراج صور رسمية من العقود القديمة، وبدأ إجراءات إثبات الملكية وحماية الأرض من أي بيع.
أما حسن، فاختفى يومين، وبعدها اتصل بيا وطلب يقابلني.
وافقت أقابله في مكتب المحامي.
دخل وهو شكله مرهق، وقعد قدامي من غير ما يتكلم.
قلت له اتفضل، عايز تقول إيه؟
قال أنا عارف إنك مش هتسامحيني بسهولة.
قلت أنا مش عارفة أسامحك أصلاً ولا لأ. بس عايزة أسمع الحقيقة.
قال سعاد هي اللي بدأت الموضوع. هي اللي عرفتني إن فيه مشتري مستعد يدفع مبلغ كبير، وقالتلي إن الأرض ممكن تتباع من غير مشاكل لو إنتِ مضيتي على التنازل.
قلت وإنت صدقتها؟
كنت محتاج فلوس، وعندي مشاكل كتير، وافتكرت إن الموضوع بسيط.
قلت يعني عشان محتاج فلوس، قررت تاخد حق أختك وبناتها؟
حسن نزل عينه.
أنا غلطان.
قلت إنت عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟ مش الفلوس. أنا كنت فاكرة إنك أخويا، وإن بعد مۏت أبويا مفيش حد من عيلتي هيفكر يظلمني.
حسن دموعه نزلت.
سامحيني يا جميلة.
قلت أنا مش هقولك إني سامحتك دلوقتي. لكن لو عايز تصلح اللي عملته، قول كل حاجة للمحامي، وساعدنا نوصل لأي ورق ناقص.
هز رأسه بالموافقة.
لكن لما خرج، المحامي فؤاد بصلي وقال فيه حاجة مش مطمناني يا جميلة.
سألته إيه؟
قال حسن مش بيقول الحقيقة كاملة. فيه طرف تالت هو اللي كان بيحركه، ولسه ماعرفناش هويته.
مرت أيام، وبدأنا نصلح البيت القديم.
البنات كانوا بيشتغلوا معايا في تنظيف الغرف، ونقل الحجارة، وترتيب الحاجات اللي ممكن نستخدمها.
نور كانت مختلفة عن الأول.
بقت مهتمة جداً بالدفتر الأزرق، وبتقرأ رسائل ياسين كل يوم.
وفي يوم، دخلت عليا الأوضة وهي ماسكة ورقة.
قالت ماما، أنا لقيت حاجة غريبة.
قلت إيه يا حبيبتي؟
مدت الورقة ليا.
كانت صفحة من الدفتر الأزرق، لكن أنا متأكدة إني ما شفتهاش قبل كده.
كان مكتوب فيها
هناك وصية ثانية لم تُنفذ، محفوظة في مكان لا يعرفه سوى الشخص الذي عاش في البيت القديم قبل انتقاله إلى عائلته الجديدة.
قريت الجملة أكتر من مرة.
قلت الشخص اللي عاش في البيت القديم قبل انتقاله لعيلته الجديدة... تقصدي مين؟
نور قالت يمكن بابا عبد القادر؟
افتكرت كلامه عن البيت، وافتكرت إنه كان بيقولي إنه قضى طفولته فيه مع أبوه.
لكن المفاجأة إننا اكتشفنا إن البيت كان له صاحب قديم قبل عيلة عبد القادر.
قلت لازم نراجع باقي الأوراق.
قعدنا على الأرض وبدأنا نقلب الملفات.
بعد فترة، لقينا صورة قديمة للبيت، وكان ظاهر فيها طفل صغير واقف جنب شجرة كبيرة.
على ظهر الصورة مكتوب
إلى عبد القادر، في يوم انتقالك إلى بيتنا الجديد.
بصيت للصورة.
الطفل كان عبد القادر.
لكن جنب الصورة كان فيه ظرف صغير، مكتوب عليه
لا تفتح إلا بعد العثور على الغرفة المغلقة.
سألت نور
فيه غرفة مقفولة في البيت؟
قالت أيوه يا ماما، فيه باب صغير في آخر الممر، وعمري ما شوفته مفتوح.
قمت بسرعة.
