جوزي رمي عليا القهوة كاملة وحصريه
جوزي رمي عليا القهوة كاملة وحصريه
جوزي بصلي وقال بمنتهى البرود هتدي أختي فلوس ورثك… غصب عنك. ولو رفضتي، الباب يفوّت جمل. ولما قولتله لأ… مسك مج القهوة المغلية وحدفه في وشي! بعدها قال اعملي اللي بقولك عليه، يا إما اطلعي برة. وأنا؟ لا صرخت… ولا اتوسلت. روحت المستشفى على طول، وثّقت كل حرق في وشي، وسيبت دبلة جوازي على ترابيزة المطبخ، ومشيت… وأنا متأكدة إن الكابوس الحقيقي لسه هيبدأ… بس المرة دي هيكون من نصيبه هو.
القهوة نزلت على وشي قبل حتى ما أستوعب إن كريم رفع المج.
من ثانية كنت بافطر عادي، والثانية اللي بعدها كنت بحس إن وشي ورقبتي بيتحرقوا، والمج وقع على الترابيزة واتكسر.
صرخت من الوجع ورجعت لورا، والكرسي وقع مني، ودموعي نزلت غصب عني.
بصيت لكريم…
ولا حتى اترمش.
أما أخته دنيا، فكانت بكل هدوء بتدهن العيش بالزبدة، كأن اللي حصل ده مش قدامها.
قال كريم ببرود
طالما مش هتسمعي الكلام… يبقى ملكيش مكان في البيت ده.
دنيا نفخت بضيق وقالت
بجد يعني؟ كل الدراما دي عشان طلبنا كارت البنك؟
بس الحساب اللي كانوا عايزينه… ماكانش حسابنا إحنا الاتنين.
ده كان حساب ورثي… اللي أبويا الله يرحمه سابهولي باسمي أنا وبس.
من شهور وكريم بيضغط عليّ ويقولي إن الفلوس دي لازم تبقى فلوس العيلة، مع إنه عمره ما حط فيها جنيه.
وفي اليوم ده، دنيا كانت عايزة كارت البنك عشان تدفع مقدم مليونين جنيه تقريبًا لشراء مركز تجميل فاخر.
وأنا قبلها بكام يوم كان البنك باعتلي تنبيهات عن تحويلات مشبوهة مرتبطة بحساباتها.
عشان كده… رفضت.
فكان رده إنه حدف القهوة المغلية في وشي.
حطيت فوطة على الحروق، وبصيت للراجل اللي حبّيته تمان سنين.
ماكانش ندمان…
ولا حتى خايف…
كان متضايق بس.
قال
روحى لوحدك
للمستشفى… ويمكن في الطريق تعرفي إن مخالفة كلامي ما تستاهلش.
ودنيا ضحكت وقالت
يمكن تتعلم تحترم نفسها بعد كده.
من غير ما أتكلم… خرجت من البيت.
في المستشفى، الممرضات صوروا كل الحروق اللي كانت بتنتشر على فكي ورقبتي.
وبعد الكشف، الدكتور أكد إن عندي حروق من الدرجة التانية.
وبهدوء سألني
مين اللي عمل فيكي كده؟
أخدت نفس عميق وقلت
جوزي رمى عليّ قهوة مغلية.
أول ما نطقت بالجملة دي…
كل حاجة اتغيرت.
سنين وأنا بلاقي له أعذار.
مرة أقول مضغوط…
ومرة أقول دي آخر مرة.
لكن المرة دي…
العنف مبقاش سر بيني وبينه.
بقى دليل رسمي.
الأخصائية الاجتماعية في المستشفى ساعدتني أبلغ الشرطة، وسجلت أقوالي بالكامل، واتحفظ بكل الصور والتقارير الطبية.
قبل ما أمشي، كلمت المحامية أستاذة نجلاء.
أول حاجة قالتها
ما ترجعيش تواجهيه لوحدك… ولو محتاجة تدخلي البيت، يبقى مع ظابط.
