القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

جوزي حبسني 7 أيام عشان يغصبني أتنازل عن 50 فدان ورثي

 جوزي حبسني 7 أيام عشان يغصبني أتنازل عن 50 فدان ورثي



٨٠ فدان ١

انجى الخطيب

جوزي حبسني 7 أيام عشان يغصبني أتنازل عن 50 فدان ورثي ، وحماتي قالت: “لما تموت من الحوع والعطش هتمضي وتخلصنا…

— هتمضي على الخمسين فدان دول يعني هتمضي، ولو اضطريت أحرمك من المية والاكل أسبوع كامل — قالت “طنط إحسان” حماتي الكلام دا وهي بتقفل باب المخزن اللي تحت البيت بالمفتاح عليا.

صوت قفلة القفل رن في وداني وكأن باب قبر بيتقفل عليا..

مريم” كانت يا دوب قادرة تقف على رجليها؛ افتكرت كوباية الشاي اللي شربتها على العشا، وفهمت ليه لسانها كان تقيل ورجليها مش شايلينها.

كان واقف ورا الباب “أيمن”، جوزها.

مريم كانت مستنية منه إنه يوقف أمه، يزعق، يفتح الباب، يفتكر أي كلمة حلوة قالها في الأربع سنين جواز. لكن سمعته بيقول ببرود:

— تفتكري هتستحمل قد إيه؟

ردت طنط إحسان بصوت يجمّد الدم:

— يوم الاتنين هننزل بالعقد، هتكون خلاص دبلت ومضت على اللي إحنا عايزينه.

خبطت مريم على الباب:

— أيمن! افتح لي يا أيمن!

سكت لحظة وقال:

— ما تصعبيش الأمور يا مريم. جدك مات وسابلك الأرض الوحيدة اللي محتاجينها، ومن غير الـ 50 فدان دول، البنك هيحجز على كل حاجة وشركة “مجموعة إحسان” هتعلن إفلاسها.

الحاج “سيد”، جد مريم، كان شقيان طول عمره في الأراضي بتاعته، ورباها من وهي صغيرة، وصرف على تعليمها. ولما أيمن ظهر في حياتها ببدلته وشياكته واسم عيلته المعروف، كان هو الوحيد اللي مش مرتاح له.

#انجي_الخطيب

كان دايما يقولها: “الواد ده مش باصص في عينك يا مريم، ده باصص في اللي يقدر ياخده منك”.

مريم كانت فاكرة ده خوف جدود، بس وهي محبوسة في المخزن اللي ملهوش شبابيك، فهمت إن جدها كان شايف الحقيقة من الأول.

— جدي أنقذ شركتكم مرتين — قالت مريم وهي بتحاول تمسك دموعها — دفع فلوس لما الكل خاف يسلفكم. ده كمان كان جزء من خطتكم؟

ضحك أيمن ضحكة صفرا:

— طبعاً! كنتِ فاكرة إني اتجوزتك عشان عيونك؟ اتجوزتك عشان أرض جدك، ودي كانت الخطة من البداية.

طنط إحسان قاطعتهم:

— خلص يا ابني، “ريهام” جاية النهاردة من إسكندرية، مش عايزينها تتوتر وهي حامل في ابنك.

مريم اتسمرت في مكانها. ريهام؟ سكرتيرة أيمن اللي كانت بتاكل على سفرتهم، وبتيجي بيتهم، وكانت بتعمل نفسها بتحسدها على جوازتها!

مشيت خطواتهم، طفوا نور الطرقة، وسابوها في ضلمة تامة.

قعدت مريم على الأرض، فكرت تصرخ بس مفيش حد هيسمعها. الخدم كلهم واخدين أجازة إجبارية، والتليفونات مقطوعة، والباب حديد ومتأمن كويس.

وفجأة افتكرت آخر زيارة لجدها للعزبة، لما كان بيمشي في المخزن بحزن، وقبل ما يمشي إداها دلاية فضة على شكل ورقة شجر.

قالها: “ما تقلعيهاش أبداً، ولو في يوم اتحطيتي في ضيقة، دوري على الطوبة الخامسة في الرصة التانية ورا البراميل”.

قامت مريم، زقت الصناديق القديمة، ولقيت البراميل. عدت الطوب، ولما ضغطت على الطوبة الخامسة، سمعت صوت تروس بتتحرك.

