رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات
رواية الماسةالمكسورة( الجزء الثاني)عناق الدم الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم ليلةعادل حصريه في مدونة قصر الروايات
✧❀༺༻❀✧
رواية: ❝الـمــاســة الـمــكـســورة2💎💔
العودة (عناق الدم)❞
بقلمي: لَـيْـلَـةعَـادِلْ
✧❀༺༻❀✧
{ لا تلوموني على ما فعلت فأنتم من دفعتوني إلى تلك العتمة، كنت أظن يوما أنني لن أهبط إلى تلك المنطقة من القسوة، لكنكم أجبرتوني على عبورها، لم أندم ولن أندم، فأنا لم أكن مثلكم يوما، إنما جعلتكم فقط تذوقون ما أذقتموني إياه من قبل.}
ليلةعادل✍️🌹
الفصل الثاني والثلاثون🤫❤️
[بعنوان: العتمة التي صنعتموها]
التفت سليم برأسه نحو ماسة المتوقفة في الشرفة بإبتسامة إنتصار واسعة بادلته تلك الإبتسامة ثم غمز لها
في خضم ذلك
اتسعت عينا صافيناز بصدمة، بينما اقترب عماد بسرعة، وقال متعجبا: في إيه يا فندم؟ أنت عارف دي مين؟!
أجابه الضابط بنبرة غليظة حاسمة: عارف، ولو سمحتي اتفضلي معانا من غير شوشرة.
تدخلت فريدة وتساءلت بعملية: معاك إذن من النيابة؟!
أخرج ورقة من جيبه، ومدها ببرود: اتفضلي، إذن النيابة.
سحب إبراهيم الورقة وعيناه تتحركان فوق الكلمات بذهول.
الظابط بجمود: ها اتاكدت؟! يلا خدها يا أمين!
اقترب العسكري، وأمسك صافيناز من كتفها بقوة، فصرخت بصوت مرتجف، تحاول المقاومة، وكأن الكلمات وحدها سلاحها الأخير: عماد ألحقني! فريدة أعملي حاجة! أوعى... أوعى أنت وهو!
تقدم الضابط بخطوات ثابتة، نبرته جهورة حاسمة لا تعرف التردد: لو سمحتي، اتفضلي معايا من غير مقاومة، يلا يا عسكري هاتها
لم يمنحها فرصة أخرى، أمسكها العسكري بعنف، أصابعه كقيود غليظة تطوق ذراعها، حاولت الفكاك والصراخ، لكن قبضته كانت أقوى من صوتها.
التفتت بعينين دامعتين، تبحث عن أي وجه ينقذها من هذا المشهد الذي انقلب فجأة إلى كابوس حي قالت بستغاثه: عمــاد...!
اجابها سريعا يحاول تهدئتها: متخافيش يا صافي، أنا هاجي وراكي.
ثم تحرك العسكري بها نحو السيارات
كانت فريدة تتابع المشهد بعينين متسعتين، لا تعرف ماذا عليها أن تفعل، أتذهب خلف صافيناز في مصيبتها، أم تبقي لتواسي والدتها التي جلست علي المقعد في ذهول تام كأن الصدمة أصابتها بالشلل، والفوضى تعم من حولها.
وفي نفس اللحظة، ركض طه نحو منى الملقاة على الأرض، وعيناه متسعتان من الذعر.
طه بلهف وهو يمسح على وجهها: منى! في إيه؟ إيه إللي حصلك؟!
اقترب تيم بسرعة، وعيناه ممتلئتان بالخوف: ماما مالك؟!
لحق به مراد وهو ينظر إليها بارتباك واضح: ماما، في إيه؟!
كانت منى تلهث بأنفاس متقطعة، وملامحها شاحبة، بينما نظراتها تتنقل بينهم وهي تحاول التماسك.
قالت بأنفاس متقطعة: خدوني بسرعة من هنا
أسندها طه وتيم، ثم أسرعوا بها إلي داخل القصر.
على اتجاه آخر.
نظرت مي إلى رشدي بذهول واضح: إيه إللي بيحصل ده؟!
رد بصدمة حقيقية، وعيناه تتابعان مايحدث: حقيقي مش عارف.
راشد بلهفة هو ينظر من حوله: طب روح يا ابني شوف إيه إللي بيحصل ده؟!
اومأ بإيجاب، ثم نهض من مكانه مسرعا.
كل ذلك حدث في وهلة، بينما الفوضى بدأت تسيطر على المكان، والمصورون يلتقطون صور الحادثة في كل إتجاه.
صرخت فريدة بصوت عالي وهي تشير إليهم بحدة:
شاكر وقف التصوير! وأسحب منهم كل حاجة اتسجلت فورا! الحفلة انتهت، الكل يطلع برة حالا! نفذ الأمر!
تحرك شاكر مسرعا لتنفيذ التعليمات، بينما ركضت فريدة نحو فايزة التي مازالت على حالها تنظر أمامها بلا حركة.
وفي خضم كل ذلك …
كان على سليم يجري بعض الاتصالات وهو يرسم ملامح التوتر والغضب بإتقان.
انهي مكالمته ثم ركض نحو عزت الذي كان يقف مذهولا، يحدق في الشاشة بعينين جامدتين، كأن عقله رفض استيعاب مشهد ذلك الصرح العملاق الذي التهمته النيران في لحظة!
توقف سليم أمامه وصوته خرج متوترا: باشا!
رفع عينيه وهذي بذهول: سليم اللي حصل ده بجد؟!
أجابه بصوت مضطرب: للأسف حقيقي، لسة مبلغني إن المصنع انفجر فعلا.
نظر عزت أمامه بصدمة هائلة، وبدت ملامحه وكأنها تسحب من وجهه، تغيرت ألوانه فجأة، وشعر باختناق شديد.
رفع عينيه نحو الشاشة، ليرى مشهد الحريق المشتعل وألسنة اللهب تلتهم كل شيء.
سمع همسات متفرقة من حوله، كلمات متداخلة لا يفهم منها شيئا، بينما عاد إلى ذهنه مشهد رئيس الوزراء وهو يرحل وسط الفوضى والارتباك…
بدأ يفك ربطة عنقه بإختناق، وكأنه لم يعد قادرا على التنفس، بدا وكأنه لم يعد يسمع شيئا مما يدور حوله.
في تلك اللحظة، اقترب رشدي قائلا بقلق: في إيه يا سليم؟! إيه إللي بيحصل؟!
هز رأسه: مش فاهم حاجة.
تساءل رشدي: طب وصافيناز كمان، خدوها فين وليه؟!
أجابه بغضب: معرفش يا رشدي معرفش، ما أنا واقف زى زيك اهو..
في تلك اللحظة، انتبه الأثنان إلى عزت الذي بدا وكأنه على وشك فقدان وعيه، وهو مايزال يفك رابطة عنقه بصعوبة.
سليم بقلق مصطنع: باشا! مالك، أنت كويس؟
بينما انتصب رشدي في مكانه، يراقب الموقف دون أن يهتز.
وفجأة ترنح عزت في مكانه، ثم سقط أرضا بلا وعي.
اتسعت عينا سليم بصدمة حقيقية تلك المرة، وركض نحوه سريعا، وجلس على ركبتيه وهو يمسح على وجه عزت: بابا! بابا رد عليا.
لكن عزت كان قد فقد وعيه تماما وجسده مسجى بلا حراك وسط الفوضى التي تعم المكان.
رفع سليم عينيه بإرتباك فهو لم يتوقع أن تصل الاموار لذلك، فهو مازال يمتلك قلبا نظيفا، ليصرخ في رشدي بعصبية: أنت بتتفرج؟! شيل معايا بسرعة!
انحنى رشدي دون أن تظهر على ملامحه أي مشاعر واضحة، وقال ببرود: طيب… أسنده معايا.
أسندوه معا، وكان واضحا للغاية ضعف قوة رشدي نتيجه لمحاولته التعافي من الإدمان فلم يتمكن من حمله كما يجب، أثناء ذلك، رمق عزت بطرف عينه، فأهتز قلبه قليلا لذلك المنظر.
فصرخ فجأة بصوت عالي، وهو يحاول التماسك: شوقي! تعالى شيل معانا وخلي حد يطلب إسعاف بسرعة!
أسنده شوقي معهم، وهو يتحدث في السماعة: كلموا الإسعاف بسرعة!
في الجهة الأخرى…
كانت فريدة تمسح على وجه فايزة بيد مرتجفة، وتضع قليلا من العطر قرب أنفها، وهي تصرخ بخوف: مامي… مامي! قولي حاجة… ردي عليا!
ثم صرخت في إبراهيم: اتصل بالإسعاف بسرعة!
اومأ برأسه مسرعا وقام برفع هاتفه للاتصال بالاسعاف.
انتبهت فريدة إلى سليم ورشدي وهما يحملان عزت، فركضت نحوهما، وخلفها مي واشقائها، الذين اندفعوا ليساعدوهم في حمل عزت.
فريدة بخوف: بابي ماله؟!
إبراهيم بسرعة: الإسعاف في الطريق!
هز سليم رأسه: مش هنلحق…
وفي خضم الفوضى، كان مكي يقف على مسافة قريبة، يحاول إبعاد بعض المصورين عن الطريق ويفتح ممرا للحركة.
رفع سليم صوته فجأة وهو يلتفت نحوه قائلا بصوت حاد: مكي! هات عربيات بسرعة!
أومأ برأسه، وركض مسرعا نحو الخارج لتنفيذ الأمر.
ثم التفت سليم نحو إبراهيم وهو يصدر أوامره بسرعة: ابراهيم هات أنت الهانم يلا!
كل ذلك كانت ماسة تراه من الشرفة، لكن تلاشت ابتسامتها وزمت شفتيها بأسف، نعم هي تأخذ حقها الآن، ومن المفترض أن تفرح.
لكن تربيتها وإنسانيتها وقفتا حاجزا داخلها، وهي ترى رجلا يسقط هكذا أمام أبنائه وعائلته بتلك الطريقة.
فوقفت مكانها، تنظر إلى المشهد بقلب مضطرب،
لا فرحة ولا حزينة، بل ممزقة بين رغبتها في الانتقام، وإنسانيتها التي ترفض الشماتة.
في الخارج.
كانت صافيناز بين يدي الشرطة، يحاولون إدخالها إلى السيارة، بينما كانت تقاوم بشدة.
صرخت بإنفعال: لا طبعا! إنتوا اتجننتوا؟ أنا صافيناز الراوي! مين دي إللي تركب عربية بوكس؟! نسيتوا نفسكم؟! يا حشرات.
رد أحد الضباط بنبرة هادئة حاسمة: يا فندم لو سمحتي من غير مشاكل مش هينفع نسيبك تتحركي بعربيتك الخاصة.
أضاف آخر وهو يشير للسيارة: من فضلك يا فندم، لازم تيجي معانا
حاولت المقاومة وهي ترفع صوتها: أنا مش هركب البوكس! أنتم سامعين مش هركب.
تدخل عماد بدبلوماسية ورجاء: يا فندم لو سمحتوا، خلوها في العربية، وحد يركب معاها.
لكن الضابط قال بحسم: مش هينفع. خدها يا أمين، يلا.
اقترب أمين الشرطة وأمسك بها بحذر دفعت يده بعيدا وهي تقول: أوعى أنت وهو، محدش يقرب مني، أوعي..
لكنه امسكها، وقادها بحزم نحو السيارة، وأجبرها على الصعود رغم مقاومتها وهي تصرخ بإنفعال: عماد! أتصرف، أعمل حاجة!
اقترب عماد يطمئنها: متخافيش يا صافي، أنا هبقى وراكي بالعربية، وهجيب محامي فورا، أكيد فيه سوء تفاهم.
أُغلق الباب، وجلست تبكي في صدمة غير مصدقة مايحدث، بينما انطلق عماد بسيارته خلفها.
كان المشهد فوضويا؛ الحراس يحاولون منع المصورين من ألتقاط أي صور، لكن بعضهم نجح في توثيق لحظة اقتياد صافيناز لتتحول إلى مادة إعلامية قابلة للانتشار السريع، وكأنها فضيحة الموسم.
في الجهة الأخرى…
كان سليم ورشدي يدخلان عزت وهو فاقد الوعي داخل السيارة، بمساعدة اشقاء مي ومكي وسط حالة إرتباك شديد.
وفريدة وإبراهيم كانا يسندان فايزة حتى أُدخلت سيارة أخرى.
بينما توقف رشدي وسليم أمام السيارات، وكانت عائلة مي بجانبهما.
قالت فريدة وهي داخل السيارة بتعجب: أنت مش هتيجي معانا يا سليم؟
هز رأسه مستنكرا: أجي فين؟ أنا لازم أشوف حل روحي إنتي، وأنا هتصرف وأتابع الموضوع، ولو حصل حاجة بلغيني.
التفتت نحو رشدي: وأنت كمان هتسبني لوحدي؟
أجاب بهدوء وملامحه لا تحمل أي لهفه حقيقية: ملهاش لازمة أروح دلوقتي، هتابع مع سليم، وأنتِ معاكي إبراهيم وشاكر وهبعت كمان شوقي، ولو حصل حاجة كلمينا.
أومأت فريدة بصمت، ثم ضرب رشدي بيده على سقف السيارة، فتحركت السيارات واحدة تلو الأخرى في إتجاه المستشفى.
انتصب سليم وهو ينظر لرشدي: أنا هطلع أعمل كام مكالمة وأشوف الأخبار، وبعدها أروح المصنع.
أومأ رشدي بهدوء: وأنا كمان هحاول أظبط الموضوع مع رؤساء التحرير والقنوات علشان الموضوع ميكبرش إعلاميا.
اكتفى سليم بنظرة باردة، وكأنه يدرك أن رشدي لن يتحرك كما يقول وهذا ما يريده.
اومأ بموافقة: تمام لو حصل أي حاجة بلغني.
ثم التفت إلى عائلة مي وأضاف بتهذب: عن إذنكم.
ونادى بصوت منخفض: مكي تعالى ورايا.
ابتعد سليم، بينما قال راشد بأسف: أنا مش عارف أقولك إيه؟ا إللي حصل كبير، ربنا يصبركم ويعوض عليكم.
تدخل حازم سريعا: طب نقدر نعمل حاجة؟
أجاب رشدي بهدوء: مفيش حاجة تتعمل، أنا نفسي مش عارف المفروض أعمل إيه؟!
مي بحزن: بس كان لازم نكون مع باباك ومامتك.
أجابها بجمود مبطن: أكيد هروحلهم، بس لازم أظبط كام مكالمة الأول، يعني صافيناز اتاخدت، والمصنع اتحرق، ومنى حالتها غريبة، هنسيب الدنيا تخرب ونروح نقعد جمبهم طب وبعدين؟!
ربت راشد على كتفه: ربنا يستر يا أبني، إن شاء الله أزمة وتعدى.
أومأ رشدي بصمت
راشد بهدوء: طب أنا همشي دلوقتي اعتقد وجودى ملوش لازمه، ولو احتاجت أي حاجة كلمني فورا.
أومأ رشدي بإيجاب، فصافحه راشد وغادر مع أبنائه.
نظرت مي خلفها بتوتر وعيناها تدوران في المكان بذهول.
ثم اقتربت منه ولمست ذراعه بخفة: خلينا ندخل جوة… المكان هنا مش مريح.
نظر إليها لحظة ثم قال بهدوء: يلا.
وتحرك معها، بينما ظلت مي تلتفت حولها، تحاول استيعاب كارثة تلك الحفلة الصاخبة التى تحولت إلى دمار.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل
غرفة منى وطه.
كانت منى ممددة على الفراش، بينما جلس طه جوارها، يمسح على وجهها برفق، ويساعدها على شرب الماء، في حين وقف أبناؤها والقلق يكسو وجوههم.
طه بقلق: في إيه يا منى؟ إيه إللي حصل؟
منى وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة: عملت حادثة!
تيم بصدمة: حادثة أزاي يعني؟
منى بتوتر: كنت بسوق، واحدة خبطت العربية، نزلت أتكلم معاها كلمه منى على كلمة منها، مدت إيدها عليا وضربنا بعض.
مراد بحدة: مين دي إللي ضربتك؟
منى بتعب: واحدة معرفهاش يامراد، وكان معاها أصحابها، سيبوني أهدى شوية، أطلعوا بره.
كان طه ينظر إليها من أعلى لأسفل بعينين يملؤهما الشك، وكأن عقله يرفض تصديق ما روته للتو.
مراد هو يمسح على كتفها: طب تعالي نوديكي مستشفى.
منى بإرهاق: بعدين، أنا محتاجة أرتاح، روح أنت وأخوك، يلا.
تيم بإعتراض: ازاي بس يا ماما، ما تقول حاجة يا بابا.
طه موجها الكلام لابنيه: أسمعوا كلام أمكم وإنزلوا شوفوا إللي بيحصل تحت دلوقتي.
نظر مراد وتيم إلى بعضهما بقلق، ثم تحركا إلى الخارج.
أغلق طه الباب خلفهما، ثم عاد إليها ببطء، وحدق في وجهها بشك.
طه بصرامة خافتة: قوليلي بقى مين عمل فيكي كده؟
ثم اشار بيده محذرا: وأوعى تقولي حادثة، الكلام الفارغ ده تضحكي بيه على العيال.
صمتت لحظة، ثم قالت بصوت خافت، يحمل خوفا واضحا: رشدي…
طه بصدمة: إيه؟!
قالت بإنفعال وخوف وهي تجز علي أسنانها: رشدي خطفني، عرف إن أنا إللي زقيت عليه نيللي.
وضعت يدها على ذراعها المتألم، وقالت بصوت مرتجف: الحيوان حقني بحقنة مخدرات..
نظر لها بتعجب! فتابعت بعينين تلمع بالدموع: أنا لازم أتعالج يا طه، نقول للناس إننا مسافرين وأتعالج، وبعدها أرجع، وأوريه أزاي يعمل فيا كدة الشمام ده.
جلس أمامها بإرتباك واضح: أنا مش فاهم حاجة، فهميني بالراحة..
أومأت بإيجاب وهي تبتلع ريقها وبدأت تروي له ما حدث. وبعد الانتهاء.
صاح بعنف، وعيناه تشتعلان غضبا: الحيوان!! والله لاربية وعرف ازاي يعمل كدة معاكي.
امسكت ذراعه بضيق: أنا لازم أتعالج الأول، أنا لسة في البداية، والولاد مينفعش يعرفوا أي حاجة، أصبر يا طه أنا مش هسيب حقي بس لازم اخده وأنا قوية..
نظر إليها بحدة، وقال بنبرة تحمل عتابا وغضبا: قولتلك بلاش اللعب مع رشدي مسمعتيش كلامي!
تنفست بصعوبة، وقالت بإصرارٍ ضعيف: ده وقته دلوقتي، المهم أتعالج الأول وبعدها نشوف هنعمل إيه.
مسح وجهه بإختناق: ماشي، كده كده فيه كارثة كبيرة، مصنع البترول اتحرق، ومحدش هيركز معانا دلوقتي، بكرة هنقول للكل إنك مسافرة تعملي تشيك أب برة.
أومأت برأسها بإيجاب، وقد بدت عليها علامات التعب والتوتر.
في سيارة عماد
كان يقود السيارة، بعدم استيعاب، يسير خلف عربات الشرطة التي كانت تقتاد صافيناز، وفي خضم ذلك رن هاتفه معلنا وصول رسالة.
ألقى نظرة سريعة نحو الهاتف الموضوع على المقعد المجاور له، لكنه لم يهتم في البداية…
لم تمر سوى ثوانٍ حتى وصلته رسالة أخرى، مد يده مسرعا وألتقط الهاتف وهو مايزال يقود، فتح الرسالة…
وفجأة —
تجمد مكانه، حين ظهر أمامه فيديو له مع سارة داخل غرفة النوم على الفراش...
"ذلك الفيديو الذي التقطه عرفان من قبل"
اتسعت عيناه بصدمة عنيفة، وضغط على عجلة القيادة بعنف، فأنحرفت السيارة فجأة بطريقة كادت أن تقلبها، حتى أن السيارات القريبة منه كادت تصطدم به.
ارتفعت أصوات المنبهات حوله، وسائق سيارة خلفه وقف بجانبه وهو يسب غاضبا، ثم أكمل طريقه
لكن عماد…لم يكن يسمع شيئا، كان متسمرا أمام الشاشة، عيناه جاحظتان تكادان تخرجان من محجريهما من شدة الصدمة.
فتح الرسالة التى سبقت الفيديو «الفيديو جامد أوي يا عماد… أتمنى يعجبك.»
تمتم بذهول وهو يحدق في الهاتف: مش ممكن!! أزاي؟!
وفجأة — وصلته رسالة أخرى.
«معلش قطعت عليك الفيديو… كنت عامل مجهود جبار يا عماد، إيه الجمدان ده! لعلمك، الفيديو إللي معاك ٣٥دقيقة، أنا بقى اخترتلك دقيقة منهم ونزلتها على كل المواقع وجدعنة مني، نغبشت على وشكم، بس لو مبطلتش إللي بتعمله… الـ 35 دقيقة كلهم هينزلوا… بوشك الحلو، ونخلي الشباب تهيص وتستمتع وتتعلم من ادائك أنت والمدام.. وقتها بقى، تفتكر صافيناز لما تشوفك بأدائك الجامد وكلامك الحلو ده… هتعمل إيه؟
صحيح أنت بتبقى مع صافيناز كده، ولا سوسو حاجة خاصة؟! أدخل على اللينك واستمتع بمواهبك علي الفضائيات… enjoy »
لم تمر سوى ثوان… حتى وصلته رسالة أخرى تحتوي على لينك.