رحنا ناحية الممر.
كان فيه باب خشب قديم، متغطي بطبقة من التراب، ومقبضه متآكل.
حاولت أفتحه، لكنه كان مقفول.
طلعت المفتاح الصغير اللي لقيناه في الصندوق.
ماكانش مناسب.
جربنا المفتاح التاني.
برضه ما فتحش.
نور قالت يمكن فيه مفتاح تالت.
رجعت للصندوق المدفون، وبدأت أدور في قاعه.
وبين قطعتين من القماش لقيت مفتاح صغير جداً، ملفوف في ورقة.
كان مكتوب عليها
المفتاح الأخير لا يفتح باباً، بل يفتح ذاكرة.
جربت المفتاح في الباب.
لف.
وانفتح الباب ببطء.
دخلت أنا ونور.
كانت الغرفة صغيرة، وفيها سرير قديم، ودولاب خشب، ومكتب عليه مصباح مكسور.
على الحيطة كانت فيه صور كتير لعبد القادر وهو طفل، وصور لأبوه وأمه.
لكن اللي خلاني أتجمد مكاني كان وجود صورة كبيرة ليا أنا.
صورة ليا وأنا طفلة، قاعدة في حضڼ أمي!
قربت منها.
قلت إزاي الصورة دي هنا؟
نور قربت وقالت ماما، فيه ورق تحت الصورة.
شلت الإطار.
لقيت ورقة مطوية بعناية.
فتحتها.
كان مكتوب فيها
يا جميلة، لو وصلتي للغرفة دي، يبقى عبد القادر وفّى بوعده.
الغرفة دي كانت المكان اللي شهد أول لقاء بين أبوكي وأبو عبد القادر، وهنا اتفقوا إن العيلتين يكونوا سند لبعض.
لكن فيه شخص ثالث كان موجود في اليوم ده، وسمع الاتفاق كله.
الشخص ده هو اللي أخفى الحقيقة عن الجميع.
قلّبت الورقة.
لقيت اسم مكتوب في آخرها.
اسم ماكنتش متوقعة أشوفه أبداً.
والدة سعاد.
شهقت.
نور سألت ماما، مين دي؟
قلت دي أم سعاد... حماتي القديمة.
بدأت أفتكر إن أم سعاد كانت بتزور البيت القديم زمان، وإنها كانت بتتكلم مع عبد القادر وأبوه كتير.
لكن أنا ماكنتش أعرف إنها طرف في الموضوع.
فتحت الدرج اللي في المكتب.
لقيت مجموعة خطابات قديمة، وكلها موجهة لعبد القادر.
أول خطاب كان من أبوه، والتاني من أبويا، والتالت من شخص مجهول.
أما الخطاب الأخير، فكان عليه ختم قديم.
فتحته.
كان مكتوب فيه
إلى عبد القادر...
أعرف إنك بتحاول تحافظ على الأمانة، لكن لازم تعرف إن أم سعاد لم تكن مجرد شاهدة على الاتفاق.
هي كانت صاحبة الجزء الأكبر من الأوراق، وكانت تعرف مكان الوصية الأصلية.
ولو وصلت الوصية إلى جميلة، فاعرف أن كل شيء سيتغير.
لكن لا تبحث عن الوصية في الأرض مرة أخرى.
ابحث عنها في المكان الذي كان أبوها يذهب إليه كل خميس.
رفعت عيني لنور.
المكان اللي جدو كان بيروحه كل خميس؟
نور قالت يمكن المسجد؟
افتكرت إن أبويا كان بيروح مسجد قديم قريب من بيتنا، وكان بيقعد بعد الصلاة مع مجموعة من كبار البلد.
لكن المكان ده اتغير، واتهد جزء منه من سنين.
قلت لازم نروح هناك.
تاني يوم الصبح، أخدت نور ورحنا المسجد القديم.
سألنا الإمام عن الحاجات القديمة اللي كانت موجودة في المكان، وعن أي أوراق أو أمانات اتسابت من سنين.
قال لنا إن فيه غرفة صغيرة تحت المكتبة، كانت بتستخدم زمان لحفظ الكتب القديمة والمستندات، لكنها اتقفلت من فترة طويلة.