جزء من الحيطة اتفتح، ظهر وراه نفق ضيق. العزبة دي كانت بتاعة عيلتها من زمان، وجدها كان حكالها قصص عن الأنفاق اللي كانت بتستخدم أيام زمان، بس هي كانت فاكراها حكايات.

طلعت المفتاح الصغير اللي كان جوه الدلاية، وفتحته. قبل ما تدخل، سمعت صوتهم تاني بره:

— ولو ما مضتش هنعمل إيه؟ — سأل أيمن.

ردت إحسان:

— هنستنى لما تضعف خالص، وبعدين نزور إمضتها ونقول إنها هربت من الفضيحة.

مريم ضغطت على الدلاية في إيدها لحد ما علمت في كفها. مش هترجي حد، ومش هتسيب أرض جدها، والأهم إنها مش هتفضل الست اللي بيضحكوا عليها.

دخلت النفق وقفلت وراها الحيطة.

بعد 7 أيام، طنط إحسان هتفتح الباب وهي مستنية تلاقي واحدة مكسورة، بس اللي هتشوفه في الضلمة هيخليها تصرخ كأنها شافت عذابها بعينها.

#انجي_الخطيب

النور كان خافت جوه النفق، والريحة كانت ريحة تراب قديم وذكريات محبوسة، بس مريم كانت ماشية بثبات غريب، كأن الغضب اللي جواها هو اللي بيحركها مش رجليها اللي كانت بتترعش من الجوع. مريم كانت عارفة إنها لو خرجت، مش ممكن ترجع مريم القديمة، البنت اللي كانت بتصدق الكلمة الحلوة وبترمى نفسها في حضن اللي بيخدعها.

عدت الأيام جوه النفق، مريم اكتشفت إن النفق ده بيفتح على بيت الحارس القديم المهجور في آخر العزبة، والبيت ده كان فيه خزين أكل قديم معلبات ومية، وكأن جدها كان حاسس إن الحيطة دي هيجي يوم وهتكون هي طوق النجاة. في السبع أيام دول، مريم مكنتش بتعيط، كانت بتفتكر كل حركة، كل كدبة، وكل نظرة احتقار شافتها في عين “ريهام” وهي بتدخل بيتها.

يوم الاتنين، الصبح بدري، “طنط إحسان” وأيمن وقفوا قدام باب المخزن، إحسان كانت ماسكة ورقة وقلم، وأيمن كان وشه أصفر وقلقان.

إحسان بصوت واطي ومسموم: “أكيد دلوقتي بقت زي الخيال، ادخل يا أيمن، خلصنا عشان نلحق نلحق ريهام قبل ما تروح المستشفى.”

أيمن فتح القفل بإيد بتترعش، وبمجرد ما الباب اتفتح، دخلوا هما الاتنين بضوء الكشافات، مريم مكنتش موجودة، الأوضة كانت فاضية تماماً، مفيش غير شوية تراب على الأرض. إحسان بصت لأيمن برعب: “فينها؟ فين راحت؟”

أيمن جن جنونه، فضل يلف في المخزن كالمجنون، مفيش أي أثر للهروب، لحد ما وقعت عينه على جزء الحيطة اللي كان مقفول بدقة، صرخ: “دي مفتوحة!”

جريوا ناحية النفق، بس قبل ما يخطوا خطوة واحدة، سمعوا صوت “تكة” باب المخزن الكبير بيتقفل بقوة من بره، والضوء اختفى تماماً لما أيمن وإحسان اتجمدوا في مكانهم.

من ورا الباب، مريم صوتها طلع قوي، ثابت، وما فيهوش ذرة ضعف: “كنتوا فاكرين إن 50 فدان أرض وجدتها من دهب ممكن تخلص بكلمتين يا حماتي؟”

إحسان خبطت على الباب بجنون: “مريم! افتحي يا بت! إنتي عملتي إيه؟”

مريم ضحكت، ضحكة مكنش فيها أي فرحة، بس كان فيها انتصار السنين: “اللي عملته إني بلغت الشرطة من تليفون كان مرمي في بيت الحارس، ووريتهم التوكيلات اللي كنتوا ناويين تزوروها.. والبصمات اللي على عقودكم المضروبة هي اللي هتحبسكم، مش أنا.”

أيمن زعق بصوته كله: “مريم! ريهام حامل! ما تعمليش فينا كدة!”

ردت مريم وهي بتمشي بعيد عن المخزن، وشمس الصبح بدأت تظهر في العزبة، وبتقول لنفسها إن الأرض اللي جدها زرع فيها روحه، مش ممكن تضيع لأشكال زي دول: “ريهام حامل؟ يبقى مبروك، هتلاقيها أكيد مستنياكم في قسم الشرطة.. هي أول واحدة اعترفت بكل حاجة بمجرد ما شافت العساكر، وباعتكم بأرخص تمن عشان تنجي بنفسها.”

مريم مشيت، وسمعت صوت صراخهم بيتعالى ورا الباب، سابتهم في نفس المكان اللي حبسوها فيه، بس الفرق إن المرة دي، الضلمة اللي جوه هي ضلمة مستقبلهم، والشمس اللي بره هي بداية عمرها اللي استردته بكرامتها.

……..

مريم وقفت لحظة قدام باب البيت الكبير، أخدت نفس عميق، الهوا كان فيه ريحة الندى والأرض اللي بقت حرة أخيراً. لفت ضهرها للمخزن اللي صوته مابقاش فيه غير خبط أيمن اليائس على الحديد، وبدأت تمشي في اتجاه البوابة الرئيسية.

على أول طريق العزبة، شافت كشافات عربيات الشرطة بتقرب، وصوت السارينة كان بيقطع سكون الصبح، بيعلن بداية نهاية الإمبراطورية اللي اتبنت على الكدب والخيانة. “المأمور” نزل من العربية، وبص لمريم اللي كانت واقفة بعبايتها المتربة، بس نظرتها كانت أقوى من أي وقت فات.

— الآنسة مريم؟

سألها المأمور وهو بيبص للمخزن اللي صوت الخبط فيه بقى مكتوم.

— أيوه يا فندم، أنا مريم. التليفون اللي بلغتم عليه هو اللي فيه كل التسجيلات اللي بتثبت محاولة الخطف والتزوير، ومفاتيح البيت والتوكيلات المضروبة كلها في الدرج اللي جوه المكتب، خدوا بالكم، أيمن عنده نسخة تانية في الخزنة.

مريم قالت كلماتها وهي بتطلع دلاية ورقة الشجر من رقبتها، بتبص لها وكأنها بتودع جدها وبتقوله “أنا قدرت”. المأمور شاور للعساكر، ودخلوا البيت اللي كان يوم من الأيام “بيتها”. وشافت “ريهام” خارجة من عربية تانية، وشها أبيض كالموت، عينيها جت في عين مريم، فبصت في الأرض بسرعة، ريهام كانت هي الخيط اللي مريم استخدمته عشان تكشف اللعبة؛ عرفت إن طموح ريهام في “ابن أيمن” هو اللي هيخليها تبيع أي حد، فكانت هي أول واحدة اتواصلت معاها وهي جوه بيت الحارس، وفهمتها إن أيمن هيسيبها تواجه المصير لوحدها لو مراته اتنزلت عن الأرض.

ريهام بدموع تماسيح قربت منها:

— مريم.. أنا كنت مضطرة.. هو اللي ضغط عليا..

مريم بصتلها بقرف، ومن غير ولا كلمة، لفت وشها للمأمور وقالت:

— يا فندم، الأرض دي كان جدي شقيان فيها عشان يورثني أنا، مش عشان تتسرق مني. أنا عايزة حقي بالقانون، وعايزة أخرج من البيت ده النهاردة، ومحدش فيهم يقرب مني تاني.

شافت أيمن بيطلع متكلبش، وشه كان ملامحه ممسوحة، أول ما شافها، حاول يصرخ أو يشتم، بس عساكر الأمن المركزي كتفوه بسرعة ودخلوه عربية الترحيلات. طنط إحسان كانت ماشية وراهم بتندب وتصرخ، بس مريم كانت خلاص، صوتهم بقى زي دوشة عربيات معدية، مش مأثر في هدوئها.

ركبت مريم عربية الشرطة عشان تروح القسم تكمل الإجراءات، ومن الشباك، فضلت باصة للأرض اللي بدأت الشمس تطلع عليها، بتلمع كأنها بترحّب بصاحبتها اللي رجعتلها. مريم غمضت عينيها، ولأول مرة من 7 أيام، حست إن جسمها خفيف، وإن السلاسل اللي كانت خانقاها اتفكت للابد. الطريق قدامها طويل، ومعاركها القانونية لسه هتبدأ، بس هي دلوقت بقت عارفة إنها مهما اتحبست في ضلمة، جوه قلبها فيه نور، وجوه إيدها مفتاح يفتح أي باب مقفول.

