القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 حماتي بوظتلي حياتي كاملة وحصريه 



حماتي بوظتلي حياتي كاملة وحصريه 

حكايات ضحي

حماتي كانت كل يوم بتبوظلي حاجة بطريقة خبيثة، لحد ما قررت أديها درس عمرها ما هتنساه…

كنت واقفة في نص المطبخ، ماسكة صينية لحمة لسه نصها مستوي، وحاسة إن آخر نقطة صبر جوايا خلاص انتهت.

الضيوف قاعدين في الصالون، الضحك مالي المكان، والكوبايات بتخبط في بعض. النهارده عيد ميلاد جوزي أحمد، وكملت أكتر من نص اليوم واقفة في المطبخ أجهز صينية اللحمة المحشية بالخضار والبهارات، اللي تعبت فيها من الصبح بعد ما جبت طريقتها من على الإنترنت.

حطيتها في الفرن قبل ما الضيوف يوصلوا بساعة.

لكن حد قفل الفرن. قفل الزرار بكل هدوء.

فتحت الصينية، لقيت اللحمة من جوه لسه حمرا… كأنها لسه داخلة الفرن حكايات_تنه_ورنه

بصيت ناحية حماتي… كانت واقفة جنب التلاجة، وشها كله براءة، ومسكالي طبق مقبلات.

قالت بابتسامة هادية

يا ندى، خدي الطبق ده حطيه قدام الضيوف، الناس مستنية الأكل.

الطريقة اللي كانت بتتكلم بيها هي أكتر حاجة كانت بتستفزني.

من حوالي تمن شهور، أنا وأحمد نقلنا نعيش معاها، بعد ما اكتشفنا إن الإيجارات بقت ڼار، ومش هنعرف نجمع مقدم شقة وإحنا بندفع الإيجار كل شهر.

أحمد هو اللي اقترح الفكرة…وأنا وافقت علشان بحبه… وكمان علشان كانت أوفر…أول ما كلمها، فرحت جدًا.

قالت

يا سلام! بدل ما ترموا فلوسكم في الإيجار، تعالوا اقعدوا معايا. الشقة واسعة، ومفيش أحسن من لمّة العيلة. وبعدين ندى بنت محترمة وأنا هعتبرها بنتي.

وصدقناها…أول أسبوعين كنت فاكرة إني كسبت حماة كويسة.

كانت بترجع من شغلها العصر، تساعد في تجهيز الأكل، وتسألني لو ناقصني حاجة، وأوقات تجيبلي حاجات بتحبني فيها. بقلم ضحي…

لكن بعد شوية… بدأت أفهم…أول موقف حصل بعد تلات أسابيع…شغلت الغسالة، وحطيت فيها البلوزة البيضا بتاعتي، وكذا قميص فاتح لأحمد، ونزلت أجيب شوية طلبات.

رجعت… فتحت الغسالة… واټصدمت…كل الهدوم بقت لونها بمبي فاتح…قعدت أبص عليهم وأنا مش مستوعبة…وبعدين لقيت شراب أحمر صغير في قاع الغسالة…عارفة كويس إنه مش بتاعي….وريته لحماتي.

عملت نفسها متفاجئة وقالت

يا خبر! ده أكيد شرابي، وقع مني من غير ما آخد بالي. حقك عليا يا بنتي.

حكايات_تنه_ورنه

الكلام كان منطقي….لكن قلبي كان بيقول غير كده.

رميت القميص اللي باظ… وسكت….بعدها بأسبوع عملت شوربة فراخ

دقتها قبل ما أقدمها….كانت مظبوطة…لما قعدنا على السفرة، أحمد خد أول معلقة، وكشر وشه وقال بهدوء

هي بس مالحه شوية.

بصيتله مصډومة….أنا دوقتها بإيدي!

إزاي بقت مالحة؟

حماتي فضلت ساكتة، وهزت كتفها كأنها مش فاهمة حاجة.

كل مرة كانت تحصل حاجة.

كل مرة يبقى ليها تفسير.

المج بتاعي يختفي.

تقول يمكن حطيتيه في مكان ونسيتي.

الكتاب اللي بسيبه على الترابيزة يختفي.

أكيد نقلتيه وإنتي مش واخدة بالك.

شباك أوضتنا ألاقيه مفتوح في عز الشتا.

أنا مدخلتش أوضتكم أصلاً.

لحد ما بدأت أشك في نفسي.

يمكن أنا فعلًا بنسى؟

يمكن أنا اللي متوترة؟

لكن جوايا كان متأكد…

دي مش صدف.

دي مقصودة.

في يوم قابلت صاحبتي سارة في كافيه، وحكيتلها كل حاجة.

فضلت تسمعني للآخر، وبعدين قالت

يا ندى… حماتك بتستقصدك. هي مش بتعمل حاجة كبيرة، هي بتعمل حاجات صغيرة تخليكي طول الوقت شاكّة في نفسك.

قلت طب ليه؟

قالت

علشان دي شقتها… وإنتي بالنسبة لها لسه دخيلة، ومفيش واحدة هتعجب أم شايفة ابنها أحسن راجل في الدنيا.

سكت شوية….قلت أعمل إيه؟

قالت استني… الناس دي دايمًا في الآخر بتغلط غلطة كبيرة.

وفعلًا…غلطتها الكبيرة كانت في عيد ميلاد أحمد.

قضيت أسبوع كامل أحضر للحفلة…اتفقنا إن أنا هعمل الطبق الرئيسي، وهي تعمل السلطات والحلويات.

اشتريت أحسن حتة لحمة، وجهزت كل حاجة بنفسي.

كنت عايزة أثبت إني ست بيت شاطرة…وإن وجودي في البيت مش مجرد ضيفة…الضيوف كانوا هييجوا الساعة سبعة.

الساعة ستة دخلت الصينية الفرن ، وروحت ألبس.

رجعت بعد ساعة…أول



حاجة حسيت بيها…

إن مفيش ريحة أكل….الفرن ساكت.

فتحت الباب…ولقيت الصينية زي ما هي.

الفرن كان مقفول…اتقفل بإيد حد.

سمعت الضحك جاي من الصالون.

وسمعت حماتي بتقول بكل هدوء

ندى هتطلع الأكل حالًا… استنوا بس.

ولا كأنها عملت أي حاجة…رجعت شغلت الفرن.

وقفلت الباب، وأخدت نفس طويل…ودخلت الصالون بابتسامة.

قلت الأكل محتاج شوية وقت كمان، اتفضلوا كملوا السلطات لحد ما يجهز.

أحمد بصلي وقال بصوت واطي إنتِ كويسة؟

ابتسمت وقلت آه… كويسة جدًا.

لكن الحقيقة…في اللحظة دي بالذات، كنت أخدت قرار.

بعد تمن شهور من السكوت…وتمن شهور من الاستفزاز…

وتمن شهور وأنا ببلع الكلام…خلاص….الدور الجاي… هيكون دوري.

حكايات_تنه_ورنه حكايات_ضحي

وقف أحمد يبصلي باستغراب، نظراته كانت بتتحرك بيني وبين الصالون، كأنه بيحاول يفك الشفرة. أحمد طيب، وبيدور دايمًا على السلام النفسي، وعشان كده كان أسهل طُعم لحركات أمه. بس أنا المرة دي مكنتش ناوية أكون الضحېة الهادية اللي بټعيط في المطبخ وتاكل في نفسها.

طبطبت على كتفه بهدوء وقلت بصوت واطي ومبتسم مفيش حاجة يا حبيبي، بس شكلنا اتلخبطنا في ظبطة تايمر الفرن، بس عشر دقائق واللحمة هتكون تمام.

حماتي كانت واقفة هناك، ماسكة كاس شربات وبترشف منه وهي بتبصلي بطرف عينها. كانت متوقعة إني أطلع مڤزوعة، أو أصرخ، أو على الأقل يبان عليا التوتر قدام الناس وأحمد يلاحظ إن ندى بوظت عزومة عيد ميلاده. بس الثبات الإنفعالي اللي ظهرت بيه خلاها تلوي بوزها بضيق مكتوم، وتقدم طبق المكسرات للضيوف وهي بتقول بنبرة صفرا معلش يا جماعة، أصل ندى لسه صغيرة وبرضه الأكلات الثقيلة دي محتاجة خبرة وحرص بالذات في ظبطة الڼار.. معلش معلش، البركة في السلطات اللي أنا عملتها.

الډم غلي في عروقي، بس ابتسمت أكتر. رجعت المطبخ، وبدل ما أقعد أندب حظي، شغلت الشواية والفرن على أعلى درجة، وعملت حركة تكتيكية سريعة بذكاء بحيث اللحمة تتشوح بسرعة وتستوي والطبقة الخارجية تاخد لون جبار من غير ما تتحرق.

طول ما الأكل في الفرن، مخي كان شغال زي رادار. سارة صاحبتي عندها حق، قلت لنفسي وأنا بمسح الترابيزة. حماتي مش مريضة نفسية بشكل صريح، هي ست خاېفة تسلم مفاتيح مملكتها، خاېفة ابنها يشوف إن فيه ست ثانية قادرة تدير البيت وتعمله أكل أحسن منها، والأهم من ده كله.. إنها شايفاني مجرد ضيفة ثقيلة كتمت على نفسها في شقتها.

طلّعت صينية اللحمة، الريحة كانت تهبل، والشكل كان بيتكلم عن نفسه. أخدت الصينية وخرجت بيها على السفرة بكل ثقة. الضيوف أول ما شافوها بدأوا يهللوا ويشكروا في الريحة، وحماتي عينيها اتوسعت باستغراب، كانت متأكدة إن الأكل هيطلع نايص أو مش مستوي.

أحمد أخد أول قطعة، داقها، وعينيه لمعت إيه الحلاوة دي يا ندى! بجد تسلم إيدك، دي أحسن صينية لحمة أكلتها في حياتي!

الضيوف كلهم بدأوا ياكلوا ويمدحوا، وحماتي كانت قاعدة بتاكل بالشوكة والسکينة بكتمة ونكد، كأن الأكل بيقف في زلمكتها. بصتلي وقالت بصوت هادي قدام الكل تسلم إيدك يا ندى.. بس مش شايفين إن البهارات زايدة شوية؟ يعني يا حبيبي يا أحمد إنت معدتك بتتعب من الثوم والبهارات الكتيرة دي، ولا نسيت؟

رديت عليها فورًا بابتسامة سكر لا يا طنط ما نسيتش طبعًا، عشان كده أنا شلت الثوم خالص وعملت الصوص بطريقتي الخاصة المريحة للمعدة، أحمد داقها وقالي طالع طعمها تحفة وسبورتيف جيب.

أحمد هز رأسه بتأييد وهو بياكل بتلذذ فعلاً يا ماما، خفيفة جدًا ورائعة.

الموقف ده كان مجرد بداية الحړب الباردة، الموقعة الأولى أنا كسبتها بالنقاط، بس الحړب الحقيقية كانت لسه بتبدأ.

عدى اليوم على خير، الضيوف



مشوا الساعة واحدة بعد نص الليل. أحمد نزل يوصل قرايبه لحد العربية تحت، وأنا دخلت المطبخ ألم الكراكيب. المكان كان يكركب النفس، أطباق وصواني وكوبايات. حماتي دخلت المطبخ ورايا، قلعت غويشتين دهب وحطتهم على الرخامة، ووقفت تتفرج عليا وأنا بغسل الأطباق.

قالت وهي بتعدل شعرها قدام المراية اللي في الممر على فكرة يا ندى.. الحركة بتاعة الفرن دي، أنا طفيته عشان حسيت ريحة شياط طالعة منه وأنا معدية.. قلت أحسن الأكل يتحرق وتتفضحي قدام الناس.. أنا كنت بنقذك مش أكتر.

رحت قافلة الحنفية بشويش، ومسحت إيدي بالمفارش، ولفتلها. بصيت في عينيها بثبات لأول مرة من تمن شهور. مكنتش خاېفة، ومكنتش متوترة.

قلت بصوت واطي ومريح جداً عارفة يا طنط؟ أنا مصدقاكي طبعًا.. أصل مستحيل واحدة في سنك ومقامك تعمل حركة زي دي بالقصد عشان تبوظ فرحة ابنها في عيد ميلاده.. صح ولا أنا غلطانة؟

الكلمة نزلت عليها زي المية الساقعة. وشها ألوانه اتغيرت، والابتسامة المزيفة اختفت تمامًا.

قالت بنبرة حادة بس متدارية قصدك إيه يا ندى؟ إنتِ بترميني بالتهمة ولا إيه؟

قلت وأنا برجع أغسل الكوبايات ببرود أبداً يا طنط! أنا بقول إنك أرقى وأكبر من الحركة دي.. وعشان كده أنا واثقة إن أي حاجة بتحصل في البيت ده بتبقى مجرد صدف ومفهومة غلط.. بس بوعدك، من هنا ورايح، أنا هخلي بالي كويس أوي من كل الصدف دي.

سابت المطبخ وخرجت وهي بتهبد رجلها في الأرض، ومن اللحظة دي.. خطتي بدأت تترسم في دماغي.

سارة صاحبتي كانت قالتلي الناس دي بتلعب على عامل التشكيك، بتخليكي تشكي في عقلك لحد ما تتصنفي مچنونة أو نكادية قدام جوزك. الحل الوحيد إنك تقلب السحر على الساحر.. من غير ما تفتحي بؤك بكلمة العياط أو الشكوى لأحمد.

بدأت أطبق الخطة من تاني يوم الصبح.

حماتي متعودة تقوم الساعة تمانية الصبح، تشرب قهوتها السادة في البلكونة وهي بتسمع إذاعة القرآن الكريم، وبعدين تدخل المطبخ تحضر فطارها المفضل بيض بسبسطرمة وجبنة بيضا بالنعناع.

أنا قمت الساعة سبعة. دخلت المطبخ بهدوء شديد.

شلت علبة النعناع الناشف اللي بتحب تحطه على الجبنة، وحطيت بداله ريحان مطحون شبهه بالظبط بس طعمه وشكله مختلف في الأكل.

وشلت البرطمان بتاع السكر اللي بتحط منه نُقطة على القهوة السادة هي بتحب القهوة على ريحة السكر، وحطيت بداله ملح ليمون ناعم جدًا زي السكر الناعم بالظبط!

أنا مكنتش بؤذيها، أنا كنت بديها من نفس الكأس اللي شربتني منه تمن شهور.. كاس السهوكة والأخطاء العفوية.

خرجت وقعدت في الصالون باللابتوب بتاعي كأني بشتغل.

طلعت حماتي من أوضتها، دخلت المطبخ بثقة، عملت قهوتها، وحضرت طبق الجبنة، وخرجت تقعد في البلكونة.

كنت مراقباها من انعكاس الإزاز بتاعة النيش.

أول ما أخدت بق القهوة..

وشها انكمش بشكل فطسني من الضحك مكتوم! تفّت القهوة في المنديل بسرعة ووشها احمر.

وبعدين أخدت لقمة جبنة بالريحان.. كشرت وعينيها وسعت باستغراب شديد، بدأت تقلب في الطبق كأنها بتدور على كائن غريب.

خرجت من البلكونة ماسكة فنجان القهوة وطالعة عليا في الصالون، وشها جمر ڼار.

ندى! إنتِ عملتي إيه في السكر والنعناع؟

بصيتلها بمنتهى البراءة، نزلت النظارة الطبية على مناخيري وقلت بصوت حنون إيه ده يا طنط؟ خير في إيه؟

قالت بعصبية القهوة طعمها أستغفر الله العظيم يقطع الخلَف! والنعناع طعمه زي الشجر المكربن!

قمت وقفت بسرعة، وبصيتلها بأسف واهتمام ظاهر جداً يا خبر! معقولة؟ وريني كده يا طنط؟

دقت القهوة وعملت نفسي متفاجئة يا لهوي! ده فعلاً ملح ليمون! يا خبر ابيض عليا يا طنط.. أنا آسفة



جداً! أصل بالليل وأنا بنظف المطبخ بعد العزومة، العلب اتلخبطت مني وأنا برتب الصفاية.. معلش حقك عليا، أنا بجد محشورة في الشغل ومش مركزة خالص.. جلّ من لا يسهو يا حبيبتي، دي غلطة عبيطة زي الشراب الأحمر اللي دخل الغسالة بالظبط فاكرة؟

حماتي وقفت تتنحلي. الجملة الأخيرة نزلت عليها زي الصاعقة. هي فهمت.. فهمت إن السهو ده مش عفوي، وإن الحړب المفتوحة بدأت، بس مكنش عندها أي دليل يمسك عليا غلطة. لو راحت اشتكت لأحمد، هيقولها يا ماما ندى بتتأسفلك وتقولك اتلخبطت وهي بتنظف بعد عزومتي، كبر مخك!

سابتني ودخلت أوضتها وقغلت الباب وراها بتكة عالية.

بس القصة مخلصتش هنا.. بالعكس، دي كانت مجرد تسخين.

بعدها بيومين، أحمد كان مسافر في مأمورية شغل لمدة تلات أيام في الإسكندرية.

البيت فضي عليا أنا وهي.

كنت عارفة إنها هتنتهز فرصة غياب أحمد عشان تردلي الصاع صاعين، أو تعمل حركة تخلي أحمد لما يرجع يلاقيني عاملة مشكلة أو مبهدلة البيت.

وفي اليوم الثاني من سفر أحمد، صحيت الضهر على صوت دربكة جامدة في المطبخ.

طلعت أستكشف، لقيت حماتي نقلت كل أواني الطبخ والصواني وحطتهم على الأرض، وبتقلب المطبخ رأسًا على عقب.

قلت بهدوء خير يا طنط؟ بتعملي إيه؟

بصتلي وهي بتنهد بتعب متصنع وقالت أصل المطبخ مش عاجبني نظافته يا ندى.. النمل مالي الدُرف، وأنا قلت أعمل حملة نظافة شاملة بدل القعدة دي.. أصل إنتِ طبعًا عشان شغالة مابتاخديش بالك من التفاصيل الصغنونة دي، وأنا مقدرش أعيش في بيت مش نظيف.

المطبخ كان فل، وأنا متأكدة إن مفيش نملة واحدة. هي كانت بتعمل الحركة دي عشان تكركب المطبخ وتسيبهولي ألمّه وأغسله، أو تبهدل الدنيا وتتهمني بالإهمال لما أحمد يرجع.

شفت الأطباق المرمية، وعرفت إنها قررت تلعب على المكشوف وعالي السكيك.

ابتسمت ابتسامة عريضة جداً وقلت لها يااااه يا طنط! والله عندك حق! البيت ده فعلاً محتاج إعادة ترتيب شاملة.. مش بس المطبخ، ده كمان النيش وأوضة الخزين وكراتين الهدوم القديمة اللي تحت السرير عندك فوق!

حماتي بصتلي بحدة قصدك إيه؟

قلت وأنا بشمر أكمام بلوزتي بكل نشاط وحماس غير متوقع أنا بقول نستغل غياب أحمد، ونعمل حملة چنونية على البيت كله.. من أول أوضتك لحد الصالون! يلا بينا يا طنط، أنا هساعدك تنزلي كل حاجة من أوضتك وننظفها بالمرة، ده إحنا كنزنا هيبقى دهب!

وش حماتي بدأ يتغير.. هي مكنتش متوقعة الرد ده. كانت فاكراني هزعل أو هتحسبن وأدخل أوضتي.

دخلت أوضتها بسرعة ووقفت في نصها، وبدأت أشد الصناديد والكراتين القديمة اللي كانت مخبياها تحت سريرها بقالها سنين وهي بتقول بلهفة وتوتر لا لا يا ندى! أوضتي خط أحمر، محدش يدخلها ولا ېلمس حاجتي!

لكن أنا مكنتش ناوية أقف. وأنا بمد إيدي تحت السرير أساعدها أطلع أول كرتونة بصرامة ونشاط.. إيدي خبطت في علبة معدن صغيرة مخفية ورا السرير، المفيش حد يوصلها بالصدفة.

العلبة وقعت لاتنين، واتفتحت على الأرض..

واللي شفته جوه العلبة دي.. كان الشيء اللي يقلب الموازين كلها، وينهي اللعبة دي للابد!


حماتي بوظتلي حياتي ج2

حكايات ضحي

العلبة وقعت على الأرض بصوت رنة معدن حادة، واتنطرت الحاجات اللي جوة منها على السيراميك.

حماتي شهقت بصوت طالع بالعافية، ووشها اتخطف وبقى لون الصبورة.. بيضار خالص ومفيش فيه نقطة ډم. رميت نفسها على الأرض بسرعة مچنونة كأنها بتصطاد فراشة، وبدأت تلم الحاجات وهي بتترعش من فوق لتحت. بس أنا عيني كانت أسرع منها.. أسرع بكتير.

اللي وقع من العلبة دي مكنش مجوهرات ولا فلوس..

كان ألبوم صور قديم صغير.. ومجلة مقصوصة.. ومفتاح غريب.. ورتوش مفاتيح عربية.. والأهم من ده كله أظرف جوابات متقفلة، مكتوب عليها من برة اسم أحمد بخط كوفي قديم، بس الأظرف دي عمرها ما اتفتحت!

أوعي تلمسي حاجة! صړخت فيا بصوت طالع مكسور ومبحوح، وبصتلي بعيون مليانة خوف حقيقي.. مش تمثيل المره دي.. مكنتش نظرة الست الخبيثة اللي بتدبر مقلب، دي كانت نظرة ست خاېفة إن سقف البيت يقع على دماغها.

قعدت على ركبتي قدامها بهدوء شديد، ورفعت إيدي ومسكت طرف ظرف من الأظرف اللي كانت لسه واقعة جنب رجلي قبل ما إيدها تطوله.

بصيت للظرف بتركيز، قريت التاريخ المكتوب على الختم اللي عليه 2018.

تاريخ من تمن سنين.. يعني قبل ما أنا أعرف أحمد بسنتين، وقبل ما نتجوز بأربع سنين!

حماتي مسكت إيدي وهي بتلهث هاتي الجواب يا ندى.. هاتي الجواب الله يخليكي، دي حاجات شخصية ملهاش دعوة بيكي ولا بأحمد دقتي.. هاتيها بدل ما أعرف أحمد إنك بتفتشي في خصوصياتي!

ابتسمت ابتسامة باردة جداً، وبصيت في عينها بثبات وقسۏة أول مرة أحسهم جوايا.

تفتشي؟ قلتلها بصوت واطي ومسموع بصعوبة، أنا مكنتش بفتش يا طنط.. إنتِ اللي طلبتي ننظف البيت، وإنتِ اللي قلتي المطبخ والأوضة محتاجين حملة.. ولا نسيتي النمل اللي كان مالي الدُرف من شوية؟

سحبت الجواب من بين صوابعها الضئيلة بالراحة بس بقوة، ووقفت على حيلى. حماتي قامت ورايا بتترعش، وجات تمد إيدها تاخده مني، لكن أنا بعدت خطوة لوراء ورَفَعت الجواب لفوق.

قلت بجمود الجواب ده مكتوب عليه اسم أحمد يا طنط.. ومعمول عليه ختم بوسطة قديم.. والخط ده أنا عارفاه كويس.. ده مش خطك.. ده خط حمايا الله يرحمه.. صح؟

عينيها وسعت وأخدت نفس سريع ومكتوم، وماردتش. سكتت خالص، ورجليها مكنتش شايلاها فقعدت على حرف السرير وهزت رأسها بضعف، وشكلها اتغير 180 درجة من الست القوية المتحكمة لست ضعيفة ومزنوقة في زنقة العمر.

حمايا المټوفي من عشر سنين.. باعت جواب لأحمد من تمن سنين؟ إزاي بقى؟ سألتها وأنا بحرك الظرف بين إيديا.

ده.. ده جواب قديم.. ملهوش قيمة.. قالتها بصوت مړعوپ، أنا نسيت أحطه في ژبالة زمان.. هاتي يا ندى وماتعمليش مشكلة من مفيش، أحمد لو شاف العلبة دي هيزعل..

هيزعل مني؟ ولا هيزعل منك إنتِ؟ قاطعتها فوراً پعنف هادي.

فتحت الظرف بسرعة قبل ما تستوعب الحركة. حماتي حاولت تقوم تمنعني، بس أنا لفيت ضهري ليها وطلعت الورقة الأصفر القديمة المطوية جوة الظرف. وقريت.. قريت السطور الأولى، وكل كلمة كنت بقراها كانت بتنزل على دماغي زي المطرقة، بتفك كل الألغاز اللي كنت مستغربة لها من يوم ما دخلت البيت ده!

الجواب كان من عم أحمد.. شقيق أبوه المټوفي، اللي أحمد طول عمره بيكرهه وبيقول عليه إنه راجل أناني أكل حق أبوه وسافر الخليج ومسألش عنهم!

وفي الجواب، العم كان بيكتب لأحمد

يا ابن أخي أحمد.. أنا تبعتلك مع الجواب ده نصيبك في ورث أبوك من بيت العيلة القديم بعد ما بعناه، وعملتلك وديعة باسمك في البنك.. وحاولت أكلمك كتير على




تليفونك القديم لقيته مقفول، وأمك قالتلي إنك مش عايز تتكلم معايا ورافض تاخد الفلوس لأنك زعلان مني.. بس أنا بريء يا ابني من الكلام اللي أمك بتقولهولك عني.. أنا عمري ما أكلت حق أخويا الله يرحمه، والفلوس دي حقك وشقا أبوك، وادي رقم الحساب والوديعة..


أول ما قريت الكلام ده، أخدت نفس طويل والشهقة وقفت في زوري.

بصيت لحماتي اللي كانت قاعدة على السرير ودموعها نازلة على خدها بقلة حيلة.

المكعبات كلها اترصت قدام عيني في ثانية واحدة!

أحمد كان فاكر إنه فقير ومحيلتوش حاجة، وأنه محتاج يصرف على أمه من مرتبه الصغير، وعشان كده مكناش قادرين نجيب مقدم الشقة واضطرينا نيجي نعيش معاها!

حماتي كانت مخبية عليه الورث ده كله السنين دي كلها! كانت عايشة على مرتب أحمد، وعايزاه يفضل تحت طوعها، محتاج لشقتها ومحتاج لرضاها، لأنها لو اعترفت بالفلوس دي، أحمد كان هيشتري شقة ملكه من تمن سنين، وكان هيستقل بحياته ويعيش بعيد عن تحت جناحها!

وهي كانت مړعوپة إن أي ست تدخل حياته.. تأخده منها، أو تفهم السر ده! وعشان كده أول ما أنا جيت وقربت أخليه يجمع مقدم الشقة بإيجارنا وتوفيرنا، بدأت تطردني بطريقة خبيثة وتطفشني وحبات المعافرة اللي كنت بعفرها كانت بتهدها بالمكائد الصغيرة.. عشان يفضل أحمد عاجز، ويفضل جوة الشقة دي.. معاها هي وبس!

إنتِ.. قلتهالها وأنا مش مصدقة حجم الخبث والأنانية، إنتِ حرمتي ابنك من حقه؟ حارماه يعيش مرتاح؟ حارمانا نعمل بيت ونستقر عشان تفضلي مسيطرة عليه؟

قامت حماتي من على السرير، وجات ناحيتي ودموعها نازلة، ومسكت إيدي بتوسل حقيقي لأول مرة

يا ندى.. افهميني الله يخليكي! أنا معنديش غيره في الدنيا دي! أبوه ماټ وسابني وأنا صغيرة.. أحمد هو كل حياتي، هو عيني اللي بشوف بيها! لو كان أخد الفلوس دي زمان كان استقل وعاش بعيد عني ومشي وسابني لوحدي في البيت الواسع ده! أنا كنت بخاف من الوحدة.. كنت بخاف ييجي يوم ويتجوز وتسحبوه مني ويمشي!

بصيتلها بقرف شديد وقسۏة تقومي تدمريه؟ تقومي تخليه يشتغل شغلانتين وتسهريه لحد نص الليل عشان يكفي إيجار ومصاريف، وأنتِ معاكي ثروة باسمه مخبياها؟ تقومي تبوظيلي أليلي وحياتي وتخليني أشك في عقلي ونفسي عشان تطفشيني؟ دي مش أمومة يا طنط.. دي أنانية وم مرض نفسي!

وقعت على ركبها قدامي وبدأت ټعيط باڼهيار والنبي يا ندى متقوليلوش.. أحمد لو عرف هيسيب البيت ومش هيرجعلي تاني! هيتكرهني طول عمره! أحمد طيب وبيحبني.. لو عرف إن أنا اللي عملت كده وإن عمة مش شرير زي ما فهمته.. هيدمر! أوعدك هعملك كل اللي أنتِ عايزاه.. هسيبلك المطبخ، مش هتدخل في حياتكم، هجيبلك أحسن عفش، بس متقوليش لأحمد!

وقفت في نص الأوضة، ماسكة الجواب في إيدي، والعلبة المعدن تحت رجلي.

سارة صاحبتي كانت قالتلي الناس دي دايمًا في الآخر بتغلط غلطة كبيرة.

وفعلاً.. الغلطة دي مكنتِش مجرد طفي فرن أو شراب أحمر في الغسالة.. دي كانت جبل من الكذب عايش عليه جوزي بقاله تمن سنين.

رنت تلفوني قطعت السكوت المالي الأوضة.

بصيت على الشاشة.. كان أحمد.

حماتي برقت عينيها وهي على الأرض، ورفعت إيديها بتترجاني باللغة المباشرة لا يا ندى.. عشان خاطر ربنا لا.

رديت على التليفون، وعملت السبيكر على المايك عشان هي تسمع..

صوت أحمد جالي من الناحية التانية، كان باين عليه التعب والإرهاق من السفر والعمل

ألو.. إزيك يا ندى؟ إنتِ كويسة يا حبيبتي؟ أمي كويسة؟

تنحت ثواني.. بصيت لحماتي اللي كانت بتشهق من غير صوت ومغطية وشها بإيديها واستنيت.

مخي



كان شغال بسرعة 200 كيلو في الساعة.

لو قلت لأحمد دلوقتي على التليفون.. البيت ده حيهرب، أحمد هيتكسر قلبه في أمه، وهتيجي حالة اڼهيار وعاصفة مش هتعرف تطلع منها. ولو سكت.. هكون بظلم جوزي وبسيب حقه ضايع، وهفقد الكارت الوحيد اللي هيحررنا من السچن ده.

ابتسمت ابتسامة داهية.. وعرفت بالظبط أنا هعمل إيه.

قلت بصوت مبهج وناعم جداً على التليفون

ألو يا حبيبي.. الحمد لله إحنا كويسين جداً! أنا وماما بننظف البيت وجمب بعض أهو.. بنحضرلك مفاجأة حلوة أوي أول ما ترجع بالسلامة.

أحمد قال بصوت مفاجأ ومبسوط مفاجأة؟ مفاجأة إيه يا ندى؟

بصيت لحماتي في عينها وهي رفعت رأسها بذهول ومش مصدقة إني مقلتش.

قلت لأحمد لما ترجع بكرة بليل من السفر هتعرف يا حبيبي.. المفاجأة دي هتقلب حياتنا كلها للأحسن.. ادعي بس ربنا يوفقنا. توصل بالسلامة يا قلبي.

قفلت الخط مع أحمد.

حماتي فضلت قاعدة على الأرض وبتبصلي باستغراب شديد كأنها شايفاني كائن فضائي.. مكنتش فاهمة أنا ليه مقلتش وليه أنقذتها في اللحظة دي.

قربت منها، ووطيت لغاية مستوى وشها، وحطيت الجواب جوة جيب روبي، ومسكت العلبة المعدن وأخدتها في إيدي.

قلت بصوت واطي ومحسم جداً، زي الموس اللي بيقطع في الحرير

أنا مقلتش لأحمد في التليفون يا طنط.. مش عشان خاطرك، ولا عشان خاېفة منك.. أنا مقلتش عشان أحمد يرجع يلقانا متفقين على كل حاجة بالهدوء.

حماتي بلعت ريقها بالعافية متفقين على إيه؟

ابتسمت وقلت

بكرة الصبح الساعة تسعة.. إنتِ وأنا هننزل نروح البنك اللي فيه الحساب والوديعة دي. هتحولي كل الفلوس والوديعة باسم أحمد رسمي بدون ما يعرف إنتِ جبتيها منين دلوقتي، وهتعمليلوا تنازل عن حقك في الشقة دي أو تديله الفلوس يعمل بيها الشقة اللي هنسكن فيها.. وهتقوليلوا إنك كنتِ شايلاله المبلغ ده مفاجأة لعيد ميلاده وداخراها طول السنين دي عشان يشتري بيها شقته الخاصة!

حماتي بصتلي بذهول إيه؟!

كملت ببرود أشد

أيوة.. هتمثلي دور الأم العظيمة اللي كانت شايلة القرش الأبيض لليوم الأسود لبنها.. وأحمد هيشوفك بطلة، وهيفضل يحبك ويحترمك طوال عمره ومحش هيدمر صورنك قدامه.. وفي نفس الوقت، أنا وأحمد هناخد فلوسنا وحقنا، وهنشتري شقتنا ونمشي نعيش في حالنا بعيد عن هنا.

حماتي وقفت بسرعة وهي حاسة بالصدمة وإذا رفضت؟

طبطبت على جيب روبي اللي فيه الجواب الأصل ورقم الحساب والجوابات التانية

لو رفضتي يا طنط.. بكرة أول ما أحمد يدخل من الباب، هحط العلبة دي والجوابات دي في إيده.. وهخليه يمتنع عنك ويقرا بلسانه إنك خبيتي عليه ورثه وتعب سنينه عشان تفضلي قفلة عليه في شقة إيجار، وإنك كنتِ بتطفشيني عشان يفضل جمبك.. وساعتها أحمد هو اللي هيختار بنفسه يسامحك ولا يمشي وما يرجعش تاني أبداً.

قعدت حماتي على حافة الكنبة، مصډومة ومکسورة.

أنا مكنتش عايزة أخرّب بيت جوزي أو أصدمه في أمه صدمة عمره اللي ممكن تخليه يتكسر.. لكن في نفس الوقت، مكنتش ناوية أطلع من المعركة دي خسرانة، ولا أسيب حقه وحقي يضيعوا تحت شعار السهوكة والمكائد الخفية.

قلت وأنا بتجه لباب الأوضة بابتسامة نصر

جهزي لبسك يا طنط.. بكرة ورانا مشوار مهم أوي في البنك الساعة تسعة الصبح.. وعايزاكي تقوم كدة تكملي معايا تنظيف المطبخ، أصل النمل اللي في الدُرف ده.. بجد محتاج تنظيف جامد جداً!

خرجت من الأوضة وأنا حاسة إن الهوا بقى أخف، وإن الصبر اللي صبرته التمن شهور اللي فاتوا.. أخيرًا بدأ يجيب حقه بالكامل.

بس وأنا واقفة في الصالة وبحط العلبة في مكان أمين.. سمعت صوت تكة باب شقة حماتي بيتفتح بشويش



جداً من برة.. رغم إن أحمد مسافر، ومافيش حد تاني معاه مفتاح الشقة غير..!

اتحجّرت في مكاني، وإيدي جمدت على العلبة المعدن.

صوت المفتاح وهو بيلف في الكوالين بالبطيء الشديد كان كفيل يخلي شعر جسمي يقف. أصل مين اللي معاه مفتاح الشقة دي غير أحمد اللي مسافر إسكندرية؟ أو حماتي اللي واقفة ومسمّرة في أوضتها ورايا؟

سحبت العلبة بسرعة وحطيتها جوة الدولاب المفتوح في الصالة، وغطيتها بقميص لأحمد، ولفت بجسمي كله ناحية الباب وأنا ماسكة مقشة خشب كانت جنب الرخامة.

الباب اتفتح بالراحة… وظهر منه خيال راجل طول بعرض، لابس قميص كحلي وبنطلون جينز ومسك شنطة سفر صغيرة في إيده.

أول ما النور أخد وشه… أخدت نفس طويل والدم رجع في عروقي تاني.

ده أحمد!

أحمد؟! صړخت بصوت واطي ومصعوق، إنت إيه اللي جابك دلوقتي؟ مش قلت مسافر الإسكندرية وراجع بكرة بالليل؟!

أحمد دخل وهو بينهج، رمى الشنطة على الأرض ومسح العرق من على جبهته، وابتسم ابتسامة تعبانة بس مليانة حنية المأمورية اتلغت يا ندى.. وصلنا طنطا والشركة بلغت المعاينات اتأجلت للأسبوع الجاي. رجعت مع السواق فوراً… قلت أرجع أريح في بيتي بدل الپهدلة، وكمان عشان ألحق أكون معاكي ومع ماما.

في اللحظة دي، حماتي خرجت من أوضتها زي الأشباح. وشمها كان أصفر زي الليمونة، وعينيها بتتنقل بيني وبين أحمد پصدمة وړعب حقيقي. هي كانت عارفة إن لو أحمد دخل الأوضة دي قبل ما نعمل اتفاق البنك.. العلبة دي لو اتكشفت هتبقى نهايتها!

أحمد؟! يا حبيبي.. ح.. حمد الله على السلامة يا ابني! قالتها وهي بتتأتأ ورجليها بتخبط في بعض.

أحمد بص لأمي باستغراب، وبعدين بصلي في إيه يا جماعة؟ مالكم مبوزين ومبهوقين كدة كأنكم شفتوا عفريت؟ وبعدين إيه كراكيب المطبخ والصالة دي كلها؟ إنتوا بتنقلوا ولا إيه؟

قربت من أحمد بثبات، وحطيت إيدي على كتفه، وبصيت لحماتي بطرف عيني.. نظرة واحدة كانت كفيلة تفهمها إن مستقبلها وعلاقتها بابنها واقفة على شعرة.. وعلى الحركة اللي هتعملها دلوقتي.

قلت بابتسامة هادية جداً أبداً يا حبيبي.. أصل ماما كانت بتفكر في حاجة مهمة أوي، وكانت لسه بتستشيرني فيها قبل ما إنت تدخل بفص ملح وتسيح.

أحمد بص لأمه باهتمام خير يا ماما؟ حاجة إيه؟ إنتِ تعبانة ولا حاجة؟

حماتي بلعت ريقها بالعافية، وعينيها جابت مية.. كانت محصورة في أضيق زاوية في حياتها. لو أنكرت، أنا هطلع العلبة والجوابات قدام أحمد في ثانية. ولو وافقت، هتضطر تتنازل عن كل حاجة كانت مخبياها السنين دي كلها.

ربعت إيدها ورفعت راسها بصعوبة، وقالت بصوت مكسور ومحششر لا يا ابني.. أنا بخير. أنا بس.. كنت بنظف الأوضة وبدور في كراكيب أباك الله يرحمه.. ولقيت.. لقيت حاجة تخصك.

أحمد حواجبة اتقفلت باستغراب حاجة إيه دي يا ماما؟

حماتي بصتلي بكسرة وندم، وبعدين ردت على أحمد وهي بتداري دموعها أبوك.. الله يرحمه، كان شايلك قرشين زمان مع عمك.. قرشين ورث من بيت العيلة. عمك بعتهم من فترة طويلة على هيئة وديعة باسمك في البنك، وأنا.. أنا كنت مخبية عليك الموضوع ده.

أحمد تنّح، وعينيه اتوسعت بذهول مش طبيعي وديعة؟ باسمي أنا؟ من عمي؟! إزاي يعني يا ماما؟ إنتِ مش قلتِلي إن عمي أكل حقنا وسافر ومسألش فينا من يوم ۏفاة أبا؟!

هنا حماتي نزلت راسها في الأرض وبدأت ټعيط بجد.. دموع خلطة بين الخۏف والذنب والفضايح.

وقالت بصوت واطي أنا كنت خاېفة يا أحمد! كنت خاېفة تاخد الفلوس دي وإنت صغير وتجري وتسيبني.. كنت فاكرة إن الفلوس دي هي



اللي هتبعدك عني وتخليك تستغنى عن أمك! أنا عشت عمرها كله أخدمك وأربيك، وشفت الوحدة بټموتني بعد أبوه.. فخفت! بس ندى.. ندى لما لقيت الأوراق معايا النهاردة، فتحت عيني وعرفتني إن اللي بعمله ده غلط وأناني، وإن الحق لازم يرجع لأصحابه.

أحمد كان واقف في نص الصالة كأنه مقتول پصدمة عمره. بص لأمه ومش مصدق، وبعدين بصلي أنا.

كان في عينيه ألف سؤال وسؤال إزاي أمه تعمل فيه كدة؟ إزاي تخبيه عن الحق ده كله وتسيبه يطحن في الشغل شغلانتين ويحسب القرش بالمليم عشان إيجار الشقة؟ إزاي تخليه يكره عمه ويزعل منه السنين دي كلها؟!

أحمد قرب من أمه بصوت مليان ۏجع ليه يا ماما؟ ليه تعملي معايا كدة؟ أنا عمر قصرت معاكي؟ أنا كنت باكل اللقمة ناشفة عشان أرضيكي! تسبيني ألف حوالين نفسي وأقول مش عارف أعمل بيت ولا أستقر، وأنتِ معاكي حق أبوي ومخبياه؟!

حماتي اترمت على الكنبة وبكت باڼهيار حقك عليا يا ابني! سامحني يا أحمد.. أنا جاهلة وغبية والخۏف عماني! أنا مستعدة أروح معاك البنك الصبح وأديك كل مليم، والبيت ده كمان اكتبه باسمك لو عايز.. بس بلاش تكرهني يا ابني! بلاش تمشي وتسبني!

البيت كله كان ساكت، مفيش غير صوت شهقات حماتي.. وأحمد واقف زي الصنم، حاسس بكسرة النفس والخذلان من أقرب إنسانة ليه.

في اللحظة دي.. أنا كان ممكن أسيبه ياكل فيها، وكان ممكن أزيد الڼار بنزين وأفكر بأيام المالح والشراب الأحمر والفرن المطفور. بس أنا بصيت لأحمد.. شفت راجل بېموت من الجوا. أحمد مش وحش، أحمد كان ضحېة لعبة أكبر منه، ولو سيبت أمه تتكسر قدامه بالشكل ده بالكامل، الچرح ده عمره ما هيلم بينه وبينها، والبيت ده هيتحول لخړابة مليانة كره.

قربت من أحمد بالراحة، ومسكت إيده بجمود وحنية في نفس الوقت.

قلتله بصوت هادي ومسموع أحمد.. ماما غلطت، وغلطت غلطة كبيرة أوي كمان.. بس هي اعترفت، وقالتلك الحقيقة قبل ما الفوات يفوت. الخۏف أوقات بيخلي البني آدم يعمل أفعال مچنونة وغير منطقية.. المهم إن الحق يرجع، وإننا نتعلم من اللي حصل.

أحمد بصلي بعيون مليانة دموع وحيرة إنتِ زعلانة يا ندى؟

ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت أنا كنت زعلانة ومحتارة يا أحمد.. بس دلوقتي أنا مرتاحة. عشان عرفت إن ربنا ما بيضيعش حق حد، وإن الصبر دايماً بيجيب فرج.

بص أحمد لأمه اللي كانت قاعدة مستنية حكمه عليها كأنها مستنية إعدام. أخد نفس طويل جداً، مسح وجه بإيده، وقال بنبرة حازمة ومفيهاش تهاون

بكرة الصبح يا ماما.. هنروح البنك. كل الفلوس دي هتنزل في حسابي، ومن بكرة هبدأ أتدور على شقة ملك لينا أنا وندى.. شقة بعيدة عن هنا، ونستقر فيها. الشقة دي هتفضل باسمك وقاعد فيها معززة مكرمة، ومصاريفك هتجيلك لحد عندك.. بس أنا وندى لازم نعيش حياتنا ويكون لينا استقلالنا الكامل.. من غير أي تدخل، ومن غير أي ألاعيب.

حماتي هزت راسها بموافقة متلهفة وهي بتمسح دموعها موافقة يا ابني.. موافقة على كل اللي تقوله، أهم حاجة ترضى عني وما تزعلش.

تاني يوم الصبح.. الساعة كانت تسعة بالظبط.

كنا واقفين في البنك.. حماتي، وأحمد، وأنا.

الإجراءات تمت بكل هدوء. الوديعة بالفوائد اللي تراكمت على مدار السنين دي كلها اتنقلت باسم أحمد. المبلغ مكنش قليل خالص.. كان مبلغ يكفينا نشتري شقة تمليك محترمة في مكان راقي، ونفرشها بأحسن عفش، ويفضل معانا قرشين نأمن بيهم مستقبلنا.

خرجنا من البنك، وأحمد حاسس إن في جبل انشال من على صدره. بصلي

على باب البنك ومسك إيدي بقوة وقال شكراً يا ندى.. شكراً إنك كنتِ عاقلة، وإنك حافطتِ على البيت وعلى أمي رغم كل حاجة.

ابتسمتله وقلت أنا حافظت على حقي وحقك يا أحمد.. وده أهم حاجة.

بعد شهرين بالظبط..

كنت واقفة في بلكونة شقتنا الجديدة.. شقة واسعة يدخلها الشمس من كل ناحية، والعفش جديد وريحته خشب ونظافة. مفيش فرن بيتقفل بالخباثة، مفيش غسيل بيتبوظ بقطعة شراب، ومفيش شوربة بتتملح ورايا.

أحمد كان قاعد في الصالون بيراجع أوراق شغله وهو مبسوط ومرتاح، وحماتي.. بقينا نزورها كل نهاية أسبوع. بقت بتستقبلني بالأحضان، وتبوس إيدي، وتقدم لي أحسن الأكل اللي بتعمله بنفسها، بقت بتعملي ألف حساب وحساب.. مش خوف بس، لكن احترام للأدب والثبات والذكاء اللي أدركت إنه عندي.

سارة صاحبتي كلمتني في التليفون وقالتلي بضحك ها يا ندى.. إيه أخبار الدرس اللي أديتيه لحماتك؟

ضحكت بصوت عالي وقلت لها وأنا بتبص على غروب الشمس من بلكونة بيتي الملك

الدرس كان قاسې يا سارة.. بس علم الجميع إن الحق مهما استخبى ورا الكواليس، بييجي اليوم اللي بيطلع فيه للنور.. وإن الست الشاطرة مش هي اللي بتصرخ وتعمل مشكلة، الست الشاطرة هي اللي بتعرف إمتى تسكت.. وإمتى ټضرب ضړبتها صح!


أنت الان في اول موضوع

تعليقات

close