طلبنا منه يساعدنا نفتحها.
نزلنا السلم، وفتح الباب.
الغرفة كانت مليانة رفوف خشب، وكتب قديمة، وصناديق صغيرة.
فضلنا ندور لحد ما نور لفت انتباهها صندوق عليه اسم جدي.
فتحناه.
كان جواه ظرف كبير، ودفتر حسابات، ومفتاح.
لكن الظرف كان عليه اسم مختلف.
إلى صاحبة الحق الحقيقي في عائلة عبد الرحيم.
فتحت الخطاب.
يا جميلة...
أنا عارف إنك هتوصلي هنا في يوم، وعارف إنك هتكوني تعبانة من كثرة الأسرار.
لكن لازم تعرفي إن فيه وصية اتكتبت قبل كل العقود اللي شوفتيها.
الوصية دي ما اتكتبتش عشان توزع أرض أو فلوس.
اتكتبت عشان تحمي إنسان.
الإنسان ده عاش سنين طويلة وهو فاكر إنه مالوش أهل، وإنه اتساب لوحده في الدنيا.
لكن الحقيقة إنه كان جزء من العيلة من أول يوم.
عبد القادر كان عارف الحقيقة، وكان بيحاول يرجع الشخص ده لعيلته من غير ما يجرحه.
أما الشخص اللي حاول يبيع الأرض، فهو ماكانش بيدور على المال وحده.
كان عايز يمنع ظهور الوصية لأنها هتكشف سر نسب قديم.
وقفت عند آخر سطر.
بصيت لنور.
يعني فيه حد من العيلة نسبه مش معروف؟
نور قالت يمكن يكون ياسين؟
هزيت رأسي.
مش عارفة.
قلبت الورقة، ولقيت في آخرها عنوان، وتحت العنوان جملة
اذهبي إلى الرجل الذي كان عبد القادر يناديه بابني.
اتسمرت.
عبد القادر كان بينادي مين بابني؟
بدأت أفتكر كل الناس اللي كانت بتزورنا.
وكان فيه شاب اسمه سامح، كان بييجي يساعد عبد القادر في شغله، وعبد القادر كان دايماً يقوله يا ابني.
لكن سامح اختفى من سنين، وماعرفناش عنه حاجة.
قلت لنور فاكرة سامح اللي كان بييجي البيت عند بابا؟
قالت أيوه، اللي كان بيحبني ويجيبلي كتب المدرسة؟
قلت هو.
رجعنا البيت، وبدأنا نسأل عنه.
لكن قبل ما نوصل لأي معلومة، رن تليفوني.
كان رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت راجل كبير
مدام جميلة؟
قلت أيوه، مين معايا؟
قال أنا سامح. كنت عارف إنك هتدوري عليا في يوم.
قلبي دق بسرعة.
قلت إنت فين؟
قال أنا قريب من البيت القديم. بس قبل ما نتقابل، لازم تعرفي إن فيه حد وصل للوصية قبلك.
قلت مين؟
سكت شوية.
وبعدين قال
سعاد... معاها الوصية الأصلية، وهي دلوقتي في طريقها لبيتك، ومعاها الشخص اللي عبد القادر كان بېخاف منه أكتر من أي حد في الدنيا.
قفلت المكالمة وأنا مش قادرة أتحرك.
بصيت لنور وقلت لازم نرجع حالاً.
جرينا ناحية البيت.
ولما وصلنا، لقينا الباب مفتوح.
دخلت وأنا بنادي يا بنات! إنتوا فين؟
محدش رد.
دخلت الصالة، ولقيت البنات قاعدين على الكنبة، ووشوشهم مړعوپة.
وفي نص الصالة كانت سعاد واقفة، ماسكة ملف أسود.
وبجانبها راجل كبير في السن، لابس جلابية بيضا، ووشه مألوف بشكل غريب.
بصيت له.
كان هو نفس الرجل اللي في الصورة القديمة.
نفس ملامح جدي.
لكن ده ماكانش جدي.
ده كان ياسين.
الرجل اللي قيل إنه ماټ.
والد نور الحقيقي.
نور وقفت مكاني، وإيديها بدأت تترعش.
