اتجوزنى على مراته كاملة
اتجوزنى على مراته كاملة
اتجوزنى علي مراته علشان هى بتخلف بنات وعايز الولد وفعلا خلفتله الولد وحسيت نفسي اني ملكت الدنيا كلها وهو كان طاير من الفرحة انا ساكنه في شقة وهي في الشقة اللي تحت كنت بحاول احرق دمها بأي حجة ..ديما كنت بتبلي عليها بالكدب وجوزي يتخانق معاها وفي يوم عملت معاها خناقة بدون اسباب وقلتلها يا انا يا انتي في البيت ده عمري ما هنسي ساعتها وهي بتوطي وتبوسلي ايدي وتقولي حرام عليكي هروح فين انا وبناتي ده انا يتيمة لا اب ولا ام ومحدش من قرايبي هيستحملني انا مستعدة اكون خدامتك بس سيبيني في حالي انا وبناتي
الجزء الأول: “لما افتكرت إن الدنيا بقت ملكي”
اتجوزني على مراته الأولى علشان كانت بتخلف بنات، وهو كان نفسه في ولد يشيل اسمه. ولما ربنا رزقني بولد بعد سنة من الجواز، حسيت إن الدنيا كلها بقت تحت رجلي.
جوزي كان شايل ابني فوق كتافه طول الوقت، وكل ما حد يباركله يقول بفخر:
“أهو جه الواد اللي كنت مستنيه من سنين.”
أما هي… مراته الأولى، فكانت ساكنة في الشقة اللي تحتنا مع بناتها التلاتة.
في البداية كانت بتحاول تعاملني باحترام، لكن جوايا كان فيه إحساس غريب بالانتصار. كنت شايفة نفسي صاحبة المكانة الأعلى، وإنها خلاص انتهى دورها.
بدأت أفتعل المشاكل من أقل حاجة.
لو لقيت صوت بنت من بناتها في السلم أطلع أشتكي.
لو جوزي رجع البيت متضايق أقول له إنها كانت بتتكلم عليا.
ولو حصل أي خلاف بينه وبينها كنت أزوده وأحط عليه حكايات من عندي.
وهو للأسف كان بيصدقني.
كانت الأيام بتعدي والخلافات بينهم بتزيد.
وفي كل مرة كنت أشوف دموعها، أحس براحة غريبة.
لحد ما جه اليوم اللي غير كل حاجة.
نزلت عندها الشقة بدون سبب حقيقي.
خبطت الباب بعنف.
فتحت وهي مستغربة.
قلت لها بصوت عالي:
“أنا خلاص زهقت منك. يا أنا يا إنتِ في البيت ده.”
بصتلي بصدمة وقالت:
“عملتلك إيه بس؟”
لكن أنا ما سبتهاش تتكلم.
فضلت أزعق وأتهمها بحاجات كتير ملهاش أي أساس.
وفجأة حصل شيء ما كنتش متوقعاه.
لقيتها بتنزل على ركبتيها قدامي.
ومدت إيديها وهي بترتعش.
وقالت بصوت مكسور:
“حرام عليكي… هروح فين أنا وبناتي؟”
سكتُّ لحظة.
لكنها كملت وهي بتعيط:
“أنا يتيمة… لا أب ولا أم… ومليش حد في الدنيا. لو خرجت من البيت ده محدش هيسترني أنا والبنات.”
وبعدين عملت حاجة هتفضل محفورة في ذاكرتي طول عمري.
مسكت إيدي وباستها.
وقالت:
“أنا مستعدة أكون خدامتك… بس سيبيني في حالي.”
كان المفروض أتأثر.
كان المفروض أحس بالشفقة.
لكن الغرور كان عاميني.
سحبت إيدي منها بعنف وقلت:
“ده مش شغلي. دوري على مكان تاني.”
وفي نفس الليلة رجع جوزي.
وحكيتله قصة مختلفة تمامًا.
قلتله إنها هي اللي شتمتني وأهانتني قدام الجيران.
اشتعل غضبه ونزل عندها.
سمعنا صوت الخناقة من فوق.
وبعد ساعة طلع وهو بيقول:
“خلاص… أنا هطلقها.”
يومها حسيت إني انتصرت.
فضلت أبص من البلكونة وهي قاعدة في الجنينة الصغيرة تحت البيت، وبناتها حوالين منها بيعيطوا.
لكن الغريب…
إنها ما صرختش.
ما اتخانقتش.
ما حاولتش تدافع عن نفسها.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
كانت ساكتة بشكل مخيف.
وباصصة في نقطة بعيدة كأنها فقدت الأمل في كل حاجة.
بعد أسبوعين تم الطلاق.
وأخدت بناتها وسابت البيت فعلًا.
اختفت تمامًا.
ومع اختفائها بدأت حياتي أنا وجوزي تبقى زي ما كنت بحلم.
بقيت الزوجة الوحيدة.
والولد اللي جبتُه بقى محور اهتمام الجميع.
لكن بعد شهور قليلة…
بدأت حاجات غريبة تحصل.
جوزي بقى سرحان طول الوقت.
ضحكته اختفت.
وبقى كل ما يسمع صوت بنت صغيرة في الشارع يسكت فجأة.
وفي ليلة شتوية، صحيت من النوم على صوت بكائه.
أيوه… بكائه.
أول مرة أشوف الراجل ده بيعيط.
