القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 القاضي والطفله



القاضي والطفله

 

القاضي اتريق على الطفلة وهو مأيعرفش إنه ب يحاكم حفيدته.. والسر اللي كشفته مكالمة تليفون في نص الجلسة قلب حياته كلها!

الهوا في القاعة 4 في محكمة الأسرة ب قلب القاهرة كان تقيل، ريحة الورق القديم والتوتر مالية المكان. المستشار رأفت، قاضي بقاله 25 سنة في المحاكم وسمعته زي السيف، ظبط نظارته وبص في ساعة الحيطة. كانت الساعة 10 وربع الصبح، ورأفت معروف عنه الحزم ومبيحبش أي دوشة تخرج عن سياق القضية.

بس اللي حصل اليوم ده مكنش في أي قانون.

سكرتير الجلسة كان لسه هينده على القضية اللي عليها الدور، لما ظهرت طفلة صغيرة في نص القاعة، بين كراسي الجمهور ومنصة القضاة. بنت مأتكملش 5 سنين، لابة فستان بينك واسع عليها شوية، وشعرها مربوط قطتين كأن حد كان مستعجل وهو ب يسرح لها. وفي إيديها الصغيرة كانت ماسكة ب إصرار غريب موبايل أسود غالي.

المستشار رأفت سمح ل نفسه بابتسامة نادرة وقال بتعملي إيه هنا يا عروسة؟ وفين بابا وماما؟

البنت مأخافتش من هيبة القاضي ولا من المحامين اللي بصولها ب استغراب. رفعت الموبايل ب فخر وقالت بكلم.

رأفت ضحك ضحكة رنت في القاعة


كلها، ضحكة راجل حاسس إنه مسيطر على كل حاجة هتكلمي مين في نص الجلسة يا حبيبتي؟ كلمي اللي أنتي عوزاه.. كدة كدة المحامين النهاردة أبطأ من السلحفاة.

المحامي صاحب التليفون اكتشف ب كسوف إن البنت سحبت الموبايل من شنطته وهو ب يتناقش مع زميله، بس ضحكة القاضي خلته يسكت وما يتكلمش.

المستشار كمل تريقة وهو ب يمسح دموع الضحك من طرف الروب بتاعه كلمي يا بنتي أي حد.. ولو ردوا عليكي هيديكي شوكولاتة كمان.

البنت ملك ب براءة داست على الشاشة، والقاعة كلها بقت صصص، مفيش غير صوت رنة التليفون وهي طالعة من الاسبيكر ب وضوح يرعب. عند الرنة التالتة، المكالمة اتفتحت.

ضحكة المستشار رأفت مأماتتش فجأة، دي دبلت كأنها اتسممت. وشه اتحول من الأحمر من كتر الضحك ل لون أبيض زي الكفن في ثانية. من الاسبيكر، طلع صوت ست، واضح بس مخنوق ب تعب رأفت ب يشوفه في كوابيسه بس.

ملك؟ يا حبيبتي فيه إيه؟ بتكلميني من تليفون الأستاذ عصام ليه؟

المستشار رأفت حس إن النفس اتقطع عنه. الصوت ده يعرفه أكتر من القوانين اللي ب يحكم بيها. ده صوت دينا، بنته الوحيدة. البنت اللي مأكلمهاش من سنتين.

البنت اللي سابت البيت وهي ب تصرخ في وشه إنها تطلع يتيمة أحسن ما تعيش مع أب مبيعرفش غير القسوة والتحكم.

ملك ضمت الموبايل ل صدرها وبصت ل رأفت في عينه ماما! أنا مع الراجل اللي لابس أسود.. كان ب يضحك أوي، وبيقولي كلمي ماما.

محدش في القاعة اتجرأ يتنفس. رأفت، الراجل اللي ب يقرر مصير آلاف، دلوقتي باين كأنه طفل خايف قدام بنت عندها 5 سنين. لانو ملك مأكنتش غريبة.. ملك كانت حفيدته. الحفيدة اللي مأشافهاش غير في صور مهزوزة على الفيسبوك.