الرجل بص لها، ودموعه نزلت.
قال بصوت مكسور
نور... أنا أبوكي.
نور حطت إيديها على صدرها، وفضلت تبص له من غير كلام.
أما سعاد، فرفعت الملف الأسود وقالت
كويس إنكم جيتوا. إحنا كده اكتملنا، ومفيش داعي نخبي حاجة تاني.
قلت لها إنتِ بتعملي إيه هنا؟!
ابتسمت.
أنا جاية أقولك الحقيقة اللي عبد القادر ماټ وهو خاېف إنها تظهر.
بصيت لياسين، وبعدين لنور.
سعاد فتحت الملف وطلعت ورقة كبيرة.
قالت
الورقة دي هي الوصية الأصلية، ومكتوب فيها إن الشخص الوحيد اللي من حقه يقرر مصير الأرض هو...
لكنها سكتت فجأة.
لأن ياسين مد إيده وخطڤ الورقة من الملف، وبصلي وقال
قبل ما تعرفي المكتوب فيها، لازم تسمعي مني أنا.
سعاد صړخت رجّع الورقة!
لكنه ما ردش.
قرب من نور، ومد إيده ناحيتها.
بنتي، أنا مش جاي آخد منك حاجة. أنا جاي أقولك إن فيه حقيقة تانية، وإن عبد القادر ماټ وهو فاكر إنه حماكي منها.
نور بدأت ټعيط.
إنت سبتني ليه؟ ليه ماجتش تدور عليا؟
ياسين نزل رأسه.
كنت بدور عليكي طول السنين دي، لكن كل ما أقرب، حد كان يبعدني عنك.
قلت له مين؟
رفع عينه وبص لسعاد.
سعاد بدأت تتراجع ناحية الباب.
ياسين قال
هي.
اټصدمت.
سعاد صړخت كداب! إنت اللي اختفيت بإرادتك!
ياسين فتح الوصية، وطلع منها ورقة تانية.
قال الورقة دي فيها توقيعك، وفيها اعترافك إنك استلمتي نور وهي طفلة، وإنك سلمتيها لأسرة جميلة من غير ما تبلغي والدها الحقيقي.
سعاد ردت بعصبية كنت بحميها!
ياسين قال لأ. كنتِ بتحمي نفسك.
وفجأة، حسن دخل البيت.
كان واضح إنه سمع آخر الكلام.
بص لسعاد وقال إنتِ قلتيلي إن
ياسين ماټ! قلتيلي إن نور ملهاش أب، وإن الأرض كلها هتكون لولاد عبد القادر!
سعاد اتلخبطت.
قالت أنا كنت بحاول أحميكم!
حسن رد تحمينا من إيه؟ من حق بنت يتيمة؟ ولا من الحقيقة اللي إنتِ مخبياها؟
في اللحظة دي، ياسين مد الوصية للمحامي فؤاد اللي كان داخل من الباب بعد ما اتصلت بيه وأنا في الطريق.
المحامي أخذ الورقة، وبدأ يراجعها.
وبعد دقائق رفع عينه وقال
يا جماعة، الوصية دي مش مجرد توزيع ملكية. دي بتثبت إن فيه جزء من الأرض اتخصص باسم نور، وجزء باسم جميلة وبناتها، وجزء تالت مخصص للمشروع الخيري، ومفيش أي شخص من حقه يبيعه أو يتصرف فيه منفرداً.
سعاد بدأت ټعيط.
لكن ياسين قال جملة خلت الكل يسكت
ولسه فيه صفحة أخيرة... الصفحة اللي عبد القادر طلب مني ما أفتحهاش إلا قدام جميلة.
طلع من جيبه ظرف صغير.
كان مكتوب عليه
إلى جميلة، من عبد القادر.
إيدي اترعشت وأنا باخده.
فتحته.
كان فيه خطاب قصير
يا جميلة...
لو وصلتي للمرحلة دي، يبقى عرفتي إن نور ليها أب، وإن حقها محفوظ، وإن جدك رجع لحياتك.
لكن فيه حاجة واحدة لسه ماقولتهالكش.
أنا ماكنتش مجرد الشخص اللي اتفق مع أبوكي على حفظ الأرض.