…….

عدت الشهور كأنها سنين، مريم بقت شخصية تانية، ملامحها اللي كان بيغطيها الخوف اتغيرت وبقت بتبص للحياة بتحدي. القضية أخدت وقت طويل في المحاكم، أيمن وحماتها حاولوا بكل الطرق يلفقوا تهم تانية أو يضغطوا عليها بصلاتهم، بس مريم كانت واقفة زي الجبل، ورقة الشجر الفضة اللي ورثتها عن جدها بقت تميمة حظها، في كل جلسة كانت بتمسكها في إيدها بتفتكر ريحة الأرض والوعد اللي قطعته لنفسها.

في جلسة الحكم النهائية، القاعة كانت هادية بشكل يرعب. القاضي نطق بالحكم: “سجن مشدد لأيمن وإحسان بتهمة الخطف، الشروع في الق9تل، والتزوير في أوراق رسمية.”

صوت الصريخ والعياط في القاعة كان بيتردد، إحسان كانت بتبص لمريم بعيون كلها غل وكره، وأيمن كان وشه ميت، بيبص للفراغ، كأن حياته كلها اتبخرت في لحظة. مريم طلعت من قاعة المحكمة، الهوا بره كان مختلف، شمت فيه ريحة الحرية اللي بجد.

ما وقفتش عند ده وبس، مريم رجعت للأرض، العزبة اللي كانت مهددة بالإفلاس بقت مشروع حياتها. نزلت السوق بنفسها، اتعلمت زراعة أصناف جديدة، وخلت الأرض اللي أيمن كان عايز يبيعها عشان يسدد ديون شركته، بقت بتنتج دهب. شركة “مجموعة إحسان” اللي كانت بتنهار، مريم اشترت أصولها بعد ما أعلنت إفلاسها بشكل قانوني، وحولتها لمؤسسة خيرية تحمل اسم جدها “الحاج سيد”، بتدعم الفلاحين اللي كانوا بيشتغلوا عنده.

في يوم من الأيام، وهي ماشية في الغيط بتطمن على المحصول، شافت طفل صغير بيجري وسط الزرع، ضحكته كانت صافية زي ضحكة جدها. وقفت مريم، وطلعت الدلاية الفضة من رقبتها، بصت للزرع الأخضر اللي بيتحرك مع الهوا، وحست إن كل اللي حصل كان مجرد فصل في رواية طويلة، هي اللي كتبت نهايته بإيديها.

تليفونها رن، كان المحامي بيبلغها إنهم خلصوا إجراءات بيع بيت “العيلة” القديم اللي كانت ساكنة فيه مع أيمن، مريم خدت نفس عميق وقالت ببرود وهدوء: “بيعه، مش عايزة منه ولا مليم، اتبرع بتمنه للملجأ، أنا مش محتاجة من الماضي ده غير ذكرياتي اللي طهرتها بالعدل.”

قفلت التليفون، وبصت للسما، كانت الشمس بتغرب، واللون البرتقالي غطى الأرض، مريم سابت الدلاية في إيدها وغمضت عينيها، مفيش سجون تانية، مفيش خوف، مفيش مفاتيح مقفولة. مريم بقت هي صاحبة الأرض، وصاحبة حياتها، والدرس اللي اتعلمته كان بسيط بس تقيل: “الخوف هو القفل، والشجاعة هي المفتاح اللي بيفتح أبواب كان الكل فاكر إنها اتسدت للأبد.”


٨٠ فدان ٢

انجى الخطيب


بعد مرور سنتين، مريم بقت معروفة في المحافظة بـ “ست الكل”، الاسم اللي خلى الفلاحين والعاملين في الأرض يحترموها مش بس لأنها صاحبة العزبة، لكن لأنها بقت سند ليهم. الشركة اللي كانت “مجموعة إحسان” وبقت “مؤسسة الحاج سيد”، بقت بتصدر محاصيلها لأوروبا، ومريم ما بقتش بس مزارعة، بقت سيدة أعمال بتدير إمبراطورية زراعية بأيد من حديد وقلب رحيم.

في يوم، وهي في مكتبها اللي بيطل على العزبة، دخل عليها المحامي بملف جديد. بصلها بتردد وقال: “مريم هانم، أيمن بيبعت جوابات من جوه السجن.. طالب يقابل حضرتك.”