سألته باستغراب:
“مالك؟”
مسح دموعه بسرعة وقال:
“مفيش.”
لكن كان واضح إن فيه حاجة كبيرة مخبيها.
ومن يومها بدأ يخرج كل يوم بعد الشغل لساعات طويلة بدون ما يقولي رايح فين.
ولما أسأله يرد بعصبية:
“متدخليش في اللي ملكيش فيه.”
لحد ما جه يوم…
رجع البيت وشه أصفر وكأنه شاف شبح.
ودخل الأوضة وقفل على نفسه.
وبعد ساعات من الصمت خرج وهو ماسك ظرف قديم.
رمى الظرف قدامي على الترابيزة وقال:
“اقري ده.”
فتحت الظرف وأنا مستغربة.
#الكاتب_رومانى_مكرم
ولما شفت أول ورقة جواه…
اتجمد الدم في عروقي.
لأنها كانت رسالة مكتوبة بخط مراته الأولى…
وفي آخر سطر فيها سر خطير جدًا…
سر لو كان ظهر من سنين، ما كانش لا اتجوزني… ولا طلقها… ولا حصل أي حاجة من اللي فاتت.
**الجزء الثاني: “انكشاف المستور ودوران العجلة”**
فتحت الورقة الأولى بإيد بترتعش، وعيني جت على الكلام المكتوب بخط إيدها المهزوز. كانت كاتبة:
“إلى الزوج اللي افتكرت إنه سندي.. أنا عمري ما زعلت من قضاء ربنا إن عيالي بنات، البنات هم المؤنسات الغاليات زي ما الرسول قال، لكن اللي كسرني هو إنك بعتني وصدقت فيا الكدب علشان شهوة الولد. أنا ماشية ومش هتشوف وشي تاني، بس قبل ما أمشي لازم تعرف الحقيقة اللي خبيتها عليك سنين عشان أحميك من صدمتك.. الحقيقة اللي التحاليل اللي في الظرف ده بتثبتها.. أنت عندك عقم كامل ومبتخلفش يا أحمد، وبناتي التلاتة دول أنا متبنياهم من ملجأ من أول جوازنا لما عرفنا الحقيقة واتفقنا نداري على بعض ونربيهم كأنهم من صلبك.. الولد اللي طاير بيه مش ابنك.. دور ورا اللي اتجوزتها.”
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة، حسيت الأرض بتلف بيا، والدم اتجمد تمامًا في عروقي. بصيت لجوزي وأنا مش قادرة أصلب طولي، كان باصصلي بنظرة مليانة غل وكره عمري ما شفته في عينه قبل كده. سحب من إيدي الأوراق التانية اللي كانت في الظرف.. كانت فعلاً تقارير طبية قديمة بتاريخ قديم، وتقارير تانية لسه عاملها هو الأسبوع ده من ورايا بعد ما لقى الرسالة دي في هدومه القديمة اللي سابتها في الشقة اللي تحت.
زعق في وشي بصوت هز جدران البيت:
“الولد ده ابن مين؟ أنطقي! أنا طول السنين دي مضحوك عليا؟!”
وقعت على ركبي، نفس الوقعة اللي هي وقعتها قدامي من كام شهر، وبكيت بحرقة وأنا بحلف له بكل غالي عندي:
“والله ابنك! والله ما عرفت راجل غيرك! التحاليل دي أكيد غلط.. أنت أبو ابني!”
لكن أحمد مكنش سامعني، الغضب عماه، مسكني من شعري وجرني لحد العربية، وأخدني أنا والولد على أكبر معمل تحاليل في البلد وهو بيصرخ:
“النهارده هعرف مين فيكم اللي شيطان ومين اللي ملاك!”
مرت تلات أيام كأنهم تلات سنين، مكنتش بدوق فيهم النوم، ولا كنت قادرة أبص في وش ابني اللي كان ذنبه الوحيد إنه جه للدنيا دي. وفي اليوم الرابع، رجع أحمد والتقرير في إيده. فتح الباب ودخل، وشه كان خالي من أي تعبير، هدوء مخيف يسبق العاصفة.
حدف التقرير في وشي وقال ببرود قاتل:
“التحليل أثبت إن الولد ابني فعلاً.. معجزة طبية بنسبة واحد في المليون.. ربنا أراد يديني الولد من صُلبي بعد سنين العقم.. بس ربنا كشفلي كمان حقيقتك.. كشفلي إنك شيطانة خربتي بيت واحدة اتنازلت عن أمومتها ودارت على عيب جوزها وعاشت تخدمه وتربي يتامى علشان تحافظ على كرامته قدام الناس.”
اتنفست الصعداء للحظة وقلتله وأنا بعيط:
“الحمد لله.. يعني صدقتني؟ أنا بحبك وعملت كل ده عشان تفضل معايا أنا وابنك..”
قاطعني بضحكة ساخرة وموجوعة، وقال وهو بيبصلي بقرف:
“أنا طالقتك يا هدى.. طلاق غيابي عند المأذون قبل ما أجي. وأنتِ والولد مالكمش مكان هنا. أنا هدور على مراتي وبناتي لو هلف عليهم الدنيا كعب داير، هبوس تراب رجلين الست اللي صانتني وصانت سري، وأنتِ اطلعي برة بيتي.. برة حياتي.”