أنا كنت عارف من البداية إن فيه طفلة تانية في العيلة اتبدلت أوراقها يوم ولادتها، وإن الحقيقة دي اتخبّت عن الكل.
والطفلة دي مش نور.
الطفلة دي واحدة من بناتك اللي ربيتيهم في حضنك.
والدليل موجود في الصفحة الأخيرة من الوصية.
سامحيني يا جميلة، لكن كان لازم تعرفي الحقيقة من أصحابها.
رفعت عيني ببطء.
بصيت لبناتي الأربعة.
نور كانت واقفة جنب ياسين.
أما البنات التلاتة فكانوا متجمعين جنبي.
قلت بصوت مرتعش
يعني إيه طفلة اتبدلت أوراقها؟!
المحامي فتح الصفحة الأخيرة من الوصية.
قرأ أول سطر، وبعدها سكت تماماً.
بصلي وقال
مدام جميلة... لازم نقعد.
قلت لأ، أنا عايزة أعرف دلوقتي.
المحامي رفع الورقة وقال
فيه اسم واحدة من بناتك مكتوب هنا، باعتبارها صاحبة الحق في إثبات النسب، لكن المفاجأة إن الاسم مش اسم بنتك الكبرى زي ما كنا فاكرين.
قربت منه.
قرأ الاسم بصوت واضح
مريم... ابنة جميلة محمود عبد الرحيم.
مريم!
بنتي التانية!
اللي عمرها ما كانت بتتكلم كتير، واللي طول عمرها هادية وبتحب تقعد مع عبد القادر بالساعات.
بصيت ناحيتها.
كانت واقفة ووشها أبيض، ودموعها بتنزل.
قلت مريم... إنتِ تعرفي حاجة؟
هزت رأسها بالنفي، لكنها ماقدرتش تبص في عيني.
قربت منها.
يا بنتي، اتكلمي. إيه اللي مكتوب في الورقة دي؟
مريم اڼفجرت في العياط، وقالت
ماما، أنا مش عارفة كل حاجة، بس بابا عبد القادر قبل ما ېموت اداني ظرف، وقال لي ما افتحوش غير لما إنتِ تسأليني عن الورق اللي في الصندوق.
حسيت إن قلبي وقع.
ظرف إيه يا مريم؟!
مدت إيدها لشنطتها، وطلعت ظرف صغير قديم.
كان مكتوب عليه بخط عبد القادر
إلى ابنتي التي لم تعرف حقيقتها بعد...
وقبل ما تفتحه، ياسين قال بصوت مرتعش
استنوا... قبل ما مريم تقرأ الخطاب، لازم أقولكم حاجة.
بصينا له.
قال وهو بيبص لمريم
لأن البنت دي مش بس ليها علاقة بالوصية... دي آخر شخص في الدنيا يعرف الحقيقة الكاملة عن أمها الحقيقية، والست دي لسه عايشة، وبتدور عليها من أكتر من عشرين سنة!
وفي اللحظة دي، جرس الباب رن.
دخلت ست عجوز، مستندة على عصاية، ووشها مليان دموع.
أول ما شافت مريم، وقفت مكانها وقالت
بنتي...
مريم وقعت الظرف من إيديها.
والست قربت خطوة، وطلعت من شنطتها صورة قديمة، وقالت
أنا أمك يا مريم... وعبد القادر كان عارف إني عايشة، وكان مستني اليوم اللي يرجعك فيه لحضني!
فضلت مريم واقفة مكانها، عينيها معلقة في الست العجوز اللي دخلت البيت، وكأنها مش قادرة تستوعب الكلمة اللي لسه سامعاها.
أنا أمك يا مريم...
مريم بصت لجميلة، وبعدين رجعت بصت للست، وقالت بصوت متقطع
أمي؟! أمي مين؟! إنتِ بتقولي إيه؟ أنا أمي واقفة قدامي أهي... دي اللي شالتني وربتني وسهرت عليا، دي اللي عمرها ما سابتني في يوم!
الست العجوز دموعها نزلت، وحاولت تقرب منها، لكن مريم رجعت خطوة لورا.
