يارا كامله بقلم امانى السيد
يارا كامله بقلم امانى السيد
ـ اخرصى خالص… وأوعى تعلى صوتك هنا. آه، أنا مراته، وكويس أوى إنك عرفتى. واسمعى منى الكلمتين دول… هو كان باقى عليكى عشان انتى بنت عمه، إنما مافيش ولا ذرة مشاعر جواه ناحيتك. أهله غصبوه عليكى، وكان شايفك حمل تقيل على قلبه… إنما أنا؟!
حطت إيديها على صدرها بابتسامة منتصرة، وكملت:
ـ أنا حب حياته… أنا البنت اللى اختارها بإرادته، وأنا اللى بيجرى عليها أول ما يخلص شغله. معاكى كان بيؤدى واجب، ومعايا بيعيش. انتى كنتى مجرد صفحة قديمة، وأنا البداية اللى كان مستنيها.
قربت منها خطوة وهمست باستخفاف:
ـ وعارفة أكتر حاجة بتوجع؟ إنه كل يوم كان بيرجعلك وهو نفسه يخلص اليوم عشان يجى ليا. كان بيضحك فى وشك، ولما يقفل الباب يكلمنى أنا. انتى كنتى اسم على الورق… لكن القلب عمره ما كان بتاعك.
رفعت حاجبها بتحدى وقالت:
ـ فبلاش تعملى فيها صاحبة الحق، لأن لو كان عايزك بجد، كان وقف الدنيا كلها عشانك. لكن هو بنفسه اختارنى… واتجوزنى… وخلانى الست الوحيدة اللى قلبه دق ليها.
ضحكت باستهزاء وهي بصتلها من فوق لتحت وقالت:
ـ وانتى لو جاية وفاكرة نفسك هتعملى المشهد القديم بتاع الزوجة اللى بتقفش جوزها مع واحدة وتشد فى شعرها وتعمل فضيحة… انسى.
هزت كتفها بعدم اكتراث وكملت بثقة مستفزة:
ـ الزمن ده خلص. أنا مش مستخبية، ولا بخاف منك. أنا مراته قدام القانون وقدام الناس كلها. يعنى لو حد ليه حق يزعق أو يعترض… يبقى أنا، مش انتى.
ابتسمت ابتسامة كلها استفزاز وقالت:
ـ وبعدين هتعملى إيه؟ هتمسكيه من إيده وتمشيه؟ ولا هتقوليله تعالى معايا؟ طب جربى… وشوفى هيختار مين.
قربت منها أكتر، وخفضت صوتها وهى بتقول:
ـ فوقى لنفسك… الراجل اللى انتى جاية تدورى عليه، سابك من زمان. يمكن جسمه كان جنبك يوم، لكن قلبه كان معايا أنا. ودلوقتى لا القلب ولا الجسم بقى ليكى.
رجعت خطوة لورا وقالت وهى بتشير ناحية باب البيت:
ـ عشان كده… لو جاية تعملى خناقة، وفرى تعبك. ولو جاية تستردى راجل، يبقى للأسف وصلتى متأخر… لأن اللى كان نفسك ترجعيه، بقى خلاص ملكى.
تجمدت فى مكانها، وكأن الكلمات نزلت على رأسها كالصاعقة.
اختفى الصوت من حولها، وبقت ملامحها شاحبة، وعينيها بتلف فى المكان كأنها بترفض تصدق اللى سمعته.
حركت شفايفها بالعافية، ولسانها تقيل من الصدمة.
ـ … هو… هو فين؟
خرج السؤال منها مكسورًا، أقرب للهمس منه للكلام.
بصتلها التانية بابتسامة باردة وقالت:
ـ مستعجلة عليه ليه؟
هزت رأسها بعصبية والدموع لمعت فى عينيها لأول مرة.
ـ بقولك… هو فين؟!
تنهدت الأخرى ببرود، وأشارت ناحية السلم وقالت:
ـ جوه… فى أوضتنا.
وقعت الكلمة عليها كأنها طعنة جديدة.
أوضتنا…
رددت الكلمة بينها وبين نفسها، وبدأت تتراجع خطوة للخلف، وكأن الأرض بقت بتميد بيها.
