حماتى كانت بتوصى بنتها قبل ما تتجوز وبتقولها
حماتى وصت بنتها
حماتى كانت بتوصى بنتها قبل ما تتجوز وبتقولها
ـ يابنتى بلاش تهلكى نفسك فى البيت وخدمه جوزك وتعجزى قبل اوانك وجوزك يبقى لسه فى عز شبابه وقتها هيسيبك وهيبص بره واحده تملى عينه ومش هيقدر تضحياتك
أى حاجة نفسك فيها هاتيها اوعى تستخسرى فى نفسك حاجه
بلاش تبقى زى مرات اخوكى الهبله ضيعت صحتها فى الخدمه وعامله نفسها شملوله واللى يشوفها يقول عندها ٦٠ سنه وهى لسه مكمله ال ٣٠ من شهرين واخوكى بيدور على عروسه جديده ومخبى عليها
كل الكلمات دي كانت بتنزل زي السكاكين على قلب ابتهال اللي كانت واقفة ورا الباب، شايلة صينية العصير ورايحة تبارك لخت جوزها، لكن رجليها اتسمرت مكانها ومبقتش قادرة تتحرك.
دموعها نزلت من غير صوت وهي بتفتكر الأيام المرة اللي عاشتها في البيت ده.. افتكرت لما حماتها عملت الحادثة ورقدت في السرير شهور، ومحدش شالها ولا غسل لها ولا سهر تحت رجليها غير “الهبلة” اللي بتتكلم
عليها دلوقتي.
افتكرت لما كانت بتسيب عيالها وتلغي نومها عشان تغير لها على الجرح وتأكلها بيديها، ويوم ما كانت حماتها تدعي لها في وشها وتقولها “أنتِ بنتي اللي مخلفتهاش”، والنهاردة بتطلعها “هبلة وشملولة” وبتحرض بنتها عشان ماتبقاش زيها!
واللي كسر قلب ابتهال أكتر هو كلامها عن جوزها.. أخوها اللي هي بتخدمه بعينيها وبتحرم نفسها من اللقمة عشان توفر له، يطلع في الآخر بيدور على عروسة ومخبي عليها؟
ابتهال حست بوجع في صدرها ونفسها ضاق، الصينية كانت هتوع من إيديها وهي بتسأل نفسها: “هو ده تمن الأصالة؟ يعني الطيبة والجدعنة في الزمن ده بقوا هبل؟”
بصت فى مرايه وراها وشافت لبسها القديم ووشها الشاحب عشان كانت بتستخسر تجيب لنفسها جلابيه بيه وبتلبس هدوم جوزها القديمه تقعد بيها فيها البيت عشان توفرله هو تمن اللبس الجديد
كانت بتستخسر تجيب غسول لبشرتها او مرطب عشان تجيب نوع البرفان اللى بيحبه لحد نا اديها اخشنت من غسيل المواعين
حست بمرارة وغصة في حلقها وهي بتهمس لنفسها:
ـ يعني أنا ضيعت عمري وصحتي عشان في الآخر أبقى العبرة اللي بيخوفوا بيها البنات؟ بقى أنا اللي كنت فاكرة إني بحافظ على بيتي، بتهان في ضهري بالشكل ده؟
والأصعب من كلام حماتها، كان كلامها عن جوزها.. أخوها اللي بيدور على عروسة ومخبي!
ابتهال مسحت دموعها بعنف ب طرف كمها الدايب، ونظرة عينيها اتغيرت تماماً.. ملامح الضعف والكسرة اختفت وظهر مكانها قسوة غريبة وقرار ملوش رجعة.
بصت للمراية لآخر مرة وقالت بحدّية:
ـ ماشي يا حماتي.. أنا فعلاً كنت هبلة، بس الهبلة دي خلاص ماتت، والشملولة اللي بتلف حوالين نفسها عشان ترضيكم مابقتش موجودة.. من النهاردة مفيش حد أولى مني بنفسي.