وسكتت لحظة، وبعدين قالت
المحاسب القانوني خلص مراجعة حسابات جوزك امبارح.
قلبي دق بسرعة.
سألتها
يعني التحويلات اللي كنت شاكّة فيها طلعت حقيقية؟
قالت
كلها… من غير استثناء.
كريم كان فاكر إني مجرد مصممة جرافيك شغالة من البيت وعايشة على ورث بسيط.
ماكانش يعرف إن أبويا سابلي النسبة الأكبر في شركة تمويل خاصة.
ومن ست شهور…
كنت بهدوء براجع كل حركة مالية لمسها بإيده.
بعد الضهر، المسكنات خففت وجع الحروق…
لكن عمرها ما خففت قراري.
رجعت البيت ومعايا ظابط.
لا كريم كان موجود…
ولا دنيا.
لمّيت شنطة واحدة.
وقلعت دبلة الجواز من صباعي، وحطيتها في نص ترابيزة الفطار… جنب مج القهوة اللي غيّر حياتي.
قفلت الباب ورايا…
ومبصتش ورايا أبدًا.
البيت في الأصل…
ماكانش ملك كريم.
ولما رجع بالليل، كان لسه
هيكتشف إن خسارة كارت البنك… كانت أصغر مشكلة هتقابله.
ركبت العربية ومشيت، وعينيّ ما زالتا شايفين الدبلة اللي وقعت على الترابيزة بصوت خافت، وكأنها بتقول له ده نهاية كل حاجة بيننا. الطريق كان طويل، والوجع في وشي ورقبتي بيضرب فيّ كل شوية، لكن الوجع الأكبر ما كانش في الجسم.. ده كان في القلب، اللي كان بيقول لي يا سلمى، تمان سنين حب وثقة، وآخرتها كل ده؟. لكني ما بكتش.. خلصت دموعي من غير ما أحس، وبقيت عيوني جافة ومشرقة زي ما تكون مستعدة لأي حرب جاية.
وصلت لشقة صغيرة كنت استأجرتها من شهر تقريبًا، ما حدش يعرف بيها غير أستاذة نجلاء.. كنت حاسّة إن في حاجة غريبة هتحصل، فخليت لي مكان آمن أبعد فيه عن كل عيونهم. دخلت وقفلت الباب ورايا، وسندت ظهري عليه لدقائق طويلة، وبعدين رحت على المرآة.. شفت الحروق اللي لونها صار أحمر غامق وبدأت تطلع فيها فقاقيع صغيرة، وما حستش بندم على أي خطوة عملتها.. بالعكس، حست براحة ما حسّتها من سنين. كنت طوال الوقت خايفة أكون غلطانة فيه، خايفة أكون ظالماه.. لكن اليوم ده كسر كل الشكوك، وخلاني متأكدة إنه ما يستاهلش حتى دقيقة واحدة من تفكيري فيه.
في نفس الوقت ده، كان كريم راجع مع دنيا للبيت، وكل واحد فيهم كان بيقول كلام زي بعضه هتجيلها راجعة تعتذر، وتديك الفلوس من غير ما تتكلم. كانوا متأكدين إني ضعيفة، إني ما أقدرش أعيش من غيره، إني كل اللي هعمله هو أبكي وأرجع أترجاه يرضى عليا. أول ما فتح الباب لقى البيت هادي ومظلم، وصوت ما كانش طالع من أي حتة. نادى بصوت عالي سلمى.. يا سلمى فينك؟ إلعبيها خلاص وكفاية دراما. وما لقاش رد. مشي جوا شوية ولقى الشنطة اللي كانت بتاعتي مش موجودة، وبعدين شاف الدبلة على الترابيزة جنب بقايا
القهوة المتناثرة والزجاج المكسور.