متقربيش... أنا مش فاهمة حاجة!
جميلة قامت من مكانها، ووقفت جنب مريم، وحطت إيدها على كتفها وقالت بهدوء رغم إن قلبها كان بيتقطع
اهدي يا بنتي، محدش هيجبرك تسمعي حاجة إنتِ مش مستعدة ليها. اقعدي يا حاجة، واحكيلنا من الأول، بس من غير ما تضغطي على البنت.
الست قعدت وهي بټعيط، وقالت إن اسمها زينب، وإنها كانت عايشة في البلد زمان، وإنها خلفت مريم في ظروف صعبة جدًا. وقتها كانت صغيرة، وحيدة، وأهلها رفضوا جوازها من الراجل اللي كانت بتحبه، وبعد ما ماټ، اتعرضت لضغط شديد من عيلتها عشان تتخلى عن الطفلة.
قالت إنها رفضت في الأول، لكنها كانت مريضة ومفيش حد يساعدها، وإن محمود، جد مريم، تدخل وقتها عشان يحمي الطفلة من مصير مجهول.
أنا ماكنتش عايزة أسيبها يا جميلة... والله ما كنت عايزة. بس قالولي إن البنت هتعيش عند ناس يقدروها، وإنها هتتعلم وتكبر في أمان. فضلت سنين بدور عليها، وكل ما أسأل حد يقولولي إنها ماټت، لحد ما عبد القادر ظهر في حياتي من كام سنة، وقال لي إن مريم عايشة، وإنه مش هيسمح إن حد يوجعها بالحقيقة غير لما تبقى قادرة تتحملها.
مريم كانت بتسمع ودموعها بتنزل، وبصت لجميلة
وإنتِ كنتِ تعرفي؟
جميلة هزت راسها بالنفي.
لا يا بنتي، والله ما كنت أعرف. أنا عرفت زيك دلوقتي. ولو كنت أعرف، كنت حكيتلك، لأن مفيش حاجة في الدنيا تخليكي تشكي في مكانتك عندي.
مريم حضنت جميلة بقوة، وقالت وهي بټعيط
أنا مش عايزة أم تانية... أنا عندي أم واحدة، إنتِ.
جميلة مسحت على شعرها وقالت
وأنا أمك يا حبيبتي، ومحدش يقدر ياخد مني الكلمة دي. لكن برضه مش همنعك تعرفي الحقيقة، ولا هطلب منك تكرهي حد عشان تحبيني.
زينب نزلت دموعها أكتر، وقالت
أنا مش جاية آخدها منك، ولا جاية أغير حياتها. أنا جاية أطلب منها تسمعني بس، ولو مش عايزة تسامحني، هقبل.
مريم سكتت فترة طويلة، وبعدها قالت
أنا مش قادرة أسامح دلوقتي، ومش قادرة أكرهك برضه. اديني وقت.
زينب هزت راسها، وقالت
خدي عمرك كله يا بنتي.
وفي اللحظة دي دخل المحامي فؤاد ومعاه إبراهيم الشناوي، وكان معاهم ملف كبير. حط فؤاد الملف على الترابيزة وقال
قبل ما أي حد يمشي، لازم نقفل موضوع الأرض والصندوق. أنا راجعت كل المستندات، واتأكدت إن الأرض ملك جميلة وبناتها، وإن الورق اللي كان مع حسن وسعاد ملوش أي قيمة قانونية. كمان ظهر إن عبد القادر كان سايب إقرار واضح بحقوق كل واحدة فيكم.
جميلة بصت للورق، وقالت
يعني كل اللي عمله عبد القادر ما راحش هدر؟
فؤاد ابتسم بحزن
بالعكس، الراجل ده كان شايل همكم لآخر لحظة. كان عارف إن فيه ناس هتحاول تستغل غيابكم عن الحقيقة، فرتب كل حاجة عشان محدش يقدر يضيع حقكم.
إبراهيم أضاف
والأرض دي مش مجرد أرض. دي أمانة من جدكم محمود، وكان نفسه تفضل في العيلة، وتتعمل عليها حاجة تنفع الناس بدل ما تتحول لمصدر خلاف وطمع.