الوقت مر تقيل، والحزن اللي كان في قلب ابتهال اتحول لقسوة صامتة. ملامحها مابقاش فيها أثر للدموع، عينيها كان فيها لمعة غريبة زي الجمر اللي مستني هبّة ريح عشان يحرق كل
حاجة. عملت كل حاجة كالعادة؛ جهزت العشا، رتبت الصالة، وحضرت له هدوم البيت.. بس المرة دي عملت كل ده وهي زي “الآلة”، مفيش الحب اللي كان بيخليها تعمل الحاجة وهي راضية.
ليل جه، ودخل “محمود” البيت، والتعب باين على وشه، بس ابتسم لها ابتسامته العادية. ابتهال مابصتش في عينيه، فضلت مشغولة وهي بتحط الأكل قدامه. محمود قعد ياكل وسط سكوت غريب، هو متعود إن ابتهال هي اللي بتفتح الكلام، هي اللي بتحكي وتضحك وتشيل عنه هموم يومه، بس المرة دي كانت ساكتة خالص.
بعد ما خلص أكل وسند ضهره، ابتهال أخدت نفس طويل، وكتمت دقات قلبها اللي كانت بتجري، وقالت بصوت هادي ومستقر:
ـ محمود، هات الفيزا بتاعتك، محتاجة أشتري شوية حاجات ناقصة للبيت بكره.
محمود بص لها باستغراب بسيط، بس مشكش فيها للحظة.. بالنسبة له ابتهال دي “الخزنة”، الست اللي بتعرف تطلع القرش من بق السبع، واللي كانت بتحرم نفسها من اللقمة ومن الهدوم عشان توفر قرش للبيت وللعيال.
بكل ثقة، طلع المحفظة، وطلع منها الفيزا وحطها قدامها على التربيزة وقال ببساطة:
ـ اتفضلي يا أم العيال.. هاتي اللي ناقصكم كله، بس خلي بالك عشان الفيزا عليها ضغط اليومين دول ومصاريف المدارس قربت.
ابتهال بصت للفيزا وبعدين بصت له، ومنطقتش. مقالتش “تسلم إيدك” زي كل مرة، ولا سألته “الميزانية كام؟”. مدت إيديها ببطء، أخدت الكارت، وقبضت عليه بصباعها بقوة، كأنها بتمسك حقها اللي ضاع في خدمة ناس مبيطمرش فيهم.
في اللحظة دي، محمود مكنش شايف غير الست المطيعة اللي متعود عليها، مكنش شايف النار اللي والعة جواها، ولا لاحظ القسوة اللي في نظرة عينيها وهي بتفكر في كل مليم في الكارت ده، وإزاي هتبدأ تدلع نفسها لأول مرة في حياتها.. انتقاماً لكل مرة استخسرت في نفسها حاجة عشان خاطره هو وأمه.
قامت ابتهال من مكانها وهو لسه قاعد قدام التلفزيون، مكنش يعرف إن الست اللي كانت بتخدمه برموش عينيها خلاص “ماتت”، وإن اللي واقفة قدامه دي واحدة تانية خالص، بقرار ملوش رجعة.
تاني يوم الصبح، ابتهال صحيت بدري، بس مكنتش هي “ابتهال” اللي الكل عارفها. قامت من غير ما تعمل الفطار اللي كانت بتتفنن فيه، ولا صحت حد. لبست عبايتها القديمة للمرة الأخيرة، ونزلت وهي حاطة الفيزا في جيبها زي ما يكون معاها “سلاح” هتاخد بيه حقها.
راحت عند أقرب ماكينة صرافة، وقفت قدامها وهي بتفتكر كلمة حماتها “الهبلة الشملولة”. حطت الفيزا وبكل برود، طلبت تسحب “الحد الأقصى” للسحب اليومي. الماكينة بدأت تطلع الفلوس، وابتهال بتبصلها بانتصار، حست إن كل ورقة بتمسكها هي حتة من صحتها اللي ضاعت في الخدمة.
