القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 جوزي الفقير كامله حكايات زهرة



جوزي الفقير كامله حكايات زهرة

في عزومة لكل العيلة، أمي طلبت من جوزي يقوم يسقي جوز أختي الكبيرة، وقالتله بتريقة: "فقير القوم خادمهم".. جوزي وقف وكنت فاكراه هيزعق ويمشي، بس اللي عمله صدمنا كلنا وخلى أمي مقدرتش تنطق ولا تبص له من الصدمة!!!!


. مصطفى جوزي مكنش صاحب شركات ولا عنده عربية آخر موديل، كان مجرد موظف غلبان على قد حاله، بس كان جواه راجل بألف راجل؛ دين، وأخلاق، وطيبة، وحنية تكفي الدنيا كلها. لما اتقدم لي، أنا مبصتش لفلوسه ولا لمرتبه، أنا بصيت للإنسان اللي هأمن على نفسي معاه. لكن أمي؟ أمي كان لها رأي تاني خالص.

أمي من الستات اللي بتهتم ذياده المظاهر والماديات، بالنسبة لها قيمة البني آدم في جيبه. وطبعاً، كان عندها المقياس والنجم العالي في العيلة


هو "طارق" جوز أختي الكبيرة. طارق عنده شركة وعربيات وفلوس تترمي على الأرض، وعشان كده أمي مكنتش بتطيق سيرة مصطفى، ومكنتش موافقة على جوازتنا أصلاً، واضطرت توافق في الآخر بعد محايلات طالت وطالت ، بس وافقت وهي شايلة جواها كره وتقليل منه.

من أول يوم جواز، مفيش مرة روحت فيها لبيت أمي أو اتجمعنا في مناسبة إلا ولازم تفتح أسطوانة المقارنات اللي بتموتني من جوايا. تقعد تبص لمصطفى وتلقح بالكلام:

"شوفي يا منال، طارق جاب لأختك طقم دهب إيه في عيد ميلادها! عقبالك يا بنتي لما تشوفي الغوايش."

"شوفي طارق أخد مراته وطلعوا يصيفوا في أحدث قرية في الساحل، مش زي ناس مبيخرجوش من عتبة البيت."

مصطفى كان دايماً يقعد، وشه يحمر ويحس بحرج شديد، بس

لأنه أصيل وابن ناس ومتربي، كان يبتسم بكسرة ويقولها بكل ذوق:

"يا حماتي، ادعيلي بس، لو ربنا وسعها عليا مش هخلي منال نفسها في أي حاجة في الدنيا."

كانت تلوي بقها بقلة قيمة وتتريق عليه وتقول: "لما يبقى يتعدل حالك الأول ، نبقى نشوف!"

أنا كنت بزعل جداً على زعل جوزي وكرامته اللي بتتهان، وكنت بتكلم مع أمي وأقولها: "ملوش لزوم الكلام ده يا أمي! حرام عليكي، إحنا مبسوطين والحمد لله!"

كانت تبص لي بقرف وتقولي: "خليكي خايبة كدة ومغفلة، بكره الفقر يوجعك وتعرفي إن كلامي صح."

وفضلت المناقرات دي مستمرة، كل ما تيجي مناسبة أو لِمة، تتعمد إنها تهين جوزي وتقلل منه قدام الكل، وتفضل تحكي عن جوز اختي الكبيرة والزيارات الكبيرة والشاشات والهدايا

اللي بآلاف اللي بيدهالها في كل دخلة.

لحد ما في اليوم  أمي كانت عاملة عزومة كبيرة في بيتها، ولمت العيلة كلها؛ خيلاني وخالاتي وولادهم. وطبعاً، العزومة دي كانت معمولة على شرف النجم الكبير "طارق" ومراته أختي الكبيرة.

دخلنا أنا ومصطفى، كنا لابسين لبس بسيط ونظيف، قعدنا في جنب. وطبعاً طارق وأختي وصلوا وهما لابسين لبس فخم جداً، أختي الدهب مغطي إيديها وماركات اللبس باينة من على بعد متر. أمي من ساعة ما قعدنا وهي عمالة تتنطط وتقول للناس كلها بصوت عالي: "العزومة دي كلها عشان طارق ونور عينه.. لولا كرمه معايا وفلوسه اللي باعتها لي مكنتش عرفت أعمل السفرة دي كلها! ده لسه جايب لي الأسبوع اللي فات..." وتفضل توصف وتعد في ممتلكاته وعربياته وسفرياته.


 

أختي الكبيرة كانت قاعدة منفوخة ومفتخرة بنفسها وبجوزها، بتبص لي بنظرة شفقة بتموتني، وطارق قاعد وحاطط رجل على رجل وكأنه ملك زمانه. في الوقت ده، أنا كنت قاعدة مكسوفة جداً، وشي في الأرض، وزعلانة بدموع عيني على حرج جوزي اللي كان قاعد ساكت ومتحمل كل نظرات الاستصغار من اللي حوالينا عشان خاطري بس.

وفجأة، وإحنا بناكل، طارق جوز أختي الكبيرة ساب المعلقة وقال: "المايه خلصت.. هقوم أجيب مية عشان عطشان."

مراته قامت بسرعة وقالت له : "لا يا حبيبي خليك مرتاح، هقوم جيبلك أنا."

مسك إيدها وقالها بنبرة تباهي: "خليكي مرتاحة يا حبيبتي، أنا هجيب."

هنا أمي اتدخلت بسرعة وبصوت جهوري سمع الصالة كلها وقالت لطارق: "ولا أنت ولا هي! أنت تطلب ومتقومش من مكانك، أنت بتتعب وتشقى ولازم ترتاح.. أنت ومراتك كلو كويس واقعدوا مرتاحين."

وفجأة.. لفت أمي وجسمها كله طاقة غل، ومدت إيدها بالشفشق الكبير بتاع المية، ووجهت كلامها وجسمها لمصطفى جوزي.. وقالت

له بنبرة تريقة واضحة والابتسامة الخبيثة على وشها:

"املاه أنت يا مصطفى قوم اسقي طارق.. فقير القوم خادمهم!"

وضحكت ضحكة عالية، قال يعني بتهزر وبتلطف الجو! وطبعاً، كل القلوب المريضة اللي قاعدة جاملتها وضحكت معاها ببرود.

في اللحظة دي، الدم ضرب في نفوخي، وشي احمر من الغضب، والدم كان بيغلي في عروقي من الإهانة الصريحة والعلنية لجوزي وقدام العيلة كلها. اندفعت بكل عصبية، وكنت لسه هقف وأزعق وأقلب التربيزة على الكل وأمشي..

لكن فجأة، لقيت إيد مصطفى القوية بتمسك إيدي بكل حزم وهدوء.. منعني إني أتكلم.

بصيت له وأنا عيني مليانة دموع وغضب، لقيت وشه هادي جداً، وابتسم ابتسامة غامضة وثابتة مفيهاش أي انكسار.. وقف على رجليه بكل ثقة وثبات، واللي عمله في اللحظة دي.. صدم الكل، وخلى أمي واقفة متسمرة في مكانها، مش قادرة تنطق ولا حرف ولا قادرة حتى ترفع عينها وتبص في عينه من كتر الصدمة والذهول اللي حل على الصالة 

مصطفى ملامحه متهزتش،

ولا حتى حواجبة اتلفتت برفض. الهدوء اللي كان فيه كان مرعب، هدوء يسبق العاصفة، بس مش عاصفة خناق وزعيق، عاصفة من نوع تاني خالص.. عاصفة تكسر النفوس المريضة بالذوق والأدب.

مد إيده بكل ثبات وأخد الشفشق من إيد أمي، وبص في عيونها مباشرة.. النظرة دي لوحدها خلت أمي ترجع خطوة لورا من غير ما تحس. ابتسم ابتسامة هادية جداً وقال بصوت رخيم وواضح سمع كل ركن في الصالة:

"على راسي يا حماتي.. ست الكل تؤمر ومصطفى ينفذ، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: 'سيد القوم خادمهم'.. وأنا هنا وسط أهلي وناسي، وخدمتكم شرف ليا ومش عيب أبداً."

الكلمتين نزلوا على الملعقة اللي في إيد طارق وعلى دماغه زي المية الساقعة. الصالة كلها فجأة سكتت، الضحك البارد اللي ملى المكان اختفى تماماً وتحول لنظرات إعجاب مكتومة من خيلاني وخالاتي. مصطفى بكل ثقة أخد الشفشق ودخل المطبخ، ملاه مية ساقعة، ورجع الصالة.

بس الصدمة الحقيقية مكنتش هنا.. الصدمة كانت في طريقة لفه

على التربيزة:

مراحش لطارق الأول زي ما أمي كانت عايزة تذله.

بدأ بأكبر واحد قاعد، خالى الكبير، وصب له وهو واقف بكل أدب واحترام وانحناءة راجل أصيل.

وبعدين لف على خالاتي واحدة واحدة، وبعدها راح لأمي.. وقف قدامها، صب لها الكوباية وبكل ذوق وطى على إيدها باسها وقالها: "اتفضلي يا أمي، بالهنا والشفا."

أمي في اللحظة دي وشها جاب مية لون، الإحراج كل ملامحها، كانت فاكراه هيثور أو يتكسر، لكنه بكرم أخلاقه صغرها قدام العيلة كلها وظهر هو في مظهر الملك وهم الصغار.

أخيراً، وصل لطارق.. طارق كان قاعد وشه حمر، حاسس إن الحركة اللي عملها مصطفى قلبت السحر على الساحر. مصطفى صب لطارق وبص له بابتسامة خفيفة وقاله: "اتفضل يا باشا، مطرح ما يسري يمري." طارق مد إيده ياخد الكوباية وهو مش قادر يحط عينه في عين مصطفى.

في اللحظة دي بالظبط، وتلفون طارق اللي كان محطوط على التربيزة قعد يرن بهستيرية. طارق نفخ وبص في الشاشة، ملامحه اتقلبت تماماً، الخوف ظهر في عيونه في ثانية


جوزي الفقير ٢ حكايات زهرة 

في اللحظة دي بالظبط، وتلفون طارق اللي كان محطوط على التربيزة قعد يرن بهستيرية. طارق نفخ وبص في الشاشة، ملامحه اتقلبت تماماً، الخوف ظهر في عيونه في ثانية. رد بسرعة وصوته كان بيترعش: "أيوة يا مدحت.. في إيه؟ بتقول إيه؟!"

فجأة طارق وقف على رجليه، الكوباية اتقلبت من إيده والمية اتدَلقت على الأكل وعلى لبسه الغالي، بس هو مكنش حاسس بالدنيا أصلاً. وشه بقى أبيض زي الورقة، وصوته طلع مخنوق وهو بيصرخ في التلفون:

"يعني إيه الشحنة كلها اتحجزت في الميناء؟ ويعني إيه قضية تهرب وفساد مالي؟ المحلات والشركة هيتقفلوا بالبلك الأحمر؟! يا نهار أسود.. أنا كدة هفلس وهتوجع في سجن! اتصرف يا مدحت، شوف أي حد من الكبار، ادفع أي مبلغ!"

الصوت في الصالة اقطع تماماً، أمي وقفت مذهولة، وأختي الكبيرة حطت إيدها على بوقها وبدأت تعيط من الصدمة. طارق كان بيسمع الطرف التاني في التلفون وهو بيتنفس بصعوبة، وفجأة قال: "يعني إيه مفيش فايدة؟ مين اللي ماسك القضية والملف ده؟ مين رئيس لجنة الفحص والرقابة اللي رافض أي كلام؟"

طارق سكت ثواني بيسمع الاسم، وفجأة عينه اتسعت بطريقة مرعبة، التلفون وقع من إيده على الأرض واتكسر ميت حتة. لف ببطء شديد، وعيونه


جت في عين جوزي "مصطفى".. وبصوت يكاد يكون مسموع وهدومه غرقانة مية، قال:

"أنت.. أنت الأستاذ مصطفى الشافعي؟ رئيس الإدارة المركزية للرقابة المالية والمتابعة اللي منقول جديد؟!"

الجمود حل على المكان، الكل مبقاش فاهم حاجة. أمي بتبص لطارق وبتبص لمصطفى وهي مش مستوعبة. أختي الكبيرة صرخت: "في إيه يا طارق؟ إيه اللي جاب مصطفى الغلبان ده لشغلك وشركتك المليونيرة؟!"

طارق وقع على الكرسي وهو بيبكي بدموع حقيقية، كبريائه كله اتمسح في الأرض، وبص لأمي وقال بنبرة مكسورة:

"مصطفى الغلبان اللي كنتوا بتتريقوا عليه.. هو الراجل اللي في إيده يمضي بخراب بيتي وسجني، أو ينجيني! هو رئيس اللجنة العليا اللي بقالنا شهر بنجري وراها وبنعرض ملايين عشان بس يرضى يقابلنا أو يمرر الورق، وهو رافض تماماً وقافل في وشنا كل الأبواب!"

الكل لف بمصايب عيونهم ومصوبينها ناحية مصطفى، اللي قعد مكانه بكل هدوء، حط الشفشق على التربيزة، وبص لطارق بنظرة كلها حكمة وقار، مفيهاش أي شماتة، بس فيها قوة تزلزل الجبال.

أنا نفسي كنت قاعدة مذهولة، وبصيت لمصطفى ودموعي نازلة بس المرة دي دموع فخر: "مصطفى.. الكلام ده بجد؟"

مصطفى طبطب على إيدي بحنية وقال بصوت يسمعه الكل:

"


بجد يا منال.. أنا عمري ما حبيت أتكلم عن شغلي أو سلطتي وسط العيلة، وعمري ما حبيت أتباهى بمنصبي اللي ربنا كرمني بيه من كام شهر بعد ترقية كبيرة وتعيين سري في الرقابة. أنا دخلت البيت ده كإنسان، عايز ناس تشتريني لشخصي ولأخلاقي، مش لمنصبي وفلوسي. كنت دايماً بسكت على كلام حماتي وتقليلها مني، عشان كنت بقول دي ست كبيرة وأم مراتي وليها حق عليا، ولأني مش محتاج أثبت لحد أنا مين."

أمي رجليها مكنتش شايلاها، قعدت على أقرب كرسي وهي حاطة إيدها على قلبها، النبرة التريّاقية والضحكة الخبيثة اتمسحت تماماً من وشها. بصت لمصطفى بعيون مليانة رعب وكسوف، مش قادرة حتى تنطق بكلمة واحدة، تفتكر كل كلمة تهزيق، وكل لقطة قللت فيها منه، وتفتكر جملتها الأخيرة: "فقير القوم خادمهم".

طارق زحف بركبه حرفياً لحد ما وصل لجنب كرسي مصطفى، ومسك في إيده وقال بنبرة ذل:

"أبوس إيدك يا مصطفى بيه.. اعتبرني أخوك الصغير، الورق اللي عندك لو اتمضى بالإدانة أنا هضيع وأخت مرتك وأولادي هيتشردوا. أنا عارف إني غلطت وكنت متكبر، بس عشان خاطر حماتك وعشان خاطر منال.. ارفع عني التقارير دي!"

مصطفى سحب إيده بكرامة وهدوء شديد، ووقف على حيله وبص لطارق وقال:

"يا طارق

بيه.. الفلوس اللي كنت بتتنطط بيها على الخلق، وبتعاير بيها الغلبان، طلعت مش بتاعتك، دي فلوس بلد وحق ناس غلابة أنت أكلته بالباطل والتهرب. مصطفى الشافعي مبيتحركش بأوامر من حد، ولا بيمضي على ورق حرام، ولا بيجامل على حساب ضميره ودينه وقسمه اللي أقسمه. القانون هياخد مجراه، ولو ليك حق هتاخده، لو عليك حق.. هتدفعه تالت ومتلت."

التفت مصطفى ليا، ومد إيده بكل حنان وقالي: "يلا بينا يا منال.. العزومة دي كدة خلصت بالنسبة لنا."

أمي وقفت وهي بترتعش، ودموعها نازلة، وحاولت تتكلم وتقول: "يا مصطفى يا ابني.. أنا.."

مصطفى قاطعها بابتسامة حزينة بس مليانة عزة نفس وقالها:

"معذورة يا حماتي.. الفقر فعلاً بيوجع، بس فقر النفس والأخلاق هو اللي بيوجع بجد ويموت صاحبه وهو عايش. الفلوس بتروح وتيجي في ثانية، واليوم طارق كان فوق وبكرة تحت، بس الراجل بيفضل راجل بأصله ودينه. تصبحوا على خير."

أخدني مصطفى من إيدي وخرجنا من باب البيت، وأنا راسي مرفوعة للسما، حاسة إني متجوزة ملك، راجل هز العيلة كلها بأدبه قبل منصبه. ومن يومها، أمي مبقتش تقوى تحط عيونها في عيونه، وطارق دفع تمن طمعه وجشعه، وعرفوا كلهم إن القيمة مش في الجيب.. القيمة في النفس والأصل النضيف.


 

تعليقات

close