وقف مذهول لدقائق، وما قدرش يتكلم.. دنيا جت وراه وشافت الدبلة، فقالت بقلق مكنتش عارفة تخبيه إيه ده؟ هي راحت فين؟ مش معقولة راحت كده من غير رجعة!. كريم ضحك ضحكة عالية مليانة غرور وثقة زيادة، وقال تروح فين يعني؟ هتروح لحد مين؟ مش معاها فلوس، ولا معاها حد يساعدها.. ساعة وتلاقيها جاية راجعة تبكي تحت رجليا. لكن جواه كان قلق بيدق، لأنه أول مرة يشوفها كده.. أول مرة ما تردش عليه، أول مرة تسيب البيت من غير ما تقول كلمة ولا تترجاه.
دنيا كانت أقل ثقة منه، قالت وهي بتدور في كل حتة أخي أنا خايفة.. هي كانت شكلها غريب لما خرجت، ما بكتش ولا صرخت.. كأنها كانت مستعدة لكل ده. كريم زعق فيها وقال اسكتي يا بت! ما تخوفيش روحي.. هي تعبانة شوية وهترجع، ولما ترجع هعلمها الأدب من أول وجديد. وبينما هو بيتكلم، جاله تليفون من البنك.. الموظف كان بيتكلم بصوت رسمي جداً وقال أستاذ كريم، نأسف لكن الحساب اللي كنت بتتعامل معاه باسم السيدة سلمى محمد مغلق تماماً، ولا يوجد لدينا أي صلاحية لفتحه أو تنفيذ أي تعليمات من غير حضور صاحبة الحساب شخصياً وموافقتها الرسمية.
كريم ضحك وقال إيه الكلام الفاضي ده؟ أنا جوزها، وعندي توكيل رسمي منها أتصرف في كل أمورها. الموظف رد بهدوء التوكيل ده ألغي من يومين، وتم إبلاغنا بذلك من المحامية الخاصة للسيدة، وأيضاً تم تجميد كل الحسابات والاستثمارات الخاصة بها لحين انتهاء الإجراءات القانونية. سكت كريم ومش عارف يقول إيه، وحس إن الأرض بتتحرك من تحت رجلينه.. كان فاكر التوكيل ده حاجة مضمونة، حاجة تخلّيه يتحكم في كل حاجة ليها، وما كانش يعرف إنها كانت مستعدة لكل خطوة بيخطيها.
قفل التليفون ووشه صار أبيض
من الغضب، دنيا قربت منه وقالت بقلق مالك؟ إيه اللي حصل؟ الفلوس راحت
فين؟. زعق فيها وقال اسكتي! الفلوس لسه موجودة بس هي منعتني أتصرف فيها.. البت دي مجنونة، بتعمل حاجات ما كنتش أتوقعها منها أبداً. وهي في نفس الوقت كانت بتكلم المحامية أستاذة نجلاء، اللي قالت لي بكل هدوء كل حاجة ماشية تمام يا سلمى، التوكيل ألغي، والحسابات كلها مؤمنة، واللي عليه من ديون أو تحويلات غير قانونية طلعت كلها مسجلة وموثقة، وكل دليل عندنا.
سألتها بقلق يعني هو قدر ياخد أي حاجة لحد دلوقتي؟. قالت لي لا يا حبيبتي، كل الفلوس اللي حاول يحولها أو ياخدها كانت محجوزة من قبل ما يوصلها، لأنك كنتي تتابعي كل حاجة خطوة بخطوة، وعرفتي تتصرفي قبل ما يفوت الأوان.. واللي ما يعرفوش إن نصيبك في الشركة مش مجرد فلوس في بنك، ده ملكية حقيقية بتخليك تتحكمي في كل كبيرة وصغيرة، وهو ما كانش عارف حتى اسم الشركة ولا مكانها. حمدت ربنا في سري، وشكرت أبي الله يرحمه إنه كان حكيم واخد باله من كل حاجة، وعرف إن في يوم ممكن أحط في موقف زي ده، فساب لي كل الحقوق وكل الأدلة اللي أحمي نفسي بيها.
مرت الأيام والليالي، وكل يوم كان كريم بيتأكد أكتر وأكتر إنه غلطان في كل فكرة كان فاكرها عني.. كان بيتصل تليفوني فأجيب مرة واحدة بس عشان أسمعه كل اللي عايز يقوله، وبعدين أقطع الخط من غير ما أرد عليه، وكل كلامه كان بين التهديد والترجي، مرة يقول هيعمل عليا مشاكل، ومرة يقول سامحيني وأنا آسف تعالى نرجع زي ما كنا، ومرة يقول إنه مريض ومش قادر يعيش من غيري.. لكني كنت سامعة كلامه زي ما أسمع صوت غريب، ما كانش لي أي تأثير عليا خالص،
لأنه كسر كل حاجة جميلة كانت بيننا، وما بقيش فيه أي حاجة تستاهل الثقة ولا حتى الاهتمام.
دنيا كانت بتضغط عليه أكتر وأكتر، كل يوم كانت تجي له وتقوله الفلوس لازم تيجي يا أخي، صاحب المركز عايز المقدم بكرة، ولو ما دفعناش هنخسر كل حاجة وهنرجع ندفع غرامات كتير. هو كان عاجز، ما عندهش حل، كان بيحاول يفكر في أي طريقة ياخد مني الفلوس، وكل مرة كان بيطلع بفكرة تطلعله الدليل إنه هو اللي غلط، وهو اللي بيدمر نفسه بنفسه. لما عرف إني بلغت الشرطة، بدأ يخاف من العواقب، وحاول يجمع شهادات كاذبة يقول فيها إني أنا اللي عملت في نفسي الحروق، أو إني كنت طايشة ومش عارفة أتصرف، لكن كل ده كان بيجي
بفائدة ضده، لأن التقارير الطبية والصور والأقوال كلها كانت واضحة وموثقة، وما فيهش أي مجال للشك.
جوزي رمي عليا القهوة ج 2
وفي اليوم اللي كان المفروض نروح فيه لجلسة أولى في المحكمة، كنت رايحة ومعايا أستاذة نجلاء، ولقيت كريم جاي ومعاه دنيا وبعض أهله، كانوا جايين عشان يحاولوا يضغطوا عليا، يقولوا كلام كتير زي الستر من عند الله، الجواز مش كلو حلو، أنتي زوجة مؤمنة لازم تتحملي جوزك، هتخلي كلام الناس يفرق بينكم. لكني كنت واقفة بكل ثقة، وما كنتش خايفة من حد ولا من أي كلام، لما جوا القاعة، طلبت الكلام، وطلعت كل الأدلة، كل ما فعله معايا، كل تحويلات الفلوس اللي كان بيعملها من غير وجهي، كل الضغط والتهديد اللي تعرضت له من شهور طويلة، وكل حاجة كانت مخفية طلعت للعلن.
المحكمة استمعت لكل كلامي، وشافت كل الأدلة، وقررت في الحال إنه يدفع لي كل تكاليف العلاج، ويدفع
لي تعويض عن الأذى النفسي والجسدي، وحرمت عليه أي تصرف في أي من أموالي أو ممتلكاتي، وأيضاً بدأت التحقيقات في شأن التحويلات المالية المشبوهة، لإنها طلعت مش بس عشان تشتري مركز تجميل، ده كان بيدفع بيها ديون متراكمة عليه من سنين، ديون كان خبيها عليا، وحتى دنيا ما كانتش تعرف كل حاجة عنها، كانت فاكرة إن أخوها غني وكل حاجة هتتيسر بسهولة، لحد ما طلعت الحقيقة كاملة واتصدمت هي كمان.
بعد ما طلعنا من المحكمة، جالي كريم ووقف قدامي وعيونه مليانة دموع حقيقية لأول مرة، وقال بصوت مكسور سلمى.. أرجوكِ سامحيني.. أنا كنت أعمى، ما شفتش قيمتك إلا لما خسرتك.. كل اللي عملته ده كان غلط، وأنا مستعد أعمل أي حاجة عشان ترجعي لي. بصيت له بكل هدوء وقلت له يا كريم.. أنا ما خسرتكش.. أنا كنت مستنية أكتشف الحقيقة، والحقيقة إنك ما حبيتنيش أنا.. كنت حابب اللي أقدر أديهولك، ولما رفضت أديك إياه، ما ترددتش تؤذيني.. الجرح اللي في وشي هيلتئم ويمشي مع الوقت، لكن الجرح اللي في قلبي ده مش هيلتئم أبداً.. الاحترام والثقة مش بيتعوضوا، ولا بيتشتروا بكل الفلوس اللي في الدنيا.. أنا مش راجعة، وأتمنى منك تبدأ تعالج نفسك من جواك، قبل ما تحاول تعالج أي حاجة تانية.
سكت هو وما قدرش يتكلم، لأن كلامي كان صحيح ومس كل جرح في قلبه، وبعدين مشيت ومبصتش ورايا أبداً، زي ما عملت لما خرجت من البيت أول مرة. دنيا جت لي بعد كده واعتذرت مني، قالت لي إنها كانت ماشية ورا كلام أخوها ومش عارفة كل الحقيقة، وإنها حاسة بالذنب الكبير للي حصل، وقالت لي إنها هتقف
معايا في كل حاجة لو عايزة، لكني قلت لها إنها حرة في اختياراتها، لكن العلاقة بيننا خلصت زي ما خلصت مع أخوها، وإن أتمنى لها الخير لكن ما أقدرش أكون قريبة منهم تاني أبداً.
مرت الأشهر، والحروق جلت وآثارها اختفت بالتدريج، لكن القوة اللي اكتسبتها من كل ده ما راحتش أبداً.. رجعت أشوف شغلي بحب أكتر من الأول، وبدأت أطور أعمال أبي الله يرحمه وأكمل طريقه اللي بدأه، وكل يوم كنت أكتشف إن كلام الناس ما يساويش أي حاجة، وإن أهم حاجة في الدنيا هي كرامتك وثقتك بنفسك ورضا ربنا عليك. كريم حاول كتير يصلح الغلط اللي عمله، سدد كل الديون اللي عليه، وحاول يبني حياته من جديد، لكنه ما قدرش ينسى اللي فعله، وكل ما شاف أي حاجة تذكرني بيه كان بيحس بوجع في قلبه ما يخلصش، وعرف إنه خسر أغلى وأحسن حاجة كانت في حياته، وإن الندم ده مش بيرجع حاجة كانت راحت.
أما أنا، فعشت حياتي بكل سكينة واطمئنان، ما كنتش أكرهه ولا أتمنى له الشر، لكن كنت عارفة إن الطرق اتفرقت للأبد، وإن كل واحد فينا لقي نصيبه من اللي عمله.. أنا اخترت أكون قوية، أكون صادقة مع نفسي، وما أسمح لأحد يقلل مني أو يأخذ حقي مهما كان غالي، وهو اختار طريق الغرور والطمع، فكان نصيبه الندم والخسارة.. وعرفت في النهاية إن العدالة ربنا بيجيبها مهما طال الزمن، وإن اللي بيعمل خير هيلاقيه، واللي بيعمل شر هيرجع عليه في يوم من الأيام، وإن أجمل انتقام ممكن تعمله للي أذاك هو إنك تعيش سعيد، ناجح، ومش عايز له أي حساب في حياتك أبداً.
وكل ما أتذكر اليوم اللي رمى عليّ القهوة، ما أتذكرش
الوجع.. أتذكر اللحظة اللي اتغيرت فيها حياتي للأفضل، اللحظة اللي عرفت فيها إن ما فيش حاجة تستاهل إنك تضحي بكرامتك عشانها، ولا حتى الحب.. لأن الحب الحقيقي ما بيجيش معاه إذلال ولا خوف ولا أذى، الحب ده أمان واحترام وتقدير، وإن ما كانش كده فهو مش حب أصلاً.
مرت الأيام، وكريم كان كل يوم بيصحى على مشكلة جديدة ما كانش بيحسب لها حساب.. أول ما صحى تاني يوم بعد ما سابته، لقى رسالة من الشركة اللي كان شغال فيها، تقول له إن تم فصله من العمل نهائيًا بسبب اختلاس مبالغ مالية واضحة، وإن التحقيقات بدأت ضده. لقى الدنيا بتدور براسه، لأن ده العمل اللي كان بيفاخر بيه قدام الكل، واللي كان بيقول إنه هو اللي بيجيب الفلوس وبيصرف عليا، وطلع طول الوقت بياخد من عمله زي ما كان بياخد مني، وكل ده كان عشان يغطي ديونه اللي ما حدش يعرف عنها حاجة.
دنيا جتله في نفس اليوم تعيط وتزعق أخي إيه اللي حصل؟ صاحب المركز كلمني وقال إن سمع كلام كتير عنك، وإن لو ما جبتش الفلوس خلال أيام هنلغي العقد ونطلب منك تعويض مضاعف!. كريم ضرب كف على كف وقال بصوت متهدل وأنا أجيبلك منين الفلوس يا بت؟ ما عنديش ولا جنيه.. كل اللي كان معايا راح في ديون قديمة، وحتى البيت ده إيجار ومش ملكي، وكل اللي قلتلك إنه ملكي كان كذب. دنيا وقفت مذهولة، مش مصدقة كلامه إيه؟ كل ده كلامك كذب؟ كل اللي كنت تقوله عن شغلك وعن فلوسك وإنك هتفتحلي مشاريع.. كل ده كان كلام فاضي؟.
كانت الصدمة عليها كبيرة جداً، لأنها طول عمرها كانت شايفة أخوها قدوة، وشايفة إنه الراجل اللي يقدر يعمل أي حاجة، وطلع طول الوقت بيعيش على الكلام والخداع، وعلى حسابي أنا اللي سكتت وتحملت تمان سنين. بدأت تفتكر كل موقف مر بيننا، كل مرة كان بيقول لي فلوسنا واحدة، وكل مرة كان بيضغط عليا عشان أديه فلوس، وكل مرة كانت هي بتقف جنبه وتزيد الضغط عليا.. وحست بالذنب بيأكل قلبها، وعرفت إنها كانت مجرد أداة في إيده، ما كانش يهمها غير مصلحتها، ودفعت تمن غلطها بغلاوة.
أنا في نفس الوقت، كنت مش قاعدة
مستنية حاجة تحصل.. كنت كل يوم بروح الشركة اللي سابهولي أبويا، وكنت أتعلم كل حاجة من أول وجديد، كنت أجلس مع الموظفين القدامى اللي كانوا يعرفوا أبويا، وكل واحد كان بيحكي لي عن حكمته وأمانته، وكيف كان بيقول دايماً الفلوس أمانة، والكرامة أغلى من كل مال. كنت بحس إن أبويا معايا في كل خطوة، وكل ما كنت أتعلم حاجة جديدة، كنت أتأكد إنه كان محق لما ساب لي كل حاجة باسمي، وعرف إن الزمن ده مش بيجيبلك غير اللي كنت مستعدة له.
وصلتني أخبار كتير عن كريم، من ناس تعرفنا، بعضهم كان بيجي لي عشان يشفق عليه ويقول لي يا سلمى الراجل دمر وحالته تكسف الخاطر، وبعضهم كان بيجي لي عشان يقول لي شوفي عمل فيكي إيه واللي جاله قليل عليه. لكني كنت أرد بكل هدوء كل واحد بياخد نصيبه، وأنا مش عايزة أضره ولا أتمنى له شر، بس مش عايزة أعود لورا أبداً.. اللي حصل حصل، وكل واحد حر في اختياراته.
في يوم من الأيام، كنت راجعة من الشركة ولقيت واحد واقف بانتظاري قدام الشقة، لما قربت عرفت إيه.. هو أبو كريم، الراجل الطيب اللي كان دايماً يعاملني زي بنته، وكنت بحترمه جداً. نزلت من العربية ورحت له سلمت عليه، وقلبى وجعني لما شفت حالته، كان شكله كبر في أيام قليلة، ووجهه مليان حزن. قال لي بصوت متهدل يا بنتي سلمى.. سامحيني أنا اللي جيت أعتذر منك بدل ابني.. أنا ربيته وأنا فاكر إنه راجل بجد، وطلع ما عندهش رجولة ولا أمانة.. أنا عارف إن ما فيهش كلام يصلح الغلط، ولا فيه عذر للي فعله معاكي، بس جيت أسألك.. إيه اللي عايزاه يفعله عشان تقللي عنه شوية؟.
قلت له بكل رفق يا عمي أنا مش حاطة ذنبك في حاجة، وأنت ليك كل احترامي وتقديري.. وأنا مش عايزة منه أي حاجة، ولا طالبة منه غير ما أمرني به ربنا، أخذت حقي بالطرق الصحيحة، واللي حصل ده درس ليا وله.. ما فيش حاجة ترجع اللي فات، ولا فيش حاجة تصلح الجرح اللي صار.. وأتمنى منك تدعيله يصلح حاله ويتقي ربنا في اللي جاي، ويدعيلني أنا كمان ربنا يثبتني ويكمللي طريقي. الراجل عيط وقبل راسي، ومشى وهو بيقول
ربنا يخليكي يا بنتي، أنت أحسن بكثير من أهل البيت ده.
بعد أيام، جاتني دنيا لوحدها، كانت خايفة ومكسوفة جداً، وقفت من بعيد ومش عارفة تتكلم أولًا، وبعدين قالت بصوت خافت سلمى.. ممكن أتكلم معاكي شوية؟. خليتها تدخل الشقة، قعدت وهي بتعيط وتقول أنا آسفة جداً.. آسفة على كل كلمة قلتها، وكل مرة وقفت فيها جنب أخي ضدك.. ما كنتش أعرف كل الحقيقة، ما كنتش أعرف إنه كذاب وغدار كده.. طول الوقت كان بيقول لي إنك بتعانديه وإنك مش عايزة الخير لينا، وصدقت كلامه.. لما عرفت كل حاجة، كرهت نفسي وكرهت كل اللي عملته معاكي.
سكتت شوية، وبعدين كملت أنا بعتذر منك ومش عايزة منك أي حاجة، بس حبيت تعرفي إن كريم حالته وحشة جداً.. كل الناس سابته، واللي كانوا يقربوا منه بقوا بيجوا يطالبوه بحقوقهم، وهو بيقعد طول النهار لوحده وما بياكلش ولا بينام، وكل ما يشوف أي حاجة لكي كان بيقول إنه خسر أغلى حاجة عنده.. وأنا عارفة إن ده مش بيرجع اللي فات، بس حبيت تعرفي. قلت لها بهدوء يا دنيا.. الاعتذار مقبول منك، وكل واحد غلط ويتعلم من غلطه.. أنا مش شايلة منك ولا من حد حاجة، بس الطريق اللي كنت ماشية فيه معاه خلص.. وأنتي لازم تبدئي حياتك من جديد، وتبعدي عن أي حاجة تضرك، وتتعلمي إن ما تثقوش في حد أبداً غير لما تتأكدي من أفعاله مش كلامه.
مر شهر كامل، وكل حاجة كانت واضحة للكل.. كريم حاول يجمع فلوس يسدد جزء من اللي عليه، فباع كل حاجة كان يملكها، ملابسه وساعاته وكل حاجة كان بيفاخر بيها، ولسه ما كفاش كل الديون، فاضطر يبيع كل حاجة تانية، وطلع يسكن في شقة صغيرة جداً بعيدة عن وسط البلد، بعيداً عن كل اللي كان يعرفه. كان كل يوم بيصحى وبيقعد يفكر في كل كلمة قالها لي، وكل مرة كان بيضغط عليا، وكل مرة كان يقلل مني، وكل مرة كان بيقول لي أنتي مش هتعيشي من غيري.. وبيضحك على نفسه من كلامه، لأنه طلع العكس تماماً، أنا اللي كنت سبب خير ليه طول الوقت، ولما سبتته ربنا فتح لي أبواب الخير كلها، وسكر في وشه كل باب.
أنا كنت كل يوم بزيد نجاح، الشركة
بتكبر أكتر وأكتر، وشغلي الخاص
كمان كان بيزيد، وكنت بستخدم جزء من أرباحي في أعمال خير، زي ما كان أبويا بيعمل، كنت بحس إن ده أقل حاجة أردها لخير ربنا عليا، وكنت بحس بالسكينة والفرحة اللي ما كانتش تجيلي وأنا معاه. كنت كل ما أشوف نفسي في المرآة، ما أتذكرش الوجع ولا الحروق، بس أتذكر إني كنت قادرة أغير حياتي، وأقول لنفسي أنتي تستاهلي كل خير، ولا أحد يستاهل يقلل منك أبداً.
في مرة، كنت رايحة لشركة في منطقة شعبية عشان شغل، ولقيت كريم واقف جنب محل صغير بيبيع خضار، كان شكله تغير تماماً، ملابسه بسيطة جداً، ووجهه تعبان ومش عارف يرفع عينه في حد. لما شافني، تجمد مكانه، ووجهه صار أحمر من الخجل، ونزل عينه للأرض ومش عايز يكلمني ولا يكلمني. مشيت قدامه بهدوء، وقبل ما أبعد قلت له بصوت منخفض ما يسمعش غيره الندم مش كلام يا كريم.. الندم أفعال.. ربنا يهديك ويصلح حالك. ما ردش ولا حرك ساكن، بس شفت دمعة نزلت على خده، ومسحها بسرعة وكأنه مش عايز حد يشوفها.
مشيت وقلبي كان داعي له بالهداية، لأن الكره ما بيجيب غير التعب، والصفح ده أريح للنفس مهما كان الغلط كبير.. لكن الصفح ده مش معناه الرجوع، ولا معناه نسيان الدرس اللي تعلمته. عرفت في تلك اللحظة إن كل حاجة بتحصل في الدنيا ليها حكمة، وإن ربنا بيجازي كل واحد على قد نيته وعمله، وإن اللي بيعتبر الفلوس والمناصب كل حاجة في الدنيا، ربنا بيجعله يفهم إن ده كله زائل، وإن اللي بيبقى هو الأفعال والكرامة والقلوب الطيبة.
ومن يومها، ما شفتش كريم تاني، وما سمعتش عنه أي أخبار وحشة، يقولوا إنه استمر في شغله الصغير، وسدد كل ديونه بالتدريج، وابتدا يعيش حياة بسيطة نظيفة، وكل ما حد يذكرني عنده، بيسكت ويقول دي نعمة ربنا عليها، وأنا كنت السبب في إني خسرتها وما أستاهلش حتى أذكر اسمها. وأنا عشت حياتي مطمئنة، راضية عن ربنا وعن نفسي، عرفت إن القوة مش في إنك ترد الأذى بأذى، لكن القوة في إنك تطلع من الجرح أقوى وأجمل وأنجح من أول، وإنك تفضل محتفظة بطيبة قلبك مهما لقيت من قسوة الدنيا.


تعليقات
إرسال تعليق