في نفس اللحظة، محمود كان في شغله، وفجأة موبايله رن برسالة من البنك. فتحها وهو مش مصدق عينيه: “تم سحب مبلغ…” ولقى الرقم هو الحد الأقصى للسحب. اتخض، وقال في نفسه: “أكيد في حاجة غلط! مستحيل ابتهال تسحب المبلغ ده كله مرة واحدة، دي كانت بتفاصل مع الراجل في نص جنيه!”
بدأ يتصل بيها، والموبايل يرن ويرن.. ابتهال كانت في “مول” كبير، شافت اسمه بينور على الشاشة، وبكل برود راحت دايسة على زرار القفل، وقفلت الموبايل خالص. حطته في الشنطة وقالت لنفسها: “انسى يا محمود، النهاردة مفيش إزعاج، النهاردة يوم الهبلة اللي قررت تعقل.”
دخلت أول محل لبس غالي، محل كانت دايمًا تبص عليه من بعيد وتتمنى تدخل حتى تتفرج. دخلت بخطوات واثقة، وبدأت تنقي أجمل وأغلى الأطقم. مابصتش على السعر ولا مرة، كانت بتشيل وتحط في “البروفة” وهي حاسة بمتعة غريبة.
بصت لها البياعة بابتسامة وهي بتقولها: “يا مدام اللون ده هياكل منك حتة”، ابتهال بصت لنفسها في المراية الكبيرة اللي في المحل، بس المرة دي مراية نضيفة ومنورة، شافت فيها ست تانية خالص، ست لسه فيها روح وجمال، بس كان مستخبي ورا هدوم جوزها القديمة وتعب المواعين.
اشترت لبس، واشترت براندات مكياج، واشترت كل اللي كانت بتحلم بيه وهي بتقول لنفسها: “ادلعوا أنتم براحتكم يا حماتي.. وأنا كمان من حقي أدلع بفلوس جوزى اللي ‘بيدور على عروسة’.”
محمود في الشغل كان هيتجنن، ساب اللي في إيده وقرر يرجع البيت يشوف إيه اللي حصل، وهو ميعرفش إن “المفاجأة” اللي مستنياه هتغير حياته كلها.
بعد ما خلصت شوبنج وشنط اللبس في إيديها، ابتهال مروحتش، لسه كان جواها نار مش بتبرد غير لما تمحي كل أثر للتعب من وشها. سألت ودخلت أكبر عيادة تجميل في المنطقة.
دخلت بخطوات واثقة، وقعدت وسط الستات اللي مهتمين بنفسهم، مكنتش حاسة بالخجل زي زمان، بالعكس، كانت حاسة إن ده مكانها الطبيعي اللي اتأخرت عنه كتير. دخلت للدكتورة، وبصت لها في عينيها وقالت بوضوح:
ـ “يا دكتورة، عايزة وشي ده يرجع ينور تاني، عايزة كل تعب السنين اللي فاتت يختفي.”
الدكتورة بدأت تفحص وشها، وابتهال كانت بتسمع وهي مستمتعة بكل لحظة “دلع” بتتقدم لها. بدأت معاها جلسة تنظيف بشرة عميق، بخار وماسكات وأجهزة أول مرة ابتهال تجربها. كانت حاسة إن كل مسام في جلدها بتتنفس من جديد، وإن طبقات الهم والتراب اللي شالتها في خدمة البيت بدأت تقع مع الماسكات.كامله على صفحتى قصص وروايات أمانى سيد
بعد الجلسة، الدكتورة بصت لنتيجة وشها اللي بدأ يورد وقالت لها بابتسامة:
ـ “ما شاء الله، أنتِ أصلاً ملامحك جميلة يا مدام، بس كنتِ هاملة في نفسك خالص. هكتب لك روتين تمشي عليه؛ غسول، وسيروم، وكريم مرطب، وصن بلوك.. وممنوع وشك يلمس الصابون العادي أو يقرب من بخار المطبخ من غير حماية.”