مريم سابت القلم من إيدها، وبصت للشباك بهدوء. أيمن اللي كان ببدلته وشياكته، بقى دلوقت رقم في سجلات السجون، بيعيش على أمل إنها ممكن “تسامح”. ضحكت مريم ضحكة خفيفة، مش سخرية، لكن استيعاب لمدى عبثية اللي فات.

ردت بهدوء: “ارجع قوله إن مريم اللي كان بيعرفها ماتت يوم ما اتقفل عليها باب المخزن. والـ 50 فدان اللي كان عايزهم عشان يستر شركته، دلوقت هما اللي بيصرفوا على آلاف الأسر. هو كان فاكر إنه بيسرق أرض، بس هو في الحقيقة كان بيسرق لنفسه مصيره، وأنا استرديت حياتي.”

المحامي مشي، ومريم قامت وقفت قدام مرايتها. شافت ست ملامحها قوية، فيها ندبات التجربة بس مفيش فيها انكسار. حطت إيدها على رقبتها، الدلاية الفضة لسه موجودة، بس بقت جزء منها، مش مجرد حتة معدن.

خرجت للبلكونة، شافت العمال بيحصدوا المحصول الجديد، أصواتهم كانت مليانة حيوية. مريم شافت في وسطهم راجل عجوز، كان بيشتغل مع جدها زمان، رفع إيده وبصلها بابتسامة فخر، إشارة منه إنها فعلاً بقت “حفيدة الحاج سيد” اللي الكل بيتشرف بيها.

مريم أخدت نفس عميق، الجو كان جميل، الشمس كانت بتغيب كالعادة، بس المرة دي كانت بداية مش نهاية. مشيت ناحية العربية، قررت تروح تزور تربة جدها. وصلت هناك، قعدت قدام القبر، وطلعت الدلاية الفضة وفتحتها، وحطت جوه تجويفها صورة صغيرة للأرض وهي خضراء ومزدهرة.

قالت بصوت واطي ومسموع ليها هي بس: “أنا عملت اللي قولت عليه يا جدي، لا خنت الأرض، ولا سمحت لحد يكسرني.”

قامت مريم، مسحت دموعها اللي نزلت من غير ما تحس، وركبت عربيتها. الطريق كان مفتوح، مفيش وراها أي سجون، ومفيش قدامها غير طريقها اللي هي اختارته بنفسها، طريق منور بالعدل والشغل، طريق مفيش فيه “مفاتيح” تانية غير مفتاح نجاحها اللي محدش يقدر ياخده منها أبداً.

………

مريم دارت العربية، وفجأة لمحت في مراية الصالون عربية سوداء ماشية وراها بمسافة ثابتة من ساعة ما خرجت من الجبّانة. قلبها دق دقة سريعة، بس مش خوف.. ده كان إحساس بالخطر اللي اتعودت عليه وفهمت لغته. زودت سرعتها شوية، العربية التانية زودت وراها. ابتسمت مريم بمرارة، وقالت لنفسها: “الماضي لسه بيحاول يلحقني، بس أنا مش مريم بتاعة زمان”.

دخلت مريم طريق فرعي ممهد بيؤدي لمخزن قديم تابع للمؤسسة، مكان هي مجهزاه لكاميرات المراقبة، ومكالماتها متسجلة لحظة بلحظة مع مدير أمن المؤسسة. دخلت المخزن، العربية السوداء وقفت قدام الباب ونزل منها راجل لابس لبس غامق، ملامحه حادة، مش أيمن طبعاً، ده كان “محامي” تاني من بتوع “إحسان”، لسه بيحاولوا يلعبوا في الوقت الضايع.

نزل الراجل من عربيته وهو بيحاول يمثل الهدوء، لكن مريم نزلت من عربيتها وهي ماسكة تليفونها وبتبص له بثقة: “لو جاي عشان العفو أو التنازل، وفر مجهودك. ولو جاي بتهديد، فخليني أقولك إنك قدام الكاميرات اللي بتبث مباشر لكل تحركاتك لأمن الدولة.”