اتشبثت بطرف الترابيزة عشان متقعش، وسألت بصوت مخنوق:
ـ هو… هو عارف إنى هنا؟
رفعت الأخرى كتفها بلا مبالاة وقالت:
ـ أكيد. أول ما شفتك كلمته وقلتله إن ضيفه زمان شرفته.
بلعت ريقها بصعوبة، ودمعة ساخنة هربت من عينها رغمًا عنها.
ورغم الوجع اللى كان بيمزق قلبها، رفعت راسها وقالت بإصرار:
ـ أنا لازم أشوفه… لازم أسمع منه هو.
ابتسمت الأخرى ابتسامة ساخرة، ثم استدارت ناحية السلم وهى تقول:
ـ براحتك… بس خلى عندك استعداد تسمعى الحقيقة من صاحبها.
ما كملتش جملتها غير وصوت خطوات تقيلة نازلة على السلم، خلت قلبها يقع فى رجليها.
رفعت عينيها ببطء، ولقت جوزها ظاهر من فوق، نازل بملامح متجهمة ونظرة حادة، كأنه شايل ضيق الدنيا كلها على كتافه.
ولما شافها واقفة فى نص الصالة، اتسمرت ملامحه لحظة، وبعدين اتبدلت لابتسامة ساخرة ما وصلتش لعينيه.
نزل آخر درجة، وبص لها من فوق لتحت كأنه بيقيسها، وقال بنبرة فيها احتقار واضح:
ـ إنتِ بتفتشى ورايا ليه؟
اتجمدت مكانها، ومقدرتش ترد.
بصت ناحيته بعينين مليانة وجع وارتباك، وكأنها لسه بتحاول تستوعب وجوده قدامها بعد كل اللى سمعته.
قرب خطوة، ورفع حاجبه باستفزاز وهو يكمل:
ـ جاية تراقبينى؟ ولا فاكرة إنك هتلاقى حاجة تفضحنى؟
اتسعت عينيها بصدمة، واهتزت شفايفها وهى بتحاول تتكلم، لكن الصوت خانها.
ضحك ضحكة قصيرة مستفزة، وقال وهو بيبصلها باحتقار:
ـ بصراحة… ما كنتش متخيل إنك قليلة القيمة للدرجة دى. تدخلّى بيتى وتفتشى ورايا كأنك صاحبة حق؟
حست إن الأرض بتسحبها من تحت رجليها، ومع ذلك حاولت تتمسك بآخر خيط من كرامتها، وقالت بصوت مكسور:
ـ أنا… أنا كنت عايزة أعرف أنت فين.
رفع كتفه بلا مبالاة، ورد ببرود جارح:
ـ تعرفى ليه؟ إنتِ مين أصلًا عشان تعرفى أنا فين أو بعمل إيه؟
اتخبطت كلماته فى قلبها بقسوة، ودموعها نزلت غصب عنها، لكنّه ما رحمهاش، بل زاد فى إهانتها وهو يقول:
ـ شكلك ناسية نفسك. إنتِ هنا ضيفة، ولو مش عاجبك الباب مفتوح. لكن ما تجيش تعملى فيها زوجة غيورة، لأنك بصراحة ما تستاهليش حتى الغيرة دى.
شهقت بصوت مخنوق، وبصت له كأنها مش مصدقة إنه هو نفسه اللى واقف قدامها، نفس الراجل اللى كانت بتدور عليه بعينيها من شوية.
أما هى، فكانت واقفة على جنب، بتتفرج عليهم بابتسامة منتصرة، وكأنها مستمتعة بكل لحظة من انكسارها.
رفع جوزها صوته شوية، وقال بحدة:
ـ لو جاية تعملى مشاكل، يبقى ارجعى من الباب اللى دخلتى منه. أنا مش ناقص وجع دماغ، ولا ناقص حد يفتش ورايا كأنه ماسك عليا حاجة.
ـ أنا ما جيتش أفتش… أنا جيت أواجهك.
سكت لحظة، وبص لها بنظرة باردة، ثم قال باستهزاء:
ـ تواجهينى؟ إنتِ؟
وبعدين قرب منها أكتر، وخفض صوته وهو يرميها بالكلمة اللى كسرتها أكتر من أى حاجة:
ـ إنتِ آخر واحدة فى الدنيا ليها حق تواجهنى.
ضحك ضحكة باردة رجت أركان الصالة، وخطى خطوة كمان ناحيتها وهو بيحط إيديه في جيوبه بثقة مستفزة، وعينيه مثبتة عليها بقسوة ما تعرفش الرحمة.
ـ ليه بعمل كده؟ *قالها بنبرة هادية بس حادة زى المشرط* لأنك كنتِ التمن… التمن الغالي اللي كان لازم أدفعه عشان أوصل للي أنا فيه دلوقتي.
اتنفست بصعوبة، والدموع مغرقة وشها وهي مش قادرة تستوعب، وكمل هو بنبرة خالية من أي مشاعر:
ـ إنتِ فاكرة نفسك كنتِ اختيار؟ أو إن قلبي دق ليكي يوم؟ فوقي يا بنت عمي… أنا من البداية خالص كنت مغصوب عليكي. كل نظرة، كل كلمة، كل يوم عشته معاكي كان تقيل على نفسي. بس للأسف، جوازي منك كان هو السبيل الوحيد والشرط الأساسي عشان بابا يرضى عني ويوافق يمول مشروعي.
سكت لحظة، وبص للمكان حواليه بابتسامة فخر واعتزاز، ورجع بص لها وقال:
ـ وأهو… المشروع نجح، وبقيت الاسم اللي تشوفي الناس كلها بتعمله ألف حساب. أنا عملت اللي في مصلحتي، ونجحت، ووصلت للي أنا عايزه. الجوازة دي كانت مجرد صفقة، كارت عبور مش أكتر… ودلوقتي الكارت ده مابقاش ليه أي لزمة عندي.
بصت له بذهول، وحست إن الكلمات مش بس بتجرحها، دي بتمحي كل لحظة افتكرت فيها إنه كان بيحبها أو باقي عليها، في حين كانت الزوجة الثانية واقفة ورا بمربع إيدين وابتسامة شماتة كأنها بتسمع سيمفونية انتصارها.
لمح الانكسار الكامل في عينيها، بس قلبه ما تحركش. لفت ضهرها للزوجة الثانية اللي كانت بتراقب المشهد بانتصار، وبصت له هو… الراجل اللي ضحت عشانه بسنوات من عمرها، واليوم بتكتشف إنها كانت مجرد “تمن” مدفوع في صفقة.
حركت شفايفها وهي حاسة إن روحها بتتسحب منها، وقالت بصوت متقطع وخارج بالعافية:
ـ تمن؟… أنا كنت مجرد تمن لمشروعك؟ يعني كل اللحظات، كل التعب، كل يوم وقفت فيه جنبك كنت مستني اللحظة اللي تخلص مني فيها؟
ضحك بسخرية وهو بيلفت وشه عنها، ومشي خطوتين لورا كأن وقوفه قريب منها بيضايقه:
ـ ما تعمليش فيها ضحية أوي كده. إنتِ عشتي في بيت محترم، وما قصرتش معاكي في مادة أو مصاريف. بس مشاعري؟ دي حاجتي أنا، ومحدش يجبرني أديها لحد. أنا وفيت بوعدي مع أبويا، اتجوزتك، وعملت لك قيمة… ودلوقتي جه الوقت اللي أعيش فيه لنفسي وللإنسانه اللي اخترتها بجد.
قربت الزوجة الثانية منه، وحطت إيدها على كتفه بدلال مستفز، وبصت للزوجة الأولى وقالت بنبرة ناعمة بس مسمومة:
ـتهيألي كده الصورة وضحت تمامًا يا حبيبتي… يعني لف الدوران والتفتيش وراه مابقاش ليه لازمة. الراجل قالها لك في وشك، مصلحته وخلصت، والقلب مابقاش ليكي فيه مكان. أظن كرامتك دلوقتي تخليكي تعرفي طريق الباب لوحدك.
كلمات الزوجة الثانية نزلت عليها زى السكين، بس الأقسى كان سكوت جوزها… ملامحه الباردة وهو بيبص لها وكأنه مستنيها تمشي عشان يقفل الباب وراها ويخلص من “الحمل التقيل” ده.
مسحت دمعة هربت من عينها بعنف، وجمعت كل ما بقى ليها من طاقة وكرامة. رفعت راسها وبصت له نظرة أخيرة… نظرة طويلة كأنها بتعيد اكتشاف ملامح الشخص الغريب اللي واقف قدامها.
ـ عندك حق… *قالتها بصوت فجأة بقى هادي، هدوء ما قبل العاصفة* … الزمن ده خلص فعلاً. وأنا الغلطانة إني دورت على راجل سابني من زمان. مبروك عليك مشروعك… ومبروك عليكي الراجل اللي اتبنى نجاحه على كسرة قلب بنت عمه.
ودارت ضهرها بكل ثبات وقوة مصطنعة، وخطت أول خطوة ناحية الباب وهي حاسة إن كل خطوة بتبعدها عن البيت ده، هي أول خطوة بترجع فيها لنفسها.
يارا 2
امانى سيد
وقفت عند الباب، إيدها ساندة على المقبض وكأنها بتستجمع كل ذرة كبرياء فاضلة جواها. التفتت له ببطء، ملامحها الشاحبة اتحولت لجمود تام، وعينيها اللي كانت مليانة دموع من شوية، بقت حادة وزى الإزاز.
بصت له وقالت بنبرة صلبة، خالية من أي رجاء:
ـ أنا مش هامشي من هنا قبل ما ننهي كل حاجة… طلقني يا ابن عمي. طلقني ورجع لي الباقي من عمري اللي ضاع معاك.
ضحكته الساخرة اختفت فجأة، وملامحه اتقبضت بغضب وارتباك. خطى ناحيتها خطوة سريعة وهو بيبرق لها وقال بصوت واطي ومكتوم:
ـ طلاق؟ إنتِ اتجننتي؟! عايزة تخربي الدنيا؟ إنتِ أكيد قاصدة تعملي كده عشان تروحي تشتكي لبابا وتوقعي بيني وبينه! عايزة تبهدلي مصلحتي وتهدي كل اللي بنيته في لحظة غيظ؟
بصت له بنظرة احتقار هزت ثقته بنفسه، وقالت بصوت هادي بس قوي، سمعه كل اللي واقف في الصالة:
ـ وعد مني… مش هجيب سيرة لأي مخلوق، ولا هقول لأبوك حاجة. أنا أصلاً مش بفرض نفسي عليك، ولا عمري كنت هقبل أكون حمل تقيل على قلب حد.
قربت منه خطوة، وبصت في عينيه مباشرة وكملت بوجع ممزوج بسخرية لاذعة:
ـ بس العيب مش على عمي… العيب عليك إنتَ. لو كنت راجل بجد من أول لحظة وجيت حكيت لي، وقلت لي إني مجرد كارت لنجاحك… كان ممكن أوافق وأساعدك، وأقف جنبك عشان تاخد فلوس مشروعك من سكات ومن غير ما نعيش التمثيلية دي كلها! كان ممكن نلعب اللعبة سوا وأنا بكامل إرادتي… لكن إنتَ خوفت، واخترت تعيش دور الراجل وتكسرني عشان تضمن مصلحتك.
سكتت لحظة وهي شايفه ملامحه بتتوجع من كلمتها، وبصت له وللست اللي واقفة وراه وقالت بابتسامة وجع:
ـ ودلوقتي… ورقتي توصلي، وبسرعة.
برقت عينه من الصدمة، والكلمة لجمت لسانه. “لو كنت راجل بجد”… الجملة خبطت في رجولته وكبريائه قدام مراته الثانية، اللي ابتسامة الشماتة اختفت من على وشها فجأة، وبدأت ملامحها تتوجع من قوة وجرأة الكلام.
حاول يداري ارتباكه، ورفع صباعه بتهديد وهو بيجز على سنانه:
ـ الزمي حدودك يا بنت عمي… وما تنسيش إنتِ بتتكلمي مع مين! أنا مش هسمح لكِ…
قطعت كلامه و حركت فيها إيدها في الهواء كأنها بتطرد كلامه بره المكان، وقالت بمنتهى البرود والثبات:
ـ مابقاش ينفع تسمح أو ما تسمحش. اللعبة خلصت خلاص، والوشوش اتكشفت. أنا برأت ذمتي قدام نفسي، ووديت لك كرامتك الأرض اللي كنت فاكر إنك دايسني عليها.
بصت لمراته الثانية بنظرة سريعة من فوق لتحت، نظرة خالية من أي غيرة، بل كان فيها شفقة حقيقية، وقالت وهي بتفتح الباب:
ـ مبروك عليكي… خدي بقية الصفقة. بس افتكري كويس، اللي يبني نجاحه على كدبة وكسرة قرايبه، بكره يدور عليه الزمن ويبيعك إنتِ كمان في أول محطة يكون فيها مصلحته.
ما استنتش تسمع رد من أي حد فيهم. لفت ضهرها وخرجت، وقفت على السلم لثوانٍ،
نزلت السلم بخطوات ثابتة وسريعة، وصوت كعب جزمتها كان بيرن في المكان كأنه بيعلن نهاية فصل كامل من الإهانة، وبداية لقصة جديدة هي الوحيدة اللي هتكتب شروطها.
مرت الأيام، ووصلتها ورقة طلاقها لحد عندها من غير شوشرة. نفذ وعده لما لقى إن سكوتها هو الأمان الوحيد لمشروعه وفلوس أبوه، وهي نفذت وعدها بكل كبرياء؛ ما نطقتش بحرف واحد، ولا جابت سيرة لمخلوق عن الصفقة الرخيصة اللي كان بطلها.
لما عمها سألها عن سبب الطلاق المفاجئ، اكتفت بابتسامة هادية وقالت: “قسمة ونصيب يا عمي، مفيش نصيب نكمل”.
قفلت الصفحة دي تمامًا، وقررت تتعامل مع الفترة دي من عمرها كأنها حلم مزعج فوقيت منه، أو كأن الراجل ده مادخلش حياتها من الأساس. صحباتها المقربين كانوا بيحرضوها على الانتقام، ويقترحوا عليها خطط عشان تهد له مشروعه وتكشف حقيقته قدام أبوه، لكنها كانت بتهز راسها برفض قاطع وتقولهم:
ـ اوقات الانتقام بياكل صاحبه… بيمتلك روحه ويخليه يعيش في ضلمة وغل، وأنا مش هضيع يوم واحد من عمري الفاضل في حروب مع شخص ميسواش. أنا أولى بكل دقيقة وبكل طاقة جوايا عشان أبني نفسي من جديد.
كانت عارفة إنها مش محتاجة تحارب، لأن في قانون في الكون مبيخيبش أبدًا. سابت كل الوجع، وكل الإهانات، وكل الخذلان لربنا… كانت بتنام وهي مطمنة ومسلمة قلبها لعدل ربنا، وعارفة إن الدنيا دوارة، واللي بيتبني على كسرة قلوب الناس، مبيعيش صاحبه فيه متهني.
بدأت تركز في شغلها، في ضحكتها اللي غابت، وفي طريقها الجديد. نزلت الشارع وهي رافعة راسها، ملامحها الشاحبة رجع لها النور، وخطواتها بقت أسرع وأقوى. كانت ماشية وهي حاسة بخفة غريبة في قلبها، كأنها اتخلصت من حمل تقيل كان كابس على نفسها لسنين، والمرة دي… كانت متأكدة إن اللي جاي بتاعها هي وبس.
وبالفعل، دارت الأيام والشهور، وبقت الرواية القديمة مجرد سطر اتمسح من دنيتها. رجعت لشغفها، لضحكتها، ولحياتها اللي كانت مأجلاها عشان ترضي حد مبيشبعش. كل نجاح كانت بتحققه في طريقها الجديد، كان بيديها إحساس إنها انتصرت لنفسها بأشيك طريقة ممكنة… بالنجاح والنسيان.
وفي يوم وهي ماشية في وسط البلد، لمحت من بعيد يافطة كبيرة عليها اسم شركته والمشروع اللي باعها عشانه. وقفت لحظة، وبصت لليافطة ببرود تام. مفيش في قلبها ذرة غل، ولا ندم، ولا حتى رغبة في العتاب. ضحكت من قلبها وهي بتفتكر أد إيه كانت فاكرة إن اليافطة دي هي نهاية العالم، واكتشفت إنها كانت مجرد بداية لعالمها الحقيقي.
وهي بتلف وشها عشان تكمل طريقها، سمعت صوت دوشة وسيرة مألوفة من اتنين موظفين خارجين من المقر. واحد منهم كان بيقول للتاني بصوت واطي:
ـ “يا عم الشركة خلاص بتصفي، الشريك الجديد ضحك عليه وأخد الأسهم كلها، وأبوه لما عرف الحقيقة شال إيده من التمويل تمامًا… الراجل ده مابقاش حيلته حاجة!”
سمعت الكلام، ومشت… ما وقفتش عشان تشمت، ولا حاولت تسأل عن التفاصيل. عدل ربنا جه في وقته ومن غير ما تدوس على طرف حد أو تتلوث بإنتقام رخيص. الدنيا دارت، واللي بنى نجاحه على كسر القلوب، لقى نفسه في الآخر واقف لوحده وسط حطام أنانيته.
سحبت نفس طويل من الهوا النقي، وعدلت شنطتها على كتفها، وكملت مشيها بخطوات واثقة وسريعة، والمرة دي وهي باصة قدامها وبس… للبداية الجديدة اللي صنعتها بإيدها وكرم ربنا.
وفي ليلة من ليالي الشتا، والدنيا بتمطر بره، سمعت خبط على الباب. خبطات ورا بعضها، ضعيفة ومهزوزة كأن صاحبها بيموت من البرد أو من الخوف.
فتحت الباب ببرود، ولقت الراجل اللي كان في يوم من الأيام جوزها وابن عمها. كان واقف قدامها متبهدل، ملامحه المتبجحة والثقة المستفزة اللي كانت مالية وشه زمان اتمحت تمامًا، وحل مكانها انكسار وذل يوجع العين. دموعه كانت نازلة ومختلطة بمطر الشتا، وبمجرد ما شافها، نزل على ركبه قدام الباب ورفع إيديه يترجاها.
ـ يارا… أرجوكي سامحيني! أنا ضعت… كل حاجة ضاعت مني، الست اللي اتجوزتها عليكي سابتني وسرقت بقية فلوسي أول ما فلست، وأبويا طردني وقفل في وشي كل الأبواب… أنا ماليش غيرك يا بنت عمي.
بصت له من فوق لتحت وهي واقفة مكانها، ثابتة زى الجبل ومبتسمة ابتسامة هادية جداً، ابتسامة اللي شاف عدل ربنا بعينه ومبقاش محتاج يثبت حاجة.
حاول يمسك طرف عبايتها وهو بيبكي بحرقة:
ـ أنا عرفت قيمتك متأخر… عرفت إني بعت الجوهرة اللي كانت حامياني عشان شوية تراب. أنا مستعد أعمل أي حاجة، هبوس رجلك بس ارجعيلي، واغفريلي كسرتك… ربنا عاقبني وخد حقك مني تالت ومتلت، أرجوكي ارحميني.
سحبت طرف عبايتها من إيده براحة ومن غير عنف، وبصت في عينيه المكسورة وقالت بنبرة ناعمة بس قاتلة من كتر برودها:
ـ أنا مسامحاك يا ابن عمي… مسامحاك من زمان، لأن الانتقام والغل ملهوش مكان في قلبي. بس المسامحة حاجة… والرجوع حاجة تانية خالص.
نزلت لمستواه شوية وكملت وهي بتبص في وشه مباشرة:
ـ الراجل اللي أنتَ جاي تدور عليه جوايا، مات من اليوم اللي وقفت فيه في صالتك وبعتني عشان مشروعك. أنتَ مابقتش تعنيلي أي حاجة، لا حب، ولا كره، ولا حتى وجع. أنتَ بقيت مجرد شخص غريب غرقان في دنيته… وأنا دنيتي خلاص مابقاش ليك فيها مكان.
وقفت بكل طولها، ورجعت خطوة لورا وهي بتمسك مقبض الباب وقالت بلهجة نهائية:
ـ طريقتك في الاعتذار وصلت متأخرة أوي… زي ما وصولي لبيتك زمان كان متأخر. اطلب الرحمة من ربنا يا ابن عمي، لأن قلبي أنا مابقاش فيه ليك غير الشفقة.
وقبل ما ينطق بكلمة تانية، قفلت الباب في وشه بكل هدوء. قفلته ودارت ضهرها، ورجعت لبيتها الدافي، لنجاحها، ولقلبها اللي بقى ملكها هي وبس، وسابته بره في الضلمة والمطر، يواجه تمن الاختيار اللي اختاره بنفسه زمان.


تعليقات
إرسال تعليق