لميت هدومي والدموع عامية عيني، وخرجت من الشقة وأنا شايلا ابني على كتفي، نزلت السلم وبصيت لشقتها اللي تحت.. كانت ضلمة وفاضية، واقتربت من بابها واقتكرت يوم ما باست إيدي وقالتلي “حرام عليكي”. حسيت ساعتها إن ذنبها ودموعها بدأوا يتردوا ليا في نفس اللحظة.
خرجت للشارع في نص الليل، الهوا كان ساقع، والولد بدأ يعيط بين إيديا.. ومكنتش عارفة هروح فين، ولا مين هيسترني أنا وابني في وقت متأخر زي ده. تذكرت جملتها الأخيرة: “مليش حد في الدنيا.. ومحدش هيسترني”. ودلوقتي، أنا اللي بقيت في الشارع، من غير سند، ومن غير زوج، وبإيدي اللي خربت بيتي بإيدي.
**الجزء الثالث: “التائهون في ممر العدالة”**
خرجت للشارع المظلم، الهوا الساقع كان بيخبط في وشي وكأنه بيجلدني على كل لحظة ظلم ظلمتها للست دي. ابني “سيف” كان بيصرخ بين إيديا من البرد والخوف، وأنا مش عارفة أروح فين. أهلي ناس على قد حالهم في محافظ تانية، ولو رحتلهم بالفضائح دي وبأني اطلقت وطُردت في نص الليل، هكون مكسورة الجناح قدام الكل.
قعدت على رصيف في آخر الشارع، وضامة ابني لصدري وأنا ببكي بحرقة. كل دمعة نزلت من عين مراته الأولى كانت بتتحول دلوقتي لسهم في قلبي. افتكرت لما كانت بتقولي “أنا مستعدة أكون خدامتك”، ودلوقتي أنا مش لاقية مكان يحميني أنا وابني اللي كنت فاكرة إنه هيكون حصني المنيع وسندي في الدنيا.
مرت الليلة دي كأنها سنة، قضيتها في لوكاندة صغيرة وبسيطة نزلت فيها مؤقتًا بفلوس دهبي اللي كانت معايا. كنت ببص لسيف وهو نايم، وبسأل نفسي: “الذنب ذنبي أنا، بس الواد ده ذنبه إيه يعيش مشرد وأبوه يرميه الرمية دي؟”
في نفس الوقت، كان أحمد عايش في جحيم تاني.
ما قعدش في البيت دقيقة واحدة. بدأ رحلة البحث عن مراته الأولى “أسماء” وبناته. راح للملجأ اللي كانت أسماء متبنية منه البنات، وراح لبيوت بعض معارفها القدام اللي كانت تعرفهم قبل ما تتقطع صلتها بيهم. كان بيمشي في الشوارع زي المجنون، ماسك صور البنات وصورتها، بيسأل وبيدور في كل مكان.
ندمه كان بياكل في قلبه. كان بيفتكر إزاي هي استحملت نظرات الشفقة من الناس، وإزاي دارت على عيبه وعاشت معاه تخدمه وتربي بنات مش من دمها بس عشان تستر سري وتحميني من كلام الناس وعيرتهم. كان بيقول لنفسه:
“أنا ضيعت الملاك اللي صانني، ومشيت ورا الشيطانة اللي خربت بيتي.”
بعد أسبوعين من التدوير، تليفون أحمد رن. كان واحد من أصحابه القدام بيقوله:
“أحمد، أنا شفت أسماء والبنات في منطقة عشوائية على أطراف القاهرة، شغالة في مشغل خياطة صغير، وقاعدة في أوضة فوق السطوح.”
أحمد ما كدبش خبر، طار بالعربية للمكان. لما وصل ودخل الحارة الضيقة، طلع السلم المهدود لحد ما وصل للسطوح. شاف الباب موارب، وبص من الشق.. شافها قاعدة على مكنة الخياطة وعينها مجهدة، والبنات حواليها بيذاكروا على نور لمبة ضعيفة.
فتح الباب ودخل وهو بينهج، ودموعه سبقت كلامه. أول ما شافته، وقفت مصدومة، والبنات جريوا استخبوا وراها وخايفين.
وقع أحمد على ركبه قدامها، وبكى بصوت مسموع وقال:
“سامحيني يا أسماء.. أنا عرفت كل حاجة.. عرفت إنك صنتيني وأنا بعتك، عرفت إنك سترتيني وأنا فضحتك.. ارجعي معايا يا بنت الناس، البيت بيتك، وأنا مستعد أكون خدام تحت رجليكي أنتِ والبنات.”
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
أسماء بصتله بنظرة هادية، مكنش فيها غل ولا كره، لكن كان فيها برود غريب كسر قلب أحمد أكتر. مسحت دموع بنتها الصغيرة وقالتله بصوت واطي ومستقر:
“أنا سامحتك بيني وبين ربنا يا أحمد، لأني عمري ما كرهتك. بس الرجوع مستحيل. اللي اتكسر جوانا مبيصلحوش ندم. أنا هنا بربي بناتي بلقمة حلال، ومستورة من غير ما حد يعايرني أو يذلني.”
أحمد صرخ:
“عشان خاطري يا أسماء.. ربنا كرمني بالولد من هدى، بس أنا طردتها وطلقتها لما عرفت حقيقتها.. أنا مش عايز غيرك أنتِ والبنات، الولد ملوش ذنب بس أمه هي اللي دمرتنا.”
لما سمعت اسم “هدى” والولد، ملامح أسماء اتغيرت، وبصت لأحمد بنظرة فيها عتاب طويل وقالت جملة وقعت على أحمد زي الصاعقة:
“طردت هدى وابنك؟ بعت التانية زي ما بعت الأولى؟ أنت لسه متعلمتش الدرس يا أحمد؟”
في الناحية التانية، كنت أنا (هدى) قاعدة في الأوضة الضلمة في اللوكاندة، والفلوس اللي معايا بدأت تخلص. وفي لحظة يأس وفشل، قررت إني لازم أرجع لأحمد.. مش عشان نفسي، عشان ابني ميتشردش.
شلت سيف ورحت للبيت. طلعت السلم وأنا رجليا بتترعش. جيت أخبط على الباب، لقيت الباب مفتوح.. دخلت الشقة وكنت فاكرة أحمد لوحده، لكن الصدمة كانت مستنياني جوه.
لقيت أحمد قاعد، ومعاه أسماء والبنات التلاتة واقفين في الصالة.
أول ما أحمد شافني وشاف الولد في إيدي، عينه اسودت وقام وقف وعلامات الغضب والشر ظهرت في وشه، وصرخ فيا وهو بيقرب مني وعينه بتطلع شرار.
**الجزء الرابع: “مواجهة الحساب”**
تسمرت في مكاني، ونظرات أحمد كانت كفيلة بإنها تدبحني. صرخ فيا وصوته زلزل الحوائط:
“إنتِ إيه اللي جابك هنا تاني؟ أنا مش طردتك وطلقتك؟ ميبقاش ليكي عين تيجي بعد كل اللي عملتيه!”
قرب مني ومسكني من كتفي بعنف وهو بيحاول يخرجني برة الشقة، والولد سيف بدأ يصرخ ويبكي من الخوف. كنت بعيط وبستعطفه:
“عشان خاطر ابنك يا أحمد.. ارحمني وارحم ابنك، ماليش مكان أروح فيه والفلوس اللي معايا خلصت.. سيف ملوش ذنب في أي حاجة!”
لكن أحمد كان غايب عن الوعي من كتر الغل، وزقني بكل قوته لدرجة إني كنت هقع على السلم أنا والولد. وفي اللحظة دي، ظهر إيد مسكتني ومنعتني من الوقوع.. بصيت ورايا ومكنتش مصدقة.
كانت أسماء.
أسماء وقفت بيني وبين أحمد، وبصتله بنظرة قوية وعمر ما شفتها فيها قبل كده، وقالت بصوت حازم:
“سيبها يا أحمد.. كفاية ظلم لحد كده.”
أحمد بص لأسماء بذهول وقال:
“إنتِ بدافعي عنها يا أسماء؟ دي اللي حرقت دمك وتتبلت عليكي بالكدب وكانت السبب في طلاقنا وخراب بيتك!”
أسماء لفت وبصتلي، وعينها جت في عيني. كنت واطية في الأرض ومش قادرة أرفع عيني فيها من كتر الكسوف والذنب. شافت ابني سيف وهو بيموت من الرعب، فمدت إيدها وأخدته مني براحة وضمتُه لصدرها وطبطبت عليه لحد ما سكت، وقالت لأحمد:
“الست دي غلطت في حقي وفي حق نفسها، وربنا جابلي حقي منها لحد عندي.. لكن الواد ده ملوش ذنب، ده ابنك ومن صُلبك يا أحمد.. الولد اللي فضلت طول عمرك تدعي ربنا يرزقك بيه.. ترميه في الشارع عشان تعاقب أمه؟”
أحمد قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه وبدأ يبكي بحرقة وقال:
“أنا مش قادر أبص في وشها يا أسماء.. كل ما بشوفها بفتكر إني ظلمتك وصدقتها.. بفتكر إني بعت الست اللي صانت سري وعاشت معايا على الحلوة والمرة علشان واحدة شيطانة.”
أسماء قربت منه وحطت سيف على حِجره وقالتله:
“لو عايزني أسامحك بجد يا أحمد، وتكفر عن ذنبك قدام ربنا.. لازم تتقي الله في ابنك.. هدى خلاص اطلقت وأخدت جزاءها، وأنا مش هسيب بناتي يربوا في مكان فيه غل وانتقام. أنا وافقت أرجع معاك البيت ده بس بشرط واحد.. الشقة اللي تحت تفضل ليا ولبناتي، والولد ده يعيش في شقته فوق معزز مكرم، وأمه ليها حق تشوفه وترعاه، لكن جوازنا أنا وإنت مش هيرجع زي الأول إلا لما أشوف اتقيت الله في عيالك كلهم.. بنات وولاد.”
أنا كنت واقفة مش مصدقة اللي بسمعه.. الست اللي بست إيدي عشان أسيبها في حالها وطردتها، هي الوحيدة اللي بتدافع عن ابني وبتحميني من الشارع. وقعت على رجليها وبكيت وكنت عايزة أبوس جزمتها من كتر الندم، وقلت لها وأنا بنهج من العياط:
“سامحيني يا أسماء.. أنا كنت عامية.. أنا مستعدة أكون جارية تحت رجليكي بس سامحيني.”
أسماء بعدت عني بهدوء وقالت:
“أنا مش عايزاكي تبوسي إيدي ولا رجلي يا هدى.. أنا سامحتك عشان خاطر الغلبان اللي في إيدك ده.. بس الدرس اللي لازم تفهميه، إن الدنيا دوارة، واللي بتظلميه النهارده، ممكن يكون هو السند الوحيد ليكي بكرة.”
أحمد رفع راسه، وبصلي بنظرة خالية من أي مشاعر وقال بصوت جاف:
“أنتِ هتقعدي في أوضة في الشقة اللي فوق عشان خاطر ترضعي ابنك وتاخدي بالك منه.. مالكيش أي حقوق عندي، ولا أنتِ مراتي، ولا عايز أشوف وشك في الصالة.. وأي حركة أو غلطة تانية، هتكوني برة البيت ده فورًا.”
وافقت وأنا بحمد ربنا إن ابني لقى سقف يحميه، وطلعت الشقة فوق وأنا حاسة بمرارة الانتصار المزيف اللي عشته.. بقيت عايشة في البيت كأن الخدامة، وأسماء وبناتها بقوا هم أصحاب المكانة العالية باحترامهم وأدبهم.
مرت الأيام، وأحمد كان مهتم جدًا بأسماء والبنات وبيحاول يعوضهم عن كل لحظة حزن، وكان بيعامل سيف بحنان بس كان بيتجنب يكلمني تمامًا.
وفي يوم، وأنا قاعدة في المطبخ، سمعت صوت حركة غريبة في الصالة.. خرجت بسرعة أشوف فيه إيه، لقيت أحمد واقع على الأرض وجسمه بيتنفض، وعينه مقلوبة لفوق وبيموت.. صرخت بأعلى صوتي ونديت على أسماء.. ولما الإسعاف جت ونقلناه المستشفى، الدكتور خرج لينا وشه ما يبشرش بالخير أبدًا، وماسك في إيده تقرير طبي جديد..
**الجزء الخامس: “بين الحيا والموت.. وانكشاف الحساب القديم”**
خرج الدكتور من غرفة الطوارئ، وعلامات الأسى والجدية على وشه. جريت عليه أنا وأسماء اللي كانت واقفه وضامه بناتها ليها وجسمها كله بيرتعش.
سألته بلهفة وخوف:
“خير يا دكتور؟ أحمد ماله؟ إيه اللي حصل له فجأة كده؟”
الدكتور بص في التقرير اللي في إيده واتنهد وقال:
“المريض جاله جلطة شديدة في الشريان التاجي، تسببت في توقف مؤقت لعضلة القلب.. قدرنا ننعشه بالصدمات الكهربائية حاليًا، بس الوضع حرج جدًا ودخل في غيبوبة كاملة.. واضح إنه كان تحت ضغط عصبي ونفسي رهيب فوق طاقة جسمه بقاله فترة طويلة.”
أسماء حطت إيدها على بقها وبدأت تبكي بصوت واطي، وبناتها اترموا في حضنها وهم بيصرخوا على أبوهم. أما أنا، فالدنيا لفت بيا.. حسيت إن السقف بيقع فوق دماغي. أحمد كان هو الأمل الوحيد اللي باقيلي عشان أعيش في البيت ده وأربي ابني، وبوقوعه ده أنا ملقتش ليا أي ضهر.
تابعوا صفحة محمد السبكي للقصص والروايات الحصريه
مرت الساعات ثقيلة ومرعبة في ممرات المستشفى. كنا قاعدين أنا وأسماء، ومفيش حد فينا بيكلم التاني. هي كانت مشغولة بالدعاء وقراءة القرآن للبنات، وأنا كنت ببص لها وبفتكر كل لحظة قهرتها فيها، وبقول في بالي: “يا ترى ده عقاب ربنا ليا في أحمد؟ ولا ربنا بياخد لها حقها تالت ومتلت؟”
بعد يومين من الانتظار في المستشفى، جه محامي أحمد. كان راجل كبير في السن وعارف العيلة كويس. دخل وشه حزين، وطلب يقعد معايا أنا وأسماء في استراحة المستشفى.
المحامي طلع أوراق من شنطته وقال بصوت هادي:
“يا جماعة، الحاج أحمد قبل ما يتعب بأسبوع، كان جالي المكتب وطلب مني أعمل إجراءات معينة، وكأنه كان حاسس إن أجله قريب أو إن فيه حاجة هتحصل له.”
بصينا له بانتظار، فكمل وهو بيبص لأسماء باحترام:
“الحاج أحمد كتب الشقة اللي تحت، والمحل اللي بيكسب منه، باسم الحاجة أسماء وبناتها التلاتة.. كتعويض وتأمين لحياتهم. وكتب الشقة اللي فوق باسم ابنه سيف، وعمل ليكم أنتوا الاتنين حق انتفاع فيها.”
أنا اتنفست الصعداء شوية، على الأقل ابني بقى ليه شقة تضمن مستقبله. لكن المحامي مخلص كلامه، بصلي ونظراته اتغيرت وقال:
“بس فيه بند تاني صمم الحاج أحمد يحطه في الوصية والأوراق الرسمية.. بند يخصك أنتِ يا مدام هدى.”
قلت له بقلق:
“بند إيه يا متر؟”
المحامي قال:
“أحمد كتب إنك مالكيش أي حق في إدارة الشقة أو الوصاية على ابنك سيف في حال وفاته أو عجزُه.. وصمم إن الوصية الشرعية والمالية على ابنك سيف تكون للحاجة أسماء.. هي اللي تتولى تربيته والتحكم في ورثه لحد ما يكبر، وأنتِ مالكيش غير حق الإقامة والرضاعة بس.. وده لأنه قال بالحرف: ‘أنا مأمنش على ابني مع واحدة خربت بيوت بالكدب والافترا’.”
الكلام نزل عليا كأنه خنجر في قلبي. أحمد حتى وهو بيموت، مأمنيش على ابني! حرمني من حق الوصاية عليه وسلمه للست اللي أنا طردتها وظلمتها. بصيت لأسماء وأنا مكسورة تمامًا، ومستنية أشوف رد فعلها.. هل هتنتقم مني دلوقتي؟ هل هتطردني من الشقة أو تحرمني من ابني؟
أسماء بصت للمحامي، وبمنتهى الهدوء والثقة قالت:
“أحمد عايش يا متر، وإن شاء الله يقوم بالسلامة لعياله.. والأوراق دي شيلها دلوقتي، إحنا مش وقت ورث ولا وصاية.. إحنا وقت دعا.”
عدى أسبوع كمان، وحالة أحمد بدأت تستقر بشكل بسيط، والدكاترة بدأوا يسحبوا أجهزة التنفس الصناعي عشان يفوق من الغيبوبة. في اليوم ده، كنت أنا اللي واقفة قدام زجاج غرفة العناية المركزة ببص عليه.
وفجأة، لقيت أحمد فتح عينه براحة.. بص حواليه بتشوش، ولما عينه جت عليا، ملامحه اتقبضت، وحاول يتكلم بس صوته مكنش طالع. شاورت للدكتور بسرعة، ودخلوا يكشفوا عليه.
بعد دقائق، الدكتور خرج وشه متغير وطلبنا أنا وأسماء ندخل معاه لأحمد.
دخلنا الأوضة، وأحمد كان ساند ضهره على السرير، عينه كانت مليانة دموع.. بص لأسماء وبناته وبدأ يبكي، وحاول يرفع إيده عشان يمسك إيد أسماء. أسماء قربت منه بحنان ومسكت إيده وقالت: “حمد لله على سلامتك يا أبو البنات.. ربنا استجاب لدعانا.”
أحمد حاول يلتفت ليا، وبصلي بنظرة غريبة جدًا.. مكنتش نظرة غضب زي الأول، كانت نظرة خوف وعجز. حاول يتكلم وطلعت الكلمات منه بالعافية ومقاطعة:
“هدى… أنا… أنا…”
وقبل ما يكمل جملته، دخلت الممرضة بسرعة وهي بتبص لجهاز ضربات القلب اللي بدأ يصفر ويتحرك بجنون، والدكتور زعق وقال: “اخرجوا برة فورا.. الحالة بيحصل لها انتكاسة مفاجئة!”
خرجنا وأنا بصرخ، وأسماء بتبكي وتدعي.. وفي وسط الفوضى دي كلها في الممر، تليفوني رن برقم غريب.. رديت وأنا مش في وعيي، لقيت صوت راجل بيقولي:
“أنتِ هدى؟ أنا قريت اللي كتبته أسماء في الرسالة القديمة لأحمد.. ولازم تقابليني فورًا، لأن السر اللي اتقال في الرسالة دي وراه سر تاني أكبر يخصك أنتِ والولد، وأحمد ميعرفوش!”
**الجزء السادس: “شظايا الماضي.. والسر المكبوت”**
تسمرت في مكاني بممر المستشفى والتليفون على ودني، وصوت الراجل الغريب لسه بيرن في دماغي. بصيت حواليا برعب، أسماء كانت مشغولة بالدعاء والبنات بيعيطوا والدكاترة جوة الأوضة بيحاولوا ينعشوا قلب أحمد اللي بينتكس. انسحبت براحة من وسط الزحمة وطلعت في حتة هادية بالممر وقلت بصوت بيترعش:
“أنت مين؟ وعايز مني إيه في وقت زي ده؟”
الراجل رد بصوت واطي وحذر:
“أنا دكتور مدحت، الطبيب اللي كان بيعالج أحمد من سنين وعمل له تحاليل العقم الأولى.. أنا شفت أسماء من كام يوم لما كانت بتدور على ورق قديم، وعرفت إنها سابت له الرسالة والتحاليل القديمة. لازم تعرفي إن التحاليل دي ناقصة حقيقة تانية أحمد نفسه ميعرفهاش، ولو أحمد مات دلوقتي من غير ما يعرفها، حقيقة ابنك سيف هتفضل مشوهة العمر كله.. تعاليلي العيادة فوراً.”
قفل الخط وسابني في حيرة تنهش في عقلي. بصيت لغرفة العناية، الدكتور خرج وعلامات الإجهاد على وشه وقالنا: “الحمد لله، قدرنا نسيطر على الانتكاسة وضغط الدم استقر، بس هو نايم تحت تأثير المهدئات لحد بكرة الصبح، ومفيش فايدة من قعدتكم هنا.”
أسماء بصتلي وقالت بإنهاك: “يلا بينا يا هدى عشان العيال الصغيرين، وبكرة الصبح نرجع نطمن عليه.”
وافقتها وأنا عقلي في مكان تاني تماماً. أول ما وصلنا البيت، حطيت سيف في السرير، واستنيت لحد ما الكل نام، ونزلت في نص الليل أركب تاكسي لعنوان عيادة الدكتور مدحت اللي بعتهالي في رسالة.
وصلت العيادة القديمة في منطقة هادية. دخلت الأوضة ولقيت الدكتور مستنيني، وشه كان شايب ومليان أسف. قعدت وأنا بنهج وقلتله: “أرجوك قولي في إيه؟ أحمد عمل تحليل DNA والولد طلع ابنه فعلاً، وأسماء كانت كاتبة في رسالتها إن أحمد مبيخلفش نهائي.. إزاي ده حصل؟”
الدكتور مدحت اتنهد وطلع ملف قديم مغبر، وحطه قدامي وقال:
“أحمد فعلاً كان عنده عقم شبه كامل في بداية جوازه من أسماء، ونسبة الخلفة كانت شبه مستحيلة.. وأسماء لما عرفت، ضحت بأمومتها عشان تحميه من كسر النفس قدام أهله وصممت تتبنى البنات وتنسبهم ليه باتفاق سري مع الميتم وبيني عشان نطلع شهادات ميلاد باسمه.. لكن الحقيقة اللي أحمد ميعرفهاش، إني بعد سنين من التبني، عملت له فحص جديد واكتشفت إن حالته اتحسنت جداً بسبب علاج كان بياخده، وبقت فيه نسبة، ولو واحد في المليون، إنه يخلف.”
برقت عيني وقلت بلهفة: “طب وليه مقلتلوش؟ ليه سبت أسماء تفتكر إنه لسه عقيم؟”
الدكتور نزّل راسه وقال بأسف: “أنا كنت هقوله، بس أسماء لما عرفت رجتني وبكت، وقالتلي: ‘يا دكتور، لو أحمد عرف إنه ممكن يخلف، غريزته هتخليه يتجوز تانية عشان يجيب الولد من صُلبه، وبناتي اليتامى دول هيكسروا ويحسوا إنهم غرباء في البيت، سيبه فاكر إنه عقيم وأنا متبنية البنات علشانه’.. أسماء ضحت بالسر ده عشان تحمي بناتها اليتامى من إنه يتخلى عنهم!”
دموعي نزلت ومبقتش قادرة أتنفس.. أسماء مكنتش بتخبي السر عشان تذل أحمد، دي كانت بتحمي بناتها اللي مالهمش حد في الدنيا.. وأنا جيت بكل غل ودمرت السيستم اللي هي بنته بالتضحية والدموع.
advertisement
الدكتور كمل وكلامه صدمتني أكتر: “لكن الصدمة الأكبر يا هدى.. إن أحمد لما لقى الرسالة الأسبوع اللي فات، واكتشف إن البنات متبنيين، انهار وجالي العيادة وهو مجروح، وقالي إنه عمل لكِ وللولد تحليل وطلع ابنه، وسألني إزاي؟ فأنا اضطريت أقوله الحقيقة.. أقوله إن أسماء خبت عليه إنه خف عشان تحمي البنات.. أحمد جاله الجلطة لما عرف إنه ظلم أسماء مرتين: مرة لما افتكرها مابتخلفش، ومرة لما افتكرها بتخدعه بالتبني.. الجلطة جاتله من قهرته على الست اللي صانته وهو داس عليها.”
رجعت البيت الفجر وأنا شايلة جبال فوق كتافي. طلعت الشقة فوق، وبصيت لسيف وهو نايم.. الواد ده جه بمعجزة إلهية، بس المعجزة دي دمرت حياة ناس ملهمش ذنب.
تاني يوم الصبح، رحت أنا وأسماء المستشفى. دخلنا لأحمد الأوضة، وكان فايق بس مبيتحركش، عينه كانت دبلانة ودموعه نازلة على مخدته.
بص لأسماء وحاول يرفع إيده المرتعشة، وبصوت مبحوح ومقطع قال:
“سامحيني يا أسماء.. الدكتور مدحت قالي كل حاجة.. قالي إنك خبيتي عليا عشان تحمي البنات.. أنا اللي كنت أعمى.. أنا اللي بعت الذهب بالتراب.”
أسماء مسكت إيده وعيطت: “مسامحاك يا أحمد.. والله مسامحاك، قوم بس عشان خاطر عيالك.”
في اللحظة دي، أنا تقدمت.. كنت حاسة إني لازم أنهي كل الكدب والغل اللي عيشت فيه. وقفت قدام السرير، وبصيت لأحمد ولأسماء، وقلت بصوت عالي وواضح وسط دموعي:
“أنا اللي لازم أدفع التمن.. أنا اللي هصلح كل حاجة قبل ما فوات الأوان.”
أحمد وأسماء بصوا لي باستغراب، وأحمد حاول يتكلم، بس أنا طلعت من شنطتي ورقة كنت كاتباها ومضياها من ساعتين عند المحامي، وحطيتها في إيد أسماء.. ورقة هتقلب كل الموازين حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
**الجزء السابع والأخير: “حصاد الحكمة.. ودوران العجلة”**
فتحت أسماء الورقة وهي مستغربة، وبصت في السطور المكتوبة بخط إيدي وعينيها بتوسع من الصدمة. كانت الورقة عبارة عن تنازل رسمي وموثق عن كل شيء.. كتبت فيها إني متنازلة لأسماء وبناتها عن نصيبي في أي ورث أو منفعة، وكمان كتبت إقرار وتعهد رسمي بأن الوصاية الكاملة على ابني “سيف” تعليميًا وماليًا وتربويًا تكون لأسماء في حال حياة أحمد أو وفاته، وإني مش هكون أكتر من حاضنة ومرضعة ليه، بوجّهه لطريق الحق اللي أنا عِمت عنه.
بصيت لأحمد اللي كان باصصلي بذهول، وقلت له وأنا ببكي بحرقة ونفسي مكسور:
“أنا عارفة إن الندم مبيصلحش اللي انكسر يا أحمد.. وعارفة إن الكدب والغل اللي عيشت بيهم خربوا بيوت ناس ملهمش ذنب. أنا جيت البيت ده عشان أملك الدنيا بالولد، بس اكتشفت إن الدنيا اللي تتبني على قهر ست غلبانة ويتيمة ومظلومة، بتكون أول حاجة تقع على دماغ صاحبها. أنا متنازلة عن كل حاجة لأسماء.. لأنها الست الوحيدة اللي تؤتمن على ابنك وعلى مستقبله.. هي اللي صانتك في غيبتك، وهي اللي هتربي ابنك على الأصول والنضافة اللي أنا مكنتش عارفاها.”
لفت لأسماء، ووقعت على ركبي قدامها، بس المرة دي مش من خوف من الشارع، ولا غرور.. المرة دي بكسرة نفس حقيقية وتوبة لربنا، وقلت لها:
“لو كنتِ وطيّتي بستي إيدي زمان عشان خاطر بناتك والستر.. فأنا دلوقتي مستعدة أبوس تراب رجليكي عشان تقبلي تربي ابني معاكي، وتطلعيه راجل صالح ميعرفش الظلم ولا يكسر بقلب حد زي ما أبوه وأمه عملوا.”
أسماء دمعت، وقربت مني بهدوء، ومدت إيديها اللي طالما كانت ممدودة بالخير، ورفعتني من على الأرض وضمتني لصدق في لحظة خلت كل غل وحقد جوايا يدوب ويموت. وقالت بصوتها الدافي المليان حكمة:
“قومي يا هدى.. ربنا مبيقبلش بكسرة حد، والمسامح كريم.. الدرس قاسي عليكي وعلى أحمد، بس ربنا راد يصحّينا كلنا قبل ما نقابله بذنوبنا. سيف ابني زي ما هو ابنك، والبنات دول إخواته، والبيت ده هيلمنا كلنا على المحبة والعدل، ومفيش حد فينا أحسن من حد.. الميزان عند ربنا بالتقوى والقلب السليم، مش بالولد ولا بالبنت.”
أحمد غمض عينه ودموعه نازلة، وحسينا كأن جبل انزاح من على صدره، وبدأ يتنفس بارتياح ونبضات قلبه تستقر على الشاشة.
مرت الشهور، وأحمد قام بالسلامة من المستشفى، بس الجلطة سابت أثر خفيف في حركته وكأنه إنذار دايم ليه من ربنا عشان يفضل فاكر. رجعنا البيت، بس الحياة اتمست تمامًا بملامح جديدة.
أحمد بقى يقضي معظم وقته في الشقة اللي تحت مع أسماء والبنات، بيعوضهم عن كل سنين الجفاف والكسرة، وبقى يبص لبناته التلاتة على إنهم النعمة الكبيرة والستر اللي ربنا بعتهوله في الدنيا.
أما أنا.. فبقيت عايشة في الشقة اللي فوق، بربي سيف بكل جوارحي، وبعلمه من صغره إن الست اللي تحت دي هي سر وجوده وأمانه. بقيت بنزل لأسماء كل يوم، بساعدها في شغل البيت وفي المشغل الصغير اللي فتحته، مش كخدامة مقهورة، ولكن كأخت تابت وعرفت إن السعادة الحقيقية هي إنك تنام ومفيش مخلوق بايت يدعي عليك من قهرته.
وفي ليلة جمعة، كنا قاعدين كلنا في الجنينة الصغيرة اللي تحت البيت.. أحمد قاعد وساند ضهره، وأسماء جنبه، والبنات التلاتة بيلعبوا مع سيف الصغير وبيضحكوا بصوت مالي المكان دفء.
بصيت ليهم من بعيد وابتسمت، وافتكرت رحلتي من أول ما جيت البيت ده بغروري وشيطنتي، لحد ما بقيت واقفة مكاني هنا. واتعلمت الحكمة الكبيرة اللي هعيش بيها عمري كله وعلمها لولدي:
> “إن البيوت لا تُبنى على أنقاض قلوب الآخرين، وأن الولد قد يكون رزقًا من صلبك.. ولكن التوفيق والبركة والستر هم الرزق الحقيقي الذي لا يمنحه الله إلا لأصحاب القلوب الرحيمة الصادقة.. والدنيا مهما دارت وعلت بصاحبها بالباطل، لا بد أن تدور العجلة يومًا ليقف الظالم في نفس الموقف الذي وضع فيه المظلوم.. فالعفو عند المقدرة شيمة الكرام، والعدل الإلهي لا يغفل ولا ينام.”
**تمت


تعليقات
إرسال تعليق