جميلة بصت لبناتها وقالت
أنا مش عايزة الأرض دي تبقى سبب في خصام بينا. إحنا كفاية
اللي شفناه. هننفذ وصية جدكم، ونخصص جزء منها لمشروع يخدم أهل البلد، ونحافظ على باقي حق البنات.
مريم مسحت دموعها وقالت
وأنا موافقة. بس عايزة حاجة واحدة... محدش يخبي عننا الحقيقة تاني.
جميلة ردت فورًا
أوعدك. من النهارده مفيش أسرار بينا.
وبعد أيام، اتجمعوا كلهم في البيت القديم. حسن وسعاد رجعوا وطلبوا يقابلوا جميلة، وكان واضح عليهم الندم والخۏف من نتيجة اللي عملوه.
حسن قال بصوت واطي
إحنا غلطنا، وكنا فاكرين إن الأرض هتضيع مننا لو ما لحقناش نتصرف.
جميلة بصت له وقالت
الغلط مش إنك خفت على نفسك، الغلط إنك فكرت تاخد حق مش حقك وتكسر خاطر ناس وثقت فيك. أنا مش هنتقم منكم، لكن حقي هيرجع بالقانون، ومش هسمح إن اللي حصل يتكرر.
سعاد عيطت وقالت
سامحينا يا جميلة.
جميلة ردت
ربنا يسامح الجميع. لكن السماح مش معناه إننا نرجع زي الأول، ولا إننا ننسى اللي حصل. كل واحد لازم يتحمل نتيجة اختياره.
وبالفعل، رجعت الحقوق لأصحابها، واتحفظت المستندات، وانتهى الڼزاع على الأرض. وبعد فترة بدأوا يجهزوا جزء منها لمركز صغير لخدمة أهل البلد، فيه مكان لتعليم الأطفال، ومساعدة الأسر المحتاجة، ومكتبة تحمل اسم محمود وعبد القادر.
أما مريم، فبدأت تقابل زينب على فترات. ما كانش الطريق سهل، ولا الچروح اتقفلت في يوم وليلة، لكن زينب ما ضغطتش عليها، وكانت كل مرة تيجي ومعاها حكاية من الماضي أو صورة قديمة، وتسيب لمريم حرية إنها تسأل أو تسكت.
وفي يوم افتتاح المركز، وقفت جميلة وسط بناتها، وزينب واقفة بعيد شوية، بتتفرج عليهم ودموعها في عينيها.
مريم لاحظتها، راحت ناحيتها، ومدت إيدها وقالت
تعالي اقفي معانا... النهارده يوم فرحة، ومش عايزة حد يفضل واقف لوحده.
زينب بصت لها بعدم تصديق
يعني... مش زعلانة مني؟
مريم ردت
لسه جوايا أسئلة كتير، ولسه محتاجة وقت، بس فهمت إن اللي حصل زمان مش ذنبي ولا ذنبك لوحدك. وأنا مش هسمح للماضي يسرق مني الناس اللي حواليا.
زينب حضنتها بحذر، ومريم بادلتها الحضن، بينما جميلة كانت بتبصلهم ودموعها بتنزل، لكنها ابتسمت.
بعد الافتتاح، دخلت جميلة أوضتها القديمة، وفتحت الصندوق للمرة الأخيرة. طلعت صورة عبد القادر، وحطتها جنب صورة محمود، وقالت بصوت واطي
أمانتك رجعت لأصحابها يا عبد القادر... والبنات بقوا في ضهر بعض. ربنا يرحمك، إنت كنت شايل عننا حمل كبير وإحنا ما كناش حاسين.
قربت مريم منها، وحطت إيدها على كتفها
بتكلمي عبد القادر؟
جميلة ابتسمت
آه يا بنتي. ساعات الواحد بيبقى نفسه يحكي للي مشي كل حاجة حصلت بعده.
مريم قعدت جنبها وقالت
احكيله إننا بقينا بخير... وإن البيت مش هيبقى بيت أسرار تاني.
جميلة بصت لبناتها اللي كانوا بيتجمعوا في الصالة، وسمعت ضحكتهم بعد شهور طويلة من الخۏف والخلاف، وحست لأول مرة إن البيت رجع بيتهم بجد.