ابتهال كانت بتسمع بتركيز، وأخدت الروشتة ونزلت الصيدلية اللي جنب العيادة، جابت كل الكريمات “بالبراندات” اللي الدكتورة قالت عليها، مابصتش على فاتورة ولا فكرت في قرش.
وهي طالعة، بصت لموبايلها اللي لسه مقفول، تخيلت شكل محمود وهو بيخبط دماغه في الحيط من القلق، وتخيلت “حماتها” وهي قاعدة مستنية “الهبلة” ترجع عشان تطبخ لها. ضحكت بمرارة وقالت لنفسها:
ـ “الروتين ده مش بس لوشي يا دكتورة، ده روتين لحياتي الجديدة.. مفيش بخار مطبخ، ومفيش خدمة لحد ما يقدرش.”
ركبت تاكسي، ورصت الشنط جنبها، وطلبت منه يوصلها البيت. كانت عارفة إن المعركة الحقيقية هتبدأ أول ما تفتح باب الشقة، بس كانت مستعدة لها بوش منور، ونفسية أقوى من الحديد
وصل التاكسي تحت البيت، وابتهال نزلت وهي شايلة شنط البراندات في إيد، وشنطة الصيدلية والماكياج في الإيد التانية. كانت ماشية بخطوات واثقة، كأنها “هانم” راجعة بيتها، مش “الشغالة” اللي كانت بتطلع السلم وهي شايلة شيلة الخضار والعيش.
أول ما حطت المفتاح في الباب وفتحت، لقت محمود قاعد في الصالة وشبه هيتجنن، وحماتها قاعدة جنبه عمالة توش في ودنه وتقوله: “شفت؟ قولتلك الست دي وراها حاجة! تسحب الفلوس دي كلها وتقفل موبايلها؟ دي أكيد اتجننت يا محمود!”
محمود أول ما شافها قام وقف بلهفة وعصبية في نفس الوقت:
ـ “أنتِ كنتِ فين يا ابتهال؟ وإيه اللي سحبتيه من الفيزا ده؟ وموبايلك مقفول ليه؟ قلبتي كياني!”
ابتهال محتزتش، ولا حتى اتخضت من زعيقه. حطت الشنط بكل هدوء على الترابيزة قدامهم، وقلعت نظارتها الشمسية اللي لسه شارياها، وبصت له ببرود.. محمود سكت فجأة وهو بيبص لوشها، حس إن في حاجة متغيرة، وشها “منور”، صافي، وريحته برفن غالي، مفيش ريحة بصل ولا طبيخ ولا ملامح الست اللي شايلة الهم فوق كتافها.
حماتها قامت وقفت وهي بتبرق للشنط وقالت بصوت عالي:
ـ “إيه كل الشنط دي يا ست ابتهال؟ أنتِ صرفتي فلوس ابني على اللبس والمحزق والملزق؟ وسايبة البيت يضرب يقلب من الصبح ولا لقمة اتعملت ولا كوباية شاي اتشربت؟”
ابتهال لفت وشها لحماتها، وبصت لها بنظرة خلت الحموات تسكت من الصدمة، وقالت بابتسامة صفرا وهادية:
ـ “أصل يا حماتي، اكتشفت فجأة إني كنت (هبلة).. وقولت حرام أضيع صحتي وعمري في الخدمة وأعجز قبل أواني ومحمود لسه في عز شبابه، مش ده كلامك برضه؟”
محمود بص لأمه بدهشة، وحماتها وشها جاب ألوان واتلجمت، مكنتش متخيلة إن ابتهال
سمعت كل حاجة.