ضغط عليه بيد مرتجفة، وعيناه متعلقتان بالشاشة،
وما إن فتح الرابط — حتى تجمد الدم في عروقه،
الفيديو منشور بالفعل على المواقع، ومدون عليه فضيحة رجل الاعمال الشهير ع/ف مع زوجته الثانية س/و.
قبض على الهاتف بقوة حتي كاد يحطمه بين يديه، أرتفع صدره وهبط بسرعة عنيفة، وأنفاسه تتلاحق كأنها تحترق داخل صدره.
وفجأة —
ضرب المقود بقوة هائلة، وهو يصيح بغضب هادر: يا ابن الكلب يا رشدي!
ثم أدار المقود بعنف، وغير إتجاه السيارة إلي منزل سارة.
♥️______________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي.
دخل رشدي الغرفة بملامح ساكنة أقرب للبرود، لكن عينيه كانت تلمع بشيء خفي أقرب للشماتة.
في داخله لم يكن متألما بل كان شامتا بدرجة واضحه؛ فما حدث في الأسفل بدا له وكأنه ردا على الإهانة التي تلقاها منهم خلال الأيام الماضية.
الآن هم يعيشون نفس المصير… الانكسار والانهزام أمام الجميع، وكأن القدر يسترد حقه دون جهد منه.
أما مي فجلست على طرف الفراش بملامح شاحبة، وعينان تائهتان، وكأنها ما زالت عالقة في لحظة الانفجار، ولم تستطع استيعابه، ولا حتى قادرة على تجاوزه بسهولة.
رفعت عينيها إليه، وقالت بصوت مرتبك: أنا بجد مش قادرة أستوعب إللي حصل دى.
أجابها بلا اكتراث، وهو يسحب علبة سجائره من فوق الكومودينو: عادي بكره تتعودي.
نظرت له بصدمة واستغراب واضح: هو إيه إللي عادي يا رشدي؟! أنت شايف إللي حصل تحت ده عادي؟!
زفر الدخان وهو يقول ببرود: مش قصدي كدة يا ستي بس يعني مش أول مرة تحصل حاجة زي دي.
مرر يده في شعره، متظاهرا بالهدوء، رغم أن جسده كله كان يطلب شيئا واحدا، شمة تهدئ ذلك الاحتراق العنيف داخله.
فقال بنبرة ثابتة: أهدي يا حبيبتي، دي مش أول حادثة تحصلنا إحنا اتعرضنا لحوادث قبل كدة أصعب.
نظرت له بعدم اقتناع: أنا مش عارفة أنت أزاي هادي كدة، دى أنا حتي مش شايفه جواك أي زعل او قلق على باباك ومامتك.
زفر بضيق: ومين قالك إني هادى يا مي؟ ولا لازم يعني ازعق واكسر علشان ابانلك مش هادي؟!
أجابته بحزن: مش قصدى كده، بس أنا مش عايزه قلبك يجمد على أهلك يا رشدي، دول مهما كان أبوك وأمك، مينفعش اشوف النظرة اللى في عينك دى.
صاح بضيق: وأبويا وأمي دول مفتكروش أني ابنهم يوم ما هانوني قدام الصغير والكبير في المجموعه وهما بيقولوا عليا فاشل، اهو اتردلتهم بعدها بأيام علشان يستوعبوا إن كلهم فشلة زى...
صاحت به بوجل: مش كده يا رشدي، معقوله هتشمت في أهلك؟! متخليش سوء معاملتهم ليك يعمل فيك كده، متبقاش زيهم.
حك جبهته بألم محاولا تهدئه الصداع الذي يفتك به: يا ستي انا مش عايز ابقي زى حد، وبعدين ما فريده معاهم في المستشفي وكده كده هروحلهم بس اشوف الأول الكارثه بتاع المصنع وصافيناز..
صمت قليلا، والألم في جسده لم يهدأ، فتلك الجرعة الصفيرة التي اعتاد تناولها لم تعد كافية، جسده يخذله… وإرادته تضعف أمام هذا الاحتياج القاسي.
مرر يده على وجهه بضيق، وهو يفكر من أين يأتي بجرعات تكفي احتياجه الآن؟ لا مال لديه ولا يمتلك قدرة على التحمل، شرد قليلا، ثم لمعت فكرة في رأسه "يمكنه أن يأخذ من أصدقاؤه ما يحتاجه ولو مؤقتا"
حسم أمره ونهض يقول بارتباك: أنا هنزل أشوف سليم عمل إيه؟! وبعدين اروحلهم اطمن عليهم.
وقفت بلهفه: هاجي معاك.
لكنه اجابها وهي يتجه نحو الباب: لا خليكي، إحنا لسه حوارتنا كتير وممكن نروح المصنع، هتتبهدلى معانا.
اومأت برأسها: طب ربنا معاك، بس ابقي طمني.
هز رأسه وخرج مسرعا لكن خطواته لم تتجه حيث قال، بل قاد مباشرة لأحد الملاهي الليلية.
علي اتجاه آخر.
دخل سليم الجناح وأغلق الباب خلفه بإحكام، كانت ماسة ماتزال واقفة في الشرفة تحدق في الفراغ بشرود ثقيل.
ما إن سمعت صوت الباب حتى التفتت نحوه واندفعت إلى أحضانه تعانقه بشدة، وكأنها تحتمي به من كل ماحدث.
لف ذراعيه حولها، وضمها بقوة، ثم أخذ يمسح على شعرها بحنان.
طبع قبلة طويلة على رأسها، قائلا بهدوء: كده جزء من حقك جه، ولسه بكرة هييجي الجزء الأهم، أنا وعدتك إني هخلي كل أيامهم الجاية كوابيس والجزاء هيكون من جنس العمل، مبروك يا قطعة السكر أفرحي وانبسطي، ده لسة مجرد دفعة من الحساب.
ابتعدت عنه قليلا تنظر إليه بعينين تلمعان بالدموع، وهمست بقلق: بس باباك... شكله جراله حاجة.
أومأ بعدم اكتراث: هيبقى كويس
نظرت له طويلا بصمت، فعقد حاجبيه معلقا بسخرية: إيه صعب عليكي هو كمان؟!
أجابته دموعها التي هبطت منها رغما عنها، فقال بنبرة متحفزة وهي يحيط وجهها بيديه ويركز النظر في عينيها: قولتلك مينفعش يصعبوا عليكي، أنتِ مصعبتيش عليهم علشان هما يصعبوا عليكي؟! أنت دلوقتي تفرحي وبس... فاهمة؟
هزت رأسها وقالت بصوت مرتجف: أنا مش زيهم، مش هعرف أكون زيهم، طبيعي لما أشوف أللي بيحصل ده مقدرش أفرح.
أجابها باصرار: لا اتعودي تقسي قلبك، لازم تفرحي، حقك بيتجاب؛ حق كل السنين إللي عشتيها في وجع وعذاب وخوف، حق شرفك أللي اتداس عليه، وأهلك إللي اتهددتي بيهم..
توقف لحظة، ثم اتسعت ابتسامته ببطء، وقال بنبرة أخطر: وبكرة صدقيني، هيبقى أسود صباح شافوه في حياتهم، أفرحي يا ماسة... أفرحي..
هزت رأسها، وقالت بنبرة مريرة: مش عارفة أفرح، مش عارفة ولا قادرة، كنت لابسة ومتشيكة واخترت الأغنية إللي هرقص عليها كمان، بس أول ما شوفت إللي بيحصل...
ابتلعت غصتها، وصوتها اختنق: باباك لما وقع ومامتك لما اتصدمت.. صعبوا عليا
تابعت بتأثر : والنظرة إللي أنا شايفاها في عينك دي مخوفاني يا سليم.
رفعت يدها ووضعتها علي صدره فوق موضع قلبه مباشرة، وقالت برجاء صادق: أنا قولتلك وهقولهالك تاني، أوعى تبقى زيهم، أوعى قلبك يقسى لدرجة ميحسش بالرحمة، هما بيعملوا كده علشان هما وحشين لكن إحنا لأ... لأ.
نظر إليها متأثرا للحظة، وعيناه تتحركان على ملامحها يحاول فهم كيف لها أن تكون بهذه الطيبة والبراءه وسط كل هذا الخراب، وبعد كل ما فعلوه بها؟!
شد فكه وقال بنبرة مشدوده من بين أسنانه: أنتِ تاني!! مش قولتلك مشاعر الطيبة والشفقة دي تبطليها.
هزت رأسها بإصرار، وهي تمسك يديه بقوة: مينفعش! باباك ومامتك ممكن يجرالهم حاجه بسببك، وكل إللي حصل ده حقيقي صعب أفرح بيه، أنا مش هخسر انسانيتي في الحرب دي حتى لو التمن إننا نوقف كل ده..
توقفت لحظة، ومررت عينيها داخل عينيه الجامدتين، تبحث عن أي ذرة رحمة فيهما، ثم همست بخوف حقيقي: ونظرة الجمود إللي في عينك دى رعباني ومخوفاني عليك، عينك مفيهاش أي رحمة ولا إحساس يا سليم! أنت بتتحول لواحد زيهم وأنت مش واخد بالك، انتقامك بقى عاميك...
أمسكت بكفه الموضوع على كتفها، وشدت عليه بقوة، وصوتها صار حازما رغم دموعها: إحنا مينفعش نفرح ونشمت في كل ده، إحنا مش كده يا سليم، ومش هنبقى كده مهما حصل...
شدت على كلمتها، وصوتها امتلأ بإصرار موجوع: مش هسمحلك تتحول لواحد زي دول وتبقى مشوه زيهم، مش هسمحلك يا سليم.
تغيرت ملامحه وازدادت حدة نظراته، حتى بدا الضجر واضحا في عينيه، كأنه يحاول كتم شيء يغلي بداخله.
سحب يده وأمسك كتفيها يجذبها بعنف ممزوج بالانكسار، وهو يصيح بصوت مبحوح بالغضب والألم: ومنبقاش زيهم ليه! هو أنا بعمل إيه يا ماسة؟ فهميني بعمل إيه؟
هز رأسه وتابع وهو يضغط على أسنانه: أنا مش ببتكر ولا بعمل حاجه جديده عليهم، سبق وقولتلك قبل كده أنا بطبقلهم أفكارهم، بخليهم يعيشوا نفس إللي عشته! إيه إللي أنا عملته غلط؟ فهميني؟!
ضحك ضحكة قصيرة ساخرة سرعان ما انكسرت وهو يبتلع غصته بصعوبة: أنا دلوقتي تلميذ عندهم... القسوة دى هما إللي علموهالي.
ضيق عينه متسائلا: مش واخدى بالك إني بعمل زيهم بالظبط، كوبي بيست..
اقترب خطوة، وصوته صار أهدأ: أنا اختارت أضرب كل واحد في الحاجة إللي بتوجعه، عرفت كل واحد إيه إللي بيوجعه وطعنته بنفس خنجره المسموم..
توقف لحظة، ثم أكمل بإبتسامة مرة وهو يرفع كتفه: يعني أنا مش أذكى منهم ولا أقسى، أنا بس اتعلمت متأخر..
كانت تنظر إليه بصمت، وعينيها ممتلئتان بالحزن والقهر، تفهمه وتفهم وجعه وغضبه، لكنها لم تستطع تقبل ما يتحول إليه.
اقتربت منه خطوة، وصوتها خرج متوترا: طب أنت ناوي تعمل إيه تاني؟ ومتقوليش بكرة هتعرفي أنا عايزة أعرف دلوقتي يا سليم... دلوقتي!
زفر بضيق، ثم ألتفت نحو الطاولة الصغيرة، وألتقط كوب الماء احتسى منه ببطء، كأنه يحاول تهدئة نفسه.
ثم رفع عينيه إليها مفسرا ببرود: زي ماقولتلك ضربت كل واحد في الحتة إللي بتوجعه.
رفع يده يعدد على أصابعه: حرقت المصنع زي ماشوفتي علشان عارف إن الفلوس أكتر حاجه توجع عزت وتكسره.
ثم رفع الاصبع الثاني وهي يتابع: وبعت ستات وشهم مشوه يرفعوا قضية على صافيناز ويدعوا إن اللي حصلهم دي بسبب المستحضرات بتاعتها، بعد ما بوظتها وحطيت فيها مواد تخليها غير صالحه لاستخدام الآدمي علشان لما المعمل الجنائي يفصح يأكد علي كلام الضحايا ويشمعولها المصنع.
صمت لحظه وتابع بصوت أبرد: وقصدت أعمل كل دى يوم الحفلة مخصوص علشان تبقى فضيحة على الهوا، لأني عارف إن دى أكتر حاجه هتكسر الهانم.
وقفت تستمع له بعينان مذهولتهان، بينما لم يتوقف هو عن الحديث وتابع بإبتسامة مرعبة: بس دي مش النهاية دي مجرد البداية...
عقدت حاجبيها ونظرت له باستغراب وكأنها تسأله ماذا فعلت أكثر؟! تابع مفسرا على نفس ذات الوتيرة: أنا بس كنت عايز أدخلها القسم زي ما كانت ناوية تعمل فيكي، هخليها تنزل الحجز ويتعمل عليها أحلى حفلى، هتاخد نفس الأقلام إللي خدتيها وبزيادة ونفس الإهانة وبزيادة..
صمت لحظة، ثم أضاف ببرود قاسي: وبكرة الصبح، الصحف كلها هتكتب إن "صافيناز الراوي متهمة بإدارة شبكة دعارة دولية"
ارتجفت عيناها، لكنه تابع بضحكه خلت من المرح: وطبعا مكنتش هنسي عمدة من الليلة الحلوة دى.
صمت لحظه، وتابع بنبرة أخطر: صورتله فديو فديو جبار ليه هو ومدام سارة مع بعض في السرير، ونزلت منه دقيقه علي السوشيال ميديا علشان أحرق قلبه واكسره، وبعتله باقي الفديو زمانه بيستمتع بيه دلوقتي.
ابتسم واكمل بسخرية: رشدي كمان خدمني لما رجع منى يوم الحفلة، طلع عيل جدع ودماغه طلعت شبه دماغي، عارف كويس يوجعهم منين؟!
كانت تنظر إليه بعينين تلمعان بالدموع والحزن؛ فقد باتت تراه يغرق شيئا فشيئا في ظلام انتقامه، لم تكن تخشى انتقامه بقدر ما كانت تخشى أن يفقد نفسه ويخسر مبادئه وقلبه في طريقه إليه.
مررت عينيها عليه تتأمل ملامحه، فلم تجد سوي… برودة قاسية تستقر في عينيه، وقسوة واضحة لا تعرف التراجع، وكأن ما تبقى داخله لم يعد يريد سوى المزيد من الانتقام.
فهم نظرتها جيدا، فتساءل بصوت أهدأ لكنه أكثر خطورة: هو أنا ليه شايف النظرة دي في عينكي؟صعبانين عليكي؟ ده حسابهم لسه بيبدأ.
رفعت حاجبيها تتساءل بشدة: وأنت عايز تعمل أكتر من كدة إيه؟! وبعدين اللى أنت عملته في صافيناز مينفعش، مهما كان دي أختك!
تجمدت ملامحه لثواني، ثم أنفجر صوته بحدة هو يتك علي حروف الكلمه: أختي؟!
أمسك كتفيها بقوة وهو ينظر داخل عينيها: وأنا مكنتش أخوها لما قلعتك هدومك ونيمتك في حضن مصطفي!!
ازدادت قبضته على كتفيها وهو يواصل بانفعال متصاعد: مكنتش أخوها وهي بتصوركم بوضعكم دى وبتبعتلي عشان تذلني وتكسرني؟! مكنتش أخوها لما حاولت تزرع الشك جوايا وتدمرني؟!
توقف لحظة، وصدره يعلو ويهبط بسرعة، ثم قال بصوت أخشن: مكنتش أخوها لما وقفت قدامي من يومين بكل عين قويه تشكك في شرفك وتقولي مراتك خانتك عشان مش مكفيها ومبتخلفش، وكأنها قاصده تطعنني في كل حاجة فاضلة فيا؟! وبتلذذ بعذابي مع إنها عارفة كويس إن كل ده كذب، وان ظفرك برقبتها..
اقترب منها أكثر، وعيناه تلمعان بالقهر، والدموع التي ترفض الانهزام والسقوط من عينه، وصوته خرج مبحوحا مختنقا بالغضب: ليه هي مفتكرتش إني اخوها؟ ليه محدش فكر فيا؟ ليه مقالوش " ده ابننا"
ابتلع غصته، وارتجف صوته بانكسار: ليه دايما مطلوب مني أكون أنا الأحسن؟ وأنا إللي أفتكر إنهم أهلي وإخواتي وهما مفتكرونيش لحظة واحدة إني ابنهم من دمهم..
كانت تنظر إليه بصمت...بعينين ممتلئتين بالحزن والوجع، تفهم جيدا كل ما يمر به... تفهم قهره وغضبه، وتشعر بوجعه كأنه وجعها هي.
لا تعرف ماذا تقول، الكلمات خذلتها، هبطت دموعها في صمت، دون صوت، فقط نظرات مرتعشة وقلب يعتصره الألم.
أما هو... فلم يتوقف.
تابع حديثه كأن سيلا جارفا انفتح داخله، لا يستطيع إيقافه.
رفع عينيه إليها، وعيناه تلمعان بجنون مختلط بالألم، وهو يقبض على ذراعيها: قوليلي صعب عليكي مين فيهم؟ وإيه إللي يخليكي تشفقي عليهم؟ هو حد فيهم شفق عليكي؟
شد على كتفيها أكثر، وصوته أنكسر رغم حدته، وكأن الكلام يخرج من جرح مفتوح: عزت مشفقش عليكي وهو بيسمع خطة عماد القذرة؟! عجبته! وبعت رجالة تتم المهمة على أكمل وجه! مقالش دي زي بنتي... ولا حتى اتردد لحظة وقال دى عرض ابني!
ابتلع غصته، وتابع بنبره مبحوحه: عرف كل إللي هيحصلك ومفرقش معاه! مقالش ابني هيتكسر... مقالش رجالة غريبة هتشوف مرات ابني عريانة... وتكسر رجولته!...
تنفس بعنف، ثم أكمل بنبرة أشد: وفايزة!
ضغط على أسنانه وهو يتذكر: فايزة دي من يوم ما دخلتي القصر... لاااا من يوم فرحنا، وهي بتعمل كل حاجة علشان تبعدنا عن بعض.
لوح بيده بعصبية بعينين تلمع بدموع وقهر: مفرقش معاها إني مبسوط معاكي، ولا إني أخيرا لقيت راحتي! مفكرتش فيا، فكرت في مظهرها وبس..
أنخفض صوته قليلا، وتساءل بمرارة وهي ينظر في عينيها مباشرة: قوليلي علي حاجة واحدة أو نص حاجة تخليكي تشفقي عليهم؟
تساءل بضجر، كأنه يحاصرها بكلامه: نسيتي الكلام الكدب اللى قالوه عليا؟ نسيت لما هددوكي بأهلك، نسيتي سنين العذاب والقهر اللى عيشوكي فيها وانت في بيتي واوضة نومي ومش عاملينلي أي حساب!؟
تنفس بعمق، ثم تابع بتعجب: وبعدين تعالي هنا مش ده عماد إللي مسكتي السكينة وكنتي عايزه تقتليه؟
أشار بيده بغضب وتساءل: ومش دي صافيناز إللي قولتيلي لو مجبتليش حقي منها، هتيجي تلاقيني قتلهالك؟
ترك كتفها أخيرا، وتراجع خطوة للخلف، ينظر إليها من أعلى لأسفل، كأنه يبحث عن إجابة تثبته من الداخل.
صوته أرتفع فجأة، يتساءل بوجع حقيقي: إيه إللي حصل دلوقتي فهميني؟ مالك يا أستاذة ماسة؟!
أقترب أكثر، وانخفض صوته بتساؤل، كأن الكلمات تخرج من جرح مفتوح: نسيتي إللي عملوه فيا وفيكي؟
أهتز صوته قليلا، وعيناه لمعتا ببريق مؤلم، ثم تابع بمرارة: نسيتي إنهم دمروا حياتنا سنين؟ إنهم لفقوا كلام وسخ وكدب واقنعوكي بيه؟ وإنك بسببهم اتعرضتي للاغتصاب أكتر من مرة؟ وإنك عيشتي في الشارع أسبوع؟ وهددوكي بأهلك، وإنهم فرقونا وسرقوا مننا أحلى سنين من عمرنا؟
اقترب منها فجأة، وعدل وقفتها أمامه ضامما كتفيها بكلتا يديه، يهزها بعنف امتزج فيه القهر بالعجز، وهو صرخ بها: قوليلي يا ماسة! ردي عليا! قولي، أشفق عليهم ليه؟! ليييه
ارتفعت أنفاسه بعنف، وصدره يعلو ويهبط بسرعة، بينما بدأت طبقة رقيقة من الدموع تهدد بالسقوط رغم محاولته الشديدة للتماسك: محدش فيهم شفق علينا، مصعبناش عليهم لحظة! كانوا شايفيني بتعذب وبموت في الثانية 100 مرة ومحدش فيهم فكر يطبطب عليا، ويقولي معلش يا ابني أهدى يمكن تكون مظلومة!