ومن يومها، فضل البيت القديم مفتوح بابه، مش عشان الصندوق اللي كان مدفون فيه، ولا عشان الأرض اللي اتنازعوا عليها، لكن عشان بقى مكان بيجمع العيلة، ويفكرهم إن الحق ممكن يتأخر، وإن الحقيقة مهما كانت موجعة، أهون من عمر كامل بيتبني على الكتمان.
أما جميلة، فكانت كل ما حد يسألها عن سر صمودها، تبتسم وتقول
أنا ما كنتش قوية لوحدي... أنا كان عندي بنات يستاهلوا إني أفضل واقفة عشانهم. واللي يزرع حب وأمان في قلوب ولاده، عمره ما بيخسر حتى لو الدنيا كلها حاولت تكسره وفي آخر ليلة ليهم في البيت القديم، اتجمعت جميلة وبناتها في الصالة، وفتحوا الصندوق الخشبي للمرة الأخيرة. مريم طلعت منه جواب صغير كان مستخبي تحت البطانة، وعليه بخط عبد القادر
لجميلة وبناتها...
لو وصل لكم الجواب ده، يبقى أنا مشيت، لكن أتمنى تكونوا عرفتوا إن البيت عمره ما كان حيطان، وإن الأرض عمرها ما كانت أغلى منكم. حافظوا على بعض، ومتخلوش الفلوس ولا الورث يفرقكم. واللي ليه حق ياخده، واللي غلط يراجع نفسه، لكن أوعى حد فيكم ينسى إن العيلة هي السند الحقيقي.
يا جميلة، سامحيني لو في يوم خبيت عنك حاجة، أنا كنت خاېف عليكي من ۏجع الحقيقة، لكن عمري ما شكيت إن قلبك أوسع من كل الأسرار.
عبد القادر.
جميلة ضمت الجواب لصدرها، وفضلت ساكتة، لحد ما مريم قالت
هو كان عارف إننا هنفضل مع بعض، صح؟
جميلة ابتسمت وسط دموعها
كان عارف إنكم بناتي، وإن قلبي عمره ما هيسمحلي أفرط فيكم.
وفي اللحظة دي، دخلت نور وهي شايلة لوحة صغيرة،
وقالت بحماس
أنا علقت اسم المركز على الباب... كتبت عليه بيت العيلة.. صدقة جارية عن محمود وعبد القادر.
كلهم خرجوا يشوفوا اللوحة، ووقفوا قدام الباب، وجميلة مسكت إيد مريم وإيد نور، وبصت لباقي بناتها وقالت
من النهارده، أي طفل يدخل المكان ده هيلاقي باب مفتوح، وأي أم محتاجة مساعدة هتلاقي حد يسمعها. يمكن دي أحسن طريقة نرد بيها الجميل للي سابوا لنا الأمانة.
زينب كانت واقفة بعيد، فمريم مدت إيدها ونادتها
تعالي يا زينب... إنتِ كمان من الناس اللي ليها مكان هنا.
زينب قربت وهي بټعيط، وجميلة فتحت لها دراعها. اتعانقوا كلهم، من غير وعود كبيرة ولا كلام كتير، بس كان فيه قرار واضح إن محدش هيسمح للماضي يفرقهم تاني.
وبعد شهور، بقى المركز مليان أطفال وضحك وحكايات، والأرض اللي كانت سبب خلاف بقت سبب خير لناس كتير. أما البيت القديم، ففضل شاهد على إن الأسرار ممكن تتدفن سنين، وإن الطمع ممكن يفرق أقرب الناس، لكن الحق لما يرجع، والقلوب لما تختار التسامح، بتبدأ حياة جديدة.
وانتهت حكاية جميلة، مش بانتصارها على اللي ظلموها، لكن بانتصارها على الۏجع، وبإنها قدرت تحافظ على بناتها وعلى الأمانة اللي اتسابت في رقبتها... لأن أغلى ميراث مش بيت ولا أرض ولا فلوس، أغلى ميراث هو قلب اتربى على الأمانة، وعيلة مهما اتوجعت فضلت متمسكة ببعض.

تعليقات
إرسال تعليق