كملت ابتهال وهي بتبص لمحمود بكل قوة:
ـ “سحبت الفلوس عشان أجيب اللي نفسي فيه يا محمود، عشان ما استخسرش في نفسي حاجة، وعشان لما تدور على (عروسة جديدة) زي ما حماتي بتقول، تلاقي مراته لسه عز شبابها ومش ناقصها حاجة عن أي واحدة بره.”
رمت الفيزا على الترابيزة وقالت له:
ـ “الفيزا اهي، والهدوم اللي كنت بلبسها من دولابك رميتها، ومن هنا ورايح، الشملولة اللي كانت شايلة البيت على دماغها استقالت.. واللي عايز خدمة، يخدم نفسه.”
دخلت أوضتها وقفت الباب وراها، وسابتهم هما الاتنين في الصالة، محمود بيبص لأمه وهو مش فاهم إيه اللي حصل، وحماتها اللي كانت فاكرة إنها بتبني بنتها، مكنتش تعرف إنها بتهدم بيت ابنها بلسانها.
فتح محمود باب الأوضة براحة خالص، كان داخل وعنده طاقة خناق وهجوم، بس أول ما عينه جت عليها، الخطوات اتسمرت في الأرض والكلمات طارت من عقله.
ابتهال كانت واقفة قدام المراية، ريحة البرفان اللي رشتها قلبت ريحة الأوضة “بصل وطبيخ” اللي كان متعود عليها. كانت بتدهن كريم على إيديها اللي بدأت تنعم، ونور الأبوجورة عاكس على وشها اللي “نور” فجأة وبان فيه جمال كان مستخبي تحت تراب الهم والتعب.
محمود فضل باصص لها بذهول، كأنه شايف ست أول مرة يشوفها في حياته. قرب منها خطوتين وصوته طلع واطي، فيه نبرة إعجاب مكسوفة بذهول:
ـ “إيه ده يا ابتهال؟ كان فين كل ده من زمان؟ إزاي كنتِ مدارية الجمال ده كله ورا الجلابية المقفولة وريحة المطبخ؟”
ابتهال مالت راسها بدلال ملوش علاقة بـ “ابتهال القديمة”، وبصتله في المراية ببرود وهي بتكمل روتينها ولا كأنه هز فيها شعرة، وقالتله بصوت هادي زي السكاكين:
ـ “كان موجود
يا محمود.. بس كان مستخبي ورا (الهبلة) اللي كانت بتشيلك وتشيل أهلك على كتافها وتستخسر في نفسها اللقمة عشان توفرهالك. الجمال ده كان مدفون تحت هدومك القديمة اللي كنت بلبسها عشان حضرتك تلبس جديد.. بس خلاص، الهبلة دي ماتت، والجمال ده من هنا ورايح لصاحبته وبس.”
محمود حس بوجع في قلبه من كلامها، مكنش عارف يرد يقول إيه، الكلمة اللي كان فاكرها مدح، هي ردت عليه وخلتها “إدانة” له ولأمه.
ابتهال لفت وشها ليه تماماً، وسابت الكريم من إيدها، وبصت له نظرة فاحصة خلت محمود يرتبك ويعدل وقفته. الهدوء اللي كانت فيه كان مرعب أكتر من أي زعيق.
قالت له بصوت واطي ومستقر:
ـ “جميل إنك لسه بتعرف تشوف الجمال يا محمود.. بس غريبة، مادام لسه عينك بتلقط الحلو، كنت بتدور على عروسة تانية ليه؟ ولا كنت فاكر إن ‘الهبلة’ اللي في البيت خلاص صلاحيتها انتهت ومحتاج تجدد؟”
محمود وشه جاب ألوان، واتصدم من الجملة لدرجة إنه رجع خطوة لورا. ملامحه مكنش فيها خوف “المذنب”، كان فيها ذهول “المظلوم” اللي مش فاهم التهمة دي جت منين.
ـ “عروسة إيه؟! إنتِ بتقولي إيه يا ابتهال؟ عروسة إيه اللي أدور عليها وأنا مش شايف قدامي غيرك؟ مين اللي ملا دماغك بالسم ده؟”
ابتهال ضحكت ضحكة قصيرة مليانة مرارة وكملت:
ـ “السم ده سمعته بودني يا محمود.. سمعت أمك وهي بتوصي بنتها النهاردة وبتقولها (بلاش تبقي زي مرات أخوكي الهبلة اللي ضيعت صحتها في الخدمة، وأخوكي بيدور على عروسة ومخبي عليها)!”
محمود اتسمر مكانه، وبان على وشه لحظة إدراك للي حصل.. افتكر كلام أمه وطريقتها في المبالغة عشان تخوف أخت الصغيره وتخليها “تتفرعن” في بيتها الجديد. خبط بإيده على جبهته بقلة حيلة وقال بنبرة صادقة جداً:
ـ “والله العظيم حصل.. بس والله ما حصل مني! يا ابتهال، أمي كانت بتقول كده لأختي عشان تخوفها، عشان تخليها تهتم بنفسها ومتهملش زي ما إنتِ عملتِ.. كانت بتألف من عندها عشان تديها درس وتخليها (ناصحة)، لكن أنا عمري ما نطقت كلمة زي دي، ولا عمري فكرت أبص لغيرك أصلاً!”
قرب منها خطوة وهو بيحاول يمسك إيدها، وصوته فيه رجاء:
ـ “يا ابتهال إنتِ عارفة أمي وطريقتها، هي استغلت تضحيتك عشان تعمل بيكي (حكاية) تخوف بيها البنت، لكن أنا والله العظيم مظلوم في الحكاية دي.. أنا أصلاً كنت بتباهى بيكي قدام الكل وبقول دي الست الأصيلة اللي مفيش منها اتنين.”
ابتهال سحبت إيدها براحة، وعينيها لسه فيها القوة:
ـ “سواء كانت هي بتألف من عندها أو إنت فعلاً قولت، النتيجة واحدة يا محمود.. إن طيبيتي وأصلي بقوا (عبرة) بيخوفوا بيها البنات عشان ميطلعوش (هبل) زيي. أمك استخدمتني عشان تعلم بنتها إن الخدمة والتضحية ملهمش تمن عندك، وإنت سكت وكنت بتتفرج عليا وأنا بدبل وراضيت بالوضع ده.”
بصت له بنظرة أخيرة قبل ما تروح لسريرها:
ـ “أنكر براحتك يا محمود، وأنا هصدق إنك مكنتش بتدور على عروسة.. بس لازم تعرف إنك لو مكنتش بتدور زمان، فـ أنا من النهاردة مش هسمحلك تلاقي الست القديمة دي تاني.. العروسة اللي كانت (هبلة) ماتت بجد، والجديدة اللي قدامك دي، مش هتقبل بأقل من حقها.”
محمود لما شاف الهدوء والقوة في عينيها، ونبرة الصدق في كلامها عن “الوجع” اللي حسته، حركته اتغيرت.. ملامحه اللي كانت مشدودة هديت، وبدل ما يدافع عن نفسه بالخناق، قرر يمتص غضبها بالاحتواء.
قرب منها خطوة كمان، والمرة دي ممسكش إيدها، لكن فضل باصص في عينيها بتركيز وقال بنبرة هادية وصادقة:
ـ “وعلى فكرة بقى يا ابتهال.. أنا مش زعلان من اللي عملتيه، ولا زعلان على الفلوس اللي اتسحبت، بالعكس.. أنا فرحان باللي شايفه قدامي ده.”
ابتهال رفعت حاجبها باستغراب، وسكتت كأنها بتسمحله يكمل، فكمل محمود وهو بيشاور على وشها المنور:
ـ “يا ريتك تهتمي بنفسك كده دايماً.. أنا عمري ما طلبت منك تهدّي حيلك في الخدمة ولا تنسي نفسك في المطبخ لحد ما تدبلي. أنا كان نفسي أشوفك بالضحكة دي وبالنور ده من زمان. لو كان الوجع اللي سمعتيه هو اللي خلاكي تفوقي لنفسك، فأنا بقولك يا ستي ياريتك سمعتيه من سنين.”
سكت لحظة وهو بيبتسم ابتسامة خفيفة فيها ندم:
ـ “يمكن أنا غلطت إني استسهلت شيلك للبيت وسكت، وفكرت إنك راضية ومبسوطة.. بس والله يا ابتهال، منظرك وإنتِ مهتمة بروحك وبجمالك ده عندي بكنوز الدنيا. دلعي نفسك يا ابتهال، واصرفي، واهتمي.. والبيت ده من بكرة هجيب لك حد يساعدك فيه، عشان مش عايز ‘العروسة’ اللي قدامي دي تدبل تاني أبداً.”
ابتهال بصت له بدهشة، مكنتش متوقعة الرد ده.. كانت مستنية خناق على الفلوس أو دفاع مستميت عن أمه، بس كلامه “فشّ غليلها” وكسر حدة القسوة اللي كانت مخبياها ورا وشها المنور.
ابتهال فضلت ساكتة للحظات، بتبص له وكأنها بتوزن كلامه بميزان دهب. كانت عايزة تصدقه، كان نفسها فعلاً تلاقي فيه “السند” اللي يقويها مش اللي يهدها، بس وجع الكلمة اللي سمعتها من حماتها كان لسه
عامل زي الشرخ في روحها.
اتنهدت براحة وابتسمت ابتسامة مكسورة وقالت له:
ـ “كلامك حلو يا محمود، وياريتك كنت بتقولهولي وإنا إيدي في المواعين وشعري مطفي من بخار الطبيخ.. كنت وقتها هحس بجد إنك شايف تعبي. بس مش مهم، اللي فات مات، والمهم اللي جاي.”
قعدت على طرف السرير وبدأت ترص علب الكريمات الجديدة بنظام، وكملت بلهجة فيها ثبات:
ـ “أنا موافقة يا محمود.. موافقة إننا نفتح صفحة جديدة، بس بشرط. البيت ده ليه نظام جديد.. أنا مش شغالة عند حد، أنا ست البيت. اللي يقدرني فوق راسي، واللي يجي عليا أو يستهون بيا، ملوش مكان في حياتي، حتى لو كانت والدتك.”
محمود هز راسه بالموافقة من غير تردد:
ـ “حقك يا ابتهال، وأنا اللي هقف لكل واحد يحاول يقلل منك.. كفاية عليكي اللي ضاع من عمرك وأنتِ شايلة فوق طاقتك.”
خرج محمود من الأوضة وهو حاسس إنه كسب مراته من جديد، بس أول ما طلع الصالة، لقى أمه قاعدة لسه “مربعة” ومستنية “الغزوة” اللي محمود هيعملها على مراته.
حماته بصت له بلهفة وقالت:
ـ “ها يا محمود؟ عملت إيه مع الشملولة؟ أدبتها وعرفت الفلوس راحت فين؟ ولا لسه هتسكت لها على قلة القيمة دي؟”
محمود وقف قدام أمه، وبص لها بجمود مكنتش متعودة عليه منه، وقال بصوت عالي شوية عشان ابتهال تسمعه جوه:
ـ “يا أمي، ابتهال عملت الصح.. الفلوس دي فلوسها، وهي حرة تصرفها على نفسها وعلى جمالها. ومن هنا ورايح، مسمحش لأي حد يغلط فيها أو يقول عليها (هبلة)، لأنها ست الكل، والبيوت بتتبني على كتاف الستات اللي زيها.”
حماته فتحت بوقها من الصدمة، وبصت له وهي مش مصدقة إن ابنها “طوع” مراته بالسرعة دي. محمود مأداهاش فرصة ترد، وكمل:
ـ “وبعدين يا أمي، إحنا محتاجين نجيب حد يساعدها في البيت، عشان مش عايزها تتهد تاني.. ياريت تباركي لنا على (ابتهال الجديدة) بدل ما تشحني فينا.”
جوه الأوضة، كانت ابتهال سامعة كل كلمة، ودمعة واحدة نزلت من عينها.. بس المرة دي مكنتش دمعة قهر، كانت دمعة “انتصار”. مسحتها بسرعة بقطنة مبلولة بـ “التونر” الجديد، وبصت للمراية وقالت لنفسها:
ـ “برافو يا ابتهال.. فعلاً، اللي بيعز نفسه، الكل بيعمله ألف حساب.”
حماتها بصت له بذهول، وحست إن “السطوة” اللي كانت فرضاها السنين دي كلها اتهزت. قامت وقفت وهي بتعدل طرحتها بعصبية وقالت:
ـ “بقى كده يا محمود؟ بعت أمك عشان خاطر كريمات ومحزق وملزق؟ ماشي يا ابن بطني.. بكرة الأيام تدور وتعرف مين اللي كان خايف على قرشك ومين اللي بيضيعه.”
محمود رد عليها بهدوء بس بحسم:
ـ “يا أمي مفيش بيع ولا شرا، دي أصول.. والبيت اللي ميتصانش فيه حق الست، ميبقاش بيت. اتفضلي ارتاحي دلوقتي، وابتهال بكرة هتقوم براحتها، مفيش طبيخ ولا تنفيض، إحنا هنطلب أكل من بره.”
حماتها لوت بوزها ودخلت أوضتها وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم، والغيرة واكلة قلبها إن “الهبلة” قدرت بوقفة واحدة تغير حال ابنها.
أما جوه الأوضة، ابتهال كانت لسه واقفة قدام المراية، بس مكنتش بتبص لجمال وشها بس، كانت بتبص لـ “قوتها”. حست إن الحمل اللي كان فوق كتافها سنين انزاح. قفلت علبة الكريم الأخيرة، وفتحت دولابها، وطلعت الهدوم القديمة “المبهدلة” اللي كانت بتلبسها عشان توفر، ولمتها كلها في شنطة واحدة وقررت إنها هتتبرع بيها أو ترميها، المهم إنها مش هتشوفها تاني.
تاني يوم الصبح، الشمس طلعت، وابتهال صحيت متأخر.. مكنش فيه صوت خبط حلل ولا ريحة بصل مسمعة في الشقة. قامت غسلت وشها بالغسول الغالي، ولبست طقم من اللي اشتريتهم، وخرجت الصالة بخطوات واثقة.
محمود كان قاعد بيشرب قهوته، وبص لها بابتسامة حقيقية:
ـ “صباح الجمال يا أم العيال.. الأكل زمانه جاي، والست اللي هتساعدك في البيت أنا كلمتها وهتيجي تستلم من بكرة.”
ابتهال قعدت جنبه، وحست لأول مرة إنها “ملكة” في بيتها مش “شغالة”. حماتها خرجت وشافت المنظر، حاولت تنقح عليها بكلمة:
ـ “ما شاء الله، الهانم لسه صاحية؟ والبيت اللي يضرب يقلب ده مين هيلمه؟”
ابتهال ردت عليها ببرود وثبات وهى بتبتسم:
ـ “البيت طول عمره متشال على راسي يا حماتي، والنهاردة جه الدور على اللي يشيله عني. ارتاحي أنتِ بس، وصحتك أهم من أي حاجة.. مش أنتِ اللي كنتِ بتقولي بلاش الست تهلك نفسها؟ أنا سمعت نصيحتك بالحرف.”
حماتها اتكتمت تماماً، ومبقتش عارفة ترد، لأن كلامها ارتد في صدرها.
النهاية:


تعليقات
إرسال تعليق