انزلقت دمعة واحدة رغما عنه، فمسحها سريعا بظهر يده بعصبية: كل يوم كانوا بيكبروا الكذبة جوايا، عشان يخلوني أقتلك! وهما عارفين إنك شريفة ومظلومة، بس مصلحتهم كانت أكبر، أكبر حتي من وجع ابنهم! ومن رجولته وشرفه إللى داسوه برجلهم.
ارتجف صوته، وخانته نبرته للحظة، لكنه أكمل بإصرارٍ موجوع: ابنهم إللي معملش حاجة يستاهل عليها كل إللي حصله دي، مفيش واحد فيهم قال كفاية! محدش فيهم فكر فيا، ولا قلبه وجعه عليا..
أغمض عينيه لثواني، وكأن الذكرى تخنقه، ثم فتحهما من جديد وقد أحمرتا بشدة: لو إنتِ نسيتي كل ده، أنا مستحيل أنسى... مستحيل أنسى نظرة عينك وخوفك بعد إللي عملوه فيكي، ولا إنهم قلعوكي ونيموكي في حضن مصطفى ولا الصور القذرة والرسائل الأقذر إللي كانوا بيبعتوهالي علشان يشككوني فيكي، ولما يتمموا جريمتهم تتثبت عليكي.
نظرت له باستغراب، فأجابها على تلك النظرة بضجر: أيوة كان بيبعتولي صورك مع مصطفى في الكام مرة إللي شوفتيه فيهم، مقولتلكيش لإني خوفت تفتكري إني براقبك، الوضع بيننا مكانش مستحمل خصوصا إني كنت فاكر إن مصطفى هو إللي بيعمل كده علشان يوقع بينا.
مال بشفتيه بابتسامة جانبية مريرة: بس طلعت حمار.. كانوا هما اللى بيبعتوها مش مصطفي.
توقف لحظة، وصوته أنخفض حتى صار مبحوحا:
ولو هنسى كل ده! هنسى إزاي نظرة عينك وخوفك وإنتِ مكلبشة في إيدي ومش عايزة تسيبيني حتى وأنا داخل الحمام؟
ارتجف فكه، واشتد تنفسه، بينما لمعت الدموع أكثر في عينيه: أنتِ فاكرة ده كان سهل عليا؟ كنت ببين قدامك إني عادي، لكن من جوايا كنت بموت...
رفع يده وضرب بها صدره بخفة موجوعة: جوايا كانت نار مبتتطفيش، ولسة بتاكل فيا وبتحرقني وأنا شايفهم عايشين عادي وأنا وإنتِ كده، مبتطفيش ومش هتطفي ولا هتهدي!
ازدادت حمرة عينيه، وارتجف صوته رغم حدته، كأن الكلمات تخرج من صدر مثقوب: هما اللى بدأوا وكسروني يا ماسة، كسروني في رجولتي وفي قلبي وفي ثقتي..
مرر يده في شعره بعنف، وكأن الذكرى تحرقه: مسكوا السكينة ونزلوا طعن فيا، ولحد النهاردة الصبح، كانوا ناويين يقتلوكي، أنتِ وأهلك! كانوا عايزين يحطوكم في سفينة ويقتلوكم، علشان السر يموت معاكم.
تساءل بضجر: زعلانة عليهم ليه؟! أزاي مش قادرة تفرحي وبتحاسبيني إني مش حاسس بالشفقة وعيني قاسية؟!
توقف لحظة أنفاسه تتلاحق، ثم ضحك بمرارة جارحة: ورشدي؟ إللي كنتي زعلانة عليه ده أنا دافعت عنه وخدت رصاصة مكانه، وكان ممكن أموت عشان أحميه! مفكرتش ساعتها إنك حامل، ولا فكرت في نفسي أصلا، كل إللي فكرت فيه إني أنقذ أخويا!
قبض على يده بقوة، وصوته انكسر أكثر بعينين تلمع بالدموع: كان ممكن أمشي، وآخد عربيتي ورجالتي وأسيبهم، بس معملتش كده! تفتكري هو لو كان مكاني، كان هيعمل زيي؟
ضحك بسخرية مؤلمه: استحالة! كان هيغمض عينه ويسيبهم يقتلوني عشان يخلص من الصداع إللي بياكل في قلبه من ناحيتي من سنين.
هز رأسه بعنف، وكأن الفكرة نفسها تهينه: أنا آه، كتير قولت هقتل رشدي، لإن بلاويه كانت كتير، بس عمري فكرت انفذها حتى بيني وبين نفسي، يمكن ضربت صافيناز وعاقبتها علي الحباية بس عمري ما جمعت رجالتي واتفقت معاهم علي أاذيها!
صوته هدأ لحظة ثم تابع بقهر ومرارة: الخيانة من الإخوات بتحصل، شوفناها كتير، لكن أب وأم يعملوا كده في ابنهم...؟!
أختنق صوته، واهتزت كلماته: أنا عملت إيه؟ عملت إيه يستاهل إني أشوف أهلي قاعدين بيتفقوا على وجعي وكسرتي..؟!
نظر إليها، ونبرة صارت أعمق، وأقسى: أنتِ فاكرة إني بعاقبهم على إللي عملوا فيكي آخر مرة بس؟! لا يا ماسة، أنا بعاقبهم على كل حاجة، من يوم مازرعوا الخوف جواكي، من يوم ماخلوكي سجينة رعب وسرقوا منك حياتك استقرارك النفسي.. سنة كاملة خوف وقلق، وست شهور مرمية في الشارع بعيد عني، غير إللي عملوه مع سلوى ومكي وتهديدك لأهلك على طعنهم فيا، وكسرتهم ليا
توقف وكأن الهواء لم يعد يكفيه: أنا عمري ماحد كسرني كده...
كانت تستمع له بدموع تتساقط من عينيها، بغصة تنحر قلبها بصمت ثقيل يخنق صدرها.
اقترب أكثر، وصوته خرج مهتزا بين القهر والغضب: يستاهلوا إللي بعمله فيهم؟ ولا لأ؟!
ثم صرخ فجأة، بصوت يهز المكان: ردي...يستاهلوا... ولا ميستاهلوش يا ماسة؟!
اهتز جسدها قليلا، ثم خرج صوتها أخيرا مبحوحا، وكأنه خرج من بين نار تحرق صدرها: يستاهلوا...
توقفت لحظة، ودموعها انهمرت بغزارة، ثم هزت رأسها بعنف وهي تصرخ بحرقة: يستاهلوا آه، يستاهلوا أكتر من كده بكتير كمان...
نظرت إليه بعينين دامعتين، وقلبها يضرب بعنف داخل صدرها، ترى الرجل الذي تحبه موجوع ويتفكك قطعة قطعة أمام عينها، ولا تعرف كيف تنقذه من نفسه.
ارتجف صوتها أكثر، وكأن القوة خانتها: أنا أنا آسفة، أسفة
لم تتحمل رؤيته بتلك الحالة، فاندفعت تدفن وجهها في صدره، وشدت ذراعيها حوله بقوة، تعانقه بشدة وكأنها تحاول احتواء كل ذلك الألم المتفجر داخله، وهي تردد باعتذار: أنا آسفة يا سليم، آسفة على كل وجع عيشته، بس إللي بتعمله ده هيحرقك إنت قبل مايحرقهم..أنا خايفه عليك.
شدت عليه أكثر، وكأنها تخشى أن ينهار أو ينفلت من بين يديها: أنت موجوع وأنا حاسة بيك، بس متخليش وجعك يحولك لنسخة منهم، أنا خايفة عليك، خايفة من وجعك من جرحك..
رد بوجع وقهر: مش قادر يا ماسة مش قادر..
أخذ يبكي بين أحضانها بوجع حقيقي، بكاء مكتوم خرج أخيرا بعد سنوات من القهر.
اشتد بكاؤه حتى اختل توازنهما، فسقطا معا على الأرض، وهي مازالت تضمه بقوة، تحتضنه كأنها تحاول أن تجمع شظاياه المتناثرة.
ظلت تضمه بشدة، تمسح على رأسه وأنفاسها متلاحقة، بينما كان جسده يهتز بين ذراعيها من شدة البكاء.
مرت لحظات ثقيلة...
ثم رفع رأسه ببطء، ونظر إليها بعينين حمراوين ممتلئتين بالدموع والانكسار: أنتِ فاكرة الموضوع سهل بالنسبالي لما أعرف إن أمي وأبويا، وإخواتي، عملوا فيا كده؟!
انزلقت دموعه مرة أخرى، وصوته أصبح أضعف: لو كنت عملت فيهم حاجة وحشة كنت فهمت وقولت استاهل...
هز رأسه ببطء، وصوته خرج مبحوحا: لكن عمري ما فكرت اذيهم، رغم انهم اذوني نفسيا كتير، بس أنا مكنتش بالنسبة لهم غير ألة تجيبلهم فلوس، ولو فيه حد أحسن منه ندوس على سليم.
ارتجفت شفتاه، وانزلقت دمعة على خده رغم محاولته التماسك، ثم رفع عينيه إليها بعجز: أنتِ عارفة أصعب حاجة إيه؟
ابتلع غصته، وضغط على صدره بيده: أوقات بسرح وأسأل مادام أهلي عملوا فيا كده اومال أعدائي يعملوا إيه؟
نظر بعبدا بابتسامة جانبية مائلة بسخرية مريرة: بيضحكني رشدي وهو بيحسدني وبيغير مني علشان مميز عندهم، عيل غبي، طب يعيش إللي أنا عشته ويقولي هيتمنى يبقى مميز زى ولا لا...
أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما ببطء، وعيناه ممتلئتان بدهشة موجعة: طلعوا وحشين أوى، أوحش بكتير من خيالي .. لدرجة إن خيالي نفسه مقدرش يتخيل إللي عملوه.
رفعت يدها ببطء، ووضعتها على خده، تمسح دموعه برفق شديد، وكأنها تخشى أن تؤلمه أكثر.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالحب والوجع، ثم اقتربت منه ببطء، وقبلته قبلة قصيرة على شفتيه، قبلة ممتلئة بالاحتواء أكثر من الرغبة وكأنها تخفف عليه بتلك القبلة أوجاعه...
سحبت رأسها قليلا، ثم عادت تضمّه بقوةٍ أكبر، كأنها تحاول أن تخبّئه داخل صدرها من كل ما يؤلمه.
ظلت تضمه بقوة، ويدها تمر على شعره ببطء وحنان، كأنها تحاول تهدئتة كل ما بداخله من عاصفة
ثم همست بصوت مبحوح، ممتلئ بالوجع والصدق:
أنا جنبك يا سليم، ومعاك ومش ها أبعد عنك أبدا.
سكتت لحظة، ثم شدت عليه أكثر، وكأنها تخاف أن يفلت منها في أي لحظة.
مالت برأسها، وقبلته من أعلى رأسه قبلة خفيفة طويلة بما يكفي لتقول ماعجزت عنه الكلمات.
ظل هكذا للحظات، ثم ابتعد، وهو يمسح دموعه بسرعة كأنه يغضب منها.
قال بنبرة حازمة ضعيفة وهو يشير بأصابعه:
أسمعي دي آخر مرة تتكلمي فيها في الموضوع ده.
فاهمة؟ عبشان المرة الجاية رد فعلي مش هليعجبك.
مسح وجهه، أخذ نفسًا طويلا، ثم نهض مرة واحدة وهو يعدل ملابسه، أنا ها أنزل تحت، لازم أبان إني بدور، زي ما هما عملوا
نهضت بسرعة، ووقفت أمامه: استنى، طب أقعد معايا شوية
لكن ملامحه كانت قد أُغلقت تماما، قال بجمود واضح قال بضيق لا... بعدين.
ترك يدها... وخرج من الغرفة، بقيت ماسة واقفة مكانها...
تتابع أثره وهو يختفي مررت يدها في شعرها للخلف ببطء، ثم أطلقت نفسًا مختنقا، لا تعرف ماذا تفعل... ولا إلى أين تتجه.
❤️___________بقلمي_ليلةعادل
أحد المستشفيات الخاصة10م
كان عزت داخل غرفة العناية المركزة، تحيط به الأجهزة من كل جانب، بينما يعمل الأطباء على تركيب قسطرة قلبية له، وأصوات الأجهزة تتردد بانتظامٍ مقلق..
وفي غرفة أخرى...
كانت فايزة ممددة على الفراش، يقيس الأطباء ضغطها، ويضعون لها المحاليل وبعض الحقن، بعد أن تعرضت لصدمة عنيفة.
خارج الغرف...
وقفت فريدة أمام الزجاج، تحدق في الداخل بقلق خانق، وبجوارها إبراهيم، بينما كان الحراس يحيطون بالمكان، يمنعون أي شخص من الاقتراب أو ألتقاط الصور.
بعد دقائق...
خرج الطبيب، فنظرت إليه فريدة بلهفة: إيه يا دكتور... طمنا؟
الطبيب بعملية: فيه اشتباه جلطة بسيطة للهانم، لكن الحمد لله حالتها مستقرة، واضح إنها اتعرضت لصدمة قوية، هتاخد علاج، وإن شاء الله ممكن تخرج بكرة.
توقف لثواني قبل أن يكمل بنبرة أكثر جدية: إنما عزت باشا عنده جلطتين، إحنا حاطينه تحت الملاحظة، وال 24ساعه الجايين لو عدوا على خير إن شاء الله حالته هتستقر.
تنفست فريدة بصعوبة، بينما تابع الطبيب: وطبعا لازم نبعده عن أي انفعالات أو ضغوط أو أخبار سيئة على قد مانقدر، ويفضل بعد مايخرج يسافروا شوية يغيروا جو في أماكن هادية فيها طبيعة وبحر.
أومأت بإيجاب: تمام يا دكتور، نقدر نشوفهم؟
هز رأسه موضحا: عزت باشا لأ مش دلوقتي، لكن الهانم تقدري تدخليلها، رغم إنها رافضة تتكلم، ومحتاجة دعم نفسي، ده إللي ممكن يساعدها تفوق من الصدمة.
أومأت فريدة بأدب: شكرا يا دكتور
الطبيب: ألف سلامة.. ثم تحرك مبتعدا
أسندت فريدة رأسها على الزجاج بعدم استيعاب، فاقترب منها إبراهيم يواسيها: إن شاء الله هيكونوا كويسين.
ثم تابع: والله الواحد لحد دلوقتي مش مستوعب اللى حصل!!
هزت رأسها ببطء: واضح إن فيه حد بيحاربنا، مشكلة الكوبرى لسة مبقالهاش كام يوم، وكدة فعلا اتأكدنا إن الموضوع بفعل فاعل.
تساءل متعحبا: مين ممكن يكون عمل كدة؟ مش سليم مخلص كل حاجه من ساعة مارجع.
نظرت إليه بجدية: أحنا كبار يا إبراهيم، وطول ماعندنا نفوذ طبيعي يبقى لينا أعداء، ناس كتير تتمنى تبقى مكان الباشا سواء على ترابيزات الاتفاقات أو في قربه من الوزراء، هما علطول موجودين بس كان بقالهم فترة في جحرهم.
سألها: وإيه إللي خرجهم؟!
هزت رأسها بعجز: أنا مبفهمش في الحاجات دي، الحاجات دي يتسأل فيها سليم..
ثم أضافت بصوت مكسور: أهم حاجة دلوقتي بابي ومامي يبقوا كويسين، غير كده مش مهم، تعالي ندخل لمامي..
أومأ برأسه وتحركا معا للداخل.
كانت فايزة ممددة على الفراش، تنظر أمامها بشرود وصدمة، وكأنها لا ترى شيئا.
اقتربت منها فريدة، أمسكت بيديها وقالت برجاء: مامي أهدي متعمليش في نفسك كده علشان خاطري، وصدقيني والله كل حاجة هتبقى كويسة.
حركت فايزة عينيها ببطء نحوها، وقالت بصوت متعب: هتبقي كويسة أزاى؟ أنتِ مش شايفة إللي حصل..؟
شدت فريدة على يدها وقالت بثبات: دي مش أول مرة يا مامي إحنا زمان حصلنا أكتر من كده، كنا هنفلس وسليم رجعنا تاني...
نظرت إليها بثقة مصطنعة وهي تضيف: سليم موجود وهيعرف يجيب حقنا، أنتِ مينفعش تقعي، لازم تفضلي قوية زي ما أنتِ "فايزة هانم رستم أغا" القوية إللي الكل بيعملها ألف حساب..
ارتجفت شفتا فايزة وهي تسأل بقلق: سليم فين؟ وعزت عامل إيه؟ وإيه إللي حصل لصافيناز؟؟
ابتلعت فريدة ريقها بصعوبة: بابي جاله جلطة وسليم بيشوف حل، أما صافيناز أنا مش عارفة اتقبض عليها ليه، بس هكلم عماد وأفهم.
وضعت فايزة يدها على رأسها بتعب، وهمست بصوت مرتجف: الفضيحة دي مش هتعدي، كل الناس شافتها على الهوا.
اقتربت فريدة أكثر، مسحت على كتفها: هتتحل صدقيني ، بس أنتِ لازم تفضلي قوية وفاردة ظهرك يا مامي.
ثم نظرت في عينيها مباشرة وقالت بدعم: لازم تفضلي فايزة رستم أغا إللي مفيش حد في الدنيا يقدر يهدها؟
مسحت فايزة دموعها بتعب، وتنهدت وهي تهز رأسها بإيجاب خافت.
نظر إليها إبراهيم بإطمئنان نسبي وقال بهدوء: حمد لله على سلامتك يا هانم...
أومأت برأسها بصمت، بينما ربتت فريدة على يدها بحنان، وكأنها تطمئنها أن الأمور ستتحسن
ساد الغرفة صمت هادئ، لا يكسره سوى صوت الأجهزة الطبية...بينما تبادل الجميع نظرات صامتة، تحمل قلقا خفيا خلف محاولات التماسك.
قسم أول المعادي،11مساء.
توقف البوكس أمام قسم الشرطة، وما إن فتح الباب الخلفي حتى امتدت يد أحد الأمناء إلى الداخل.
صاح بها: يلا أنزلي بسرعة!
رفعت رأسها ببطئ ونهضت بتردد وهي تتشبث بطرف الباب للحظة وقد ارتجفت قدمها.
كانت دموعها تلمع داخل عينيها، والخوف ينهش صدرها، لكنها حاولت أن ترفع رأسها عاليا، متظاهرة بالقوة رغم ارتجاف أنفاسها.
دفعها أحد الأمناء من كتفها بقسوة: يلا يا ختي، هنقعد ساعه علي ما تنزلى!
أختل توازنها قليلا، لكنها تماسكت سريعا، والتفتت إليه بنظرة غاضبة رغم الخوف الذي يملأها: أحترم نفسك وأنت بتتكلم معايا! أنت عارف أنا مين؟!
ضحك الأمين بسخرية، وهو يشير بيده بازدراء: مين يعني؟ متهمة، يلا أنزلي؟!
اشتعلت عيناها بالغضب، لكن ظل الخوف واضحا خلف محاولتها التماسك، وما إن هبطت من السيارة، حتى استقبلتها عدسات الصحفين وهم يندفعون نحوها محاولين العثور على سبق صحفي لفضيحة الموسم.
"صافيناز هانم ممكن كلمه هنا"
صافيناز هانم... حضرتك مقبوض عليكي ليه؟!
ارتبكت للحظة، ورفعت يدها بسرعة تحاول إخفاء وجهها، وهي تصيح بتوتر وغضب: لوسمحتوا أبعدوا... أبعدوا!
لكنهم ظلوا يلاحقونها بالكاميرات، حتى تدخل بعض الضباط وأبعدوهم بصعوبة، إلى أن تم إدخالها إلى الداخل...
أخذت تتلفت حولها بقلق واضح، تبحث بين الوجوده عن خيال عماد، أو أي وجه مألوف ينقذها من هذا الموقف، ولكن... لم تجد أحد.
استمر الأمناء بدفعها حتي ادخلوها مكتب أحد الضابط، وأُغلقوا الباب خلفها.
ساد صمت ثقيل.
والضابط يجلس على مقعده بهدوء بارد، واضعا قدما فوق الأخرى كأنه يسيطر على المكان بالكامل، أما هي فوقفت أمامه متوترة من الداخل لكنها تحاول إخفاء ذلك.
تحركت تنوي الجلوس، لكنه أشار لها بإيقاف حاسم: أنا اذنتلك تقعدي؟ خليكي واقفه مكانك.
توقفت لحظة، ورفعت حاجبها تتساءلت باستهجان: ممكن أعرف أنا هنا ليه؟
أجابها بنبرة رسمية جافة: في محاضر متقدمه ضد حضرتك من ناس حصلهم تشوه من مستحضرات التجميل اللى مصنعك بيضخها في الأسواق واللى ثبت إنها غير صالحة للاستخدام الآدمي.
اتسعت عيناها بدهشة، وأرتفع حاجباها معا: أفندم؟! أنا منتجاتي من أفضل المنتجات في الشرق الأوسط، ويمكن في العالم كله! أنا مبشتغلش غير بمكونات طبيعية 100%، أكيد فيه حاجة غلط في الموضوع ده.
رفعت ذقنها باستعلاء، وأضافت بنبرة أرستقراطية متعالية: وإللي أنت عملته ده هتدفع تمنه غالي، وأرخص حاجة فيه هتبقى بدلتك دي!
