جوزي ضربني بالقلم
جوزي ضربني بالقلم
جوزي ضربني بالقلم على وشي ضربة جامدة قوي لدرجة إنني دوقت طعم الدم في بقي، وبعدها رماني على الأرض وحدف في حجرى شنطة المكياج بتاعني وقال لي ببرود داري القرف ده.. أمي واصلة على الضهر. أنا ساعتها ابتسمت ودمي سايل.. لأن المحامية بتاعتي كانت خلاص في الطريق وناوية تخرب بيته باللي فيه! القلم ده مكنش نهاية كرامتي، ده كان المفتاح اللي هيفتح عليه أبواب جهنم!
أول حاجة حسيت بيها ودقتها في بقي كانت ريحة وطعم الدم، مش الخوف ولا الصدمة.. الدم! طعم معدني سخن ملى بقي وأنا قاعدة على أرض أوضة نومنا الواسعة الفخمة، إيد ساندة بيها نفسي على السجادة اليدوي الغالية، والإيد الثانية بترتعش وهي قريبة من خدي اللي قايد نار. لثواني، الأوضة كانت شكلها أحلى وأروق بكتير من المصيبة اللي لسه حاصلة جواها حالا؛ نور الفجر كان بيمسح على الشبابيك العالية، وضارب في السرير الخشب المحفور، والستائر الحرير، ومدفأة الرخام الإيطالي اللي شريف قالي عليها يوم جوازنا إنها رمز للأمان والاستقرار. الحيطة خشب أرو ناعم، وكوباية المية على الكومودينو محدش لمسها، كل حاجة في المكان لسه مترتبة على الغنى، والرفاهية، والسيطرة.. وأنا المرمية على الأرض لمجرد إن جوزي مد إيده عليا! شريف كان واقف فوق راسي، مشمر كمام قميصه لحد دراعه بنظام، ودبلة الجواز بتلمع تحت الإضاءة الهادية. مكنش نفسه عالي، ولا عينه طق منها الشرار، ولا باين عليه
شكل الراجل اللي فقد أعصابه واتخض من اللي عمله؛ لأ، دي الحتة اللي فوقتني وعرفتني كل حاجة، ملامحه كانت هادية، باردة، كأن في مشكلة صغيرة في البيت وصلحها ومستني الأوضة ترجع لنظامها عادي! بص لي وقال بقرف أنتِ أحرجتيني وكسرتي كلامي. لساني تحرك بالراحة على الجرح اللي جوه بقي، والدم اتجمع تاني، فقلت له بصوت مخنوق عشان قلت لأ؟ فكه اتشد وعينه ضاقت وقال أمي كانت طالبة حاجة بسيطة قوي. كلمة بسيطة دي كانت ممكن تضحكني لو مكنش خدي بيغلي ويدق تحت صوابعي! ال حاجة البسيطة بتاعة حماتي، الست زينات، إنها عاوزة تنقل وتعيش معانا في الفيلا على طول! مش زيارة، مش فترة نقاهة من تعب، ولا قعدة كام أسبوع لحد ما يخلصوا توضيب شقتها في الزمالك؛ لأ، عيشة كاملة! كانت عاوزة الجناح الشرقي كله يتفضى لها على يوم الإثنين، وجدول البيت كله يمشي بأمرها، ويبقى معاها نسخة من مفاتيح كل الأوض، وتتحكم في مرتبات الشغالين، والمنيو بتاع المطبخ، وحتى خروجاتي وزياراتي يبقالها كلمة عليها! كانت عاوزة تمشي ميرفت الشغالة بتاعتي لمجرد إن ميرفت بتبتسم في وشي وبتقولي يا مدام أميرة من ورا شريف. كانت عاوزه تتدخل في أوضة الأطفال اللي لسه مأثثنهاش من أصله، وتغير نظام الركنة، وتلغي مكتب الجمعية الخيرية بتاعي من الصالة، وتعدل لبسي، وتنقّي الناس اللي بتدخل بيتي، وتصلح ما أسمته أفكاري المودرن قبل ما تبوظ اسم العيلة وتوسخ هيبتها!
على العشاء، في القاعة الخاصة بتاعة النادي، أنا رفضت.. بالأصول.. وبمنتهى الهدوء. قدام شريف، وزينات، واثنين من صحابها من سيدات المجتمع، حطيت الشوكة من إيدي وقلت بالراحة لأ يا طنط زينات، ده بيتي أنا كمان، تنورينا وتشرفينا كزيارة، بس مش هينفع تنقلي وتعيشي معانا هنا. السكوت اللي حصل بعد الجملة دي كان مرعب؛ وش زينات اتخشب في ثانية، وشريف فضل مبتسم ابتسامته المشهورة لحد الحلو، الابتسامة اللي بتخلي الناس تفتكر إنه راجل عاقل ومحترم. طول طريق الرجوع في العربية م نطقش بولا كلمة، إيد على الدريكسيون وإيد جنبه، وعروق إيده بيضاء من كتر ما كان كابس غضبه ورا بروده. كنت مراقبة نور الشوارع وهو بيعدي على وشه وعرفت إن في حاجة اتقشعت؛ مش انكسرت، لأن الكسر معناه إنها كانت سليمة في يوم من الأيام، لأ.. دي حقيقتها ظهرت وبانت! أول ما باب الفيلا اتقفل ورايا، شريف اتقلب وبقى الراجل الحقيقي اللي أمه ربته عليه. ودلوقتي واقف باصص لي وأنا على الأرض كأنني أنا اللي اخترت الرمية دي، وقال بنبرة أمر الصبح هتعتذري لها وتبوسي على إيدها. خدي كان بينبض بالوجع، فقلت بقوة لأ. عينه ضاقت قوي وقال لازم تخافي على نفسك قوي يا أميرة. بصيت له من على السجادة، الجنب الشمال من وشي قايد نار، وشفتاي اللي تحت مقسومة والدم بينزل منها، وجسمي حاسة إنه بعيد عني كأن الوجع ده في حد تاني قاعد جنبي، بس عقلي كان صافي.. أصفى من
أسابيع فاتت! هو كان عاوزني أخاف، عاوزني أعيط، وأترجاه، وأبوس رجله عشان يضمن إن إيده كسرت دماغي ورجعتني لطاعته.. بس أنا مدتهوش اللقطة دي، وده اللي غاظه وولع فيه أكتر من المقاومة. شريف قرب خطوة وضله غطاني بالكامل وقال أنتِ فاكرة نفسك بقيتي حاجة لمجرد إنني دلعتك؟ ده بيتي، واسمي، وفلوسي، وأنتِ عايشة تحت السقف ده لمجرد إنني سامح لك بكدة! سقفه.. وفلوسه.. واسمه! كنت هضحك بس الوجع منعني، فنزلت عيني الأرض بالراحة. الرجالة اللي من عينة شريف دايماً بيفهموا السكوت على إنه استسلام وخنوع، أمه هي اللي علمته كدة؛ زينات شايفة الستات درجات الأمهات فوق خالص، والرجالة امتداد لكلام أمهاتهم، والزوجات تحت رجليهم، والشغالين تحت الزوجات، والستات اللي ملهمش عائلات وعائلاتهم مش كبيرة دول مكانهم تحت المداس! في عالم زينات، قيمة الست بتتحدد بجوازتها، والعيال اللي بتخلفهم، وإزاي تستحمل الإهانة بابتسامة ورا الأبواب المقفولة. شريف شرب الدرس ده تمام، ولما شافني نزلت عيني الأرض، افتكر إنه كسرني، فخطى من فوقي.. خطى فوقي بجد! دخل أوضة اللبس، غير هدومه ولبس بيجامة حرير كحلي، غسل وشه وسنانه، ودخل السرير بكل برود. السرير مال تحت ثقله، وبعد ثانية، مد إيده طفى الأباجورة ونام، وفي دقائق كان شخيره مالي الأوضة! فضلت على الأرض لحد ما عيني بطلت تغلغل وتشوف الدنيا بتلف، قعدت أسمع صوت نفسه المنتظم الهادي، والنومة
دي عصبتني أكتر من القلم نفسه؛ بقالي تلات سنين متجوزة راجل يمد إيده على مراته ويطلع على سرير غالي وينام كأنه م عِملش حاجة أكتر من إنه كسب نقاش عادي! قومت بالراحة والدنيا بتميل بيا، كلبشت في حرف التسريحة لحد ما الدوخة راحت، ودخلت الحمام وقفت ورا الباب الخشب الثقيل وقفلته بالمفتاح. صوت تكة القفل ريحت حاجة جوايا، الست اللي في المراية كانت شبه واحدة غريبة مش أنا؛ شعري الأسود متبهدل ونازل من الكحكة، بوقي من الجنب ورم، وفي خط دم ناشف على دقني، وتحت عيني الشمال في لون بنفسجي بدأ يظهر ويفرش تحت الجلد. لمسته بطرف صوابعي بالراحة وبفضول، وبعدين وطيت تحت الحوض، ورا الحتة الخزف الفكة اللي شريف عمره ما أخد باله منها، وطلعت التليفون الخط الأسود اللي مدفوع مقدم وصغير. فتحته من غير صوت، كان في تلات رسائل مشفرة مستنياني؛ واحدة من المحامية الكبيرة بتاعتي، وواحدة من الخبير المالي بتاعي، وتالتة من المحري الخاص اللي مشغلاه من ست أسابيع، من أول ما زينات بدأت تسأل بنعومة كدة إذا كانت حسابات المؤسسة بتاعتي مشتركة مع شريف ولا لأ! فتحت ملف المحري وقريت تم تجهيز ملف الأدلة بالكامل يا مدام. وتحته فولدرات تلاعب بالحسابات المشتركة، تزوير إمضاءات في المؤسسة، ديون شركة شريف للعقارات، شركات زينات الوهمية بره مصر، أرشيف الشتايم والرسايل بين شريف وأمه، وأخيراً باقي دليل مادي بالضرب. بقيت باصة للسطر الأخير ده.. شريف أخيراً بإيده وسلمني الحتة اللي كانت ناقصاني! الدليل
إنه مش بس عاوز يتحكم فيا، ده دليل إنه افتكرني ضعيفة ومليش ظهر وهيأذيني ويفلت. ابتسامة مالت على وشي، الابتسامة فتحت الجرح أكتر والدم جرى في بقي تاني، بس المرة دي م مسحتوش في ساعتها.. كنت عاوزة أتحقق وأفتكر طعمه كويس! الساعة 6 الصبح بالظبط، باب الحمام اتهز ورزع...
الخبطة على الباب دي مكنتش خبطة شريف وهو قايم يروح الشغل، دي كانت بداية الشرك اللي هيقع فيه هو وأمه، لأن المحامية بتاعتي مكنتش جاية بورقة طلاق عادية، دي جاية ومعاها قوة تنفيذية وورق حجر وقضايا تزوير هتمحي اسم آل لمهدي من السوق كله وتخلي شريف يبوس رجلي عشان ميروحش ورا الشمس!
لو عاوزين تعرفوا أميرة هتعمل إيه في شريف وأمه أول ما الباب يتفتح وإزاي المحامية هتقلب الترابيزة عليهم،
باب الحمام اتهز ورزع مرة تانية.
أميرة! افتحي الباب!
كان صوت شريف، لكنه لأول مرة ماكانش واثق من نفسه. لأول مرة حسيت في نبرته حاجة شبه القلق.
بصيت للساعة. السادسة صباحًا بالضبط.
ابتسمت.
وصلوا.
حطيت التليفون الأسود في جيب الروب، ومسحت الدم من على دقني، وفتحت الباب بهدوء.
شريف كان واقف قدامي مكشر، ولسه هيبدأ وصلة التهديد المعتادة، لكن جرس الفيلا ضرب في نفس اللحظة.
جرس طويل متواصل.
اتلفت بضيق وقال
مين المجنون اللي جاي بدري كده؟
وقبل ما حد يرد، دخل أحد أفراد الأمن الداخلي للفيلا وهو متوتر.
يا فندم... في ناس برا ومعاهم أوامر رسمية.
اتجمد وش شريف.
نزلنا كلنا للصالة.
زينات كانت نازلة من أوضتها في نفس الوقت،
لابسة روب حرير ومستغربة من الدوشة.
أول ما الباب اتفتح، دخلت المحامية نادية كامل بخطوات ثابتة.
وراها مأمور تنفيذ، وضابط، واتنين من الموظفين القانونيين.
وشريف ابتسم ابتسامة باردة وقال
إيه الهزار ده؟
المحامية فتحت الملف الضخم اللي في إيدها وقالت
مش هزار يا أستاذ شريف المهدي.
وحطت قدامه أول ورقة.
أمر بالتحفظ على عدد من الحسابات البنكية الخاصة بحضرتك.
الابتسامة اختفت.
طلعت الورقة التانية.
وأمر تحقيق عاجل في وقائع تزوير واستيلاء على أموال مؤسسة خيرية.
وش زينات اصفر.
أما الورقة التالتة فكانت القاضية.
بلاغ رسمي موثق بإصابات وإيذاء بدني ضد الزوجة.
سكت البيت كله.
شريف بصلي وكأنه أول مرة يشوفني.
أنتِ عملتي إيه؟
ضحكت.
عملت اللي كان لازم أعمله من زمان.
حاول يقرب مني، لكن الضابط وقف بينا فورًا.
المحامية فتحت شاشة التابلت.
ظهرت تسجيلات صوتية.
صوت زينات وهي بتحرض ابنها ضدي.
رسائل بينهم.
تحويلات مالية.
شركات بأسماء وهمية.
عقود مزورة.
وتوقيعات متقلدة.
كل حاجة.
كل حاجة كانت متسجلة ومتأرشفة ومتقدمة رسمي.
زينات قعدت على الكنبة وهي شبه فاقدة القدرة على الكلام.
أما شريف فبدأ يصرخ لأول مرة.
دي مؤامرة!
المحامية ردت بهدوء
المؤامرة الوحيدة هي اللي عملتوها بنفسكم.
خلال ساعات قليلة، الخبر انتشر في دوائر الأعمال.
الشركاء بدأوا ينسحبوا.
المستثمرون طلبوا مراجعة الحسابات.
البنوك جمدت التعاملات محل التحقيق.
وفي أقل من أسبوع، الاسم اللي كان شريف بيتباهى بيه في
كل مكان بقى عنوان فضيحة.
أما أنا...
أنا روحت المستشفى.
اتعمل تقرير طبي موثق.
واتصورت الإصابات كلها.
وبدأت إجراءات الطلاق.
شريف حاول يتصل بيا عشرات المرات.
بعت رسايل.
بعت ناس تتوسط.
بعت ورد.
وبعدين بعت تهديدات.
ولما فشل، بعت اعتذارات.
لكن كان متأخر جدًا.
الراجل اللي نام بعد ما ضرب مراته، ماكانش فاهم إن في حاجات لما تتكسر مستحيل تتصلح.
مرت شهور.
القضايا أخدت مجراها.
بعض الاتهامات ثبتت.
وبعضها اتحول لمحاكم اقتصادية وتحقيقات مطولة.
شريف خسر جزءًا كبيرًا من نفوذه.
وخسر سمعته.
والأهم من كل ده...
خسر الصورة اللي كان عايش طول عمره يحافظ عليها.
أما زينات، فبقت تقضي أغلب وقتها تحاول تنقذ نفسها من نتائج قراراتها.
الست اللي كانت عاوزة تتحكم في حياة الناس كلها، بقت عاجزة حتى عن التحكم في مصيرها.
وفي يوم شتوي بعد سنة تقريبًا، كنت قاعدة في مكتبي الجديد.
مكتبي الحقيقي.
المؤسسة الخيرية رجعت أقوى من الأول.
وفريقي حواليا.
وشغلي بيكبر.
وشبابيك المكتب مفتوحة على الشمس.
دخلت السكرتيرة وقالت
في جواب وصل لحضرتك.
فتحت الظرف.
كان من شريف.
سطر واحد فقط.
سامحيني.
بصيت للكلمة ثواني.
وبعدين طويت الورقة.
وحطيتها في الدرج.
لا غضب.
لا شماتة.
لا رغبة في الانتقام.
لأن الحقيقة إن أكبر عقاب أخده شريف ماكانش القضايا ولا الخسائر.
أكبر عقاب إنه خسر الإنسانة الوحيدة اللي كانت واقفة جنبه بصدق.
قفلت الدرج.
ورجعت أبص للشمس.
وأول مرة من سنين طويلة أحس إن البيت اللي كنت بدور عليه عمره ما كان الفيلا ولا الفلوس ولا اسم العيلة.
البيت كان راحة البال.
وأخيرًا... بقي عندي.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق