سكريبت ثلاث أيام. كاملة حكايات رومانى مكرم
ثلاث أيام. حكايات رومانى مكرم 1
أنا لسه والدة من ثلاث أيام. عدت من المستشفى إلى البيت وأنا تعبانه جدا والجرح ما زال يؤلمني وبعد يومين فقط
كنت جالسة على السرير، والطفل نائم بجانبي، عندما دخل زوجي طارق الغرفة وهو يمسك هاتفه ويقول بنبرة عادية جدًا طارق: أمي بتقول إن عندها عزومة كبيرة للعيلة بعد بكرة بمناسبة المولود الجديد.”
رفعت عيني له ببطء، وقلت بتعب:
— “طيب… ربنا يبارك.”
سكت لحظة، ثم قال الجملة التي جعلت قلبي يقع من مكانه:
— “**طارق**: وهي عايزاكي تعملي الأكل والحلويات… أصل إنتِ أكلك حلو.”
ظننت أنه يمزح.
ضحكت ضحكة خفيفة وقلت:
— “أنا؟! يا **طارق** أنا لسه والدة من يومين… أنا مش قادرة أقف أصلاً.”
لكنه رد ببساطة وكأن الأمر عادي جدًا:
— “**طارق**: أمي قالت العيلة كلها جاية… وبتحب أكلك.”
شعرت بشيء ينكسر داخلي.
قلت بصوت خافت:
— “طيب قولها نأجل العزومة شوية… لما أخف.”
نظر لي وكأنه لا يفهم لماذا أطلب ذلك، وقال برفض قاطع:
— “**طارق**: ليه يعني؟ الناس متعزمة خلاص.”
كانت تلك اللحظة التي شعرت فيها أنني وحدي تمامًا.
لم أطلب منه المستحيل…
لم أطلب هدية…
ولا حتى كلمة حلوة.
كنت فقط أريد أن يقول:
“مراتي تعبانة… نأجل العزومة.”
لكن هذا لم يحدث.
في اليوم التالي، اتصلت حماتي **الحاجة هدى**.
كنت أحمل طفلي وأحاول تهدئته عندما رن الهاتف.
رددت عليها بصوت متعب:
— “ألو يا **طنط هدى**.”
قالت بصوت مليء بالحماس:
— “**الحاجة هدى**: إزيك يا حبيبتي؟ أنا بجهز لعزومة كبيرة بكرة علشان المولود الجديد… العيلة كلها جاية!”
سكتُّ قليلاً.
ثم قالت الجملة التي جعلت عيني تمتلئ بالدموع:
— “**الحاجة هدى**: بصي بقى… أنا عايزاكي تعملي المحشي والفتة والفراخ، وكمان الكنافة والبسبوسة. إنتِى إيدك حلوة ما شاء الله.”
نظرت إلى بطني…
إلى الجرح الذي ما زال يؤلمني مع كل حركة.
وقلت بهدوء:
— “بس أنا لسه والدة والجرح لسه مملمش وتعبانة يا **طنط**…”
لكنها قاطعتني بسرعة:
— “**الحاجة هدى**: ما انتي قاعدة في البيت… يعني فاضية.”
تجمدت الكلمات في حلقي.
فجأة بدأ طفلي يبكي بصوت عالٍ، وكأن الله أرسل صوته ليقول ما لا أستطيع قوله.
سمعته عبر الهاتف.
لكن ردها كان أبرد مما توقعت:
— “**الحاجة هدى**: خلاص روّقيه بسرعة… وابدئي في الأكل بدري بكرة.”
وأغلقت الخط.
جلست على السرير…
والطفل يبكي في حضني…
وأنا أبكي معه.
دخل **طارق** بعد دقائق.
نظر إلي وقال:
— “**طارق**: مالك؟”
قلت وأنا أسمح دموعي:
— “أنا مش قادرة أعمل كل ده.”
فقال ببرود:
— “**طارق**: اعملي اللي تقدري عليه وخلاص.”
في تلك اللحظة شعرت أنني لست زوجته…
بل مجرد طباخة في بيت العيلة.
مر اليوم ببطء شديد.
وفي صباح يوم العزومة…
استيقظت على صوت جرس الباب.
#الكاتب_رومانى_مكرم
فتحت أخت زوجي **نهى** الباب… ثم دخلت المطبخ.
نظرت إلى الأواني الفارغة وقالت باستغراب:
— “**نهى**: هو الأكل لسه ما اتعملش؟!”
وقبل أن أتكلم… دخلت حماتي **الحاجة هدى** خلفها.
وقفت في وسط المطبخ…
ونظرت لي من أعلى لأسفل…
ثم قالت بصوت عالٍ أمام الجميع:
— “**الحاجة هدى**: إيه ده؟! لسه نايمة؟!”
رفعت عيني لها وأنا أحاول الوقوف رغم الألم.
لكن فجأة…
شعرت بدوار شديد.
وآخر شيء رأيته قبل أن تسود الدنيا أمام عيني…
هو وجه طارق وهو يصرخ باسمي.
ثم سقطت على الأرض.
استيقظتُ على رائحة نفاذة، رطوبة باردة على جبهتي، وصوت زقزقة منتظمة لجهاز طبي بجانبي. فتحت عيني ببطء، فاستقبلتني جدران بيضاء مألوفة… أنا في المستشفى مجددًا.
أول ما فكرت فيه كان طفلي. التفت بجسدي المحطم غريزيًا، فصرخ جرح الولادة في بطني صرخة ألم خرقت عظامي. أطلقت آهة خافتة، لتتحرك ظلال كانت تجلس في زاوية الغرفة المظلمة.
ارتعد طارق وهو يقفز من كرسيه، وجهه شاحب كالموتى، وعيناه حمراوان من أثر البكاء أو قلة النوم. اقترب مني بلهفة، وحاول أن يمسك بيدي، لكنني سحبتها ببطء، دون أن أنظر إليه.
قال بصوت متحشرج باكي:
— “الحمد لله على سلامتك يا حبيبتي… الحمد لله إنك فُقتي. الدكتور قال هبوط حاد في الدورة الدموية مع نزيف خفيف بسبب المجهود والضغط… أنا كنت هتموت من الرعب عليكي.”
لم أرد. ظللت أنظر إلى السقف بجمود. سألته بصوت مبحوح يكاد لا يُسمع:
— “ابني فين؟”
طارق مسح وجهه بيدين ترتجفان:
— “ابننا بخير، بره مع أختي نهى… نهى هي اللي صممت تيجي معايا وسايبة بيتها وولادها عشان ترضع الولد صناعي وتهتم بيه. هي بره بتعيط عليكي من الصبح.”
سكتُّ لحظة، ثم سألت السؤال الذي كان ينهش روحي:
— “وأمك؟”
تلعثم طارق، وتراجع خطوة للخلف وكأن السؤال لطمة على وجهه. لم يكد يجيب حتى انفتح باب الغرفة بهدوء، ودخلت نهى وهي تحمل الصغير. كانت عيناها متورمتين، ومجرد أن رأتني مستيقظة، تقدمت بسرعة ودموعها نزلت رغماً عنها. وضعت الطفل بحنان بجانبي وقبلت رأسي قائلة:
— “حمد الله على سلامتك يا غالية… حقك عليا أنا. أنا مكنتش أعرف إنك بالتعب ده كله، ولما جيت الصبح كنت فاكراكي بتتدلعي زي ما أمي قالتلي… أنا أسفة يا حبيبتي، سامحيني.”
هززت رأسي لها بامتنان خفيف، فنهى رغم اندفاعها الصباحي، تملك قلباً لم يلوثه جبروت أمها بعد.
في تلك اللحظة، رن هاتف طارق. نظر إلى الشاشة، وتغيرت ملامحه إلى الرعب. كانت والدته، الحاجة هدى.
أشار لهاتفه بقلة حيلة، وضغط على زر مكبر الصوت برعشة، ربما ليثبت لي أنه لم يعد يداري شيئًا.
جاء صوت الحاجة هدى عبر الهاتف، ليس فيه ذرة قلق، بل كان مليئًا بالحنق والضيق:
— “إيه يا طارق؟ مرأتك فاقت ولا لسه مكملة التمثيلية دي؟ العيلة كلها عندي في الصالة، والأكل اللي جبناه جاهز من المطعم نص كم ومكسوفه أقدمه للناس! ضيعت عليا برستيجي قدام سلايفها وأخواتك!”
تجمدت الدموع في عيني. نظرت إلى طارق… كنت أنتظر ردًا يغسل الإهانة التي أعيشها منذ ثلاثة أيام.
طارق انقبضت ملامحه، وصرخ في الهاتف بصوت هز جدران الغرفة، صوت لم أسمعه منه طوال سنوات زواجنا:
— “تمثيلية؟! مراتي كانت هتموت يا أمي! الدكتور بيقول لو كنا اتأخرنا ساعة واحدة كان حصل لها تسمم في الدم من فتح الجرح! إنتِ إيه؟ معندكيش دم؟ معندكيش قلب؟ طباخة؟! أنا اتجوزتها عشان تكون ملكة في بيتي، مش عشان تخدم عيلتك وهي بتموت!”
أغلقت الحاجة هدى الخط في وجهه دون كلمة.
ساد الصمت الغرفة، باستثناء أنفاس طارق المتلاحقة. التفت إليّ، وارتمى على ركبتيه بجانب السرير، يمسك بطرف غطائي ويبكي بحرقة:
— “أنا أسف… أنا غبي، ومشيت ورا كلام أمي اللي كانت دايماً تقولي (الستات بتولد وتقوم تشيل جبال في نفس اليوم، دي بتتدلع عليك).. أنا كنت هخسرك يا أمي ريان… سامحيني.”
نظرت إليه، والدموع الشديدة التي كتمتها طوال الأيام الماضية انهمرت أخيرًا كالشلال. الكلمة التي كنت أريدها جاءت… لكن بعد ماذا؟ بعد أن سقطت جثه هامدة في مطبخي؟ بعد أن رأيت الموت بعيني؟
قلت له بنبرة جافة، خالية من أي مشاعر:
— “طارق… اخرج بره. أنا مش عايزه أشوفك دلوقتي.”
بكى واستعطفني، لكن نهى تدخلت وأمسكت بيده قائلة بحدة:
— “سيبها ترتاح يا طارق، إنت عملت كتير… اخرج بره دلوقتي.”
خرج طارق مكسور الرأس. بقيت أنا ونهى والصغير. مرت ساعات الليل ثقيلة، وفي الصباح الباكر، وبينما كنت أحاول إرضاع طفلي بصعوبة، انفتح باب الغرفة بقوة.
لم يكن طارق.
كانت الحاجة هدى تقف على الباب، ترتدي عباءتها السوداء الفخمة، وعلى وجهها نظرة كبرياء لم تكسرها لوم ابنها بالأمس. دخلت الغرفة، ونظرت إليّ ببرود وقالت:
— “امشي يا نهى بره… عايزه أكلمها كلمتين حمى لمرآة ابنها.”
ارتجف جسدي غريزيًا، وأمسكت بطفلي بقوة أكبر، بينما وقفت نهى حائرة بين أمها وبيني. وعينا الحاجة هدى تشتعلان بتهديد صامت…
ثلاث أيام. حكايات رومانى مكرم 2
انسحبت نهى من الغرفة ببطء وهي تنظر إليّ بنظرات قلقة، كأنها تخشى أن تتركني بمفردي مع هذه المرأة. أغلقت الباب خلفها، فصارت الغرفة أشبه بساحة محاكمة صامتة.
تقدمت الحاجة هدى خطوات، ووقفت عند طرف السرير، لم تمد يدها لتلمس الصغير، ولم تسألني حتى كيف حال الجرح. نظرت إليّ بعينين ضيقتين وقالت بنبرة منخفضة لكنها حادة كالموس:
— “بقى بتخلي طارق يصرخ في وشي ويبكّيني عشان حتة عزومة؟ أنا الحاجة هدى، ابني يقف قصادي ويزعقلي عشانك؟”
حاولت أن أعتدل في جلستي رغم الألم الذي عاد ينهش بطني، وقلت بصوت واهن لكنه حذر:
— “يا طنط، أنا كنت بتموت… الدكتور قال الجرح كان هيفتح…”
قاطعتني بإشارة من يدها، وعلت نبرة صوتها قائلة بتهكم:
— “بلا تموت بلا كلام فارغ! الستات طول عمرها بتولد في الغيط وتقوم تخبز وتطبخ، مفيش حد بيتدلع الدلع ده غير بنات الأيام دي. إنتِ فكرك لما تخليه يزعقلي وتتمارضي كدة إنك كسبتيه؟ لاء يا حبيبتي… طارق ابني، ومهما لف ورجع، ملوش غير حضن أمه. وأنا مش هعدي اللي حصل ده بالساهل.”
في هذه اللحظة، لم أشعر بالخوف كما كنت أشعر من قبل. ربما لأنني لمست الموت بيداي بالأمس، فلم يعد هناك شيء أخسره. نظرت في عينيها مباشرة وقلت بهدوء شديد:
— “أنا مش في تحدي معاكي يا طنط. أنا كنت عايزه أعيش بس عشان ابن الصغير ده. وطارق لما صرخ، صرخ لأنه حس إنه كان هيموتني بإيده لما سمع كلامك.”
احمرّ وجهها غضبًا، وتراجعت خطوة وهي تشير بإصبعها نحو وجهي:
— “طيب يا بنت الناس… وريني بقى هتقعدي في بيتك إزاي، وطارق اللي فرحانة بيه ده هيصرف عليكي وعلى ابنك منين بعد ما أمنع عنه قرش الشغل في المحلات بتاعتي! وافتكري إنك إنتِ اللي بدأتي.”
التفتت لتخرج بكبريائها الجريح، وفتحت الباب بقوة لتجده أمامها… كان طارق واقفًا على عتبة الغرفة.
لم يكن وجهه شاحبًا كما كان بالأمس، بل كان جامدًا، وعيناه تحملان نظرة غريبة لم أرها فيه قط. يبدو أنه كان يقف خلف الباب واستمع إلى كل كلمة قالتها والدته.
تصلبت الحاجة هدى مكانها، وحاولت أن تستعيد نبرة السيطرة بسرعة:
— “كويس إنك واقف يا طارق، اسمع بق…”
قاطعها طارق بصوت هادئ مخيف، هدوء يسبق العاصفة:
— “أنا سمعت كل حاجة يا أمي. سمعت وعرفت أنا كنت متجوز إيه وبقيت إيه.”
نظرت إليه باستنكار:
— “يعني إيه؟”
تقدم طارق خطوة داخل الغرفة، ووقف بيني وبينها، كأنه يضع جسده درعًا حاميًا لي ولابنه. قال وعيناه مثبتتان في عيني والدته:
— “يعني المحلات والشغل اللي بتذليني بيهم، أنا سايبهالك من دقيقة واحدة. كلمت حاج محمود شريكي القديم، وهبدأ معاه في الورشة الجديدة من بكرة الصبح كعامل، بلقمتي وعرقي، ولا إني أشوف مراتي بتموت بسببي عشان برستيج العيلة.”
اتسعت عينا الحاجة هدى بصدمة، ولم تنطق بحرف.
التفت طارق إليّ، وانحنى يقبل رأسي ورأس الصغير، ثم نظر إلى والدته وقال بكلمات قطعت كل حبال العودة:
— “من النهارده يا أمي، مراتي مش هتدخل بيت العيلة، ولا هتقف في مطبخ حد… بيتي الصغير هقفل بابه عليا وعلى مراتي وابني، واللي عايزنا… يجيلنا ضيف، ويحترم تعبنا.”
خرجت الحاجة هدى من الغرفة وهي تضرب الأرض بحذائها وتتوعد بصوت مرتفع، بينما ركع طارق بجانب السرير مجددًا، وأمسك بيدي وهو يرتجف. نظرت إليه، وشعرت لأول مرة منذ أيام أن هناك أملًا… لكن الطريق أمامنا كان قد بدأ يضيق، فخروجنا من تحت طوع الحاجة هدى لم يكن يعني أن الحرب قد انتهت، بل إنها بدأت للتو.
مرت الأيام الثلاثة التالية في المستشفى وثقلها يزول تدريجيًا مع كل حقنة مسكن وكل نظرة حانية من طارق، لكن الخوف من القادم كان ينمو في قلبي مثل النبتة الشيطانية.
خرجتُ أخيرًا إلى بيتي الصغير. لم يكن هناك استقبال حافل، ولا زينة معلقة، ولا أحد ينتظرنا سوى الجدران الباردة ونهى التي أصرت على مرافقكتنا لتساعدني في ترتيب السرير وتنظيف الغرفة قبل أن تودعني بدموع حائرة، وتمضي إلى بيتها وهي تخشى غضب والدتها.
صار البيت هادئًا بشكل مخيف. طارق كان يتحرك كالمجنون في المطبخ؛ يغلي الرضّاعات، يحضر لي كُوبًا من المغات دافئًا، ويحاول أن يبتسم في وجهي ليقنعني بأن كل شيء على ما يرام، لكن عروق جبهته البارزة وهاتفه الصامت تمامًا على الطاولة كانا يرويان قصة أخرى.
في المساء، جلس طارق على طرف السرير، ووضع رأسه بين يديه متعبًا. مددت يدي ببطء ولمست كتفه وقلت بصوت خافت:
— “طارق… أنت ندمان؟”
رفع رأسه بسرعة، وعيناه حمراوان من قلة النوم، وأمسك بيدي بقوة:
— “ندمان على إيه يا أمي ريان؟ ندمان إني حميتك؟ أنا ندمان على كل لحظة سبتك فيها لغيري يكسر فيكي. الشغل هيروح وييجي، والفلوس بتتوضب، بس إنتِ وابننا لو جرى لكم حاجة أنا كنت هضيع.”
ابتسمت بمرارة:
— “بس الشغل مع حاج محمود هيكون صعب عليك… إنت عمرك ما وقفت في ورشة كعامل يا طارق، إنت طول عمرك بتدير المحلات.”
بلع ريقه وصمم على نبرته القوية:
— “الراجل ميعيبوش عرق جبينه يا حبيبتي. المهم عندي إنك ترتاحي، والجرح ده يلم.”
لكن راحة البال في بيتنا لم تكن مقدرة لها أن تدوم طويلًا.
في صباح اليوم التالي، بينما كان طارق قد غادر إلى عمله الجديد منذ ساعتين فقط، استيقظت على صوت طرقات عنيفة على باب الشقة. لم يكن رنين جرس، بل كان خبطًا متتاليًا باليد وكأن أحدهم يريد هدم الباب.
توجست خيفة، وأمسكت بروب ثقيل لفيته حول جسدي المتألم، وتحاملت على نفسي حتى وصلت إلى الباب. فتحت ببطء، لتندفع إلى الداخل زوجة أخيه الأكبر، “مروة”.
دخلت مروة وعيناها تتفحصان الصالة بفضول وشماتة واضحة، ولم تنتظر أن آذن لها بالجلوس، بل جلست على الأريكة ولوت فمها قائلة بنبرة تقطر سمًا:
— “يا ألف نهار مبروك يا عروسة… حمد الله على سلامتك. شفتي بقى الدلع والتمارض وصلوكم لإيه؟”
وقفت مستندة على الحائط وأنا أشعر بالدوار:
— “جرى إيه يا مروة؟ إنتِ داخلة بيتي تخبطي كده وتتكلمي بالطريقة دي ليه؟”
وقفت مروة وفردت طولها قائلة بضحكة صفراء:
— “بيتك؟ طيب يا فصيحة، ما هو عشان بيتك ده أنا جيت. الحاجة هدى لغت التوكيل اللي كانت عاملاه لطارق في المحلات، ومش بس كده… دي بعتتني أبلغكم إن الشقة دي ملكها، ومكتوبة باسمها هي والحج الله يرحمه، وقالت لكم قدامكم أسبوع واحد بالضبط… يا إما طارق ييجي يبوس على إيدها ورجلها ويعتذر لها قدام العيلة كلها ويرجع المحلات طوع أمرها، يا إما تخلو الشقة دي عشان هي هتأجرها!”
سقطت الكلمات فوق رأسي كالصاعقة. الشقة التي فرشناها معًا قطعة قطعة، الشقة التي شهدت أحلامنا، تريد الحاجة هدى أن تطردنا منها في الشارع ومعنا طفل لم يكمل أسبوعه الأول!
شعرت بألم حاد يضرب بطني مجددًا، وتراجعت خطوتين للخلف وأنا أتنفس بصعوبة. نظرت إلى مروة وقلت بصوت يرتجف من القهر:
— “تطرد ابنها وابن ابنها في الشارع عشان عزومة؟”
لوحت مروة بيدها وهي تتجه نحو الباب:
— “الموضوع مابقاش عزومة يا حلوة، الموضوع بقى كسر كلام الحاجة هدى. وأنا بلغتكم الأمانة، والقرار في إيد طارق… يا يرجع لبيت الطاعة، يا تتدبروا لكم رصيف تقعدوا عليه.”
خرجت وصَفَقت الباب خلفها، لتتركني واقفة في وسط الصالة، والدموع تجمدت في حنجرتي. نظرت إلى غرفة الصغير وهو يبكي، ولم أعرف كيف سأخبر طارق عندما يعود من عمله وهو محمل بشقاء يومه الأول، أننا أصبحنا بلا مأوى…
ثلاث أيام. حكايات رومانى مكرم 3
جلسْتُ على الأرض في وسط الصالة، ولم تعد قدماي تقويان على حملي. كان صوت بكاء ريان يرتفع من الغرفة الداخلة، لكنني كنت عاجزة حتى عن النهوض لأضمه. الأرض من حولي بدأت تدور، وأفكاري تلاطمت كأمواج مظلمة… أسبوع واحد؟ أسبوع واحد ونصبح في الشارع؟
تحاملتُ على جرحي وباعدت بين خطواتي ببطء شديد حتى دخلت لسرير طفلي، حملته وهززته وأنا أبكي بصمت، خشية أن تنتقل كسرة نفسي إليه عبر حليبي.
مرت الساعات كأنها سنوات، وحين دقت الساعة السادسة مساءً، سمعت صوت مفتاح طارق يدور في الباب. حاولت مسح دموعي وارتداء قناع القوة، لكن ملامحي خانتني تمامًا.
دخل طارق، وكان منظره يمزق القلب؛ قميصه الذي كان دائمًا ناصع البياض ومكويًا بعناية، ملوث ببقع الشحم والتراب، ويداه الناعمتان اللتان لم تعتادا سوى الإمساك بالقلم والدفاتر في المحلات، كانت أصابعهما متورمة وبها جروح صغيرة من عناء العمل في الورشة. ورغم ذلك، بمجرد أن رآني، حاول أن يبتسم ويسأل بلهفة:
— “عاملة إيه النهارده يا أم ريان؟ والجرح لسه بيوجعك؟”
لم أستطع الرد. ارتميت في حضنه وأنا أحمل الصغير، وانفجرت في بكاء مرير هز كل أنش في جسدي.
ارتاع طارق، ووضع الأكياس التي بيده أرضًا وضمني بيد واحدة وهو يسأل بذعر:
— “في إيه يا حبيبتي؟ إيه اللي حصل؟ حد كلمك؟ أمي عملت حاجة؟”
قلت بين شهقاتي:
— “مروة كانت هنا يا طارق… مروة جت الصبح.”
تصلب جسد طارق، وأبعدني عنه قليلاً لينظر في عيني:
— “وقالتلك إيه مروة؟”
نقلت له الرسالة بالحرف، وكل كلمة كانت تخرج من فمي كأنها خنجر يغرس في صدره. أخبرته بالتوكيل الملغى، وبشرط الاعتذار المهين أمام العيلة، ومهلة الأسبوع لإخلاء الشقة.
طوال حديثي، كان طارق يستمع بجسد متجمد كالصخر. اختفت نظرة التعب من عينيه وحلت محلها نظرة انكسار مرعبة، انكسار رجل هدمت الدنيا فوق رأسه من أقرب الناس إليه. نظر حوله إلى جدران الشقة، إلى الستائر التي اخترناها معًا، إلى السرير الذي ينام عليه ابنه.
سكت لعدة دقائق، صمت طويل قاتل، ثم تنفس بعمق وقال بصوت منخفض ومبحوح:
— “تطردني من بيتي؟ تطرد ابنها عشان مرضتي؟”
أمسكت بيده وقلت بخوف:
— “طارق… أنا مستعدة أروح معاك وأبوس على إيدها قدام الكل بس ميرميكش في الشارع وتخسر شقاك، أنا مش عايزة أكون سبب خراب بيتك.”
نظر إليّ بعينين تلمعان بالدموع، لكنهما مليئتان بعزة نفس لم أرها فيه من قبل، وقال بحدة:
— “تموتي من التعب ويبهدلوكي في المطبخ وأسكت، ولما يهددونا بالطرد أروح أركع؟ لاء يا بنت الناس. طارق ميركعش غير للي خلقه. الشقة دي أنا دافع نص ثمنها مع أبويا الله يرحمه من عرق جبيني في الغربة، بس كانت الثقة عمياني ومكتبتش ورق… وأمي عارفة ده كويس.”
وقف طارق، ودخل الحمام غسل وجهه ويديه من آثار الورشة، ثم خرج وارتدى جلبابًا نظيفًا وقال وعيناه تشتعلان بحسم:
— “أنا نازل يا حبيبتي. متخافيش… طول ما فيّا نفس، إنتِ وابنك مش هتباتوا في الشارع.”
— “رايح فين يا طارق؟ رايح لأمك؟” سألته برعب.
نظر إليّ عند الباب وقال:
— “رايح لعمي الحاج صالح… هو كبير العيلة والوحيد اللي أمي بتعمل لحسابه حساب. هحط الموضوع بين إيديه، ولو حقنا مجاش بالأصول… يبقى لكل مقام مقال.”
خرج طارق وقفل الباب، وبقيت أنا في الشقة مع طفلي، أنتظر مصيرنا المعلق على حافة أسبوع واحد، وعقلي لا يتوقف عن التساؤل: هل سيرحم عمّه ضعفه، أم أن جبروت الحاجة هدى سيطحن الجميع؟
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
مرت الساعات بعد نزول طارق وكأنها دهور. كنت أتنقل في الشقة كالمجنونة، أحمل ريان الذي لم يتوقف عن البكاء، وكأن روحه الصغيرة تشعر بالزلزال الذي يهدد سقف بيتنا. نظرت إلى الساعة… كانت تقترب من منتصف الليل، وطارق لم يعد، وهاتفه لا يجيب.
فجأة، سمعت صوت جلبة في أسفل العمارة، وأصواتًا مرتفعة تبدد سكون الشارع. ركضت نحو الشرفة بحذر ونظرت لأسفل، فخفق قلبي بعنف.
سيارة الحاج صالح، عم طارق، كانت تقف أمام الباب، ونزل منها الحاج صالح بجلبابه الأبيض المهيب وعصاه الأبنوسية، وخلفه طارق، و… الحاجة هدى ومروة!
تراجعت للخلف وأنا أرتجف. لقد أحضر العم العيلة كلها إلى هنا ليحل الأمر. بعد دقائق، انفتح باب الشقة ودخلوا جميعًا. كان وجه الحاجة هدى يشتعل غيظًا، ومروة تقف خلفها بملامح متوجسة بعد أن ظنت أن خطتها لطردهم نجحت ببساطة.
تنحنح الحاج صالح ودخل الصالة، فتقدمت أنا بخطوات ثقيلة وسلمت عليه باحترام. نظر إليّ بعينين حانيتين وقال بصوته الأجش الوقور:
— “اقعدي يا بنتي وارتاحي، إنتِ لسه نفساء وتعبانة. إحنا جينا لحد عندك عشان الحق يرجع لأصحابه.”
جلست وأنا أضم ريان إلى صدري، بينما وقف طارق بجانب عمه. التفت الحاج صالح إلى الحاجة هدى وقال بلهجة حاسمة لا تقبل الجدال:
— “جرى إيه يا هدى؟ جرى إيه يا أم طارق؟ بقى آخرة العمر وبعد ما جوزك مات، تقفي تطردي ابنك البكري وضناك من شقته اللي دافع نص ثمنها من شقاه في الغربة؟ عشان إيه؟ عشان مراته تعبانة ومش قادرة تقف على رجليها تطبخ لعزومة؟”
صاحت الحاجة هدى بغضب وحقد:
— “يا حاج صالح، الواد كسر كلامي قدام سلايفه وزعقلي في المستشفى عشان خاطرها! دي لسه داخلة بيتنا إمبارح وتعمل فينا كدة؟ دي بتقومه على أمه!”
ضرب الحاج صالح بعصاه على الأرض ضربة قوية هزت أركان الصالة، فصمتت الحاجة هدى تمامًا. وقال بحدة:
— “الولد زعق لما لقاكي بتموتي مراته! أنا سألت الدكتور بنفسي النهارده وعرفت إن البنت كانت هتروح فيها. والبيوت ليها حرمة يا هدى. الشقة دي شقة طارق، ورجوع للمحلات هيرجع، والتوكيل اللي لغتيه هيتعمل غيره وبشروطي أنا ككبير العيلة!”
نظرت مروة للحاجة هدى تحثها على الكلام، فصاحت هدى بعند:
— “مش هيحصل يا حاج صالح! المحلات محلاتي والورق ورقي، والبت دي مش هتقعد في الشقة دي يوم واحد ورجلي فوق رقبتها!”
هنا، تقدم طارق خطوة واحدة. لم يكن باكيًا ولا منكسرًا، بل كان ينظر لأمه بنظرة وداع حزينة. أخرج من جيبه مظروفًا مغلقًا، ووضعه على الطاولة أمام عمه الحاج صالح وقال بصوت هادئ وقاتل:
— “خلاص يا عمي… مفيش داعي تضغط على أمي. ده ورق الشراكة القديم اللي بين أبويا الله يرحمه وبين حاج محمود، وفي بند واضح إن الأرباح والأصول بتتقسم بالنص بين أبويا ومحمود. وبما إن أمي لغت التوكيل، فالشغل كله هيقف قانونيًا من بكرة الصبح، والمحلات هتتشمع لحد ما الورثة كلهم يرفعوا قضية فرز وتجنيب… وأنا مكنتش عايز أعمل كدة مع أمي، بس هي اللي اختارت الطرد.”
شحب وجه الحاجة هدى تمامًا، ووقفت مروة مذهولة. لم تكن تتوقع أن طارق يملك أوراقًا قد تقلب الطاولة وتهد تجارتهم بالكامل وتدخلهم في دهاليز المحاكم.
نظر الحاج صالح إلى المظروف، ثم نظر إلى الحاجة هدى وقال بنبرة تحمل إنذارًا أخيرًا:
— “سمعتي يا أم طارق؟ ابنك اشترى خاطرك وخدمك سنين وسكت، ولما جيتوا على مراته وبيته قرر يوريكي الوش التاني. قدامك دقيقة واحدة يا هدى… يا توافقي على شروطي ونقفل باب الشيطان ده، يا إما تخرجي من هنا وإنتِ ملزمة تسلمي كل مليم وحق لطارق بالقانون، والكل هيعرف إنك ظلمتي ابنك البكري.”
ساد صمت رهيب في الصالة. كنت أراقب أنفاس الحاجة هدى المتلاحقة وعينيها اللتين تتنقلان بين طارق والمظروف وعصا الحاج صالح… وكانت تلك اللحظة هي التي ستحدد إن كنا سنعيش في سلام، أم أن العاصفة القادمة ستهدم كل شيء.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
تسمرت العيون كلها على الحاجة هدى. كانت أنفاسها المتهدجة هي الصوت الوحيد في الغرفة، وصراع كبريائها أمام خسارة كل شيء يدور خلف عينيها الزجاجيتين. نظرتْ إلى طارق، ثم إلى المظروف القابع على الطاولة كالقنبلة الموقوتة، وأخيرًا إلى عصا الحاج صالح التي تمثل حكم العيلة الذي لا يُرد.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت جاهدة أن تحافظ على بقايا هيبتها، فنظرت إلى الحاج صالح وقالت بنبرة متحشرجة:
— “عشان خاطرك أنت بس يا حاج صالح… وعشان اسم الحاج الله يرحمه ما ينزلش المحاكم. الشقة شقة ابنcontentي، والمحلات مفتوحة له… بس أنا ماليش دعوة بيهم تاني، ولا يدخلوا بيتي ولا أدخل بيتهم.”
التفتت بغل ونظرت إليّ نظرة أخيرة، ثم سحبت عباءتها وخرجت تجر أذيال الهزيمة، وتبعتها مروة وهي تكاد تموت كمداً بعد أن انقلب السحر على الساحر.
تنفس الحاج صالح الصعداء، وقام ووضع يده على كتف طارق وقال:
— “يا بني، رضا الأم غالي… بس الحق أحق أن يُتبع. أنت صنت بيتك وعرضك، وده اللي يخليك راجل في نظر الكل. لم ورقك يا طارق، وبكرة ننزل الشهر العقاري نكتب الشقة باسمك واسم ابنك، عشان مفيش شيطان يدخل بينكم تاني.”
ودعنا العم باحترام ودعوات بالبركة والشفاء. وما إن أُغلق الباب خلفه، حتى ساد الشقة هدوء من نوع آخر… هدوء الانتصار والسلام.
التفت إليّ طارق، وجاء وجلس على ركبتيه أمام السرير. نظر إلى وجهي الشاحب وإلى ريان النائم في حضني، ثم أمسك بيدي وقبلها وعيناه تفيضان بالدموع، لكنها هذه المرة كانت دموع الراحة:
— “خلاص يا أم ريان… الكابوس انتهى. بيتنا رجع لنا، ومحدش هيقدر يمس شعرة منك طول ما أنا عايش. سامحيني على كل لحظة ضعف، وسامحيني إنني حطيتك في الموقف ده.”
ابتسمت والدموع تنزل من عيني، لكنها كانت دموع فرح وأمان. أخيرًا تخلصت من ثقل الخوف، وأخيرًا شعرت أن جرحي بدأ يلتئم حقًا، ليس فقط جرح جسدي، بل جرح روحي الذي داواه موقف زوجي الذي ظهر معدنه الأصيل في اللحظة الحاسمة.
### الحكمة من القصة:
> **إن البيوت لا تُبنى على حساب صحة المرأة وكرامتها، وحرمة البيوت واستقلاليتها خط أحمر لا يجوز لأحد تجاوزه تحت مسمى صلة الرحم أو العادات.**
> والزوج الصالح هو الذي يعرف كيف يوازن بين بر أمه وحماية زوجته، فلا يترك زوجته فريسة للظلم والتحمل فوق طاقتها، ولا ينساق وراء الأحكام الجائرة لمجرد إرضاء الآخرين. فالمرأة ليست خادمة أو طباخة تُستغل في أوقات ضعفها، بل هي شريكة حياة، وكرامتها من كرامة زوجها، وحمايتها في وقت انكسارها هي الاختبار الحقيقي لرجولة الزوج وأصالته.
>


تعليقات
إرسال تعليق