صوت دينا طلع تاني من الاسبيكر، والمرة دي ب رعب قطع القلب ملك؟ أنتي مع جدو رأفت؟ هو اللي كلمك؟

ملك ميلت راسها وبصت ل روب القاضي ب فضول وسألت ب صوت عالي هو أنت جدو رأفت؟

المستشار رأفت غمض عينه، وحس ب غصة في حلقه كانت ه تخنقه. سكوت المحكمة اتحول ل محاكمة ل روحه هو. اللي كان ه يحصل ملوش سابقة في تاريخ المحاكم، ورأفت فهم إن الحكم اللي ه يصدر اليوم ده مش ه يتكتب على ورق، ده ه يتكتب في تاريخ عيلته.. والمفاجأة إن دينا كانت في المحكمة لانو جوزها رافع عليها قضية طاعة عشان ياخد ملك ويحرمها منها، ورأفت كان هو اللي ه

يحكم في القضية دي من غير ما يعرف! 

القاعة سكتت سكوت مرعب، لدرجة إن صوت عقارب الساعة اللي فوق راس المستشار رأفت بقى كأنه دقات طبول في ودنه. ملك كانت واقفة بتبص له بعينيها الواسعة اللي ورثتها عن أمها دينا، نفس النظرة اللي كانت بتواجهه بيها دينا وهي بتدافع عن اختيارها للجواز من الإنسان اللي حبته.

رأفت حس إن الروب الأسود اللي لابسه بقى تقيل زي الرصاص. بص للمحضر اللي قدامه، وشاف اسم المدعية والمدعى عليه في القضية رقم 204 أحوال شخصية. الاسم كان مكتوب دينا رأفت المنشاوي ضد أحمد كمال الشناوي.

قلبه اتنفض.. هو كان قاري الاسم الصبح، بس كبريائه وعقله الباطن رفضوا يصدقوا إن دي بنته. افتكر إنها مجرد تشابه أسماء، أو يمكن كان بيحاول يهرب من الحقيقة. لكن صوت دينا اللي طالع من الموبايل في إيد الطفلة ملك كان الحقيقة الوحيدة الصارخة.

دينا صوتها بدأ يترعش من ورا الشاشة

ملك.. ردي عليا يا حبيبتي.. إنتي فين؟ باباكي عمل فيكي إيه؟

رأفت، بصوت مشروخ ومبحوح، مد إيده المرتعشة وأخد الموبايل من ملك. القاعة كلها كانت بتبص له بذهول. المحامين، السكرتارية، وحتى الحجاب.. الكل


فهم إن فيه دراما إنسانية بتهد جدران المحكمة.

رأفت حط الموبايل على ودنه وقال بكلمة واحدة، كلمة مخرجتش من زوره بقالها سنين

دينا.. دي أنا يا بنتي.. أنا بابا.

على الناحية التانية من الخط، دينا سكتت تماماً. مكنش فيه غير صوت شهقات مكتومة. وبعدين، صوتها طلع بمرارة سنين

إنت يا سيادة المستشار؟ إنت اللي هتحكم في قضيتي؟ طب م تفتكرش إنك حكمت عليا بالإعدام من سنتين لما طردتني؟ عاوز تحكم عليا بإيه تاني؟ عاوز تاخد مني بنتي وتديها ل أحمد اللي بيضربني وبيهين كرامتي عشان بس يكسر عيني؟

رأفت بص ل أحمد جوز بنته اللي كان قاعد في الصف الأول ببرود، والابتسامة اللي كانت على وش أحمد تلاشت تماماً وبقى وشه أصفر. أحمد كان عارف إن القاضي هو حماه، وكان معتمد إن رأفت بيكره بنته ف هيحكم ضدها عناد وتأديب ليها.

رأفت ساب الموبايل على المنصة، ونزل من فوق الكرسي العالي. نزل ل مستوى حفيدته ملك. القاضي العظيم،

تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه 

اللي م بينحنيش لحد، نزل على ركبه قدام الطفلة.