ساد الصمت لحظة، مرر الظابط عينه عليها من أعلي لأسفل، وابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيه: داخلة حامية أوي انتي...
رفعت ذقنها بكبرياء وثقة: علشان أنت متعرفش بتتعامل مع مين؟ أنا "صافيناز الراوي"
أومأ برأسه، وقال متحفزا وكأنه كان ينتظر هذه الجملة: أنا عارف كويس إنك صافيناز الراوي، وصدقيني حتى لو ده آخر يوم ليا في الخدمة مش مهم ... المهم عندي أجيب حق الغلابة إللي اتشوهوا بسبب مستحضرات التجميل إللي بتبيعوها، أنتِ وإللي زيك دمرتوا ناس كتير وخربتوا البلد.
نظرت إليه باستغراب حقيقي، وقالت بحدة: أنا معملتش حاجه في حد، واللى بتقوله دى استحاله يكون حقيقي.
فتح درج مكتبه بعنف، وأخرج عدة أوراق، ثم ألقاها أمامها بتوضيح غليظ: لا حقيقي وادي المحاضر والتقارير الطبية إللي بتثبت التشوهات، 5محاضر من 5 ستات وشهم اتشوه بسبب منتجاتك العالميه!
قال آخر كلمه باستهزاء واضح، بينما اتسعت عيناها بذهول حقيقي وهي تنظر للأوراق بغضب ورفض: إيه العبط ده؟! أنا أصلا مبشتغلش بمواد كيميائية، كل شغلي طبيعي! أنا بقالي سنين في المجال ده، أكيد فيه حاجه غلط!
ضرب بأصابعه على المكتب وقال بنبرة قاطعة: الكلام ده تقوليه في النيابة، أنا هنا جهة تحقيق، أقوالك إيه فيما هما منسوب اليك؟
ابتعلت ريقها بتوتر: أنا مش هتكلم الا في وجود المحامي بتاعي.
هز رأسه وصاح باستهجان: يبقي تشرفينا في الحجز، وبكره لما تروحي النيابة ابقي هاتي المحامي بتاعك يتكلم زي ما هو عايز.
اتسعت عيناها بصدمه: حجز ايه أنت اتجننت؟! أنا لا يمكن أنزل المكان دة!
رفع حاجبه قائلا بحده ممزوجه بالسخرية: ومتنزليش ليه؟ أنا عندي إثبات حالة ومحاضر رسمية تدينك...
تنفست بحدة محاولة التماسك، ثم رفعت رأسها من جديد تحاول استعادت توازنها وغرورها معا: الاتهامات دي ملهاش أي أساس من الصحة، وأكيد فيه غلط وهيتصلح وصدقني محدش هيتضر غيرك!
صمتت لحظه ثم تابعت ببطء ومساومة: إلا لو صلحت غلطك وسبتني اروح وننهي الموقف السخيف دى لحد هنا.
اقتربت من المكتب خطوة بنظرات مليئة بالتحدى: ساعتها بس ممكن أكتفي بنقلك من القاهرة للصعيد!
أنفجر ضاحكا بسخرية واضحة: أنتِ بتتكلمي كده على أساس إنك إيه بقى؟
رفعت ذقنها بثبات وقالت بثقة متعجرفة: علي أساس إني صافيناز الراوي، واسمع مني ومتاذيش نفسك أكتر من كده، علشان صدقني هتندم.
ابتسم ابتسامة ساخرة: هو الهانم فاكره نفسها في مصنع ولا شركه من بتوعها؟!
هبط بيده على سطح المكتب بعتف: فوقي لنفسك واتكلمي عدل أنت هنا في القسم وتردى علي الاسئلة اللى تتوجهلك وبس!
في تلك اللحظة...
انفتح الباب ودخل ضابط آخر، نظر إليها من أعلى لأسفل بنظرة ساخرة، ثم وجه حديثه لزميله: إيه الأخبار يا سعد باشا؟ اخدت اقولها ولا لسه؟!
اجابه وهو يرمقها بنظرات حادة: من ساعة ما جت مفيش على لسانها غير "انت مش عارف أنا مين؟ أنا صافيناز الراوي" تقريبا مش حافظه غيرها.
زفر وتابع باستهزاء: عرفنا إنك صافيناز الراوي وعندنا قرار جاي من النيابة بحبسك.
تجمدت ملامحها للحظة، بينما أكمل ببرود قاسي: يعني النيابة عرفت أنتِ مين وبعتتك لحد هنا، وإحنا دورنا نثبت ليكي وللي زيك إن مفيش حد فوق القانون.
رفعت ذقنها بتحدي، رغم ارتجاف أنفاسها، وقالت باستهزاء وازدراء: القانون ده اتعمل ليك وللي زيك، مش لينا أحنا..
اقتربت أكثر، ونظرت له بتعالي واضح: وصدقني لو منهتش الفيلم الهابط دى حالا وسبتني امشي من هنا، هتندموا كلكم.
صمتت لحظه، ثم تابعت باستعلاء وهو تضغط على حروف اسم زوجها بثقه: جوزي "عماد زيدان" جاي دلوقتي في الطريق ورايا، وبمجرد مايوصل هيعرفكم قيمتكم كويس اوى.
تبادل الضابطان نظرة سريعة، قبل أن يهز الأول رأسه بسخرية: أنا مش عارف يا توفيق إحنا بنتناقش ليه؟!
ثم صرخ بصوت حاد: يا عسكري خدها علي الحجز!
اتسعت عيناها بصدمة ممزوجة بإهانة واضحة، ونفضت يد العسكري الذي كاد يمسكها، وهي تصيح بغضب: حجز مين؟! أنت اتجننت؟! محدش يقربلي، أنا عايزة أكلم المحامي بتاعي حالا..
رد الضابط ببرود قاتل وهو يقف في مواجهتها مباشرة: المحامي ده كلميه بكرة في النيابة، أصل زمانه نايم ننه دلوقتي.
أشتعل الغضب داخلها، ورفعت يدها فجأة تنوي صفعه، لكنه أمسك يدها في الهواء قبل أن تصل إليه، وشد عليها بعنف، وهو يزمجر بغضب: أنتِ اتخبلتي يا بت؟ وحياة أمك لأعرفك أزاي تعملي كدة..
وفي لحظة خاطفة صفعها صفعة قوية دوى صوتها داخل المكتب.
ارتد رأسها بقوة إلى الجانب، وشهقت بألم حاد، قبل أن يمسكها من شعرها بعنف.
صافيناز بصراخ هستيري: أوعى يا حيوان، والله لأندمك وادفعك الثمن غالي..
صاح بها وعيناه تقدحان غضبا: أنتِ لسانك طويل يا بت ولازم يتقص! وأنا بقي هقصهولك..
أنفعل أكثر وبدأ يصفعها بقوة صفعات متتالية على وجهها، حتى فقدت توازنها وتراجعت خطوات للخلف، تتنفس بصعوبة وعيناها تلمعان بالصدمة.
تدخل زميله سريعا، وأمسك ذراعه وهمس له بحدة:
كفاية... كفاية كدة عايزها تنزل تحت واعية..
توقف للحظة يلهث من الغضب، ثم أومأ برأسه وهو يدفعها بقوة نحو العسكري: خدها أرميها في الحجز، ووصيهم يظبطوها تحت.
تعثرت في قبضة العسكري، وهي تصرخ وتحاول المقاومة، وعيناها ممتلئتان بالدموع والصدمة فلأول مرة في حياتها، يحدث معاها ذلك.
صافيناز بغضب وقهر: وحياة ربنا لأوريك أنت وهو مين هي صافيناز الراوي، مين دي إللي تنزل الحجز!أوعى كده يا حيوان-!متلمسنيش، أنت فاكر نفسك عشان لابس بدلة هخاف! بدلتك دي جزمتي أغلى منها فاهم وبكرة هتبوسها عشان أسامحك.. يا حشرة.. وعماد جوزى جاي دلوقتي وهيقطعلك إيدك اللى اتمدت عليا.
اختفي صراخها تدريجيا والعسكري يسحبها معه عنوه في الممر، وما إن اختفت عن أنظارهما، حتي تبادل الضابطان نظرة قصيرة، ارتسمت فيها ابتسامة باردة خفيفة.
اتجه الثاني يغلق الباب باحكام وهو يردد باستنكار: إيه يا عم إللي عملته ده؟
رد الأول بهدوء وهو يجلس على طرف المكتب: عملت إيه يعني؟ عملت إللي الباشا أمرنا بيه.
رفع الثاني حاجبه: يعني أمرنا نديها قلمين ونشتمها شتيمتين تقوم انت مديها علقه موت؟! لا يا عم لازم برضو يبقي في حدود... مهما كان دي بنت ناس كبيرة، وأبوها مش سهل وحوت كبير أوى..
تنهد الأول يرد بثبات: إحنا واخدين الأمان من سليم باشا.
هز الثاني رأسه ببطء: واخدين الأمان اه، بس دول في الأول والآخر اخوات مسيرهم يتصافوا وإحنا اللى هنروح في الرجلين، وعزت الراوي لازم يتخاف منه برضوا، فنعمل شغلنا في المعقول علشان لو اتسألنا نقول كنا بنفذ القانون مش بننتقم!
أومأ الأول باذعان: عندك حق، بس هي اللى مستفزه.
توقف لحظة، ثم أضاف: المهم أتصل بعرفان باشا بلغه باللي حصل.
أتصل وبعد لحظات قال بنبرة رسمية ممزوجة بثقة: باشا... كل اللى حضرتك أمرت بيه حصل، هي دلوقتي في الحجز، وكل حاجة ماشية زي ما حضرتك عايز.
ضحك الأول بهدوء وقال وهو يقوم من مكانه: خلصنا المطلوب وكسرنا غرورها من غير ما نسيب أثر واضح، والشغل ماشي زي ما الباشا عايز بالظبط، المهم يكون مبسوط مننا..
جاءته الإجابة بصوت هادئ وواثق: أكيد هيكون مبسوط منكم خصوصا لما الموضوع يكمل زي ما اتفقنا.
أجاب الضابط الأول بسرعة: متقلقش كل إللي في التخشيبة يا شمال يا بلطجية يعني هتتروق..
أجابه بايجاز: تمام ولو فيه أي جديد بلغوني.
في الحجز
ظل العسكري يسحبها بقوة، وهي تصرخ وتتوعد وصوتها يملأ الممر بغضب وهيستيريا.
وصل إلى باب الحجز، فتحه بعنف، ثم دفعها إلى الداخل دفعة قاسية أفقدتها توازنها.
اندفعت نحو الباب تضرب عليه بكل قوتها وهي تصرخ والدموع تسيل من عينيها من شدة الاهانه التي تعرضت لها: أفتح الباب! أفتحوا يا حيوانات! أنا هوريكم! والله لأعرفكم أزاي تعملوا كده مع صافيناز الراوي، عماد مش هيسيبكم.
التفتت بأنظارها نحو المسجونات باشمئزاز؛ بعضهن يرتدين عبايات سوداء، وأخريات بملابس عادية، وهناك من ألتففن بملايات حول أجسادهن.
نهضت إحداهن من مكانها، وصاحت بها: اتنيلي اتلقحي من سكات مش عايزين وجع دماغ هنا!
نظرت لها من أعلى لأسفل باستعلاء دون رد، وعادت تضرب علي الباب بعنف مرة أخري.
في تلك اللحظة، اقتربت منها امرأة قوية البنية، يبدو عليها السوقية، وبصوت يحمل نبرة غزل مريبة قالت وهي تتحسس كتفها: إلا إيه الجمال دي كله؟ أنتِ اسمك يا أمورة؟
نظرت لها صافيناز بحدة، وسحبت كتفها بعيدا: أبعدي عني، متلمسنيش.
اقتربت منها امرأة أخرى، أكثر خشونة في ملامحها، وقالت بسخرية: أنتِ جاية في ايه يا غندورة
ثم لمست الفستان والمجهورات: وإيه الحاجات الحلوة دي؟
صاحت صافيناز من بين أسنانها: قولت أبعدي عني.
لكن المرأة لم تهتم، ومدت يدها نحو صدرها تتحسس العقد التي ترتديه وهي تقول: العقد ده يلزمني...
شدته من صدرها بعنف فجأة، فصاحت صافيناز باشمئزاز: أبعدي عني يا حشرة أنتِ!
صاحت المرأة باستهجان وغلظه: بقي أنا حشرة؟! طب وحياة أمك لأعرفك مين الحشرة هنا.
وفجأة اجتذبتها من شعرها بعنف، لتتعالى صرخاتها وهي تتأرجح بين يديها، بينما ألتفت حولها الأخريات وأخذوا يهبطون عليها بالصفعات والركلات بلا رحمة.
كانت الضربات تتوالى عليها من كل إتجاه، وهي تصرخ بأعلى صوتها، وتحاول أن تفلت أو تحمي نفسها، لكن الكتلة البشرية حولها كانت تزداد شراسة وثقلا حتى خارت قواها تدريجيا.
وبعد لحظات من العنف المتواصل هدأت الحركة فجأة، وتراجعت النساء إلى الخلف.
بينما كانت صافيناز في حالة يرثي لها، الدماء تسيل من فمها والكدمات تملئ جسدها بالكامل، وقد انتزعت عنها مقتنياتها، ومزقوا ملابسها بالكامل حتى أصبحت عارية تماما، لتبقى في وضع مهين وهي تحاول ستر جسدها بيدين مرتجفتين، وقد غلبها الذهول قبل الألم.
جلست على الأرض، بجسد مرتجف وعيناها تلمعان بالدموع، وصوتها خرج متهدجا مكسورا وهي تصرخ بإنفعال ممزوج بالوعيد: والله لأندمكم، ومش هسيب حقي! يا حشرات يا رعاع..
وفي تلك اللحظة، ألقت إحدى النساء ملاية أمامها، فاندفعت إليها بسرعة وارتجاف ولفتها حول نفسها تحاول ستر جسدها المرتجف وعيناها غارقتان في الدموع، وسط شعور قاسي بالانكسار والصدمة.
وظلت تهزي ببكاء وانفاس متهدجه: والله... ما هسيبكم... مبقاش أنا صافيناز الراوي إن ما دفعتكم التمن غالي!
لكن كلماتها هذه المره خرجت بلا قوة، كوعد منكسر بدلا من التهديد.
وفجأة، صاحت بها مسجونة آخرى بنبرة حادة: بطلي نواح يا اختي عايزين ننام، لو سمعت صوتك تاني هقوم ادفنك مطرحك، مش ناقصين دوشة!
ارتجفت أكثر، وازداد بكاؤها بصمت، وهي تضم نفسها بذراعيها، وقد انكسر فيها شيء لن يكون سهلا ابدا التئامه.
♥️___________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي،12صباحا
هبط سليم إلى الحديقة، وتوقف في منتصفها غارقا في أفكاره، وحديث ماسة لا يزال يتردد في ذهنه ويضغط عليه بثقل واضح، رغم محاولته إخفاء ذلك خلف ملامح هادئة.
أخرج سيجارة وأشعلها، وأخذ يسحب منها نفسا تلو الآخر، كأن الدخان وسيلته الوحيدة للسيطرة على ما بداخله.
لم يمر وقت طويل حتى اقترب منه مكي: سليم صافيناز نزلت الحجز.
أومأ برأسه بصمت، دون أن يلتفت إليه.
ضيق عينه، وتسأل بقلق: أنت كويس يا سليم؟
خرج صوته منخفضا: ممم.
تردد مكي قليلا، ثم سأله: طب هتعمل إيه دلوقتي؟
ظل ينظر أمامه، وقال بهدوء بارد: ولا حاجة؟! بكرة هبقى أروحلهم المستشفى امثل الخوف والقلق والاهتمام زى ما كان الباشا عايز يعمل معايا وهو بيلبس مراتي قضية آداب، المهم بكرة تنفذ إللي قولتلك عليه.
تنهد مكي، وقال بحزم: قولتلك أنا مش قابل الموضوع ده يا سليم!
أدار رأسه، ونظر إليه نظرة حادة: وأنا مش باخد رأيك يا مكي، ومش عايز أي نقاش، إللي في دماغي هيتنفذ.
قال بهدوء محاولا إقناعه: طب نسمع بعض بس..
قاطعه بحدة: مفيش حاجة هسمعها، إللي أنا عايزه هيتم يعني هيتم، هي مش أحسن من مراتي في حاجه، خليها تدوق من أفكارها وعمايلها.
هز مكي رأسه برفض واضح: لامش هيتم يا سليم، دي أختك مهما كان، اصريت تنزل الحجز وتتضرب ووافقتك، كفاية لحد كدة، لكن اللى أنت عايزه دى جنان، أنت عمال بتغرز في الوحل وأنت مش واخد بالك.
نظر إليه بصمت للحظه، والتعب ظاهرا في عينيه، كأنه لم يعد يملك طاقة للدخول في جدال، زفر ببطء وقال بمهاودة: ماشي يا مكي.
نظر إليه بشك: بجد؟ يعني مش هتعمل إللي قولت عليه؟
أعاد نظره للأمام، وقال بجمود: أنت إللي كنت ماسك الموضوع مين هيعمله غيرك؟ سيبني دلوقتي، أنا محتاج أبقى لوحدي.
تأمله مكي قليلا، ثم ربت على كتفه: طب مالك، فضفض معايا، مش دى اللى كنت عاوزه؟
ابتلع غصة بحلقه، وهز رأسه: أنا بس محتاج أفكر في إللي جاي، إللي جاي مش سهل.
صمت لحظة، ثم تساءل: عماد عمل إيه بعد الفديو اللى اتنشر؟
أجابه سريعا: مش عارف هكلم عرفان وأشوف.
أومأ سليم برأسه، وبقي واقفا في مكانه، ينفث دخان سيجارته ببطء، وعيناه ثابتتان أمامه، كأنه يرى ما لا يراه أحد غيره.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل
الملهي الليلي،12مساء.
دخل رشدي المكان، فلمح أصدقاؤه جالسين، فرفع يده بإشارة سريعة، واقترب يصافحهم وجلس معهم.
تساءل احدهم باستغراب: إيه يا عم إللي حصل عندكم ده؟!
هز كتفه بلا مبالاة: عادي يعني، هي أول مرة؟
ضحكت إحدي صديقاته: وأنت جاي كده عادي؟! أنا سمعت إن أبوك وقع من طوله واتنقل علي المستشفي!
رد ببرود: يعني هروح أعمل إيه؟
تدخل صديق آخر قائلا بحماس: تعمل كتير، ده وقتك! تثبت إنك جامد وتاخد مكان سليم.
ضحك بسخرية خفيفة: يا عم سليم مين ده إللي آخد مكانه، أنا سيبت الجو ده من زمان، فكتني منه، المهم معاك اصطباحة؟
ابتسم صديقه وهو يدخل يده في جيبه: أيوة معايا... استنى.
أخرج كيس صغيرة وقذفه نحوه: أمسك.
أخذها بسرعة، وبدون تردد سكب القليل منها علي الطاولة وقربها من أنفه.
سحب نفسا طويلا، ثم عاد بظهره يغمض عينيه للحظات بارتخاء، فعلق صديقه بسخرية: شكلك خرمان علي الآخر.
فتح عينه ببطء، واومأ له بصمت كأنه فقد القدرة علي الحديث بعد تغذيه احتاج جسده المنهك.
مرت دقائق حتي شعر باستعادة توازنه الداخلي، فمال علي صديقه بهمس: بقولك يا مختار عايز كنت عايز كمية تكفي أسبوع أو أكتر، مي شافتهم واضطريت اقولها إنه دوا بايظ ورمتهم..
ضحك مختار بسخرية: وصدقت؟
رشدي وهو يحتسى من كاس عصير: أيوة صدقت كنت مخبيهم في إزازة دوا.
وأضاف بضيق: كمان اليومين دول الباشا قافش عليا؛ بسبب حوار الكوبري وموقف الأرصده بتاعتي.
ابتسم مختار وهو يربت على كتفه: أنا عيني ليك يا رشروش، أنت طول عمرك مظبطنا، هبعتلك ربع تخليه معاك يكفيك شهرين.
أومأ رشدي: ماشي.
مدت إحدى الفتيات يدها بكأس وقدمته له بابتسامة:
خد ده في صحة الانفجار.
هز رأسه برفض، وهو يبعد الكأس عنه: لا مش عايز، مي ممكن تشم ريحته مش عايز زن ووجع دماغ، أنا جاي اروق دماغي وأقعد معاكوا شوية علشان وحشتوني.
ثم التفت نحو مختار وقال بنبرة أهدئ: أبعت بقى يا مختار هاتلي الحاجة..
أومأ وهو يهم بالنهوض: حاضر هبعت أجبهالك حالا.
عاد رشدي برأسه إلى الخلف، مستندا على المقعد، وعيناه شاردتان في الفراغ، والأفكار تتزاحم في رأسه، فيماحدث... وما يجب أن يفعله الآن؟!
أغمض عينيه للحظة، وارتسمت على وجهه ملامح متوترة نتيجه لصراعه الداخلي بين وعده لها واحتياج جسده.
تنفس ببطء، وحاول إقناع نفسه أنه سيأخذ جرعه أكثر بقليل من التي تعطيها له، مجرد جرعه صغيره أخري تساعد جسده المنهك على استعادة توازنه.
قالها داخله متمسكا بالفكرة، محاولا تثبيط ضميره الذي يلومه على ضعفه خذلانه لها.
باقي الفصل الثاني والثلاثون👇
منزل سارة،12صباحا.
دخل عماد يلهث وينادي بصوت مرتفع: ساررررة! سارة!
خرجت من الغرفة، تتساءل باستغراب: في إيه يا عماد، بتزعق كده ليه؟
نظر إليها بحدة، وقال بضجر: في مصيبة سودا.
رفعت حاجبها، وردت ببرود: اها شوفت إللي حصل في الحفلة..انت بقي عامل كدة عشان الحفلة؟!
قاطعها وهو يصيح بغضب: حفلة ايه؟! ما تولع، أنا بتكلم عن مصيبة أكبر بكتير، ولو طلعتي أنتِ اللي وراها، حسابك هيبقي تقيل معايا.
ضاقت عيناها: أنا ورا إيه؟! أنت بتتكلم كده ليه؟
أخرج هاتفه، والقى بين يديها بعصبية: أتفرجي يا هانم.
أخذت الهاتف، وفتحت الفيديو، فاتسعت عيناها بصدمة: يا نهار أسود... إيه ده؟!
رفع صوته بعصبيه هوجاء واتهام: هيكون ايه؟ متصور مع مراتي في أوضة نومي! إزاي ده حصل؟!
هزت رأسها برعب: معرفش! معرفش ده حصل أزاي!
صرخ فيها: أومال مين اللى يعرف؟ المكان ده محدش يعرفوا!
فهمت مقصدة صاحت بعصبية:هو انت فاكر إني إللي عملت كده؟! هفضح نفسي يعني؟! أنت اتجننت يا عماد فوووق
مسح وجهه بقلة حيلة وهو يردد بغليان: الفيديو نزل يا سارة ومغرق السوشيال ميديا.
اتسعت عيناها حتى كادت تخرج من محجريهماة ايه؟!
تابع وهو يضغط على أعصابه: نزل دقيقة كاملة، وشوشنا مش باينة، بس هددني إن المرة الجاية هينزل كامل.
، ردت باستهجان: وبدل متروح تدور، مين ورا القرف ده، جاي تتهمني؟!
صمتت لحظه، ثم تابعت بوجل: معني كده إن فيه كاميرات مزروعه في البيت هنا؟ قوم معايا بسرعه ندور.
أومأ وهو يحاول التحكم في توتره: أنا كلمت ناس تجيب أجهزة تفحص المكان، ولو فيه أي كاميرات هنلاقيها، بس لازم ندور إحنا كمان لحد مايجوا.
وبالفعل بدأوا بالبحث في المكان، ومع وصول رجال عماد، بدأ التفتيش بدقة في الغرف.
توجهوا إلى غرفة النوم، ووبعد قليل استطاعوا العثور علي الكاميرا وتم تكسيرها فورا.
سألت سارة بقلق: الكاميرا دي دخلت هنا أزاي؟
نظر إليها بحدة، وقال بإنفعال مكبوت: بتسأليني أنا؟! في حد غريب دخل البيت هنا اليومين اللى فاتوا؟ أو أي حد صحابك؟
رفعت صوتها والغضب واضح في نبرتها: قولتك مافيش حد يعرف المكان ده أصلا! وبطل بقى نظرة الاتهام إللي أنا شايفاها في عينيك دي!
حاول تهدئة نبرته، لكنه ظل متوترا: أنا مش بتهمك يا سارة، بس قدري الموقف اللى أنا فيه، والنار اللي بتغلي جوايا وأنا عارف إن الناس دلوقتي قاعده تتفرج عليا أنا ومراتي!
أمسك وجهها بين يديه وتابع بجدية: ركزي معايا، ممكن يكون حد من صحابنا، فيه ناس كتير خاينة ويبيعوا بسهولة.
صمتت للحظة تفكر بقلق واضح، وعيناها تتحركان في المكان كأنها تعيد المشهد في رأسها، ثم قالت بصوت مضطرب: يمكن حد كان بيراقبني، ودخل وأنا مش موجودة صدقنى محدش بيجي هنا.
ساد صمت ثقيل للحظة، وكأن الفكرة فتحت بابا أخطر مما توقعا.
قال ببطء، وكأنه يربط الخيوط: إللي عمل كده أكيد حد من رجالة رشدي، هو قالي إنه ماسك علينا حاجة خطيرة، بس متوقعتش ابدا يكون بالقذارة دي.
اتسعت عيناها: وهيستفيد إيه من كل اللى بيعمله دى؟!
اجاب ببرود قاسي: بينتقم، علشان فضحته قدام مراته.
شدت على أسنانها: رشدي كده بقى خطر وعدي كل الخطوط الحمرا، الفيديو ده لو اتساب إحنا هنتفضح ونضيع، رشدي لازم يتقتل ياعماد النهاردة قبل بكرة.
هز رأسه وقال بصوت منخفض: أنا بفكر في نفس الإتجاه، بس لازم ننفذ بهدوء من غير تهور، علشان لو حد دور ورا الموضوع ميوصلش لحاجة.
ردت: زي حادثة سليم؟
أومأ: أيوة، بنفس الطريقة.
قالت بفحيح أفاعي: خلاص هات الناس إللي عملوا حادثة سليم.
هز رأسه: معرفهمش، أعرف الوسيط بس.
قالت بحسم: كلم الوسيط وهو هيعرفك عليهم، ومهما كان الرقم اللى يطلبوه مش مهم، المهم يخلصوا الموضوع دي في أقرب وقت ومن غير مايسيبوا أي دليل وراهم..
صمتت لحظه وغشت الدموع عيناها وهي تردد: والفيديو دى لازم يتمسح بأي شكل، أنا مش مصدقه إننا اتصورنا بالشكل دة لا هقبل الفضيحه دي.
تنهد وجلس على الاريكه بانهاك: كلفت حد يحذفه طبعا.
جسلت بجانبه تتساءل: وقالك ايه؟
أجابها باختناق: بيقول إنه نازل من سيفرات قوية وعليه حماية عالية، فهياخد وقت على مايقدر يمسحه.
اتسعت عينها برعب: يانهار اسود يا عماد، يعني إيه مش عارف يمسحه!
أمسك بيدها يحاول تهدئة نفسه قبلها: أكيد هفضل وراه لحد مايتمسح يا سارة، أهدى والنبي أنا مش ناقص.
جلست تحدق في الفراغ بشرود وهي تقضم أظافرها بتوتر، ثم تساءلت: طب صافيناز اتقبض عليها ليه صحيح؟!
هز رأسه: معرفش، أنا كنت رايح وراها بالعربيه وفجأة اتبعتلي الفيديو تفكيري اتشل، لفيت وجيتلك.
رفعت حاجبها: طب وهتعمل إيه معاها؟
أجاب بهدوء ثقيل: هبعتلها المحامي وبكرة أروحلها، الساعة دلوقتي بقت2.
سارة بقلق واضح: فيه حاجة غلط بتحصل، لازم نفهم إيه إللي بيحصل بالظبط.
تنفس بحدة، وقال بنبرة حاسمة: أنا مش فارق معايا أي حاجة دلوقتي غير إننا نخلص من المصيبه دي، الباقي مش مهم.
نظرا لبعضمها بصمت، بينما ظل القلق حاضرا في ملامحهما رغم اتفاقهما.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي،2صباحا
كانت ماسة لا تزال جالسة في الغرفة، القلق والحزن يثقلان ملامحها.
بعد قليل، دخل سليم.
وما إن رآته حتى وقفت سريعا، وقالت بلهفة: سليم...
ألقى عليها نظرة سريعة بوجه جامد ثم قال: لسة صاحية؟
اقتربت منه بخطوات مترددة: كنت مستنياك، اتأخرت أوي تحت، روحتلهم؟
لم يجبها، وتوجه مباشرة إلى غرفة الملابس، وبدأ يخلع سترته بهدوء متعب.
تبعته وظلت واقفة عند الباب، ثم قالت بصوت أخف: مرديتش عليا ليه؟
رد دون أن يلتفت: مكنتش في حتة، كنت تحت في الجنينة.
صمتت لحظة، ثم سألت: طب هتعمل إيه دلوقتي؟
أجاب باختصار: هنام، دماغي محتاجة تهدى، بكرة يوم طويل.
ثم أضاف بنبرة أهدأ: وأنتِ نامي وارتاحي.
اقتربت منه، ومررت يدها على كتفه بحنان: ماشي يا حبيبي أرتاح.
ساعدته في تبديل ملابسه بصمت، وهي تراقبه بقلق واضح، لكنها كانت تدرك أن الوقت ليس مناسبا لأي نقاش.
بعد لحظات، تحركا نحو الفراش، نظر إليها فجأة وقال بحدة هادئة: ياريت متقعديش تبصيلي كده.
رفعت عينيها إليه وقالت بدلال محاول التهوين عليه: أنا ببص على حبيبي، أبص براحتي.
أجابها ببرود: بس مش بالنظرة دي.
صمت لحظة، ثم قال بصوت أخفض لكنه أقسى: أنا طبيعي وإللي حصل طبيعي، هو ده إللي كنت مخططله.
رمشت بعينيها بصمت، أما هو فأكمل بصوت ازداد قسوة: قلبك الحنين ده هيتكسر غصب عنه، وكل ماتحسي إنك رقيتي، افتكري كل حاجة عملوه فيكي..
ثم أدار وجهه قائلا: ومش عايز رد ولا مناقشة، نامي يا ماسة.
هزت رأسها بصمت، ودموعها تجمعت في عينيها دون أن تسقط، نظرت إليه نظرة حب ممزوجة بألم ثقيل، كأن وجعه يمر داخل قلبها هي.
ثم تمددت على الفراش بجواره، كان سليم مستلقيا على ظهره يحدق في السقف بشرود، فاقتربت منه وقالت بصوت خافت: طب خدني في حضنك.
لم يعترض، فوضعت رأسها على صدره، وأمسكت يده، وسحبتها لتلتف حول جسدها، كأنها تبحث عن أمان ضائع.
ثم رفعت وجهها ووضعت قبلة صغيرة على خده تحمل حبا وحنانا، في محاولة لتهدئته دون كلمات، نظر إليها من طرف عينه، وابتسامة مرهقة مرت علي شفتيه.
مال ورد لها قبلة أهدأ، ثم ضمها إليه أكثر، لم يحتاج الأمر وقت طويل حتى سكن كل شيء، واستسلما معا لنوم عميق، هربا من عالم لم يعد يحتمل.
على إتجاه آخر.
جناح رشدي ومي.
دخل رشدي الغرفة بهدوء فوجد مي نائمة بعمق، اقترب منها بحذر، يتأكد من ثبات نومها وحين اطمأن، ابتعد واتجه إلى غرفة الملابس.
وقف أمام أرفف الأحذية، وفتح أحد الأدراج، أزاح حذاء جانبا، ثم أخرج من جيبه أكياس البودرة ووضعهم، لكنه اخذ أحدهم واغلق المكان كما كان دون أن يترك أثرا..
ثم اتجه إلى الحمام وفتح خلف المرآة، ووضع الكيس بعناية في مكان خفي، وكأنه اعتاد هذا الفعل.
ثم عاد إلى الغرفة مرة أخرى، ابدل ملابسه، واستلقى بجوارها، واضعا يديه خلف رأسه، وعيناه معلقتان بالسقف للحظات.
التفت إليها، وأخذ يتأملها طويلا بصمت، ثم تنهد ببطء، وجذبها إلى أحضانه وطبع قبلة طويلة فوق جبينها، في محاولة يائسة ليقنع نفسه أن ما فعله ليس خيانة.
❤️_____________بقلمي_ليلةعادل
القسم،7صباحا.
كان المكان في الخارج يعج بالمصورين والصحافيين، الذين يحاولون الحصول على أي معلومة لكن دون جدوى.
بعد لحظات، أعطى أحد الضباط أوامره بحزم:
جهزوا المساجين اللى هيترحلوا على النيابة.
أومأ العساكر بطاعة، وبدأوا بتنفيذ الأوامر.
في الحجز
كانت صافيناز لاتزال تجلس على الأرض في زاوية الزنزانة، تضم جسدها بارتجاف، وعيناها منتفختين من كثرة البكاء.
أما باقي السجينات، فجلسوا حولها بلا مبالاة يضحكن ويتبادلن الأحاديث، وكأن مايحدث أمر عادي.
فجأة، فتح باب الزنزانة بقوة.
دخل العسكري، وخلفه الأمين، وصاح بصوت خشن: يلا يا ختي أنتِ وهي! أقفوا طابور جنب بعض، يلا بسرعة!
بدأت السجينات في الوقوف، واحدة تلو الأخرى
لكن صافيناز ظلت مكانها...
اقترب منها الأمين، ونظر إليها بحدة: وأنتِ يا روح أمك! مقومتيش ليه؟ يلا قومي!
رفعت عينيها إليه بصدمة، وكأنها لا تستوعب مايحدث.
اقترب أكثر، وقال بغلظة: بتبصيلي كدة ليه؟ قومي فزي!
أمسكها من كتفها بعنف وأجبرها على الوقوف، فقامت معه بصمت كأنها فقدت القدرة على الكلام، أو ربما يكون عقلها توقف من شدة الصدمة.
وقبل أن تخرج من الزنزانة، توقفت فجأة وقالت بصوت مرتجف مكسور: أنا... أنا مش هطلع كده أنا عايزة هدومي.
نظر لها الأمين بسخرية: أجيبلك هدومك منين؟ وبعدين أنا مالي؟ أنتِ جاية كده.
صرخت بإنفعال: جاية كدة أزاي؟! أنا كنت لابسة فستاني، أنا مش هطلع كده!
زفر الأمين بعصبية: بقولك إيه متصدعناش علي الصبح إحنا لسه ماصطبحناش! انجري قدامي.
أمسكها من كتفها بعنف يسحبها للخارج، وهي تصرخ وتبكي وتحاول المقاومة: أنا مش هخرج كده! عايزة هدومي! أوعوا يا حيوانات سيبوني..
لكن لم يرد عليها أحد، واستمروا في دفعها بعنف، حتى خرجت خارج القسم، وما إن ظهرت عند الباب حتى اندفع المصورون نحوها يلتقطون لها العديد من الصور، ويطرحون العديد من الأسئلة..
"صافيناز هانم! إيه إللي حصل؟!"
"إزاي حضرتك هنا؟!"
"إيه التهمة؟!"
"إيه إللي حضرتك لابساه ده؟!"
وضعت يديها على وجهها بسرعة، تحاول إخفاء ملامحها، وتتحرك في هلع نحو سيارة الترحيلات.
كانت تريد فقط أن تصعد وتختفي عن أعينهم.
في تلك اللحظة، سأل أحد الصحفيين عسكري كان يقف بالقرب منه وهو يعطيه مبلغ من المال في يده: متاخدة في إيه دى يا دفعة؟
رد ببساطة، وكأنه يقول أمر عاديا: آداب.
اتسعت عينا الصحفي بصدمة: بتقول إيه؟!
رد العسكري ببرود: إللي سمعته كلهم جايين آداب، ووسع بقى.
ابتسم الصحفي ابتسامة واسعة، ورفع هاتفه سريعا، واتصل بأحدهم وقال بنبرة مليئة بالنشوة: أنا عندي خبر ليك بمليون جنيه..
النيابة،8صباحا.
دخلت صافيناز الغرفة بخطوات متعثرة، يجرها العسكري من ذراعها، بينما تمسك بالملاءة بيدها الحره محاولة الحفاظ على ستر جسدها.
ما إن دخلت حتى رفع وكيل النيابة رأسه من الملف أمامه، ونظر إليها بدهشة واضحة، ثم قال بحدة: فكها يا عسكري.
فك العسكري قيد من يديها، فتساءل وكيل النيابة باستنكار: إيه إللي عمل فيها كده؟
كاد ان يرد العسكري، لكن صافيناز سبقته تردد بانهيار: ضربوني في الحجز، وقطعولي هدومي!
نظر لها وكيل النيابة لحظة طويلة، ثم قال ببرود: فين المحامي بتاعك؟
هزت رأسها بارتباك: معرفش، والقضية اللي أنا متهمه فيها دي متلفقه، أنا معملتش حاجه..
أجابها بنبرة ثقيلة: متلفق دي هنشوفها بعدين، أنتِ متهمة في قضية غش تجاري، وتداول مستحضرات تجميل غير صالحة للاستخدام الآدمي، وتصنيع وترويج مواد تحتوي على مركبات كيميائية ضارة، تسببت في تشوه وجوه عدد من السيدات وحرروا محاضر بالواقعة! إيه ردك؟
صافيناز بثقة حاسمة: الكلام ده كدب مفيش حاجة فيه صح؟
أجابها ببرود: يعني المجني عليهم بيكدبوا؟ والتقارير الطبية كمان بتكدب؟
هزت رأسها بعصبية: أكيد كدابين! وأنا هرفع قضية تشهير.
ثم أضافت بانفعال: وبعدين أنا عايزة هدوم مينفعش أفضل واقفة كده!
رفع عينيه إليها بحدة: أنتِ هتردي على الأسئلة الأول، وبعدين نشوف موضوع الهدوم..
ثم مال للأمام قليلا، وعيناه ثابتتان عليها: تفسري أزاي التقارير الطبيه وإصابات الضحايا؟ بعد ماستخدموا كريمات البشره بتاعتك؟! مكتوب عندي إن هما أكثر من ضحية من أكثر من مكان مختلف، كلهم بيكدبوا؟!
ترددت لحظة، ثم رفعت ذقنها بتحدي: أنا مش هتكلم غير في وجود المحامي بتاعي.
رد بإحترام: من فضلك ردي على الأسئلة.
قالت بتعنت: وأنا قولت مش هتكلم إلا بوجود المحامي بتاعي، أنا عايزه اكلم جوزى والمحامي بتاعي، من حقي مكالمة.
كاد أن يرد عليها، ولكن قاطعه دق الباب، دخل العسكري بسرعة: محامي المتهمة يا فندم.
وكيل النيابة بهدوء: خليه يدخل.
دخل مازن مسرعا، بملامح متوترة، ما إن رأته صافيناز حتى اندفعت نحوه، تصرخ بإنهيار: أنت ازاي تسيبني لحد دلوقتي؟!
قال وهو يلتقط أنفاسه: كنت مسافر وجاي من الغردقة، حاولت أبعت محامي غيري بس...
قاطعته بحدة: بس إيه؟! والله لأدفعك التمن يا مازن!
رفع يده محاولا تهدئتها، ثم التفت إلى وكيل النيابة: بعد إذن حضرتك، أنا عايز أطلع على ملف القضية.
مد وكيل النيابة الملف نحوه ببرود.
تصفحه مازن بسرعة، وملامحه تزداد توترا، ثم قال: أنا بطلب إخلاء سبيل موكلتي بكفالة، بأي مبلغ تحدده النيابة.
اجابه بعملية ثقيلة: إخلاء سبيل أزاى يا فندم وأنا قدامي تقارير واضحة، والاتهامات المنسوبة ليها خطيرة.
اقترب مازن خطوة، وقال بنبرة محسوبة: حضرتك أكيد عارف الهانم بنت مين، أرجو من حضرتك توافق على إخلاء سبيل لحد ماتقرير المعمل الجنائي يخرج، الهانم اسم كبير في السوق واكيد حد من الاعداء لفقلها التهمه دى.
صمت وكيل النيابة لحظة، ثم قال: تمام، أكتب يابنى؛ أمرنا نحن وكيل نيابة قسم أول المعادي إرسال لجنة من المعمل الجنائي لفحص منتجات التصنيع المستخدمه، وإخلاء سبيل المتهمة صافيناز عزت على الراوي بكفاله قيمتها 100ألف جنيه بضمان محل إقامتها، إذا لم تكن متهمة على ذمة قضايا أخرى.
نظر اليها وتابع بتأكيد: طبعا مفيش سفر برة مصر ولا حتى خارج القاهرة...
تنفست صافيناز براحة، كأنها عادت للحياة.
مازن فورا: تمام يافندم، المبلغ هيتدفع حالا.
صافيناز بصوت مرتجف: أنا مش هخرج من هنا كده، عماد فين؟
مازن بتردد: عماد بيه كلمني بالليل وواقف بره دلوقتي، بس ممنوع من الدخول.
اومأت بتعب واضح، ووقعت على أقوالها، ثم خرجوا سويا.
وما إن خطت خارج الباب، اندفع عماد نحوها: صافي!
ارتمت كلماته على مسامعها كنجدة متأخرة، فانفجرت فيه: كنت فين يا عماد؟! أزاي تسيبني كل ده؟! إزاي تسيبهم يعملوا فيا كده؟
احتواها بين ذراعيه بسرعة: أنا آسف يا حبيبتي غصب عني، مرضيوش يدخلوني، كان فيه حوارات كبيرة هفهمك كل حاجة بس نروح، المهم دلوقتي إيه إللي حصل؟ وإيه اللى لابساه ده؟!
أجابته بنحيب وانهيار وهي تدس وجهها داخل صدره: ضربوني يا عماد وقطعولي هدومي.
بينما تابع مازن موضحا: أنا خرجتها بكفالة 100ألف، لحد مانشوف هنعمل إيه.
أومأ برأسه، وهي يربت على رأسها المندسه بصدره: تمام يا متر ادفع المبلغ وبلغ للسواق يجيب هدوم لصافي.
اومأ برأسه وابتعد يفعل ما أمره به.
رفعت صافيناز عينها نحوه بنظرات منكسره، وملامح منهكة: أنا اتبهدلت خالص يا عماد، ضربوني وبهدلوني الحيوانات.