الراجل اتجمد في مكانه، وبص للكاميرات اللي بتلمع فوق الباب. مريم كملت وهي بتقرب منه خطوة: “أنا مريم اللي جدها علمها إن اللي بيخاف، بيفضل محبوس. أنا اتحبست 7 أيام في ضلمة، اتعلمت فيها إن اللي بيحفر حفرة لغيره، هو أول واحد بيقع فيها. ارجع للي بعتك، وقولهم إن مريم دلوقتي مش بس معاها الأرض، مريم معاها القانون، ومعاها درع الحماية اللي هما نفسهم مكنوش يحلموا بيه.”

الراجل ركب عربيته بسرعة وهرب، ومريم وقفت في صمت، بتراقب غبار عربيته وهو بيختفي. حست وقتها إنها فعلاً بقت حرة، مش بس من زوجها أو حماتها، لكن من أي ظل ممكن يلاحقها.

رجعت العزبة، قعدت في مكتبها، وفتحت درجها وطلعت الدلاية الفضة، وبدأت تكتب مذكراتها. مريم قررت إن قصتها لازم تتكتب، عشان تكون درس لكل ست في مصر، إن كرامتها وأرضها وحقها هما خط الدفاع الأول. مع كل كلمة بتكتبها، كانت بتحس إن الجرح اللي في روحها بيلم، وإن الشخصية اللي كانت محبوسة في ضلمة المخزن، بقت هي الشمس اللي بتنور طريق غيرها.

قفلت التليفون، رمته على المكتب، وفتحت الشباك على آخره. الهوا كان معبي ريحة الأرض، ريحة الحياة اللي هي صنعتها بإيديها. مريم غمضت عينيها، مفيش سجون، مفيش تهديدات، مفيش غيرها هي.. مريم، اللي اتحولت من “ضحية” محبوسة، لـ “ملكة” على أرضها. خلصت القصة، وبدأت حياتها الحقيقية، حياة مفيش فيها أي “قفلة قفل” تانية، غير قفلة الباب على الماضي اللي انتهى خلاص.

……….

بينما مريم بتكتب آخر سطر في مذكراتها، وقعت عينيها على جواب قديم مبعوت من “ريهام” من قلب السجن. الجواب كان مكتوب بإيد مهزوزة، مريم فتحته ببطء؛ كان فيه اعتراف كامل بتفاصيل تانية مكنتش مريم تعرفها عن خطة إحسان وأيمن، اعترافات بتورط أشخاص نافذين كانوا بيحاولوا يغسلوا أموالهم عن طريق أراضي “الحاج سيد”.

مريم مسكت الجواب، حست بمسؤولية جديدة. الموضوع مابقاش مجرد “تار” شخصي بينها وبين أيمن، الموضوع بقى قضية رأي عام وهتفتح ملفات فساد كبيرة. مريم اتصلت بالمحامي بتاعها، وبصوت هادي ومسموع قالت: “جهز ملفاتك، الجواب ده مش هيخلي أيمن بس اللي يتحاكم، الجواب ده هيوقع ناس تقيلة كانت فاكرة إن الأرض دي حقل تجارب ليهم.”

المحامي سكت شوية، وبعدين قال بقلق: “يا مريم هانم، اللي بتفكري فيه ده طريق خطر جداً، الناس دي مش سهلة وممكن يعملوا أي حاجة عشان يوقفوا القضية دي قبل ما تخرج للنور.”

مريم قامت وقفت، بصت لشمس العصر وهي بتلمس حبات القمح الذهبية في أرضها، وقالت بصوت مليان إصرار: “أنا جربت الحبس، وجربت الجوع، وجربت أكون في مواجهة الموت والضلمة، ومن يومها مابقتش أخاف من حد. اللي دفع تمن حياته كرامته، مش هيخاف تاني.”

في اللحظة دي، دخل عليها كبير العمال، “عم صالح”، بابتسامة طيبة، وقالها: “يا مريم يا بنتي، الأرض دي شافت كتير، بس عمرها ما شافت حد زيك.. إنتي رجعتي للأرض روحها، والناس اللي وراكي دي كلها هتبقى درعك.”

مريم بصت لعم صالح، وللعمال اللي واقفين بعيد بيطمنوا عليها، حسّت إنها مش لوحدها. القصة اللي بدأت بمخزن ضلمة ومحاولة سلب حق، بقت ثورة ضد الظلم، وبقت حكاية “مريم” اللي وقفت ضد الكل وخرجت منتصرة.

مريم قفلت ملف مذكراتها، وحطت الدلاية الفضة حوالين رقبتها مرة تانية، وخدت قرارها: “مش هسكت، والعدل اللي بدأته لازم يكتمل، مش عشاني، لكن عشان كل ست اتظلمت وكانت فاكرة إنها ضعيفة.”

خرجت مريم من المكتب، والريح بتلعب في طرحتها، وبخطوات ثابتة ومؤمنة، مشيت ناحية الطريق اللي بياخدها للمواجهة اللي جاية، وهي عارفة إنها مهما واجهت، هي خلاص اتعلمت إزاي تكسر كل قفل، وأي باب مقفول قدامها، هي اللي معاها مفتاحه.

……..

مرت سنة تانية، والسنة دي كانت “سنة الحصاد” بجد. مريم سلمت كل المستندات والاعترافات اللي وصلتها من ريهام للجهات الرقابية، وبدأت موجة تحقيقات هزت كيانات كبيرة كانت مستخبية ورا نفوذها. مريم بقت رمز، مش بس في بلدها، لكن في كل حتة وصلت لها حكايتها، بقت نموذج للست اللي قدرت تسترد حقوقها وتفك قيودها بذكائها وصبرها.

في يوم ربيعي مشمس، مريم واقفة في وسط أرضها، الأرض اللي بقت أوسع بكتير بعد ما استردت أجزاء تانية كانت مبيوعة بالتحايل. ريحة الأرض مبلولة بـ “مية النيل” كانت بتطمنها، وبتحسسها إن جدها كان راضي عنها من مكانه.

تليفونها رن، كان المحامي، صوته كان مختلف، نبرة فرحة غير معتادة:

— مريم هانم، مبروك. المحكمة أصدرت أحكام نهائية بتصفية كل أصول المجموعة القديمة لصالح الدولة والمؤسسات الخيرية، وأيمن وإحسان صدر عليهم حكم إضافي بمصادرة كل ممتلكاتهم الشخصية تعويضاً عن الأضرار اللي لحقت بيكي.

مريم ابتسمت، ابتسامة هادية جداً، المرة دي مكنش فيها مرارة. ردت ببساطة:

— شكراً يا أستاذ، بس أنا مكنتش مستنية التعويض، أنا كنت مستنية العدل.

قفلت التليفون، وبصت للسما. في اللحظة دي، حست بتقل اختفى من على كتافها، كأن السبع أيام اللي قضتهم في المخزن اتغسلوا بسبع سنين من العزة والنجاح. تمشت بين زرعها، وقابلت “ريهام” اللي كانت طالعة من السجن بعد ما خدت فترة عقوبتها وتعاونت في التحقيقات. ريهام كانت واقفة بعيد، باصة للأرض بنظرة انكسار، مريم قربت منها، ورغم كل اللي حصل، مريم مدت إيدها بالسلام.

ريهام بكت بحرقة:

— ليه بتعملي كده؟ أنا كنت شريكة في اللي حصلك..

مريم بصت لها وقالت بنبرة فيها نضج السنين:

— لأن اللي اتعلمته في الضلمة مش الحقد، اتعلمت إننا كبشر بنغلط وبندفع تمن غلطنا. أنا عدت صفحتي، وانتي كمان محتاجة تبدأي صفحة جديدة.. الأرض دي يا ريهام بتطرح خير، مش كره.

مريم سابتها ومشيت، وطلعت الدلاية الفضة من رقبتها، بصت فيها لآخر مرة، حست إن مهمة “ورقة الشجر” خلصت، وإنها مابقتش محتاجة لتميمة حظ، لأن إيمانها بنفسها بقى هو اللي بيحميها.

في المساء، مريم قعدت في بيتها الجديد، بيت بسيط هادي بيطل على العزبة، فتحت مذكراتها اللي بقت رواية عن القوة، وكتبت الجملة الأخيرة:

“انتهت الحكاية، مش بس بالانتصار على الظالمين، لكن بالانتصار على خوفي. أنا مريم، اللي كانت محبوسة في ضلمة 7 أيام، ودلوقتي هي اللي بتنور طريقها.. الحرية مش إنك تفتح باب مقفول، الحرية هي إنك متسمحش لحد تاني إنه يقفله في وشك.”

قفلت الكراسة، طفت النور، ونامت لأول مرة من سنين نومة عميقة، من غير كوابيس، ومن غير أصوات قفل، لأنها بقت هي القوة، وهي المفتاح، وهي صاحبة الأرض.. وصاحبة العمر اللي جاي.

تمت


تعليقات

close