لمس شعرها بحنية وقال لها

إنتي ملك؟

ملك هزت راسها ببراءة أيوة.. وماما قالت لي إن جدو قاضي كبير وبيجيب الحق.. هو إنت هتجيب حق ماما؟

في اللحظة دي، الموبايل اللي كان على المنصة رن تاني، بس المرة دي رسالة صوتية وصلت على واتساب الأستاذ عصام المحامي اللي ملك سحبت منه الموبايل. عصام ارتبك جداً وحاول ياخد الموبايل، بس المستشار رأفت، بغريزة القاضي، داس على تشغيل قبل ما عصام يوصل له.

الصوت اللي طلع كان صوت أحمد جوز دينا وهو بيكلم المحامي عصام قبل الجلسة بيوم

يا عصام، رتب لي الشهود.. أنا عاوزهم يشهدوا إن دينا غير متزنة نفسياً وبتهمل البنت. المستشار رأفت كدة كدة بيكرهها ومش هيصدقها، وإحنا هنلعب على الوتر ده. لازم البنت تبقى معايا عشان أذل دينا وأخليها ترجع تبوس رجلي عشان تشوف بنتها.

صمت القبر خيّم على القاعة. أحمد قام وقف وهو بيترعش

ده فوتوشوب! ده تسجيل متفبرك!

رأفت قام وقف، وطوله بقى كأنه مأذنة في القاعة. عينيه كانت بتطلع شرار عدل ملوش مثيل.

بص لأحمد وقال له ببرود مرعب

المحكمة لا تلتفت للادعاءات.. المحكمة ترى الحقيقة بعين ملك. المحضر يا سكرتير!

رأفت رجع مكانه على المنصة، بس المرة دي مكنش القاضي الجلاد، كان القاضي الإنسان. بص ل دينا اللي كانت دخلت القاعة وجريت حضنت ملك وهي بتعيط، ومنظرهم وهما متشبثين ببعض كسر أي قانون جاف.

رأفت خبط بالمطرقة خبطة واحدة هزت القلوب

حكمت المحكمة.. حضورياً أولاً، برفض دعوى الطاعة المقدمة من المدعو أحمد كمال الشناوي. ثانياً، إثبات حضانة الطفلة ملك لوالدتها دينا رأفت المنشاوي بصفة نهائية. ثالثاً، تحويل المدعو أحمد كمال الشناوي والمحامي عصام ... للنيابة العامة بتهمة التآمر لشهادة الزور ومحاولة تضليل العدالة.

القاعة انفجرت بالتصفيق، والمستشار رأفت لأول مرة مأمرش بإخلاء القاعة.

ساب الناس تفرح بالعدل.

بعد الجلسة، رأفت نزل من المنصة وقلع الروب الأسود. مشي ناحية دينا وبنتها. دينا كانت بتبص له بخوف وعتاب.

رأفت مد إيده ومسح دموع بنته وقال لها

أنا حكمت بالعدل يا دينا.. بس لسه محكمتش على نفسي. سامحيني يا بنتي، أنا كنت فاكر إن القانون هو الورق، ونسيت إن القانون هو الرحمة. البيت مستنيكم.. والجد رأفت مستني حفيدته تعلمه إزاي يضحك تاني.

دينا ارتمت في حضن أبوها، وملك مسكت إيديهم الاثنين وقالت ببراءة

شوفتي يا ماما؟ جدو جاب الشوكولاتة وجاب الحق كمان!

ومن اليوم ده، القاعة 4 مأبقتش مجرد مكان للحكم، بقت رمز لليوم اللي العدل فيه لبس وش الحنية، واليوم اللي القاضي فيه اكتشف إن دمه أغلى بكتير من كبريائه.

العبرة م تفتكرش إنك لما تظلم حد من دمك هترتاح، لأن الدنيا دوارة وممكن تقعد على كرسي القضاء وتلاقي نفسك إنت اللي بتتحاكم.. والعدل الحقيقي هو اللي بيجمع القلوب، مش اللي بيفرقها.

 


 

تعليقات

close