وارتمت في أحضانه مرة أخري، فاحتواها وهو يربت على ظهرها برفق واحتواء بدا دافئا من الخارج لكنه كان مغموسا بزيف خفي.
قصر الراوي،9صباحا
كان سليم في الحديقة، يؤدي تدريباته الرياضية بقوة واضحة كأنه يفرغ غضبا مكبوتا بداخله، يتحرك بين الركض والبوكس بأنفاس متقطعة دون توقف.
اقترب مكي، يحمل مجلة بين يديه، توقف أمامه، معاتبا بضجر وهو يرفع المجلة أمامه: برضو عملت إللي في دماغك؟ كنت بتسكتني إمبارح؟!
تابع تدريباته بجمود دون أن يلتفت له، فتابع مكي يذكره: هي اسمها صافيناز الراوي علي فكرة يا سليم يا راوي.
لم يري منه أي استجابة، فاقترب يقول بصوت أكثر جدية: يعني الناس لما هتتكلم هتقول إن صافيناز الراوي أخت سليم الراوي اتقبض عليها في شقة دعارة وإنها بتدير شبكة دعارة دولية!
سليم بابتسامة بارده: جميل هو ده إللي كنت عايزه.
رد عليه بعدم رضا وضيق: هو إيه إللي كنت عايزه؟! يا ابني فوق قبل ما نار انتقامك تبلعك أكتر من كده.
تغيرت ملامحه قليلا، وسأله بجمود واستنكار: أنت زعلان على صافيناز؟
هز رأسه بحزن: أنا زعلان عليك أنت يا سليم! زعلان علي سليم أخويا إللي انتقامه بدأ يعميه ويخليه يغلط ويتغير..
اومأ برفض وإقنناع تام: أنا معملتش حاجه جديدة عليها، أنا خليتها تعيش نفس الاحساس إللي كانت عايزه تعيشه لماسة
نظر إليه بعيون جريحه مفسرا: ده أنا حتي كنت رحيم معاها ومحطتهاش في شقه دعارة بجد ولا نيمتها في حضن راجل غريب زى ماعملت مع مراتي علشان تظبطها عليها، سبتها إشاعات سهل تكديبها.
ثم مال عليه وتابع بنبرة أخطر: وزي ما هما مفتكروش إن اسمها ماسة سليم الراوي، أنا كمان مش هفكر إن هي صافيناز عزت الراوي يا مكي..
تصلب صوته فجأة، وكأنه أعلان حرب بعينين غامت بالسواد: ومش هرحم حد مرحمنيش أنا ومراتي مهما كانت النتيجة، حتى لو هغرق في الوحل وهتحرق بنار انتقامي زى مابتقولوا، مش فارق...
ساد صمت قصير، قبل أن يتنهد مكي ببطء: طب ممكن كفاية لحد كده يا سليم؟
اقترب منه خطوة، وعيناه ثابتتان عليه: خد ماسة وسافر وأبعد عن كل ده..
لم يرد، فاستكمل مكي كلامه: الانتقام مش هيرجع حاجه من السنين اللى ضاعت منكم، بل بالعكس هيضيع منكم السنين اللى في أيدكم دلوقتي!
صمت لحظه يمرر عينه على ملامحه يحاول معرفة تأثير الكلمات عليه، فلم يري سوي الجمود، فتابع بمهاودة: إللي عملته خسرهم ملايين وخسروا كتير في البورصه ومش سهل يرجعوا يقوموا علي رجليهم تاني، ومفاضلش غير رشدي، وري مي الكام صورة اللى معانا والحاجات اللى جمعناها وخلي ماسة تحكيلها اللى عمله فيها وقتها هيخسرها، وصافيناز عرفها بحوار عماد، ومنى خلاص اخذت جزائها.
نظر داخل عينيه مباشرة وهو يمسك كتفه وكأنه يترجاه: سليم أرجوك خد ماسة وسافر وكفاية انتقام، علشان أنا مش هسمحلك تكمل في الطريق ده أكتر من كدة، مش عايزك تبقى وسخ زيهم، عايز إيه تاني بعد كل إللي أنت عملته؟
رد دون تردد، بخفوت مخيف: لسه حساب السنين والشهور اللى عشت متعذب فيها وأنا بسأل نفسي عملت إيه غلط ومش لاقي إجابه؟! أنا لسه معملتش حاجه دي مجرد بداية..
اتسعت عينا مكي بصدمة، وقال بعصبية: كل ده ولسه معملتش يا سليم؟! أنت مش هتفضل تلعب في الدرى كتير، مسيرهم هيعرفوا إن أنت اللى ورا كل دى، وساعات هتبقي بحور دم!
أجابه بجمود: تبقي!
أشار مكي بيده، وتابع بقوة: أنت بتغلط، وبتقنع نفسك إنك صح!
انفجر سليم فجأة، وارتفع صوته بحده: آه صح! طبعا صح...
نظر اليه بعينان مشتعلة وتابع: أنت عايزني بعد كل إللي عملوه فيا وفي ماسة وفيك، أبقي عادي وأقولهم الله يسامحكم..
ضرب بيده في الهواء بعنف: إنتوا بتعملوا كده ليه؟! إمبارح ماسة، والنهاردة أنت!؟
صوته اهتز، لكنه أكمل بغضب: محسسيني إنهم كسرولي لعبتي المفضلة مثلا! مش داسوا على رجولتى وكرامتى ..
مسح على وجهه بضجر شديد، وجز على أسنانه، فهو لا يفهم لماذا يفعلون ذلك، ولا ما الذي يسعون إليه، شعر أنه لم يعد مجبرا على التحدث وكأنه يعود إلى مكان كان قد غادره منذ زمن.
ثم نظر إليه وقال بحدة: أنا مش هفضل أعيد وأزيد، وأصلا مش مطلوب مني أقول أسباب أنت عارفها كويس، وحتى لو أنت مش مقتنع فده ميخصنيش، أنا مقتنع إني صح وهكمل..
ثم نظر إليه بحدة، وقال وهو يشير بيده: ولو فضلت عاملي فيها الواعظ كده، هعتبرك عسكري شطرنج وطلعته برة اللعبة، هتبقى متفرج بس.
ثم أضاف بنبرة تهديد واضحة: وأي حد هيقف قصادي هعتبره عدوي.
ساد صمت ثقيل بينهما، كان مكي يشعر بحجم الخطر الذي يقترب منه سليم، وكأنه يعود إلى طريق طالما حاول الإبتعاد عنه.
مكي بقلق واضح: أنت محتاج تروح لدكتور ياسر تاني.
نظر إليه سليم للحظة طويلة، قبل أن يقول ببرود حاد: مش هرد عليك، طنط موحشتكش؟
أجابه بغيظ وضجر: أنا مش هسيبك ولا رايح في حته لحد ماشوف آخرة إللي أنت بتعمله ده إيه؟!
رد وهو يلتفت مبتعدا دون اكثرات: أنا طالع أفطر وألبس علشان أروح المستشفى.
ابتعد سليم، بينما ظل مكي واقفا ينظر لابتعاده بصمت، وقلبه مثقل بالقلق علي صديق عمره.
في الأعلي.
جلست ماسة على الفراش، تمسك بالتابلت بين يديها وتقرأ الأخبار بتركيز وإندهاش، وهي تري أمامها صور وفيديوهات صافيناز وما كتب عنها.
اتسعت عيناها بصدمة، فرغم معرفتها المسبقة بما سيحدث ولكن رؤيتها لصافيناز بتلك الحالة المزرية هزتها بعنف لم تتوقعه، شعرت بشفقة خاطفة تسللت إلى قلبها رغما عنها، شفقة على امرأة بدت مكسورة، خائفة، ومطاردة بنظرات الناس وكاميراتهم.
أخذت تتابع التعليقات المتداولة، تكبر الصور وتدقق فيها بتركيز.
وفجأة، ودون أن تشعر، بدأت ترتسم على وجهها إبتسامة واسعة، شعرت أن حقها قد أُخذ، وأن ماحدث لصافيناز لم يكن بعيدا عما عانته هي.
خصوصا حين رأتها تلف جسدها بملاءة، وتحاول الاختباء من أعين الصحافيين، ذليلة، مرتعبة، ومهانة، امتلأت عيناها بالدموع، ها هي تعيش المصير نفسه الذي أذاقتها أياه، بل أسوأ، بعدما انفضحت أمام الجميع.
أعادت تشغيل المقطع مرة أخرى، تتأمله بتركيز، بينما كانت ابتسامتها تتسع شيئا فشيئا، وفي داخلها صوت خافت يهمس بتشف موجوع: جربي... جربي الإحساس اللي سبتيني أعيش فيه.
دخل سليم، بينما خرجت سحر بعد أن وضعت الفطور علي الطاولة وسلمت عليه وأغلقت الباب خلفها.
نظر إليها سليم وقال بهدوء: صاحية بدري ليه؟
أجابته وهي تعدل جلستها: مش عارفه؟! قلقت لما ملقيتكش جنبي، افتكرتك روحت المستشفى، لقيتك بتلعب رياضة في جنينة.
أومأ باقتضاب: هلبس وهروح دلوقتي.
سألته: قريت إللي في الأخبار؟
أجابها بهدوء: آها..
كادت أن تنطق، فقال بحدة خفيفة وهو يشير بيده: ومش عايز أي كلام ولا نقاش و..
قاطعته بسرعة: أنا متكلمتش، أنا بس بسألك عادي.
نظر أمامه وقال باختصار: قرأت ومبسوط.
ابتسمت هي بهدوء تهاودة: ربنا يسعدك أكتر يا سليم..
ثم صمتت لحظة، وأضافت بصدق ممزوج بحيرة: على فكرة أنا كمان مبسوطة، مش عارفة أزاي؟!
مالت بشفتيها بتعجب: رغم إني إمبارح كنت شايفة إن إللي بتعمله غلط ومينفعش! لكن النهاردة لما شوفت الفيديو وهي بتحاول تخبي وشها وملفوفة بملايا وشكلها مرعوب ومكسوف، حسيت إني مبسوطة.
صمتت لحظة، ثم أكملت بصوت أخف: يمكن لإني حاسة إن إللي جوايا أرتاح شوية...
تنفست ببطء وأضافت وهي تنظر أمامها بشرود: حسيت إن حقي بيتجاب، بس في نفس الوقت أنا مش عايزة الإحساس ده يسيطر عليا، مش عايزة قلبي يبقى أسود، حتى لو الشخص ده غلط في حقي.
نظر إليها بهدوء، ثم قال بثبات: هتتعودي، هتتتعودي يا ماسة.
نظرت له، وهي تهز رأسها بسرعة: لا أنا مش عايزة أتعود، أختك آه غلطت في حقي، وهما كلهم عملوا حاجات وحشة معايا، وأنا مش ملاك، بس أوحش حاجة في الدنيا إني ألاقي نفسي مبسوطة وأنا بشوف حد بيتأذى حتى لو أجرم بحقي، مش عايزة اكون كدة...
صمتت لحظة، ثم أضافت بصوت مكسور وهي تمسك يده: أنا مبسوطة إني شوفتها بتتكسر وبتخبي وشها وبتعيش إللي أنا عشته، وفي نفس الوقت مش قابلة إن أنت السبب في اللي حصلها.
اتبسم إبتسامة صغيره قائلا: الإحساس إللي أنتِ فيه طبيعي، متكونيش ماسة قطعة السكر، لو محستيش باللعبكة دي.
تنهد بعمق قائلا بعقلانية وهو ممسك بيدها: بس متحمليش نفسك أكتر من اللازم، هم يستاهلوا إللي بيحصل فيهم، ميستاهلوش لا الرحمة ولا الزعل.
ثم خفض صوته أكثر: خليكي واثقة إنهم بعد كل إللي حصل، هيحاولوا يأذوكي تاني.
اقترب منها أكثر، وقال بنبرة أخطر: نصيحة، أوعي ترحمي حد مرحمكيش، وأوعى تشفقي على حد شايلك خنجر ورا ظهره، ومستني اللحظة إللي تلفي وشك فيها علشان يطعنك..
صمت لحظة، ثم أضاف: أقتليه قبل مايقتلك، القتل هنا دفاع عن النفس ومشروع..
ظلت تستمع إليه بصمت وعينيها ممتلئتان بتفكير ثقيل، ثم سألت بهدوء: طب أنت هتعمل إيه دلوقتي؟
أجاب وهو يتحرك: هفطر وأروحلهم المستشفى.
ثم ألتفت إليها: وأنتِ خليكي هنا لو عايزة تنزلي تقعدي مع مي براحتك يلا خلينا نفطر.
أومأت بهدوء: ماشي.
وبالفعل، جلسا يتناولان الفطور معا، لكن الصمت بينهما كان أعمق من أي حديث.
وبعد أن انتهوا، نهض سليم وأخذ حماما سريعا وبدل ملابسه، ثم غادر متوجها إلى المستشفى.
بينما بقيت ماسة وحدها تفكر في كل مايحدث حولها، والأفكار تتزاحم في رأسها، شعرت أنها بحاجة إلى شخص عاقل، هادئ، يرشدها لما هو صحيح، فلم تجد في ذهنها إلا دكتور ياسر.
امسكت هاتفها، واتصلت به، وهي تتحرك في الغرفة بتوتر واضح.
بعد لحظات، جاء صوته على الطرف الآخر، فقالت: صباح الخير يا دكتور أنا ماسة.
أتاه الصوت: صباح النور، إزيك؟ وإزي سليم؟ بقالكم فترة مش بتيجزا، وسليم مبيردش...
تنفست بعمق وقالت: أنا فعلا محتاجة أتكلم مع حضرتك، في حاجات كتير حصلت بعد الصدمة إللي مريت بيها.
رد بهدوء: أتفضلي يا ماسة، أنا سامعك كويس.
بدأت تروي له كل ما حدث، بصوت متوتر لكنه صادق، بينما ظل هو يستمع لها بإهتمام وتركيز دون مقاطعة.
وبعد أن انتهت، ساد صمت قصير...
ثم قال ياسر بنبرة هادئة: بصي يا ماسة، المشاعر إللي عندك دلوقتي طبيعية جدا، زي يويو رايحة جاية بين الرفض والإحساس بالشماتة أو الراحة.
تابع بتوضح عملي: جزء منك متربي على القيم والمبادئ، فمش قادر يتقبل فكرة الانتقام أو الأذى، لكن في نفس الوقت إللي حصل معاكي خلال السنين الأخيرة كان صعب جدا، فطبيعي النفس البشرية تيجيلها لحظات ضعف وتحس بإحساس إن إللي ظلمها بياخد عقابه، فبتحسي بمشاعر اللذة
صمت لحظة، ثم قال: أنتِ في الأول وفي الآخر بشر، فإحساسك طبيعي..
ثم أصبحت نبرته أكثر جدية: أهم حاجة متتكمليش في الطريق ده، وكل ماتحسي إنك بتتشدي في الدايرة دي، وقفي نفسك بسرعة وديما تذكري إن الانتقام مش هيجيب راحة، بل هيجيب وجع أكتر، ووجع وراه وجع وندم..
ثم قال بصوت منخفض: بالنسبة لسليم، شخصيته أصلا مهيأة إنه يمشي في الطريق ده أكتر، خصوصا إنه لسه مكملش علاجه، بس أنتِ عندك تأثير عليه.
رفعت صوتها قليلا: أزاي يا دكتور؟ هو مش بيسمعني وبيتعصب عليا!
أجاب بهدوء: خليه يتعصب ويطلع إللي جواه، وحاولي كل مره توازنيه.
ثم أكمل بتحذير: فكريه دايما بحاجة مهمة، إنه لو دخل في الانتقام زيادة، ممكن يأذي ناس ملهاش علاقة، وممكن في لحظة يندم عمره كله، ودايما قوليله سامح لإنك مهما انتقمت مش هتحس بالراحة..
صمت قليلا، ثم قال بجدية: أنا مش هقدر أكلمه النهاردة، سليم ذكي جدا، ومحتاجين نختار الوقت الصح علشان ميشعرش إنك كلمتيني طبعا بعد المحادثة القوية إللي حصلت بينكم إمبارح..
ثم أضاف وكأنه يذكرها: ماسة، إنتِ بالنسبة له شعاع نور في حياته، مفيش حد هيقدر يوقفه عن الظلام غيرك.
صمت لحظة، ثم ختم: أوعي تيأسي، وحاولي تقنعيه يرجع يكمل علاجه.
هزت رأسها بصوت منخفض: حاضر، شكرا يا دكتور.
أغلقت الهاتف ببطء، وعيناها لا تقويان حتى على النظر حولها من شدة التعب.
هزت رأسها برفض خافت واختناق، ثم توجهت إلى الحمام، وتوضأت بهدوء، ثم وقفت تصلي.
طال سجودها...
وكأنها تحاول أن تفرغ كل ما في قلبها بين يدي الله،
كانت تدعو بصوت خافت، مكسور: أن يحميه الله من شر نفسه، وأن ينتهي كل هذا على خير، وأن يبعد عنهم الشر والأذى.
وعندما رفعت رأسها، لم يكن قلبها قد هدأ تماما، لكنه أصبح أهدأ قليلا.
♥️______________بقلمي_ليلةعادل
علي اتجاه آخر.
توقفت السيارة في الحديقة، ونزلت صافيناز بسرعة برفقة عماد، كانت ترتدي ملابس بسيطة جدا، تيشيرت وبنطال أحضرهم عماد لها، ثم توجها مسرعين نحو جناحهما.
ما إن دخلا الغرفة حتى انفجرت صافيناز في نوبة هستيرية، وهي تصرخ: أنا اتدمرت واتفضحت يا عماد! نزلت الحجز مع المجرمين، واتضربت وهدومي اتقطعت، واتصورت وأنا ملفوفه بملايا، أنا صافيناز الراوي يحصل فيا كل ده؟!
حاول تهدئتها، رغم توتره: أنا مش فاهم إيه إللي بيحصلنا ده، دي مصيبة مش طبيعية، ولا الكلام إللي نزل عنك في المواقع والاخبار، فضيحة بكل المقاييس.
توقفت فجأة، وعيناها تتسعان: ايه اللي نزل عني مش فاهمه؟!
أخرج هاتفه بسرعة ووضعه أمامها: كل الجرايد والسوشيال ميديا كاتبين إنك متاخدة في قضية مخلة بالشرف، وإنك بتديري شبكة دعارة عالمية.
تسمرت في مكانها، والصدمة شلت ملامحها: إيه التخريف دي؟!
هز رأسه بضيق: ده إللي مكتوب! معرفش جابوا الكلام ده منين، أنا مش فاهم حاجة.
انفجرت فيه بغضب: يعني إيه مش فاهم؟! أنا إللي مش فاهمة أنت كنت فين إمبارح وسبتني لوحدي؟!
رد بسرعة: أنا مسبتكيش! أنا كنت ماشي وراكي، وفجأة عربية قطعت عليا الطريق وضربوا عليا رصاص!
فلاش باك
هبط عماد من العمارة ممسكا بسلاحه، ثم إتجه إلى الجراج.
أطلق طلقات مكتومة على سيارته، قبل أن يتصل بأحد الأشخاص، ويأمره بسحبها وجرها بعيدا، وتنفيذ خطتة
باااك
قال عماد بلهفة: نزلت من العربية وجريت بصعوبة واستخبيت منهم، لما أطمنت إنهم مشيوا، روحت القسم، مرضيوش يدخلوني، كأن فيه حد مدي أوامر بكده، اتخانقت مع الظابط اللي هناك، وكنت هضربه لدرجة هددني بالحبس، كلمت إخواتك محدش رد، مقدرتش أعمل حاجة.
سألته بحدة مرتعشة: مين ممكن يكون عمل كده فينا؟! مين؟!
هز رأسه بحيرة حقيقية: معرفش.
انهارت على الأرض فجأة، تبكي بانهيار: أنا اتفضحت ياعماد، مش قادرة أنسى إللي حصل مش قادرة أستحمل! نزلوني ابحجز وسط المجرمين يضربوني ويسبوني عريانة ياعماد عريانة، مكنتش عارفة أخبي جسمي إزاي منهم، لحد أدوني ملايا بشعة ريحتها تقرف، لفتها عليا وفضلت مرعوبة طول الليل، ولما خرجت الصبح لاقيت الصحفيين كنت عايزة استخبي منهم بأي طريقة، كنت بتمنى إن الارض تنشق وتبلعني، إحساس مخيف وحش أوي..
أخذت تبكي بانهيار، وتتابع بنحيب: ودلوقتي أسمع الأخبار دي، أنا انتهيت يا عماد، انتهيت..
حاول السيطرة على الموقف، واقناعها بشيء هو نفسه غير مقتنع به...ففي النهاية هي زوجته، وسمعتها تمسه قبل أن تمسها.
اقترب منها محاولا تهدئتها: أهدي يا صافيناز، وارتاحي دلوقتي، إللى حصل ده واضح إنه بفعل فاعل، ولازم ندور عليه ونعرف مين هو ونجيب حقك، مفيش وقت للإنهيار.
رفعت رأسها إليه، وعيناها ممتلئتان بالدموع والغضب: اهدي وارتاح ايه؟! بقولك أنا اتصورت عريانة وملفوفه بملايا! أنت مش شايف الصور؟!
شد على أسنانه، وقال بنبرة ثابتة يحاول فرضها: إللي في الصور ده هيتكذب، وكل واحد كتب كلمة هيدفع تمنها غالي، بس أنتِ لو اتكسرتي كده هتثبتيلهم إن الكلام ده حقيقي
ثم أضاف بسرعة: أنا هطلع أتكلم وأقلب الدنيا إنك اتحبستي في قضية تانية.
نظرت إليه بصدمة ممزوجة بمرارة: أنا مش فاهمة إزاي أنت هادي كده! ومراتك اتصورت عريانة ملفوفة بملاية والناس بتقول إن اتقبض عليها في شقة مشبوهة!
تنفس بحدة، وقال محاولا التماسك: يا صافيناز أكيد أنتِ مراتي وتهميني، بس عايزاني أعمل إيه؟! أقعد أعيط جنبك؟! هل ده هيصلح حاجه؟ ولا نفكر بالعقل في حل للمصيبة دي، حقنا هنجيبه بس بالقوة مش بالانهيار.
ثم اقترب منها أكثر، وصوته أصبح أكثر حسما: هنطلع نواجه وأنا هتصرف.
مد يده وأخرج علبة دواء، ثم أعطاها حبتين: خدي دول هيريحوكي شوية.
وبالفعل اخذت منه الحبيتين بيد مرتجفة ثم ساعدها في احتساء الماء وتابع: نامي ساعتين، وأنا هطلع أتكلم وأكذب القرف ده كله، وأشوف سليم هيعمل إيه اكيد مش هيسكت هو كمان، يلا قومي معايا.
ساعدها لتستلقي على الفراش، وغطاها بهدوء.
كانت عيناها ما زالتا ممتلئتين بالخوف، وجسدها متوتر، لكن تأثير الدواء بدأ يظهر تدريجيًا.
وقف ينظر إليها للحظات وهي تغط في النوم، وفي داخله شعور ثقيل، غضب، وغيظ وشيء يشبه الإهانة، ففي النهاية هي زوجته وشرفه.
شد على أسنانه، ثم أخرج هاتفه وأتصل بسليم.
كان سليم في سيارته متجها إلى المستشفى، نظر إلى الهاتف، وابتسم ابتسامة خفيفة، ثم رد بهدوء: أيوة يا عماد.
عماد بسرعة: سليم، أنت شوفت إللي حصل واتكتب في الجرايد؟
أجاب بهدوء: آه شوفت.
رد بإنفعال: لازم نتحرك بسرعه، ونطلع نكذب الكلام ده، وإللي عمل كده لازم يدفع التمن!
رد بهدوء بارد: أكيد ده هيحصل، بس الأول نطمن على الباشا والهانم، أنا رايحلهم دلوقتي، وأنت حاول تعمل أي حاجة وأطلع كذب لحد ماشوف هعمل إيه؟ هي رجعت البيت ولا لسه؟
أجاب: رجعت بس منهارة خالص.
رد بنبرة هادئة بفحيح أفاعي: معلش طبيعي تنهار، الموقف صعب والناس بتتكلم، بس إحنا عارفين هي إيه وأنت كمان عارف، بس الناس متعرفش إن الاشاعات لما تمس الشرف خصوصا لو واحدة ست بتوجع.
رد عماد بسرعة: علشان كدة إللي حصل ده مينفعش يتسكت عليه.
رد سريعا: ماشي يا عماد هتصرف سلام.
أغلق الهاتف بإبتسامة واسعة وهو يشعر بلذة وهو يراهم يعيشون ما عاشوه.
بينما ظل عماد واقفا مكانه، ينظر إلى صافيناز وهي غارقة في النوم، وقد هدأها الدواء أخيرا.
جز على أسنانه بقوة، وكأن داخله بدأ يشتعل بشيء أخطر من مجرد الغضب.
علي اتجاه آخر، بالقصر.
استيقظت مي من نومها، فوجدت رشدي بجوارها غارقا في نوم عميق، استغربت أنها لم تشعر بعودته!
ونهضت بهدوء، واتجهت إلى الحمام، وضعت له الجرعة المخصصه له اليوم بجانب الحوض، ثم أخذت حماما سريعا، وبعدها طلبت الفطور.
امسكت هاتفها تنوي التصفح والانشغال به لحين الانتهاء من تحضير الفطور، ولكنها تجمدت فجأة، واتسعت عيناها بصدمة، وهي ترى الأخبار المنتشرة عن صافيناز.
تركت الهاتف، واندفعت نحو السرير توقظه بسرعة: يا رشدي قوم بسرعه في مصيبه!
تمتم وهو نصف نائم: يا مي، سيبيني أنام.
قالت بحدة: لا، مش هينفع! قوم شوف القرف إللي مكتوب على صافيناز!
فتح عينيه بتثاقل: كاتبين إيه يعني؟
قالت بهلع: كاتبين إنها متاخدة في قضية دعارة!
عقد حاجبيه فجأة: إيه؟!
قالت وهي تسحبه من يده: أيوة! يلا قوم بسرعة!
جلس ومد يده يأخذ الهاتف منها، وبدأ يقرأ وعيناه تتسعان بصدمه: إيه ده... إيه الكلام ده؟! وبعدين ايه اللى هي لابساه ده؟!
هزت راسها بقلق: وأنا ايش عرفني! قوم بسرعه شوف إيه إللى بيحصل.
تنفس بحدة، ثم قال: طيب طيب، هلبس وأنزل أشوف الموضوع ده، أطلبيلي قهوة علشان افوق، أنا مش شايف قدامي.
أومأت بإيجاب: حاضر، بس قوم بسرعة.
نهض من مكانه دون عجل، في داخله لم يكن مهتما بما حدث لصافيناز بقدر اهتمامه باسم العائلة، واسمه هو.
مر سريعا على مكانه السري، وأخذ جرعته، أما الجرعة التي تضعها مي، فخبأها خلف المرآة.
خرج من الحمام بعد أن اخذ حماما سريعا، فوجدها في انتظاره، والطعام قد وصل: أقعد أفطر.
جلس، وهو يتساءل: متعرفيش عماد هنا ولا لأ؟
هزت كتفها: معرفش حاجة، أنا قاعدة هنا منزلتش.
أمسك هاتفه وأتصل بسليم: سليم، أنت فين؟
جاءه الرد: أنا في الطريق رايح المستشفى.
قال بسرعه: شوفت إللي مكتوب على صافيناز؟
أجاب: أيوة شوفته، عماد لسه مكلمني، هي في القصر عندك دلوقت، خرجت بكفالة.
ضرب رشدي بيده على الطاولة: طب وهنعمل إيه في القرف المكتوب دى؟!
رد بهدوء: هنكذب كل حاجة طبعا، بس الأول نطمن على الباشا والهانم، تعالى على المستشفى ونتكلم.
ثم أغلق الخط.
نظرت له بقلق: قالك إيه؟
رد وهو يبدأ في الأكل بسرعة: قال نروح المستشفى نطمن علي الباشا والهانم الأول وبعدين نشوف هنعمل إيه.
كانت تراقبه، ثم قالت بهدوء: طب أنت تمام؟ أنا حاسه إنك النهارده كويس أوى!
نظر لها بإستغراب: زعلانة يعني إني كويس؟
ابتسمت بخفة: لا بس قصدي هادي ورايق، مش متعصب وتعبان زي اليومين اللى فاتوا.
لم يرد واكتفى برشفة من قهوته، فتابعت وهي تهم بالنهوض: أنا هقوم ألبس، علشان أجي معاك.
نظر لها بإستغراب: تيجي معايا فين؟
أجابته بتوضيح: أروح أطمن على باباك ومامتك، واواسيهم في اللي بيحصل وأشوف لو محتاجين حاجه.
رد ببرود واضح: الجو إللي أنتِ بتتكلمي فيه ده مش بتاعنا خالص، فيه ممرضات هناك بياخدوا بالهم منهم كويس أوى.
عقدت حاجبيها وقالت بجدية: مفيش حاجة اسمها الجو بتاعكم، ده واجب، هما تعبانين ومحتاجين حد جنبهم.
قال وهو ينهض: فريدة معاهم، ولو احتاجوا حد هيجيبوا ناس يعرفوا يعملوا الشغل ده كويس،
زي زمان كده لما كانوا بيقعدوا معانا بيبي سيتر وإحنا عيانين.
نظرت له بضيق: رشدي أنا مش باخد رأيك أنا هاجي معاك.
توقف وهو يقول بحدة: مش النهاردة، أنا أصلا مش فاهم إيه إللي بيحصل بره، أنتِ شايفة المصايب إللي بتحصل، مش ناقص حد يلقطك صوره ويكتب اي حاجه كده ولا كده، أنا ممكن ارتكب جناية..
ثم نظر لها بتركيز: أنتِ هنا في أمان.
تراجعت خطوة بقلق وشعرت أنه على صواب، فأضاف وهو يتحرك ليبدل ملابسه: أنا هروح أفهم إيه إللي بيحصل وأطمن، وبعدين تبقي تروحي تزوريهم براحتك.
ذهب ليبدل ملابسه، بينما بقيت هي واقفة مكانها تشعر بالتوتر من كل ما يحدث حولها.
المستشفى،10صباحا.
كانت فايزة علي الفراش تغط في نوم هادئ بعد أن تم حقنها بأحد المهدئات ليلة أمس، بينما جلست فريدة على المقعد المقابل لها تقلب في هاتفها، وتتنقل بين الأخبار؛ تري لقطات متقطعه عن الانفجار، واخبار عن انهيار البورصة، وما حدث في الحفل..
لكن توقفت يدها فجأة، واتسعت عيناها وهي ترى صور صافيناز والعناوين المنتشرة عنها، فهمست تردد بوجل: ينهار أسود!
مرت عيناها على الصور والأخبار بعدم تصديق، وفكرت سريعا أن تهاتف سليم لتفهم منه ما حدث وقبل أن تضغط زر الاتصال، فتح الباب ودخل سليم.
رفعت رأسها بسرعة، ونهضت نحوه تتساءل بقلق: إيه إللي مكتوب عن صافيناز ده يا سليم!
اجابها بهدوء: إشاعات يا فريدة وهنكدبها طبعا.
ثم خفض رأسه، وتابع بتأثر متقن: أنا لأسف إمبارح انشغلت في مصيبه المصنع ومروحتش معاها، كنت فاكر إن عماد معاها وهيحل الموضوع.
ضغط علي أسنانه وتابع: بس طلع واطي وسابها لوحدها لحد ما نزلوها الحجز وقطعولها قدومها، علشان كده اترحلت علي النيابه بالمنظر دى..
ثم رفع كتفه يردد حقيقه تعرفها: وطبعا الصحافه الصفرا ما بتصدق، والفوا قصة بسبب الكام صورها اللى اتلقطت لها.
رفع عينيه لها فوجد الحزن والضياع يغلفان نظراتها والدموع تملأ عينها بقهر لم يحتمل رؤيتها به، فرق قلبه لها وجذبها الي أحضانه وردد يطئنها بصدق: كل حاجه هتبقي كويسه يا فريدة، أنا أكيد مش هسمح إني اسيب الأخبار دى كده، متخافيش.
هبطت دموعها داخل احضانه، ورددت بانهيار: أنا مش عارفه ايه اللى بيحصلنا دى يا سليم، وخايفه أوى علي بابي ومامي.
ربت علي شعرها بحنان: هيبقوا كويسين متخافيش.
رفعت رأسها عن صدره وتساءلت: طب انت وصلت لحاجه في موضوع المصنع؟
زم شفتيه وهز رأسه: لأسف لسه موصلتش لحاجه، بس بقي واضح أوى إن فيه أيد تالته بتحاربنا، أصل مش طبيعي كل المصايب اللى بتحصل دى من يوم وقوع الكوبري لحد الحفله واللى حصل مع صافيناز..
ثم حول نظره نحو فايزة النائمة، وسأل بهدوء:
الهانم عاملة إيه؟
هزت رأسها بدموع: مش كويسه يا سليم، مامي منهاره من إمبارح ومنامتش إلا بالمهدئات، وبابي جالي جلطتين وركبوله قسطره وبيقولوا فيه خطورة علي حياته، وحاطينه تحت الملاحظه.
أومأ برأسه: طيب، أنا هروح أطمن على الباشا وأرجعلك.
ثم أضاف: لو عايزة تروحي تشوفي بناتك، روحي.
هزت رأسها برفض: أروح فين بس؟ أنا قاعدة، أنا كلمتهم يجيبولي هدوم، مش هينفع أسيبهم.
اومأ برأسه وغادر الغرفة، بينما ظلت فريدة واقفة مكانها، وعيناها مازالتا عالقتين بما رأته، وما لم تفهمه بعد!
توجه سليم إلى غرفة الرعاية المركزة، وارتدى الملابس المخصصة للرعاية، ثم دخل ببطء.
وقف أمامه يتأمله وهو على الأجهزة بلا حراك.
قال بصوت منخفض، لكنه محمل بكل ما داخله: مكنتش أتمنى ابدا إن كل ده يحصل، بس أنت إللي وصلتنا للي إحنا فيه ده.
غشت الدموع عينه وتابع: الطعنه منك أنت بالذات كانت مميته، عمري ما توقعتها حتى في أسوأ كوابيسي.
صمت لحظة، ثم أكمل بمرارة والم: أنا كنت بتعكز عليك يا باشا لما الدنيا تكسرني، ازاى هونت عليك تعمل فيا كده؟ أزاى هان عليك كسرتي بالشكل دى؟
مسح دمعه ساخنه هبطت منه دون إرادة وهو يحدق فيه بعيون مشتعله: لو كنت شوفت منك نظرة تردد أو ندم واحده، يمكن كنت سامحت.
هز رأسه بحسرة: لكن أنت اتجبرت ومسبتش أي طريق لا لغفران ولا لمسامحه.
اغمض عينه وسمح لدموعه الحبيسه أن تهبط وهو يردد: ربنا يسامحك، بس أنا مش قادر ولا عارف أسامحك..
مسح دموعه واستقام في وقفته يردد بجمود: عملت كل دى علشان الفلوس والسلطه؟!
أشار بيده: طب أديك اهو ما بين الحياه والموت بسببها برضو، قولى نفعتك في ايه؟!
هز رأسه يردد بخفوت: ولا حاجه..
زم وجهه بحسرة والقي عليه نظرة أخيرة، ثم استدار وخرج يخلع ملابس التعقيم، وتوجه بعدها إلى غرفة فايزة.
في الداخل، كان رشدي قد وصل
سأل سليم فور دخوله: وصلت لحاجة؟
رد سليم باقتضاب: لأ…
ثم تابع بحده وتوبيخ: وبعدين حضرتك كنت فين؟ قولتلي هتكلم ناس وتوقف الأخبار، والأخبار مغرقة كل المواقع، أنا عايز أعرف أنت امتي هتبقي راجل وتشيل المسؤلية.
رد رشدي باستهجان مستنكرا: يعني هو أنت اللى جبت الديب من ديله، ما كلها وكسه واحده، وبعدين أنا فعلا كلمت ناس علشان اسيطر علي الأخبار؛ في ناس ردت عليا وقالت خلاص الخبر نزل واتطبع، والباقي مردوش، وواضح أوي إنهم واخدين أوامر.
نظر له سليم من أعلي لأسفل وهو يعلم أنه يكذب ولكن لا يهم، فهذا تماما ما أراده.
بينما عقدت فريدة حاجبيها، ورددت: أوامر من مين؟ مين ممكن يكون بيعمل فينا كل دى؟
أجابها سليم بحسم: أكيد هنعرف وهيتحاسب.
في تلك اللحظة، بدأت فايزة تستيقظ.
فحذرتهم فريدة بسرعة: محدش يجيب سيرة قدامها عن اللى حصل لصافيناز.
هز سليم رأسه مؤيدا: أكيد.
فتحت فايزة عينيها ببطء، وهمست: سليم..؟
اقترب منها بجمود: حمد لله على سلامتك يا هانم.
جلست بصعوبة تتساءل: الله يسلمك، عملت إيه في المصيبه اللى حصلت؟
سليم بهدوء: لسه موصلتش لحاجة، إللي عمل كده كأنه شبح عمل إللي عايزه وأختفى.
سألته بقلق: تفتكر ممكن يكون حد من المافيا؟
أجابها: كلمت ماركو وريمون لو في حاجة هيبلغوني، لكن مش متوقع يكون حد منهم ملناش عداوة معاهم.
صمتت لحظة، ثم سألت: طب وصافيناز اتحبست ليه؟
أجاب بهدوء: فيه بلاغات إن المنتجات إللي في شركتها غير صالحة للاستخدام الآدمي، مازن شغال على القضية وخرجها بكفالة متقلقيش.
ردت بحدة: إيه الكلام الفارغ ده؟ صافي بتشتغل بأفضل الخامات، أكيد البلاغات دى متلفقه وكذب.
تدخل رشدي يردد بشماته غير عابئ بتحذير فريده لهم، وهو يعلم تماما وقع ما سيقوله عليها: بس دي مش المصيبة الكبيرة، المصيبة الحقيقة إن الصحف كلها كاتبة إنها اتاخدت من شقة مشبوهة بعد ما أتصورت وهي مترحلة علي النيابة وهي ملفوفه بملايا.
ساد صمت ثقيل بعد كلماته، رمقته فيها فريدة بغيظ من أفعاله، بينما وقف سليم هادئا دون أن يبدى أي ردة فعل.
تجمدت فايزة لثواني لا تصدق ما سمعته، ثم حركت عينيها نحو سليم وفريده وهي تتساءل بعينيها إذا كان ما استمعت له حقيقيا أم مجرد كابوس وستستيقظ منه!
اقتربت منها فريدة، وامسكت يدها وهي تقول بتماسك: صافي دلوقتي كويسه وفي البيت يا مامي، والإشاعات مش حاجه جديده علينا، وسليم وعماد هيكدبوها ومش هيبقي ليها أثر، أصلا كل الناس شافت الحفله علي الهوا وإنها اتقبض عليها فيها، يعني طبيعي محدش هيصدق الاشاعات العبيطه دى.
وضعت فايزة يدها على رأسها بتعب: إيه إللي بيحصل لنا ده، إيه المصايب دي كلها! كل حاجة في نفس الوقت، كتير علينا اللى بيحصل دى..
قالت فريدة تحاول تهدئتها: يا مامي أهدي، الموضوع هيتكدب، و..
قاطعتها فايزة بصراخ: هيتكذب إيه؟! دي فضيحة! مش هنعرف نحط وشنا في وش الناس، محدش هيصدق بعد المنظر اللى شافوه، مش هيصدقوا..
سليم بحزم: وأحنا مش هنداري وشنا، إحنا هنطلع نواجه ونكذب كل ده.
ردت بحسرة وتساؤل: هتكدب إيه ولا ايه؟ وبعدين هي مش كانت بفستانها أومال إيه موضوع الملايه دى؟
رد رشدي سريعا بسخرية: تلاقيهم روقوا عليها في الحجز و..
صرخت به فريده تنهره: أنت إيه يا اخي، اسكت بقي، مش عايزه اسمع صوتك.
بينما أضاف سليم بثقة: أنا ورشدي وعماد هنوضح الحقيقة وهنكدب كل دى، متقلقيش يا هانم كله هيبقى تحت السيطرة.
ساد صمت ثقيل في الغرفة، وجلسوا جميعا حولها دون أن يقدر أحد على الكلام.
أخرج سليم هاتفه مدعيا الانشغال، وفجأة لمعت في رأسه فكره قرر تنفيذها في الحال، فضغط على زر التسجيل وصدع صوته مرددا بمكر محاولا ربط الخيوط ببعضها: أنا بدأت أصدق ماسة.. يعني اللى حصل لصافيناز دى خلاني افكر إن ممكن ماسه يكون عندها حق واتخطفت فعلا، وممكن يكون اللى عمل كده في صافيناز هو نفسه اللي عمل كده في ماسه...
أجابته فريدة بسرعة: مظبوط يا سليم، من ساعة ما قالت إنها اتخطفت واتعمل فيها كده وأنا كنت حاسة إنها صادقة، ماسة مستحيل تكذب في حاجة زي دي مهما كان إللي بينكم..
وأضافت بحماس وعتاب: وأنا كتير قولتلك دور ورا كلامها، وأكيد هتوصل للي عمل كدن في صافيناز والمصنع.
اومأ رشدي مؤيدا: أنا كمان قولتله كده، دور فعلا.
نظرت فايزة إليهما بقلق داخلي بدأ يتحول إلى رعب، فهذا الأمر قد يجلب خلفه الكثير من المصائب، لم يخف علي سليم نظراتها بل كان يراقبها عن كثب.
فتابع بهدوء قاصدا بث الرعب داخلها: أكيد هدور وهحاسب إللي كان السبب، لإني خلاص بدأت اقتنع إن ماسة مكذبتش وبفكر اعتذرلها.
رفعت فايزة عينيها باستنكار، وكأنها تصر على زرع الشك بداخله رغم كل ما حدث: تعتذر لمين؟ أنت شكل قلبك حن وما صدقت تبررلها!
وقبل أن يرد عليها، رفعت يدها في وجهه بتحذير وجبروت: وأياك في يوم من الأيام تقارن أختك "صافيناز الراوي" بالحشرة دى، أختك اتقبض عليها وسطنا وكلنا عارفين إن الكلام اللى اتقال كدب، إنما الحشرة اللى عايز تعتذرلها أنت عارف كويس أنت جايبها منين، وجايبها في وضع عامل أزاى..
تدخل رشدي يقاطعها بسخرية وضجر: ما تخليكي محضر خير يا حاجه، هو أنتِ لسه فيكي حيل تولعيها، اتقي الله علشان ربنا يسترها مع بنتك وموضوعها يتحل..
قال آخر كلماته بنبرة ذات معني فهمتها هي جيدا، فأغمضت عينيها غير قادرة علي استيعاب حقيقة ان ابنتها تذوق من نفس الكاس، ثم صاحت بصوت مرتجف: أنا عايزة أخرج من هنا، عايزة أروح القصر..
اقترب منها سليم الذي فهم هروبها: أول ما الدكتور يطمنا، هنخرجك علطول.
بينما قال رشدي وهو يهم بالمغادرة: طب أنا همشي وهحاول اشوف إعداد أي برنامج كبير اتفق معاهم، علشان نطلع ونرد علي كل اللى بيتقال دى، لإن بصراحة مش هقبل اسمي يتكتب في قضية زي دي، أصل للأسف هي أختي وإللي هيمسها هيمسيني قبل ما هيمس عماد.
أومأ سليم: عندك حق، لو وصلت لحاجه أبقي كلمني، وابقي بلغ عماد برضو علشان يكون في الصورة.
اومأ رشدي سريعا وهو يغادر الغرفة، بينما بقي سليم واقفا ينظر إلى فايزة بابتسامة شماتة، ورضا مبطن بأنها تعيش ما عاشه هو وماسة...
أما فايزة…
فكانت غارقة في شعور ثقيل من العار، وذهنها لايزال عالقا بكل ما سمعته، ودموعها تهبط وأنفاسها ثقيلة
ربتت فريده على ظهرها بحنان: أهدي يا مامي، إن شاء الله كله هيعدي.
لكن فايزة انفجرت بصوت مكسور: اتفضحنا يا فريدة، اتفضحنا! مش هنعرف نحط وشنا في وش الناس تاني؟!
ثم همست وهي تختنق بدموعها: أنا نفسي أموت وأرتاح…
ساد صمت ثقيل في الغرفة، لا يقطعه سوى صوت أنفاس مثقلة بالخوف والعار.
❤️______________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي،2ظهرا.
جلست ماسة على الفراش، تقرأ في أحد الكتب الدراسية التي أحضرها لها سليم بتركيز.
قاطع تركيزها طرق الباب، فرفعت رأسها تتساءل بقلق: مين؟
جاءها صوت مألوف: أنا مي يا ماسة.
تنفست بتوتر خفيف: آه، حاضر، ثانية واحدة.
أسرعت بجمع الكتب والملازم وأخفتها أسفل الأريكة، ثم نهضت تتأكد من مظهرها في المرآه وفتحت الباب: اتفضلي.
دخلت مي بابتسامة: عاملة إيه، وحشت..
لكن ابتسامتها خفتت فجأة، واتسعت عيناها وهي تنظر إلى وجه ماسة وجسدها الممتلئين بالكدمات.
تساءلت بصدمة: هو سليم ضربك تاني؟!
أشارت ماسة بسرعة: خشي بس وأنا هحكيلك.
دخلت مي وجلست بجوارها على الكنبة، وظلت تنظر إليها بصدمة من أعلى لأسفل.
تساءلت مي بقلق: ضربك تانى ليه؟
هزت ماسة رأسها: لا يا ستي ضرب ايه، ده أداني علقة.
عقدت مي حاجبيها: ليه؟ إيه إللي حصل؟
تنهدت ماسة موضحة: علشان حاولت اهرب.
اتسعت عينا مي: حاولتي تهربي أزاى؟
أجابتها وهي تخفض صوتها: استغليت زحمه تحضيرات الحفله، وغفلت الحراس واستخبت في صندوق عربية من العربيات، وهربت.
ضربت مي كفا على كف: يخربيتك يا ماسة! ليه كده؟ دى كان خلاص بدأ يبقي كويس معاكي وبطل يضربك.
أجابت ماسة بمرارة: تعبت يا مي، أنا اطعنت في شرفي، وهو مش عايز يسامح ولا يهدى، وكل شوية يجرحني بالكلام.
خفضت صوتها أكثر: مهربتش علشان الضرب واجعني الضرب علامته بتروح، لكن الكلام بقي بيكسر من جوة.
أومأت مي بتفهم: فاهماكي وحاسة بيكي، بس باللي عملتيه ده كأنك رجعتينا للصفر من تانى!
هزت رأسها: أنا مش فارق معايا حاجة خلاص، بالله عليكي غيري الموضوع.
اومأت بتفهم وربتت على قدميها، وقالت: شوفتي إللي حصل في الحفلة؟
زمت شفتيها: آها شوفت.
تنهدت مي بضجر: مش قادرة اتجاوز إللي حصل، ورشدي شايفه عادي وإني مكبرة الموضوع.
اومأت ماسة براسها: عنده حق علي فكره.
نظرت لها مي بإستغراب، فأجابت علي نظراتها: تعرفي إني اتخطفت زمان وأنا عندي 16سنة؟
اتسعت عينا مي ووضعت يدها على فمها: بتهزري!
هزت رأسها، وتابعت بصوت مرتجف: والله اتخطفت وقتلوا كل الحراس، ومن كام سنة اتعرضت لحادثة بشعة بكل المقاييس...
صمتت لحظة ثم أكملت بنبرة مهتزة: خسرت فيها بنتي قبل ما أشوفها 10 أيام، وسليم دخل في غيبوبة شهور، ده غير بقى خلال فترة جوازي حضرت معاهم أكتر من حادثة؛ مرة لرشدي ومرة لسليم، وحتى لما كنا مسافرين أنا وسليم العيلة اتعرضت لحاجات شبه كده كتير أوى، ورش الدهب بتاعتهم احترقت واتسرق منهم كذا شحنة في الشغل وحاجات كده كتير..
رفعت كتفيها بهدوء: أنا كنت زيك، بس بعد كده اتعودت...
هزت مي رأسها ببطء: سمعت عن الحادثة بتاعتك والحاجات إللي حصلتلكم، بس يمكن علشان أنتِ عديتي بكل ده وعشتيه معاهم فبقى عندك إحساس إن ده طبيعي، لكن أنا لسة مش قادرة أستوعب.
ثم أضافت بحذر: وإللي اتكتب عن صافيناز على السوشيال ميديا مش طبيعي!
تنهدت ماسة بأسف مصطنع: أنا كمان اتصدمت، بس مش عارفة أتكلم مع حد أو أفهم.
ثم أضافت بحدة خفيفة: بس بصراحة، إللي زي صافيناز تستاهل كل اللى يجرالها.
نهرتها مي بضيق: إيه إللى بتقوليه دى يا ماسه، عيب كده ميصحش.
ردت ماسة مبررة: مش قصدى، بس أنتِ مشوفتيش منها اللى أنا شوفته.
مي بطيبه: مهما كان، ميصحش تشمتي فيها.
أجابتها بلامبالاة: مش بشمت، أنا مش فارقة معايا أصلا.
وقبل أن ترد مي، قاطعها صوت مألوف: ملقتكيش في الأوضة قولت أكيد هلاقيكي هنا.
رفعتا رأسيهما، فوجدتا رشدي يقف عند الباب، نهضت مي تجاه وهي تتساءل باهتمام: طمني يا رشدي عمو وطنط عاملين ايه؟
أجابها موضحا: كويسين، الهانم هتخرج النهاردة، سليم زمانه جايبها وجايين في الطريق، إنما الباشا لسه تعبان شوية.
قالت مي بضيق: على فكرة يا رشدي، سليم ضرب ماسة تاني، ضرب جامد.
نظر لماسة متسائلا: ضربك ليه؟
ماسة بسرعة: علشان هربت.
اتسعت عيناه: هربتي إزاي؟!
نظرت له نظرة ذات مغزى: هربت يا رشدي... هربت!
فهم المعنى، لكنه لم يستطع التحدث بسبب وجود مي، فقرر تأجيل الحديث لوقت لاحق.
ثم نظر لمي متسائلا: طب إيه هتيجي معايا ولا هتقعدى؟
هزت رأسها: هقعد مع ماسة شوية واجي.
اومأ برأسه والتفت ليغادر، وفي نفس اللحظه ارتفع رنين هاتف مي الموضوع علي الأريكه بجانب ماسة، فاتسعت عيناها فرحا عن رؤية اسم " جنة " وقالت بلهفه لا تعلم سببها: دى جنة يا مي، هرد عليها.
تجمد رشدي مكانه عند سماع الاسم، وقبل أن يستوعب، ضغطت ماسة زر الإجابة وهي تردد: جنة! عاملة ايه؟ وحشتيني، أنا ماسة، فكراني؟
جاءها صوت جنة متعجبا بغيرة بطفولة: أنتِ لسه قاعده مع مي من المره اللى فاتت؟!
قهقهت ماسة علي غيرتها الطفولية، بينما أشارت لها مي بفتح الاسبيكر، ففعلت وهي ترد بكيد طفولي: أيوة، ما أنا قولتلك إن احنا عايشين مع بعض في بيت واحد وأنتِ لا.
جنة بتذمر حزين: طب ما تاخدوني أعيش معاكوا.
ثم قالت بحماس تحاول إغراءها: أنا بعرف أعمل مراكب حلوه نلعب بيها سوا، وبرسم رسومات جميلة.
ضحكت ماسة وردت بنفس الحماس: وأنا بعرف أعمل طيارات حلوة نعلب بيها أنا وأنتِ بس، ومي لا..
ردت جنة بكيد بطفولة: لا هنلعب أنا ومي ونغيظك.
ضحكت مي عاليا، بينما قالت ماسة بحزن طفولى: كده يا جنة؟
جنة بتأكيد: أيوة، علشان أنا بحب مي قد البحر والسما.
ردت مي بلطف: وأنا كمان بحبك خالص، عاملة إيه يا حببتي.
جاء صوت جنة بفرح: أنا الحمد لله كويسة وبقيت باكل عادى، وبكرة هروح الحضانة، تعالي بقي عايزة أشوفك أنتِ وحشتيني خالص.
مي بلطف: أنتِ كمان وحشتيني خالص يا روحي، معلش انشغلت شوية اليومين اللى فاتوا بس إن شاء الله اجيلك قريب، المهم اسمعي كلام تيتة وخدى الدوا.
تساءلت ماسة: هي مالها؟
مي موضحة: كانت عاملة اللوز.
ماسة بطيبة: يا روحي ألف سلامة عليكي.
ردت جنة: الله يسلمك.
كان رشدي يستمع اليهم بتوتر وقلق ينهش أعصابه، فظل يتصبب عرقا وهو يدعي بداخله أن تنتهي تلك المكالمه سريعا.
وما ذاد الأمر سوءا وجعله يكاد يصاب بالاغماء، صوت سليم الذي جاء من خلفه يصيح ببحه رجولية: أنت مين اللى فتحلك الباب وسمحلك بكل دى؟
ثم وجه حديثه إلي رشدي الذي كان يتمني أن تنشق الأرض وتبتلعه في الحال: أنت اللى فتحتلها؟
اجابته ماسة بضيق: لا مش هو أنت اللى سبته مفتوح!
وقبل أن يرد، صدح صوت جنة بتساؤل طفولي: مين اللى بيزعقلك يا ماسة؟
أجابتها بسرعة: ده جوزي.
قالت جنة بغضب طفولي: مش تزعق لماسة صاحبتي يا عمو.
ارتسمت علي شفتي سليم ابتسامه فور سماع صوتها الطفولى الغاضب وهو ينظر نحو الهاتف باستغراب، فابتلعت مي ريقها واوضحت بتوتر وهي تنظر لرشدي: دي بنت صاحبتي.
اومأ سليم وتساءل بمداعبة: طب ولو زعقتلها هتعملي ايه؟
أجابت بغضب طفولي: هضربك بوكس اخليك صابونه لوكس.
ابتسم بعدم استيعاب وهو يتساءل: هتعملي ايه؟
اجابته بتأكيد: هضربك بقولك لو مبطلتش تزعق لماسة صاحبتي.
تساءل بمداعبة: طب ولو ماسة مبتسمعش الكلام نعملها إيه حضرتك؟
قالت ببساطه طفولية: هاتلها حاجه حلوة، أنا لما بيجيبولي حاجه حلوة بسمع الكلام علطول.
لم يستطع منع ضحكته وردد: حاضر هجيبلها حاجه حلوه.
لمحت مي الانزعاج في عين رشدي، فتدخلت وانهت الحوار سريعا بتوتر: طب يا حبيبتي، هكلمك بعدين.
ردت جنة: ماشي، وقولى لماسة لو عمو جوزها زعلها تانى تقولى وأنا اضربه.
أغلقت الهاتف.
فردد سليم بحسم: معلش يا جماعه سبونا لوحدنا.
اومأ رشدي سريعا وكأنه كان ينتظر تلك اللحظه، وسحب مي من يدها بعنف إلي الخارج حتي وصلا إلي غرفتهم، دفعها إلي الداخل وأغلق الباب، ثم استدار إليها بعينين مشتعلة بالغضب وهو يصيح: عاجبك اللي حصل ده؟! أنا قولتلك مش عايز حد يعرف حاجه عن الموضوع دى؟!
نظرت اليه بقلق وقالت مبررة: طب أنا عملت إيه دلوقتي؟ البنت هي اللي اتصلت.
اقترب منها خطوة أخرى، وقال بعصبية: مكانش المفروض ماسة تعرف عنها حاجه من الأول.
عقدت حاجبيها بعدم فهم: طب أنت بتزعقلي لية كده، محصلش حاجه لكل التوتر اللى أنت فيه دى.
مرر يده في شعره بعصبية: أنا مش متوتر، بس لو سليم عرف، أنتِ عارفة ممكن يعمل إيه! واديه عرف..
هزت رأسها تحاول التبرير: قولتله إنها بنت صاحبتي..
ثم اقترب أكثر، وقال بنبرة تحذير: لو سمحتي يا مي كلام يتسمع، ومتعصبنيش، موضوع جنة ده مينفعش حد يعرفه اسمها يتغير من على تليفونك ولو اتصلت بيكي في اي وقت وماسة معاكي متقوليش ان هي، وبعدين ابقي قوللها ان هي سافرت مع ابوها في اي داهيه، جنة موضوعها انتهى فاهمه، بدل ما والله همنعك تقعدي مع ماسة.
ردت بشدة: على فكرة محدش عرف، واللي إنت بتعمله ده هو اللي ممكن يخلي الناس تشك! أنا قولتها إنها بنت صاحبتي، حتى سليم ميعرفش اسمها ..
رشدي بحدة: ما أكيد ماسة هتقوله.
هزت رأسها سريعا: هتقوله إزاي؟ وهو أصلا ضاربها ومفيش بينهم كلام! اهدى بقى أنا مش فاهمة في إيه.
ردت بضيق وهو يزفر: ماشي يا مي، أنا قولت اللى عندى، وكلامي يتسمع.
أنهى رشدي حديثه على عجل، ثم استدار يغادر مسرعا وكأنه يهرب من نفسه قبل أن ينكشف، فقد كان يشعر أن كلماته بدأت تخونه، وأن ارتباكه بات أوضح من أن يخفيه خلف هدوئه المصطنع.
بينما بقيت مي مكانها، تنظر إلى الباب المغلق أمامها، وملامح الحيرة تملأ وجهها.
تنهدت ببطء، وفكرت في داخلها: أن عصبيته زائده هذه الأيام نتيجه لمحاولته التعافي من الإدمان، لكن كان هناك شيء بداخلها يصرخ بأن الأمر أكبر من ذلك!
على اتجاة اخري
نزل رشدي إلي الحديقة بخطوات بطيئة، وكأن الهواء نفسه أصبح ثقيل عليع، كان التوتر واضحا في ملامحه، وفي عينيه نظرة شاردة لا تستقر على شيء، كأنه يحاول اللحاق بأفكار لا تهدأ.
ظل حديث ماسة وجنة يتردد في ذهنه؛ مداعبتهم سويا، وافصاح جنة عن رغبتها في العيش معهم، واستماع سليم لصوتها.
كل ذلك كان يضغط عليه من الداخل.
جلس علي أحد المقاعد وأغلق عينه لحظه، وشيئا ما سحبة إلي الوراء، نحو سنين مضت...
فلاش باك - قبل 5سنوات
في منزل أسعاد...
جلس على الفراش، يحتضن بين كفيه طفلة رضيعة لا يتجاوز عمرها أياما، كانت صغيرة لدرجة أن صوت أنفاسها كان أوضح من بكائها.
حركت الطفلة يديها الصغيرتين، وبدأت تفتح عينيها ببطء، فظهرت عيونها التي تشبه السماء في صفائها.
ابتسم رشدي دون أن يشعر، وههمس: شبه أمك أوي، كلك ماسة، خصوصا وهي صغيرة.
صمت لحظة، وعيناه لا تفارقانها، ثم تابع بصوت أخف: حاسس بريحة سليم فيكي، مش عارف ليه؟ يمكن لانك بنته!
مدت الطفلة يدها الصغيرة وأمسكت بإصبعه، فابتسم ابتسامة واسعة لا إرادية، كأن شيئا داخله انكسر وارتاح في نفس اللحظة.
ثم تلاشت ابتسامته تدريجيا، وهمس وكأنه يعترف لنفسه: مش عارف اللي أنا عملته دى صح ولا غلط؟!
صمت لحظة، ثم أكمل بصوت أثقل: بس اللي عارفه ومتأكد منه إني مبسوط انك طلعتي من كل ده حيه..
نظر لها طويلا، وكأنها آخر ما تبقى له من إنسانيته: ومتأكد انك هتكوني طوق نجاتي من جحيم أبوكي لما يعرف اللي حصل...
ابتلع ريقه، وصوته أصبح أكثر قسوة رغم هدوئه: ساعتها هقوله بنتك مقابل رقبتي؟!
ثم ضحكة قصيرة بلا روح: معلش بقي، في أي حرب لازم يكون فيه ضحايا، وإنتِ وماسة اتكتب عليكم تكونوا الضحايا.
عودة للحاضر.
فتح عينيه فجأة، كأن الذكريات صفعته بقوة، مسح وجهه ببطء، يحاول أن يزيل أثر ذلك الشعور الذي لم يفارقه، ذلك الرابط الخفي بين ماسة وسليم وجنة.
جنة التي اتضح أخيرا أنها ابنة سليم وماسة، لكن السؤال الذي دار في ذهنه بقوة: لماذا فعل كل هذا؟ كيف وصل كل شيء إلى هذه النقطة؟
أحاطه الصمت من كل جانب، ولكن داخله لم يعد كما كان، وكأن الماضي الذي كان يحاول إخفاءه، بدأ ينسج خيوطه في حاضره مرة أخرى..
تنهد يمسح علي وجهه: وجود جنة بقي خطر وشكلي لازم اخلص منها واقفل الملف بتاعها في اسرع وقت..
في احد الشوارع،3عصرا.
خرجت عائشة من السنتر الذي تأخذ به كورس لتقوية لغتها الاجنبيه، وهي تمازح إحدى صديقاتها: المرة الجايه ادربي احسن من كده، بدل ما بقطعك كل مره في ال conversation.
ردت صديقتها ضاحكه: لا خلاص حرمت، أنت شطورة في الإنجليزى يا عائشه.
أجابتها بمرح: خلي عندك روح تنافسيه واشتغلي علي نفسك.
ثم لوحت لهم موعده، وهي تبتعد بخطوات هادئة.
على بعد أمتار قليلة..
كانت هناك سيارة تاكسي متوقفة في جانب الطريق، وما إن اقتربت عائشة من الرصيف حتى تحركت السيارة ببطء، وتوقفت أمامها مباشرة.
رفعت يدها بإشارة معتادة، ثم فتحت الباب الخلفي وجلست: حدائق القبة لو سمحت.
اومأ السائق بصمت وانطلقت السيارة في الطريق.
أخرجت عائشة هاتفها، وبدأت تتصفح فيه سريعا، وترد على بعض الرسائل، دون أن تركز في الطريق.
مرت دقائق…
ثم رفعت رأسها فجأة، ونظرت حولها باستغراب خفيف، فالطريق بدا غريبا عليها.
ضيقت عينيها وتساءلت: هو حضرتك ماشي كده منين؟
اجاب السائق بهدوء: طريق مختصر يا أستاذة، علشان الطريق التاني عطلان وزحمة.
نظرت حولها بتوتر: لا معلش ودينا من الطريق التاني لو سمحت.
اومأ بصمت وهو يرفع يده بايماء خفيفة للسيارة التي تسير خلفه مباشرة.
فتحركت السيارة بسرعة وتجاوزته، ثم توقفت فجأة أمام التاكسي.
ضغط السائق على الفرامل بقوة، وقبل ان تدرك عائشه ما يحدث، فتح باب التاكسي ودخل رجل بسرعة يضع قطعة قماش على أنفها وفمها.
اتسعت عيناها بصدمة، وحاولت المقاومة، لكن الرجل أحكم قبضته عليها، وكتم صوتها حتي بدأ جسدها يضعف تدريجيا، ثم ارتخت حركتها.
عاد السائق تشغيل السيارة مرة أخري، بينما نظر له الرجل الآخر قائلا: كلم توتو، وقوله إننا في الطريق.
استوووووووب
تفتكروا رشدي هيخلص من جنة أزاي؟ وعائشة إيه إللى هيحصل معاها؟
أتمنى تكون الحلقة عجبتكم النهاردة ❤️
تكملة الرواية من هناااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملةالجزء الأول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق