القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

مرات اخو جوزي اللي هي سلفتي بترن علي جوزي الساعة 2 بالليل!

 مرات اخو جوزي اللي هي سلفتي بترن علي جوزي الساعة 2 بالليل!



حكايات اسلام احمد كامله 


مرات اخو جوزي اللي هي سلفتي بترن علي جوزي الساعة 2 بالليل!!, استغربت من كده, هي جوزها مسافر بره البلد, وانا لاحظت عليها تصرفات كتير مع جوزي بتضايقني بس مش برضي اتكلم, بشوفها بتدلعوا بأسمه و بتانادي عليه بمياصة تعالي شد معايا التلاجة تعالي شوفلي الامبوبة, و لما بيرجع من بره بتجري عليه هي قبليا و تقوله ” حمدلله علي سلامتك”, و بتتعمد تقولها قدامي بمياصة , و كتير تيجي تقوله ” انا تعبانة عايزة اروح عند الدكتور و مش هينفع اروح لوحدي”, و بالفعل بيروح معاها , انا بقي مقدرتش استحمل و اتخانقت معاه و قلتله ” انا مينفعنيش الوضع دا!”


أنا خلاص طفح بيا الكيل ومبقاش فيا حيل أستحمل أكتر من كده! موقف ورا موقف، وتصرف ورا تصرف، وأنا ساكتة وببلع، وبقول يا بت كبري دماغك بلاش تخربي على نفسك ولا تعملي مشاكل في البيت.


 


بس لغاية هنا واستوب!


 


لما لقيتها بترن عليه الساعة 2 بالليل، الدم حلي في عروقي وما حسيتش بنفسي غير وأنا بأفصع فيه وبقوله بفركشة وغضب: “أنا مَينفعنيش الوضع ده خالص! أنت فاهم ولا لأ؟! اللي بيحصل ده زاد عن حده وما يرضيش ربنا ولا يرضي أي ست عندها كرامة!”


 


بصلي باستغراب وكأنه مش فاهم أنا بتكلم عن إيه، وقال بكشة عين: “في إيه يا بنت الحلال؟ جرى لعقلك إيه على نص الليل؟ بتزعقي كده ليه؟!”


 


رديت عليه وأنا جسمي كله بيفور:


“جرى لعقلك أنت! هي سلفتي دي مالهاش كرامة ولا حد يلمها؟ تتصل بيك الساعة 2 بالليل ليه؟ خير يا خويا؟ التلاجة وقعت فوقيها ولا الأنبوبة فرقعت في وشها في نص الليل؟! ما خلاص بقى.. أنا سكت على أسلوبها وتدليعها ليك بالاسم، وسكت لما بتجري عليك قبلي وتقولك ‘حمد الله على السلامة’ برقة ومياصة تقرف، وسكت لما بتعمل فيها العيانة وتخليك تاخدها وتوديها للدكاترة.. إنما توصل بيها الجرأة تتصل في الوقت ده؟ لا لحد هنا ووقف عند حدك!”


 


رد عليا بكل بساطة وبرود ينرفز الحجر:


“يا شيخة اتقي الله! أنتِ بتفكري إزاي؟ المرأة جوزها مسافر بره البلد ومغرب علشان يأكل عياله عيش، وجوزها ده مين؟ مش أخويا اللي من دمي؟ لما تقع في ضيقة ولا تعوز مشوار دكتور ولا حاجة تقيلة تتشال، تروح تقول لواحد غريب من الشارع يروح معاها ولا يخدمها؟ ولا تجيلي أنا اللي في مقام أخوها وبمثابة ظهرها وهو مش موجود؟ كبري عقلك يا هانم وبلاش ظن السوء ده، دي زي أختي!”


 


صرخت فيه وأنا على آخري:


“أختك على عيننا وعلى رأسنا لما تكون في مشكلة بجد! إنما شغل المسكنة والمياصة ده مش أسلوب أخت لأخوها! وبعدين هو البلد مفيهاش غيرك؟ فين أهلها؟ فين نسوان العيلة؟ لازم أنت يعني اللي تشيل وتحط وتودي وتجيب؟ أنا رافضة الوضع ده تماماً وما يشرفنيش أفضل اتفرج على المهزلة دي، ولازم تحط لها حد قاطع!”


 


فضل الجدال بيننا شغال، هو يدافع بالشهامة والواجب وأخويا ومسافر، وأنا مصممة إن دي قلة أدب وتعدي للحدود. وبعد شحط ومحط وكلام يودي ويجيب، حس إن الموضوع هيكبر وهتوصل لخراب بيوت، فبدأ يهديني ويقولي: “خلاص يا ستي حقك عليا، هدّي نفسك وما تبقيش حنبلية كده، وأنا هخف شوية وهخلي بالي بعد كده علشان ما تزعليش.”



سكتّ وتظاهرت إني هديت علشان البيت يمشى وما نكبرش الموضوع أكتر من كده، وقلت يمكن فعلاً يحس على دمه ويحط لها حدود.


 


عدت أيام.. والجو كان ظاهرلي إنه هادي ومفيش حاجة، لحد ما جه اليوم اللي اكتشفت فيه الفاجعة..


 


كنت نايمة جنبه، وعلى الساعة 2 بالليل بالظبط، شاشة تليفونه نورت على الكمودينو وهي صامت.. بصيت بطرف عيني، لقيت اسمها منور على الشاشة! وبمنتهى الهدوء والخباثة، لقيته بيسحب التليفون بالراحة خالص، ويكتم الصوت، ويقوم يتسحب على أطراف صوابعه ويخرج بره الأوضة.. وبعدها بدقايق لقيت باب الشقة بيتفتح وبيتقفل بالراحة.. نزل يروحلها في نص الليل من غير ما يعرف إني صاحية ومفتحة عيني وبشوف كل حاجة!


 


**الجزء الثاني**


استمريت في مكتاني على السرير، مش قادرة أتحرك ولا حتى أتنفس بشكل طبيعي. جسمي كان بيتنفض من القهر، وقلبي بيدق بصوت عالي لدرجة حسيت إن حيطان الأوضة سامعاه. الصوت الوحيد اللي كان يرن في ودني هو صوت تكّة تكّة اللسان اللي قفل بيها باب الشقة وهو يتسحب زي الحرامي. في اللحظة دي، حسيت إن كل حاجة جوايا اتكسرت، كل مبررات الشهامة والواجب والصلة اللي طعنني بيها في خناقتنا الأولى أتمسحت في ثانية. لو الموضوع مشكلة بجد، أو حاجة عاجلة يمليها الواجب، ليه التسحب؟ ليه خفة الإيد في مسك التليفون؟ وليه يخرج من الأوضة بالخباثة دي من غير ما يقولي “تعالي معايا” أو حتى “في حاجة طارئة حصلت تحت”؟!


قمت من على السرير، خطواتي كانت تقيلة زي ما أكون شايالة جبل على كتفي. مشيت في الصالة الضلمة، وقفت ورا باب الشقة، وحطيت ودني على الخشب. الهدوء كان مرعب، ومفيش أي صوت في مدخل العمائر. فتحت الباب بسنة صغيرة، أطراف أطراف حواسي كانت مشدودة لأقصى درجة. سمعت صوت خطواته وهو نازل للدور اللي تحتنا، وبعدها صوت خبطة خفيفة، ثم صوت مفتاح بيلف في الباب، وباب شقتها بيتفتح وبيتقفل بكل هدوء.


المنظر ده نزل عليا زي الصاعقة. عقلي كان بيرفض يصدق، وعيني مش قادرة تستوعب حجم المهزلة. فضلت واقفة في مكان الممر الفاضي، الظلمة حوليا كانت كأنها بتخنقني. تساءلت بيني وبين نفسي: “هو أنا هنا إيه؟ مجرد صورة في البيت؟ كومبارس بيسكتوه بكلام حنين ووعود كدابة عشان السهرة تعدي؟” افتكرت حلفانه بالدين، وافتكرت كلمة “اتقي الله دي زي أختي”، وحسيت بمرارة مالية بوقي. النفاق بقى عين عينك، والكدب جهاراً نهاراً.


رجعت الأوضة، ما قدرتش أقعد على السرير اللي كان نايم عليه من شوية. قعدت على كرسي التسريحة، وبصيت لوشي في المراية تحت ضوء الأباجورة الخافت. وشي كان أصفر، وعيني حمرة من كتمة الدموع. أقسمت وقتها مع نفسي إن الدمعة اللي هتنزل مني دلوقتي دي هتكون الأخيرة، وإن شغل المسكنة وقلة الحيلة خلاص انتهى. أنا مش هعيش في دور الزوجة المخدوعة اللي بتستنى جوزها يرجع لها من عند سلفتها في نص الليل عشان يسكتها بكلمتين.



الدقايق كانت بتعدي عليا زي السنين. كل دقيقة بتمر كانت بتقول لي قد إيه أنا كنت مغفلة لما صدقت كلمته “أنا هخف شوية وهخلي بالي”. طلع بيتفق معايا بالنهار، ويقضي طلباتها بالليل في السر! الساعة عدت 2:30، وبعدين بقت 2:45.. وأنا قاعدة زي الصنم، بصاقب العقارب وهي بتتحرك على الحيطة.


على الساعة 3:15 الفجر، سمعت صوت حركة بره. صوت خطوات متسحبة راجعة في السلم. حطيت إيدي على قلبي وثبت رجلي في الأرض. سمعت صوت التكة الخفيفة للمفتاح وهو بيدخل في قفل باب شقتنا. تسحب جوه الشقة، مشي ببطء شديد في الصالة، وبدأ يقرب من باب الأوضة. أنا كنت أخدت قراري: مش هسكت، ومش هعمل نفسي نايمة، ومش هخليه يفتكر إنه أذكى مني.


أول ما فتح باب الأوضة برفق وحاول يتسحب عشان يرجع السرير، ولعت النور الكبير بتاع الأوضة مرة واحدة!


النور لما ضرب في وشة، اتقطع نفسه ووقف مكانه زي المصدوم. عينه زغللت، وبصلي بذهول وهو شايفني قاعدة بكامل هدومي على الكرسي، ومربعة إيدي، وببص له بنظرة حادة زي السيف.


حاول يستوعب الموقف، وتردد ثواني، وبعدين حاول يلبس ثوب الثقة والهدوء الكداب اللي بيمثل بيه عليا دايماً. اتكلم بصوت واطي ومبحوح عشان يبين إنه خايف يصصحيني:


“إيه ده؟ أنتِ صاحية يا بنت الحلال؟ ولعتِ النور فجأة ليه كدة؟ خضيتيني!”


رديت عليه بنبرة هادية جداً، بس كانت أتقل من الرصاص:


“كنت فين يا شهريار؟”


اتربك، ووضعه اتغير، حاول يبتسم ابتسامة باهتة ويقول:


“كنت فين يعني؟ نزلت أرمي الزبالة وكنت بشوف حاجة في مدخل العمارة كده..”


ضحكت ضحكة مكسورة مليانة تريقة وقرفت:


“ترمية الزبالة الساعة 3 الصبح وبالمفتاح اللي بيتسحب؟ وبترمي الزبالة في شقة سلفتي اللي فتحت لك الباب ودخلت عندها بقالك ساعة إلا ربع؟!”


وشه اتغير تماماً، ألوانه اتخطفت، والدم هرب من عروقه. حاول يتدارك الموقف بسرعة وبدأ يعلي صوته سنة عشان يغلوش على كدبه:


“أنتِ بتراقبيني؟ وبعدين أنتِ اتجننتِ رسمي ولا إيه؟ افتراء ده ولا تخاريف أنصاص الليالي؟”


قمت وقفت بثبات، وقربت منه بخطوات واثقة، وواجهته في وشة:


“أنا مش بتخايل، ولا بتخارف! أنا شفت تليفونك لما نور بأسما الساعة 2، وشفتك وأنت بتكتِم الصوت وتتسحب زي الحرامية وتخرج من الأوضة بغير ما تنطق حرف! ومشيت وراك وشفك وأنت بتفتح باب شقتها بالمفتاح وتدخل! تحب أقولك كمان كانت لابسة إيه وهي بتفتح لك؟ ولا تحب أقولك كان في إيه طارئ محتاج ساعة إلا ربع جوة الشقة في نص الليل؟!”


جوزي اتهز هزة جامدة، مكنش عامل حسابه إن كل خطواته كانت مكشوفة بالدقة دي. مالقاش مخرج غير إنه يقلب الترابيزة ويتحول للهجوم، الأسلوب التقليدي لأي حد مزنوق في غلطه:


“أها! بقى كدة؟ بتمشي ورايا وتسوري عليا في العمارة؟ بقيتي تصرفي تصرفات الجواسيس؟ ماشي يا هانم! أه نزلت لها! نزلت لها عشان الست كانت بتعيط وميتة من الخوف، ابنها الصغير سخن ومولع نار وجاتله تشنجات، وماكنتش عارفة تتصرف ولا عارفة تعمل إيه، وحست إن الولد بيموت في إيدها، اتصلت بيا استغاثة! أعمل إيه يعني؟ أسيب ابن أخويا بيموت وأقول عشان مراتي حنبلية وبتغير؟! أنزل أساعدها وأجيب لها دواء ولا أسيب الست تتلطم لوحدها في نص الليل؟”




بصيت له بحسرة وقلت له:


“ابن أخوك سخن؟ وميت من الخوف؟ طب ولما هو العيل بيموت، ما طلبتش ليه نجدة؟ ما ندهتنيش ليه أطلع معاك أساعدها وأشوف العيل؟ مش أنا برضو ست زيها وأعرف في الأمور دي؟ ولا هي الاستغاثة دي مشفرة عليك أنت بس؟! ليه التسحب؟ ليه قفلت الصوت؟ ليه ما جيتش قولت لي ‘تعالي معايا يا فلانة نلحق الواد’?!”


اتلعثم وسكت لحظة، وبعدين قال بعصبية ومكابرة:


“عشان عارف دماغك الناشفة! عارف إنك هتجلسي تعملي لي سيناريو ودراما وتأخرينا والولد بيموت! قولت أنجز بسرعة وأشوف في إيه وأرجع! أنتِ إيه؟ معندكيش رحمة؟ معندكيش قلب؟ كل حاجة عندك فيها شك ومرض؟!”


في اللحظة دي، طفح الكيل بجد. البرود اللي بتعامل بيه والكدب المترتب اللي بيحاول يغطيه بيه خلى العروق في دماغي تتنطط. ما قدرتش أمسك أعصابي أكتر من كدة، وصوتي خرج بعنف هز زوايا الأوضة:


“أنا اللي معنديش رحمة؟! ولا أنت اللي معندكش نَخوة ولا رجولة؟! بتسحب من جنبي في نص الليل وتروح لمرت أخوك في شقتها وهي لوحدها، وتطلع لي حجج فارغة عن عيل سخن؟ لو فيك ريحة النخوة، كنت صحيتني! كنت قولت لي قومي يا فلانة مرت أخويا في مصيبة! لكن أنت رايح لها بصفتك إيه؟ الزوج البديل؟! الظهر اللي بيغطي على المياصة والصياعة بتاعتها؟!”


الكلمة ضربته في مقتل. وشه احمر وزأر فيا:


“اخرسي! قطعي لسانك! أنتِ اتعديتي حدودك قوي يا هانم! كلامك ده طعن في شرفي وشرف أخويا!”


رديت عليه بمنتهى القسوة واللامبالاة:


“شرفك وأخوك؟ أنت اللي وطيت شرف أخوك في الأرض لما سمحت لمراته تتصل بيك تدلع عليك بالنهار، وتجيبك وتوديك على مزاجها، وتستدعيك بالليل في السر! أنت اللي خليت نفسك في الموقف الرخيص ده! الست دي مدروسة وعارفة بتعمل إيه كويس، بتستغل غياب جوزها ونقص الحنية عنده، وبتقصقص ريشك وتجرجرك لحد ما تقع في الشباك، وأنت عامل فيها العمدة الشهم اللي شايل الحمل! لكن على مين؟ عليّ أنا؟!”


قرب مني بغضب ورفع إيده في وشي وهو بيتفض من العصبية:


“قسمًا بالله لو ما لميتي لسانك وخرستِ دلوقتي، ليكون لي تصرف تاني معاكي! أنتِ زي ما تكوني عايزة تخربي البيت وتعملي مصيبة بين الإخوات!”


قربت من إيده المرفوعة وما خفتش، بصيت في عينه مباشرة وقلت له بصوت حاسم يقطع العرق والسياق:


“تخرب البيت؟ البيت اتخرب خلاص يوم ما حسيت إن جوزي مالوش كلمة، وإن كلامه معايا مسكنات عشان يداري على قلة أصله! تصرف تاني؟ وريني تصرفك! هتضربني؟ اضرب! لكن اسمعها مني كلمة واحدة ومفيش غيرها: الشغل ده مش هيمشي عليا تاني. أنا مش هقعد في بيت أكون فيه الزوجة على الرف، وسلفتي هي الهانم اللي بتطلب وتتأمر وتتصل في أي وقت تعوزه وانت تجري تلبي!”


اتراجع خطوة لورا، وهو مش مصدق القوة والجرأة اللي بقيت بتكلم بيها. كان متعود مني دايماً على السكوت، وعلى إني ببلع وبكبر دماغي عشان المراكب تسير. بس المرة دي كانت غير.




كملت كلامي وأنا بجمع طقتي كلها:


“أنا من الصبح مش هبقى في البيت ده. هلم هدومي وأروح بيت أبوي. ولما أخوك يكلمك من السفر، أو لما عيلتك تجتمع، ابقى اشرح لهم بقى شهامتك ونزولك بالليل في السر لشقة مراته عشان رمية الزبالة ولا سخونية الولد! ابقى قولهم الشهم اللي بيسيب مراته نايمة ويتسحب في الضلمة!”


الكلام نزل عليه زي المطرقة. كبرياؤه ورجولته اتضربوا في مقتل، وخوفه من الفضيحة ومن قدام إخواته وأبوه بدأ يظهر في عينيه. ملامح القوة المزيفة اللي كان لابسها بدأت تتساقط.


حاول يمسك إيدي وقال بنبرة فيها توتر وخوف مكتوم:


“أنتِ اتجننتِ؟ بيت أبوكي إيه وفضيحة إيه؟ أنتِ عايزة تعملي مصيبة في العيلة عشان أوهام في دماغك؟ أنتِ عارفة لو أخويا سمع كلام زي ده ممكن يحصل إيه؟ ممكن البيوت تتخرب والعيال تتشرد!”


سحبت إيدي منه بمنتهى القوة والاشمئزاز وقلت له:


“البيوت بتتخرب لما الراجل ماينفضش عن نفسه المياصة! لما ماينطقش الحق ويحط للغريبة حد! اللي خاف على بيت أخوه وعلى عيال أخوه، كان خاف على بيته هو الأول واحترم وجود مراته! أنت اللي اخترت الطريق ده، وأنت اللي هتتحمل نتيجته!”


مشيت ناحية الدولاب، فتحته على آخره، وسحبت شنطة السفر الكبيرة، رميتها على السرير ببدأت أفتح السوستة بصوت عالي.


جاء وقرّب مني وهو بيحاول يمنعني بإيده، وشه كان شاحب كأنه شايف كابوس:


“استهدي بالله يا فلانة! اقعدي بلاش جنان! الحساب مش كدة، نتكلم بالعقل!”


بصيت له ونظرتي كانت فارغة تماماً من أي مشاعر حنية أو تعاطف، وقلت له بصوت واطي جداً بس مرعب:


“العقل اتكلمت بيه المرة اللي فاتت، وأنت استغفلته وشربتني البحر. المرة دي مفيش كلام. الشنطة دي هتتلم، ويا أنا يا سلفتك وحركاتها في البيت ده!”


قعدت أرمي الهدوم جوة الشنطة بعنف، وهو واقف مش عارف يعمل إيه، متكتف بين كدبه اللي اتكشف، وبين خوفه من الخطوة اللي جاية اللي هتقلب العيلة كلها رأسًا على عقب. الشقة كانت ساكتة، بس الهدوء ده كان الهدوء اللي بيسبق الإعصار اللي هيفرتك كل حاجة.


 

حكايات اسلام احمد 2

فضلت ألمّ هدومي بعنف في الشنطة، كل حتة قماش برميها جوة الشنطة كانت كأنها جزء بيتقطع من حياتي القديمة معاه. هو كان واقف قدامي زي الأبله، رايح جاي في الأوضة، يمسك رأسه بإيديه الاثنين، وشه يمتص الألوان ويرجع يحرّمر من التوتر. الفكرة اللي كانت رعباه مش إن زوجته بتلم هدومها، الفكرة اللي كانت بتموته من الخوف هي “الفضيحة”.. إزاي هيواجه أبوه؟ إزاي هيواجه أخوه اللي مغرب بره مصر عشان يبعت مصاريف البيت، لما يكتشف إن أخوه من دمه بيتسحب لشقة مراته الساعة 2 بالليل؟!


قفل الشنطة بالسوستة سمعته نزل في الأوضة زي صوت إطلاق النار. شلت الشنطة في إيدي وبصيت له بنظرة مفيهاش أي نقطة تراجع.


مسك إيدي بقوة وهو بينهج، وعينيه فيها تضرّع وخوف حقيقي المرة دي:


“بالله عليكِ يا فلانة استهدي بالله! اقعدي بس لحد النهار ما يطلع، نتكلم ونحلها، بلاش تخرجي من البيت في نص الليل كده! الناس والعمارة يقولوا إيه؟! أبوي لو عرف حاجة زي دي قلبه هيقف، وأخويا هناك لو سمع خبر زي ده ممكن يجرى له حاجة في غربته!”


سحبت إيدي منه بمنتهى الجفاء والقسوة:


“الناس والعمارة؟ وأخوك وأبوك؟ سبحان الله! الحنية والرحمة دي كلها ما افتكرتهاش وأنت نازل بتتستّر في الظلمة؟ ما افتكرتهاش وأنت سايبني نايمة ومغفلني؟ أنت ما خفتش على زعل أخوك لما سمحت لمراته تناديك بمياصة وتتدلع عليك، وجاي دلوقتي تخاف على مشاعره لما أنا قررت أخد حقي وأحمي كرامتي؟! أوعى من وشي!”


زقيته ومشيت ناحية باب الشقة. كان بيمشي ورايا وهو بيحاول يمسك في الشنطة، بيتحايل بصوت واطي ومكسور عشان السكّان ما يسمعوش:


“عشان خاطري، عشان خاطر الأيام اللي بيننا! طب اقعدي للصبح وأنا أوعدك والله العظيم ماهتشوفي وشها تاني ولا هرد على تليفون لها، والله لأحط لها حد قاطع وأمسح رقمها خالص! بس بلاش تطلعي بره البيت دلوقتي!”


وقفت عند باب الشقة وحطيت إيدي على القفل، وبصيت له بتريقة:


“وعودك دي بلّها واشرب ميتها! المرة اللي فاتت حفت لي بالدين إنه واجب وأختك، والنهاردة بتستغفلني بالليل! أنا مابقاش عندي ثقة فيك بنص جنيه. لو عايز تبتدئ تتكلم بجد، يبقى الكلام ده يتقال قدام أبوك وأبويا، مش بيني وبينك في الأوضة وأنت زنوق في غلطك!”


فتحت باب الشقة وخرجت للممر. السلم كان ضلمة وهادي. هو خاف يخرج ورايا للممر عشان ما يفتضحش أمرنا قدام سلفتي نفسها أو باقي الجيران، ففضل واقف على العتبة وشافني وأنا بنزل على السلم خطوة بخطوة وشنطتي في إيدي.


أول ما نزلت الشارع، الهدوء بتاع الساعة 3:45 الفجر كان يوجع القلب. الهوا البارد ضرب في وشي، بس كان أرحم ألف مرة من نار الخيانة والاستغفال اللي كانت بتاكل في صدري جوة البيت. أخدت تاكسي وركبت، وقلت للسواق على عنوان بيت أبويا.


طول الطريق، التليفون في إيدي ما بطلش رن. اسمه كان بينور على الشاشة كل ثانية، وبعدها بدأت تيجي رسائل:



*”ردي يا بنت الحلال بلاش تخربي بيتك!”*


*”أنا مستعد أعملك كل اللي أنتِ عايزاه بس ارجعي!”*


*”لو أبويا عرف حاجة أنا مش هسامحك!”*


عملت للتليفون صامت وما رديتش على رسالة واحدة. أنا خلاص تعديت مرحلة الخوف والتردد، واللي جاي مش هيداريه الكلام الحنين.


وصلت بيت أبويا على الفجر. خبطت على الباب بصوت خفيف. أمي هي اللي فتحت، بصت لي بذهول ورعب لما شافتني واقفة بشنطتي ووشي أصفر وعيني رافعة من العياط والحرقة:


“يا ساتر يا رب! إيه يا بنتي اللي جابك في الوقت ده؟ في إيه؟ جوزك جراله حاجة؟! حصل إيه في بيتك؟!”


دخلت وقعدت على الكنبة في الصالة، جسمي كله كان بيتفض. أمي صحّت أبويا من النوم، ونزل يقعد قدامي وهو مش فاهم حاجة وشه مليان قلق وحيرة.


أبويا قعد جنبي ومسك إيدي:


“تكلمي يا بنتي، خير؟ اتخانقتوا ولا إيه؟ جوزك فين؟”


في اللحظة دي، الفتيل اتفجر جوايا، وحكيت لأبويا وأمي كل حاجة بالتدريج.. من أول المياصة والدلع في النهار، والطلبات اللي ما تخلصش، والمشاوير اللي ملهاش لازمة، لحد رنة الساعة 2 بالليل والخناقة الأولى.. وأخيراً الفاجعة بتاعة النهاردة: التليفون الصامت، التسحب في الضلمة، نزوله لشقتها في نص الليل، وقعدته عندها ساعة إلا ربع، ولما كشفته تحول للكدب والادعاء إن الولد كان سخن من غير ما يصحيني أطلع معاه!


أمي حطت إيدها على بقها مصدومة ومبلمة:


“يا لهوي يا فضيحتك يا عيلة! نزلاها في السر بالليل؟! هي دي الأصول؟ هي دي الأمانة اللي اؤتمن عليها لما أخوه سافر؟!”


أما أبويا، فملامحه اتغيرت تماماً. الراجل الطيب الهادي، عروق وشة اتنفخت وغضبه طلع لبره. ضرب بيده على الترابيزة بقوة هزت الصالة:


“ابن الأصول يسيب مراته نايمة ويتسحب لمرت أخوه بالليل؟! والله ما هسكت له! ده فاكرك مقطوعة من شجرة ولا مالكيش ظهر يلمك؟!”


أبويا مسك تليفونه فوراً، وعلى الساعة 5 الصبح، اتصل بأبو جوزي (حمايا). حمايا راجل كبير وشيخ عرب وبيعرف الأصول، وكان دايماً يحييد للحق.


أبويا اتكلم في التليفون بنبرة ناشفة وحاسمة:


“السلام عليكم يا حاج فلان.. معلش بصلحك في وقت زي ده، بس الموضوع ما يستناش للصبح. بنتك عندي في البيت جيتلي بشنطة هدومها الفجر.. ابنك عمل تصرف ما يرضيش ربنا ولا يرضي الأصول ولا النخوة، وأنا عايزك تجيلي بيتي فوراً أنت وابنك دلوقتي عشان نحدد حد للمهزلة دي، وإلا الكلام هيبدى يوصل للشرقية ولأخوه اللي في السعودية!”


حمايا اتخض من النبرة وعرف إن في مصيبة، وقال لأبويا:


“مسافة الطريق يا حاج، أنا جاي حالا وابني معايا!”


الساعة بقت 6 الصبح، والشمس بدأت تطلع. القعدة في صالة بيت أبويا كانت مشحونة زي قنبلة موقوتة. حمايا وصل، ودخل وشه مكتوم وورا منه جوزي، اللي كان باصص في الأرض، متوتر، ومش قادر يرفع عينه في عين أبويا ولا عيني.


حمايا قعد وقال بصوت جهوري:


“خير يا حاج فلان؟ إيه اللي حصل يخلي البنت تترك بيت جوزها الفجر؟ ابن عمل إيه؟”



أبويا بص لجوزي بنظرة احتقار، وبعدين وجه الكلام لحمايا:


“ابنك يا حاج، نسى ربنا ونسى الأصول! سايب مراته نايمة جنب منه الساعة 2 بالليل، ويتسحب بالخفاء والمفتاح في جيبه وينزل لشقة مرات أخوه الغايب! ويفضل جوة عندها ساعة إلا ربع في السر! ولما مراته تكتشفه وتواجهه، يتبلى عليها ويقولها عيل سخن! لو عيل سخن، ليه ما صحّاش مراته تطلع معاه؟ ليه التسحب وزي الحرامية؟ هي دي الأمانة اللي وصيتوا عليها لما أخوه سافر؟! ابنك بيشوه شرف أخوه وبيظلم بنتي!”


حمايا سمع الكلام ده، وشه اسودّ تماماً من الصدمة. بص لابنه بنظرة قسوة وغضب عمره ما شافها منه قبل كده. وقف حمايا من مكانة وشاور على ابنه بصوبعه وهو بيتفض:


“الكلام ده حصل يا ولد؟! أنت بتنزل لشقة أخوك بالليل من غير ما مرتك تعرف؟! أنت بتعمل أفعال الشمال في غياب أخوك?!”


جوزي اتربك وتأتأ بصوت مخنوق:


“يا أبوي والله الفهم غلط! الست اتصلت بيا الولد كان بيصرخ ومولع نار، أنا نزلت جري أشوفه والله ما في دماغي حاجة وحشة! أنا قولت بنتي (مراتي) هتصحي وتكبر الموضوع فقلت أنجز بسرعة وأرجع!”


حمايا قرب منه وضرب بيديه على كتفه بقوة وهو بيزعق في وشة:


“تكذب يا قليل الأدب! تكذب عليا وعلى حماك؟! لو الولد سخن كنت ناديت مرتك ولا ناديت أمك تحت! إنما تنزل بالسر والظلمة زي الحرامية؟ أنت قليل النخوة وقليل الدين! أنت وضعت رأسنا كلنا في الطين!”


حمايا تلفّت لأبويا وقال وهو مكسوف:


“حقك عليا يا حاج، وحق بنتك على راسي من فوق. أنا الراجل ده مش هسيبه، والمهزلة دي تنتهي النهاردة قبل بكرة!”


وفي وسط ما الكلام كان شغال وحمايا بيوبخ ابنه، التليفون بتاع حمايا رن بصوت عالي.. بص في الشاشة، ولقى الرقم الدولي بتاع ابنه (جوز سلفتي اللي مسافر في السعودية)!


حمايا بص للجماعة في القعدة، وعينيه اتملت بالرعب. الرنة دي في الوقت ده كانت كأنها صاعقة ثانية تنزل على العادة كلها!


رد حمايا بصوت متهدج:


“أيوة يا بني.. خير؟ اتصلت بدري ليه؟”


جاء صوت الأخ المسافر من التليفون، نبرته كانت غريبة وموتورة، وقال جملة واحدة خلت الصالة كلها تتجمد مكانها…


 


**الجزء الرابع**


تجمّدت الصالة تماماً، ومحدش كان بيتنفس. صوت الأخ المسافر كان واضح من سماعة تليفون حمايا، نبرته متقطعة ومكسورة، وفيها حرقة غريبة خلت شعر جسمي يقف:


“يا أبوي.. أنا مش قادر أتنفس.. أنا عرفت كل حاجة! عرفت المهزلة اللي بتحصل من ورايا في بيتي ومع أخويا!”


حمايا وشه اتخطف وألوانه اتغيرت، مسك التليفون بإيد بتترعش وقال بصوت مبحوح بيحاول يداري بيه المصيبة:


“إيه اللي بتقوله ده يا بني؟ في إيه؟ مين قالك إيه؟ استهدِ بالله أنت بس وروّق..”


صرخ الأخ في التليفون بصوت هز القعدة كلها:


“أروّق إزاي يا أبوي؟! أنا اللي غربت نفسي وشقيت عشان أستر بيتي وعيالي، تطلع مراتي بتستدعي أخويا بالليل والنهار؟ وأخويا يتسحب لها في نص الليل زي الحرامية؟! أنا جالي سكرين شوت من محادثات ورسائل صدى بينها وبين ناس في العيلة، وعرفت إن الدنيا كلها بتتكلم ونحن آخر من يعلم! وعرفت كمان إن مرات أخويا سابت البيت ومشيت الفجر بسبب العك ده!”




جوزي لما سمع كلام أخوه من السماعة، وقع على الكرسي كأنه اتضرب على رأسه بآلة حادة. عينيه اتسعت من الصدمة والرعب، وشه بقى زي الجثة. المصيبة اللي كان بيحاول يداريها ويسكّتها بوعوده الكدابة اتفتحت على البحري، والسر اللي نزله في الضلمة بقى مكشوف قدام العيلة كلها من مصر للسعودية.


كُمِل الأخ كلامه وهو بيبكي بقهر يوجع القلب:


“أنا نازل مصر على أول طيارة حجزتها النهاردة الفجر! ومش هسيب حد عمل فيا كدة ولا طعنني في ظهري إلا ولما أحاسبه بالحساب المضبوط! الست دي ما تقعدش في بيتي ثانية واحدة، وأخويا ده حسابي معاه لما أنزل!”


قفل الأخ الخط في وش حمايا. الصمت اللي نزل على صالة بيت أبويا بعد القفلة دي كان أتقل من الجبال. حمايا قعد على أقرب كرسي وهو بيحط إيده على قلبه وبيتنفس بصعوبة شديدة. أبويا قام بسرعة وجاب له كوباية مية، وحمايا بيشرب منها وإيده بتترعش، وبص لابنه بنظرة كره وازدراء عمره ما شافها منه.


وقف حمايا بصعوبة وبص لجوزي وقال له بصوت طالع بالعافية:


“قوم من قدامي يا نذل! قوم قدامي على العمارة فوراً! النهاردة المهزلة دي تنتهي، والحساب يبتدئ من الشقة اللي تحت!”


أبويا بص لحمايا وقال بصرامة:


“أنا وجماعتي وجايين معاك يا حاج فلان. بنتي مش هتسيب حقها، واللي حصل ده يمس شرفنا كلنا، ولازم الكل يقف عند حده قدام عينينا!”


أبويا وأمي وأنا وحمايا وجوزي نزلنا كلنا وروحنا على العمارة. الشمس كانت طلعت تماماً والشارع بدأ يتحرك. دخلنا مدخل العمارة، وكانت الأجواء مشحونة بكهربا تنطق. طلبت أنا وأمي وأبويا مع حمايا وجوزي للدور اللي فيه شقة سلفتي.


حمايا قرب من باب شقتها وضغط على الجرس بغل ورزع على الباب بأيده بقوة:


“افتحي يا هانم! افتحي يا مستورة!”


بعد لحظات، اتفتح الباب بالراحة. خرجت سلفتي وهي لابسة عباية بيتي وشكلها عاملة نفسها لسه صاحية من النوم ومستغربة. بصلتنا كلنا بتمثيل متقن وقالت برقة ومسكنة كعادتها:


“إيه ده؟ خير يا عمي؟ في إيه يا جماعة طالعين كلكم كده ليه الفجرية؟ في حاجة حصلت ولا إيه؟!”


أبويا ما استحملش التمثيلية، وقال بصوت جهوري هز السلم:


“بلا مسكنة بلا قلة أدب! اللعبة اتكشفت والمسرحية خلصت يا هانم!”


سلفتي اتخضت وبصت لجوزي تستنجد بيه بعينيها، بس وجدته باصص في الأرض وزي الفراخ المبلولة مش قادر يرفع رأسه. هنا حمايا زق الباب ودخل الصالة، ودخلنا كلنا وراه.


قعد حمايا على الكنبة وبص لها بنظرة حادة زي المشرط وقال:


“جوزك اتصل بيا من السعودية.. وعارف كل حاجة! عارف رنّة الساعة 2 بالليل، وعارف التسحب في الضلمة، وعارف السخونية الفبركة اللي بتستدعي بيها أخوه في السر!”


سلفتي وشه اتغير في ثانية، ألوانها اتخطفت وشفايفها اترعشت، بس حاولت تلعب آخر كارت عندها، وقالت بصوت مليان مياصة ومسكنة وهي بتعيط:


“جرى إيه يا عمي؟ أنت بتصدق كلام النسوان؟ أنا كنت بستغيث بأخو جوزي عشان الولد كان بيموت في إيدي! هو أنا ماليش حد يسندني في الغربة دي غيره؟ بدل ما تشكروا شهامته ونخوته جاين تتهجموا عليا؟!”



في اللحظة دي، أنا ما قدرتش أمسك نفسي أكتر من كده. خرجت من ورا أبويا وقربت منها خطوات، وبصيت في عينها مباشرة وقلت لها بمنتهى القوة والشموخ:


“شهامته ونخوته؟! لما الولد يسخن يا حبيبتي، بتتصلي بيه الساعة 2 بالليل وتقوليلو تعالى بسرعة ومن غير ما تقولي لي أنا؟ ولما هو شهم ونبيل، ليه يتسحب ويقفل صوت التليفون ويدخل عندك بالمفتاح في السر وتقعدوا ساعة إلا ربع جوة؟! ولما أنتِ مسكينة وغلبانة، المحادثات والرغي اللي داير في العيلة عن تدليعك ومياصتك ده إيه؟! أنتِ افتكرتي إن غياب جوزك يخليكي تسرحي وتتمرحي وتطيحي في بيوت الناس؟!”


سلفتي اتفاجئت بردي القاسي، وبصت لجوزي وصصرخت فيه:


“أنت ساكت ليه يا فلان؟! ما تتكلم وتجولهم الحقيقة! مش أنت اللي جيت ووقفت معايا؟ ما تقولهم إنك نازل أختك!”


جوزي بصلها بنظرة كره مكتومة، وقال بصوت واطي ومكسور:


“اسكتي يا شيخة بقى! الله يخرب بيتك وبيت الساعة اللي سمعت فيها كلامك! أنتِ دمرتي بيتي ودمرتي العيلة كلها!”


حمايا وقف في نص الصالة، وشاور بإيده وقال بصوت حاسم قاطع مفيش فيه رجعة:


“تلمي هدومك حاجتك كلها دلوقتي حالا يا هانم! ما تقعديش في البيت ده دقيقة واحدة زيادة! هتسافري على بيت أبويكي في البلد فوراً، والولاد يفضلوا هنا مع أمهات العيلة لحد ما جوزك ينزل بالليل ويتصرف معاكي بيمينه!”


سلفتي بدأت تصرخ وتصوّت وتعمل دراما:


“بتطردني من بيت جوزي؟ عشان خاطر كلام فارغ وأوهام؟! أنا مش ماشية من هنا غير لما جوزي يجي بنفسه!”


أبويا اتكلم بكل هيبة:


“جوزك جاي في السكة يا هانم، والطيارة حجزها خلاص! وبنتنا مش هترجع لبيتها ولا لراجلها غير لما كل حتة في المهزلة دي تتنضف وتتقطع من جذورها!”


حمايا مسك تليفونه واتصل بأم سلفتي وأخوها في البلد، وقالهم بصوت ناشف:


“تعالوا خذوا بنتكم من العمارة دلوقتي، عشان مالهاش قعدة عندنا بعد النهاردة!”


الموقف في الشقة كان بيغلي، وسلفتي بتصرخ وتتلوى، وجوزي واقف في زاوية الأوضة زي المتهم المنتظر حكم الإعدام. وأنا واقفة جنبي أبويا وأمي، حاسة إن أول خطوة في استرداد كرامتي تحققت، بس النار اللي جوايا لسه ما انطفتش.. لأن الأخ المسافر راجع بالليل، والجميع مستني اللحظة اللي الطيارة هتهبط فيها في المطار، عشان الملحمة الحقيقية تبتدي!


 

حكايات اسلام احمد 3



**الجزء الخامس**


مرّت الساعات التقيلة زي الدهر. النهار كان طالع باهت والجو في العمارة مشحون بكهربا تقطع النفس. أهل سلفتي جُم من البلد مرعوبين، وبدل ما يعتذروا أو يلموا الموضوع، دخل أمها وأخوها بقلة أدب وبجاحة، يحاولوا يغطوا على عملة بنتهم ويقلبوا الترابيزة. أخوها وقف في الصالة يجعجع بصوت عالي:


“إيه العك ده؟ كبرتوا الموضوع وعملتوا من الحبة قبة علشان خاطر شوية كيد نسوان؟! الست جوزها غايب، ولو احتاجت حاجة من أخو جوزها ده الطبيعي والأصول! إنما تطردوها وتوسخوا سمعتها كدة، ده كلام ما نسكتش عليه!”


أبويا ما استناش ثانية، قرب منه وبص له بنظرة هيبة جمدت الدم في عروق أخوها:


“الأصول يا معلم أنت وهو، إن لما تكون الست راجلها غايب، تحترم غيابه وتحفظ شرفه! مش ترن على أخوه أنصاص الليالي تتسحب له وتعمل فيها العيانة والمسكينة! والأصول لما الراجل يروح يخدم مرت أخوه، يصحّي مراته تطلع معاه عين عينك، مش يتقفل الصوت ويتسحب في الظلمة زي الحرامية! لو دي الأصول عندكم في البلد، يبقى الأصول عندنا في مصر بتسمي التصرف ده قلة نخوة ودناسة!”


حمايا طردهم من الشقة بصوت هز العمارة كلها، وجروا أختهم وهدومها في شنط بلاستيك وخرجوا يجروا أذيال الخيبة والفضايح. الشقة نزلت عليها سكتة مرعبة، والكل انسحب. أبويا أصرّ إننا نرجع على بيت أبوي وما نرجعش شقتي ولا أحط فيها رجل لحد ما الأخ المسافر ينزل ويتحط القول الفصل.


طول النهار، جوزي كان واقف في الشارع تحت بيت أبويا زي الضّل. يبعت لي رسائل تترجى، يطلب يكلم أبويا، والتليفون ما بطلش رن:


*”يا بنت الحلال ارحميني، أخويا نازل ناوي على خراب وحمام دم، قولي لأبوكي يهدّي اللعب، أنا مستعد أعملك كل اللي تطلبيه بس انقذيني من الفضيحة دي!”*


رديت عليه بمسج واحدة بس قاطعة زي المشرط:


*”اللي يخاف من الفضيحة ما يمشيش في الضلمة. أنت اللي زرعت الشوك بكدبك واستغفالك ليا، والنهاردة تحصد اللي زرعته بنفسك!”*


على الساعة 10 بالليل، شاشة تليفون حمايا نورت.. وكان الاتصال المنتظر: الأخ المسافر نزل من مطار القاهرة وراكب تاكسي وجاي على العمارة رأسًا.


أبويا وأمي وأنا وحمايا نزلنا وقعدنا في شقة حمايا اللي في الدور الأرضي، الشقة اللي جمعت العيلة كلها. القعدة كانت ترعب.. حمايا قاعد وجهه شاحب وممسك بعصايته، وأبويا قاعد جنبي بكامل هيبته وصرامته، وجوزي قاعد في زاوية الأوضة عرقان، وشفه بيتنفض من الخوف والتوتر.


وفجأة.. سمعنا صوت كلاكيت التاكسي بره، وبعدها صوت خطوات تقيلة وسريعة في مدخل العمارة.


اتفتح باب الشقة، دخل الأخ المسافر.. منظره يوجع القلب. راجل طول بعرض، وشه أسود من الغضب والتعب، عينيه أحمر من الدموع والقهر، شايل شنطة سفره الصغيرة ورماها على الأرض بقوة هزت المكان. بص في الوجوه كلها، وساد صمت قاتل في الصالة لمُدة دقيقة كاملة، محدش قادر ينطق ولا كلمة.



الأخ وجه عينيه لجوزي مباشرة.. مشي ناحيته ببطء، خطواته كانت أتقل من الجبال، وبص له بنظرة مليانة حسرة وألم وقلة حيلة وقال بصوت مبحوح ومكسور:


“أنا طالع عين أهلي في الغربة.. شغال شغلانتين في اليوم، لا بنام ولا بارتاح علشان أبعت لكم الفلوس وتعيشوا مستورين.. وتيجي أنت يا أخويا؟ يا ابن أمي وأبوي اللي من دمي؟ تستغفلني في بيتي؟!”


جوزي قام من مكانه بسرعة وهو بيتفض ويحلف بالأيمان المغلظة:


“والله العظيم يا أخويا الفهم غلط! والله ما لمستها ولا في دماغي حاجة وحشة! هي اللي كانت بتتصل وتستغيث وتقول الولد سخن، وأنا كنت بروح بس من باب الشهامة!”


الأخ قرب منه بسرعة الصاعقة، ومسكه من ياقة قميصه وعصره في الحيطة وزأر في وشه بصوت زلزل الشقة:


“شهامة؟! شهامة تتسحب لها في نص الليل وبالمفتاح السر من غير ما تقول لمراتك؟! شهامة تقفل صوت تليفونك وتتسلل زي الحرامية؟! لو كانت شهامة كنت خدت مرتك في إيدك وطلعت جهاراً نهاراً! إنما أنت رخيص.. وسلفتها هي اللي كشفت رخصك وقرفك قدام الناس!”


الأخ ساب قميصه بزقة وقّعته على الكرسي، وبص لي أنا وأبويا، وقال بصوت مليان احترام وكسرة نفس:


“حكايتك وكرامتك على راسي من فوق يا أم الأصول. أنتِ الست الوحيدة اللي صانت بيتي من غير ما تدري، ولولا إنك وقفتِ للمهزلة دي، كان العك ده استمر وأنا مغفل بره مصر. حقك هتاخديه تالت ومتلت والنهاردة قبل بكرة!”


تلفّت الأخ لأبوه وقال بنبرة حاسمة مفيهاش أي مجال للنقاش:


“يا أبوي.. الست اللي فوق دي رميت عليها يمين الطلاق التلاتة في التليفون وأنا في المطار، وورقتها هتتوصل لبيت أبوها بكرة الصبح، وما تعتبش العمارة دي تاني طول ما أنا عايش!”


وبعدين التفت لجوزي، وبص له بنظرة كره وجفاء كأنه غريب مش أخوه:


“أما أنت يا فلان.. فأنت بالنسبة لي متّ النهاردة. مالكش أخ عندي، ولا تسلم عليا ولا تدخل بيتي، واللي بيننا انتهى لحد يوم الدين!”


حمايا حط إيده على وشه وبكى بصوت واطي من حرقة قلبه على ولاده والبيت اللي اتفكك. لكن الأخ المسافر كمل كلامه وبص لأبويا ولجوزي وقال:


“والحق التاني بتاع مرتك.. أنت مش راجل ولا تستاهل الست دي صانتك وصانت بيتك. القرار عندها دلوقتي، لو عايزة تطلق منك النهاردة أنا بنفسي اللي هقف مع أبوها وأجيب لها كل حقوقها منك!”


الصالة كلها اتجهت بظراتها عليا.. حمايا بصلي برجاء، وجوزي بصلي بنظرة مكسورة كأنه بيتوسل لرحمتي، وأبويا بصلي بثبات ومستني كلمتي الحرة..


**الجزء السادس**


وقفت الأوضة كلها على أطراف صوابعها، والعيون كلها اتسلطت عليا كأني القاضي اللي في إيده حبل النجاة أو مقصلة الإعدام.


جوزي قرب مني خطوة، وشه كان مفزوع، إيديه بتترعش ونبرة صوته كانت مكسورة لأول مرة في حياته، ما بقاش فيها لا برود ولا مكابرة ولا شغل “كبري عقلك يا هانم”:


“عشان خاطر ربنا يا فلانة.. سامحيني! أنا غلطت، غشيم وأعمى واستغفلتك وضحكت على نفسي باسم الشهامة والجدعنة! والله العظيم اتعلمت الدرس بالدموع، والبيت ده مش يدخله شيطان تاني، وأنا تحت رجليكي وفي طوعك في أي حاجة تطلبيها!”



بصيت له بمنتهى الهدوء.. الهدوء اللي بيجي بعد ما العاصفة تهدّ تماماً وتسيب وراها الخراب. حسيت إن كل مشاعري ناحيته اتجمدت، مفيش كره الشديد ولا في الحب القديم، كان في بس مساحة فاضية كبيرة مليانة قرف وعدم ثقة.


تطلعت في وش حمايا اللي كان قاعد مكسور ومسند رأسه على العصاية، وبصيت للأخ المسافر اللي واقف زي الأسد الجريح بيستنى كلمتي، وبعدين بصيت لأبويا اللي كان واقف في ظهري زي الجبل ومستني إشارتي عشان يهد الدنيا أو يبنيها.


أخدت نفس عميق وقلت بصوت واطي بس كل حرف فيه كان طالع زي الرصاص:


“الطلاق بالنسبة لي كان أسهل قرار أتاخده في اللحظة دي.. وأنا مش قصرت، ولا خفت، ولا كنت ضعيفة. أنا اللي كشفت المستور وحميت العيلة دي من مصيبة أكبر كانت بتتسحب في الضلمة. لكن أنا مش هسيب بيتي وأمشي بالساهل كإني أنا اللي غلطانة أو كإني أنا الطرف الأضعف!”


جوزي رفع رأسه بلهفة ورجاء، كأنه بيتشعلق في قشاية، بس أنا كملت كلامي وجمدت قلبي ورسمت الحدود الجديدة بحديد:


“أنا هرجع بيتي.. بس بشرط! بشرط يتقال ويتحط في أوراق رسمية قدام أبويا وحمايا دلوقتي:”


الأول: الشقة اللي فوق دي تتقفل بالضبّة والمفتاح، وحاجات سلفتي تترمي بره، وما تحطش رجلها في العمارة دي طوال حياتها، ولو جيت في يوم وشفت طيفها بس في الممر، هكون في بيت أبويا ومعايا ورقة طلاقي.


الثاني: تليفونك ده يتغير رقمه فوراً قدام القعدة دي، ومفيش حاجة اسمها مسجات صامتة، ولا تسحب في أنصاص الليالي، وحساباتك وتليفونك مفتوحين قدام عيني في أي وقت من غير ما أسمع نغمة ‘أنتِ بتراقبيني’.


الثالث والأهم: تكتب لي نصف الشقة باسمي بيع وشراء، مش عشان الفلوس، بس عشان تعرف إن البيت ده بقى لي فيه حق وقيمة وثمن، وإن الحركة الجاية منك هتكون ثمنها بيتك وكرامتك وفلوسك!”


الصالة سكتت ثانية، وجوزي بص لأبوه وأبويا بصدمة، بس حمايا ضرب بعصايته على الأرض وقال بصوت قاطع:


“موافقين! والشقة تتكتب باسمها بكرة الصبح عند المحامي! وأنا اللي هشهد على العقد بنفسي! ده أقل حق لست صانت البيت وكشفت الدناسة!”


جوزي نزل رأسه في الأرض وقال بصوت مخنوق:


“أنا موافق على كل شروطك.. حقك على راسي.”


بصيت للأخ المسافر وقلت له:


“حقك عند ربنا يا أستاذ فلان، وأنت راجل أصيل وجدع، والبيت ده بيتك في أي وقت، وأنا زي أختك.”


دمعت عين الأخ وهز رأسه باحترام وانسحب وهو رايح يطلع لشقته يلم باقي أنفاسه ويدفن القهر اللي جوايا.


رجعت مع جوزي الشقة في نفس الليلة.. بس الشقة ما كانتش هي هي، ولا المعاملة رجعت زي الأول. أنا دخلت البيت ده بقلب جديد وشخصية تانية خالص.. ست عرفت قمتها وقدرها، وما بقاش في حياتها مكان للسكوت ولا للطيبة الزايدة اللي بتطمع النفوس المريضة فيها.


عدت أيام.. الشقة اللي تحت أتقفلت بالكامل، وأهل سلفتي جم أخدوا كل كراكيبها في الليل وهما متغطيين بالفضيحة، والشارع كله عرف إنها اترمت بره العيلة بيمين طلاق قاطع بسبب أفعالها.



أما جوزي.. فبقى يمشي جنب الحيط، بيتحرك بحساب، وبيعمل ألف حساب لكل كلمة وكل نظرة، وعينيه دايماً فيها خوف من إنه يفقد السيطرة أو يرجع يشفني بالنظرة القاسية بتاعة ليلة الفجرية.


لكن.. رغم إن المياه بدأت ترجع لمجاريها، وإن البيوت اتقفلت على أصحابها، إلا إن القصة لسه مخلصتش عند الحد ده!


في يوم جمعة، وبعد مرور شهر كامل على الواقعة، وأنا قاعدة في الصالة بالنهار وبشرب قهوتي بمنتهى الهدوء.. رن جرس الباب رنّة غريبة ومتواصلة!


قمت فتحت الباب.. ولقيت واحدة واقفة قدامي، وشها شاحب ولابسة أسود في أسود، وبتبص لي بنظرات مليانة غل وانتقام.. واحدة ما كنتش أتوقع أبداً إنها تجيلي لحد باب بيتي!


**الجزء السابع والأخير**


وقفت مكاني على الباب، الفنجان في إيدي كاد يقع من الصدمة. الست اللي واقفة قدامي بلبسها الأسود ونظرات الغل اللي في عينيها ما كانتش حد غريب.. كانت أم سلفتي!


بصت لي من فوق لتحت بنظرة مليانة قهر وغضب كتمته جواها طول الشهر اللي فات، وقالت بنبرة حادة وصوت طالع بالعافية:


“إيه؟ استغربتِ لما شفتيني على بابك؟ فاكرة إن اللعبة خلصت لحد هنا وإنك خرجتِ المنتصرة اللي كسرتِ بخت بنتي وخربتِ بيتها وركبتِ العيلة كلها؟!”


جمعت كل هدوئي وثباتي، مسكت الباب بكف إيدي ووقفت بسُمك طول وشموخ، وبصيت لها ببرود يحرّق الدم:


“أهلاً يا أم فلان.. جاية ليه؟ جاية تكملي المسرحية اللي بنتك بدأتها؟ ولا جاية تعتذري عن الفضايح والأفعال اللي وطّت رأسكم في الأرض؟”


اتنفضت الست ودخلت خطوة لجوة الصالة بجاحة، وشالت من تحت دراعها كيس أسود كبير ورمته على الترابيزة بعنف:


“اعتذر؟! أعتذر لمين يا هانم؟! بنتي طُلقت اترمت في الشارع بسببك وبسبب كيدك وسلكانك مع العيلة! جاية أرجع الأمانة والأكل والهدوم اللي كانت سايباها فوق، وجاية أقولك كلمة واحدة تضل ترن في ودنك طول عمرك: أنتِ فاكرة إنك كسبتِ؟ فاكرة إن الشقة اللي كتبتي نصها باسمك والراجل اللي كسرتِ مناخيره بقى بتاعك خلاص؟”


ضحكت بصوت هادي، ضحكة خفيفة كفيلة تفرتك أعصابها، وقلت لها:


“بنتك ما أترمتش بسببي، بنتك اترمت بسبب مياصتها وقلة أدبها واستغفالها لجوزها اللي شغال طافح الدم بره! بنتك لعبت مع الست الغلط، وافتكرت إن السكوت ضعف والطيبة عباطة.. ولما أخدت فوق رأسها كشفت حقيقتها قدام العيلة كلها! واللي بيني وبين جوزي شأن خاص، هو عارف إنه غلط وأخد جزاء غلطه، والشقة دي حقي وحق كرامتي اللي حطيتها فوق رأس الجميع!”


خرّج جوزي من الأوضة على صوت الزعيق، أول ما شاف أم سلفتي وشه اتغير واتوتر، وقرب بسرعة عشان يقف بيني وبينها وقال بصوت حاسم:


“في إيه يا خالة؟ داخلة شقتي بتزعقي ليه؟ العك ده انتهى وبنتك أخدت ورقتها وكل حقوقها، جاية هنا تعملي مشاكل ليه ثاني؟!”


بصت له أم سلفتي بقرف وتفّت على الأرض قدامه:


“يا خسارة الرجولة! يا خسارة الشهم اللي كان بيجري يلحقنا! بقى كبرت وعليت صوتك لما الست دي كتبت الشقة باسمها وركبتك؟ عموماً أنا مش جاية عشانك.. أنا جاية أقولكم إن ابني وبنتي خلاص مش راجعين البلد دي ثاني، وبنتي اتجوزت راجل قرايبنا في الصعيد وهتبدأ حياة جديدة، لكن ذنب الفضيحة والخراب اللي عملتوه ده في رقبتكم ليوم الدين!”



شالت شنطتها وجات تلف عشان تخرج، التفتت لي وقالت بصوت واطي ومسموم:


“مش هتهني بيه يا فلانة.. والبيت اللي اتبنى على خراب بيت ثاني مش بيعمر!”


رديت عليها بنبرة قاطعة هزت الصالة، ونظرة ثبات مفيهاش ذرة خوف:


“البيت ده ما اتبناش على خراب، البيت ده اتنضف من النجاسة والدناسة اللي كانت بتهد فيه من ورا ضهرنا! وبنتك لو اتجوزت غيره، يارب تكون اتعلمت الدرس وعرفت إن بيوت الناس ليها حرمة، وإن غياب الراجل مش معناه السرحان مع أخوه! مع السلامة يا خالة، والباب يفوت جمل!”


خرجت أم سلفتي وربعت الباب وراها بقوة.. نزلت السكتة على الشقة، وجوزي بصل وقرب مني وهو بيحاول يمسك إيدي ونبرته مليانة ندامة ورجاء:


“حقك عليا يا فلانة.. أنا السبب في كل القرف ده، وأنا اللي فتحت الباب للمشكال دي لما تساهلت وعملت فيها الشهم.”


سحبت إيدي بالراحة، وبصيت له بابتسامة متزنة فيها قوة ورضا عن نفسي:


“المهم إن الدرس اتعلم، وإن الباب ده اتقفل للأبد ومفيش مخلوق هيقدر يهزه ثاني. اللي فات مات يا فلان، ومن النهاردة في بيت جديد بقواعد جديدة.. اللي يحترمني ويصون كرامتي أتحط في عينيه وأشيله على رأسي، واللي يفكر يستغفلني أو يقل مني، يتفرم تحت رجلي!”


مرت الأيام والشهور، والهدوء والسكينة رجعوا للبيت بجد. الشقة اللي فوق اتأجرت لعيلة طيبة وناس محترمين، وحمايا بقى يجي يزورنا وهو مرفوع الرأس ومفتخر بالست اللي صانت بيتها وعيلتها، والأخ المسافر بقى يكلمني في التليفون يسأل عليا ويشكرني كل فترة على الوقفة اللي وقفتها.


أما جوزي.. فاتغير تماماً. اتعلم إن الحياة الزوجية مش مجرد كلام حنين ومسكنات، إنما موقف ونخوة واحترام لكرامة الست اللي معاه. بقى يعمل لي ألف حساب، وعرفت بفضل ربنا وبقوة شخصيتي إني أخد حقي ناشف، وأحول المحنة لأكبر نصر في حياتي.


وعرفت إن الست العفيفة الأكيلة، مش هي اللي بتسكت وتطاطي، إنما هي اللي بتعرف إمتى تسكت لغاية ما تجمع حقها، وإمتى تضرب ضربتها القاضية اللي ترجع كل واحد لحجمه الطبيعي!


*(تمت بحمد الله)*


 






تعليقات

close