القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

دايما خطيبى يسئلنى جايبه ايه فى جهازك كامله بقلم روماني مكرم

 دايما خطيبى يسئلنى جايبه ايه فى جهازك




بقلم روماني مكرم 

دايما خطيبى يسئلنى جايبه ايه فى جهازك وفى يوم بيسئلنى عن الملابس والمفروشات قولتله جايبة 45 قميص نوم و30بجامة شتوى وصيفى و30جلابية شتوى وصيفى،


و15 دستة فوط و25مفرش سرير ده غير ملابس الخروج بعدها قالى بس كده مفيش مفروشات تانى قولت اه بس


تانى يوم قال انا سئلت ماما قالتلي”لا طبعا، ده قليل جدا


دى كده مش جايبه حاجه


رديت وقولت واحنا جبنا الى نقدر عليه قلتلها، قالتلي: ومش هجيب حاجه تانى انا جايبه كفايتى وزياده


قالى انا حاسس انكم جايين عليا والمفروشات دى قليله جدا وكده ظالمينى ازاى 25مفرش سرير بس


قولتله ليه هو 25مفرش سرير قليل ليه انت بتعمل حمام على السرير وله ايه


 


كنت قاعدة في الصالون، ماسكة كشكول خطي وبقلب في ورقة فلوسكاب عريضة كتبت فيها كل كبيرة وصغيرة للعروسة، بحسب وبراجع المصاريف اللي أهلي اتكلفوها عشان يستروني ويرفعوا راسي.


خطيبي “أحمد” كان قاعد قصادي في الصالون، ماسك كوباية الشاي وبيمصمص في شفايفه وهو بيبص حواليه على أكياس الجهاز، دايماً شاغل باله بالموضوع ده بشكل مستفز وموتر. مفيش قعدة تجمعنا في بيتنا إلا ولازم يسألني بتفحص ودقة غريبة: “ها يا نور، جبتي إيه جديد؟ ماما كل شويه تسألني عشان يرتبوا مع بعض ونشوف ناقصكم إيه وما تقصروا في حاجة.”


في اليوم ده، كان أحمد قاعد معايا وبيسأل بفضول أزيد من اللزوم، ونبرة صوته كان فيها استجواب غريب وكأنه مفتش جمارك جاي يراجع ورايا. بصلي وقال بثقة: “بقولك إيه يا نور، خلينا نتكلم بصراحة.. قوليلي بالضبط جبتي إيه في ملابسك والمفروشات؟ عشان أمي حابة تعرف التفاصيل بالملي.”


أنا رديت عليه بكل بساطة وطيبة قلب، وقلت أحسبله الحسبة عشان يرتاح ويطمن وأرفع حرجه قدام أهله، فقلتله:


— بص يا سيدي عشان تريح بالك وتريح طنط.. أنا جبت 45 قميص نوم، و30 بجامة شتوي وصيفي، و30 جلابية شتوي وصيفي، و15 دستة فوط، و25 مفرش سرير، ده غير طبعاً ملابس الخروج ومستلزمات المطبخ والحمام والستائر.


سكت أحمد وهو حاطط كوباية الشاي على الترابيزة بالراحة، والسكوت طول بينّا كأنه بيفكر في معضلة رياضية معقدة. حط رجل على رجل، وبصلي بصه غريبة فيها استخفاف وبرود غير متوقع بالمرة، وقال:


— بس كده؟ مفيش مفروشات تاني؟


أنا اتسمرت مكاني واستغربت جداً من طريقته، حسيت بنغزة في قلبي ومبقناش فاهمة هو بيتكلم بجد ولا بيهزر، فرديت عليه بتلقائية ودهشة:


— أه بس يا أحمد! هي دي حاجات قليلة ولا إيه؟ ده البيت عندنا مقلوب ومبقناش عارفين نمشي في الشقة من كتر الكراتين والأكياس، وأمي صحتها اتأهدت من لف الأسواق!


قام وقف ووشه مشاجر، وأخد بعضه ومشي وهو متضايق ومجهم. أنا فضلت قاعدة في مكاني حاسة بغصة في زوري، وتفكير بياكل في دماغي.. قلت يمكن خانها التعبير، أو يمكن أمه مفهماه غلط، بس قلبي مكنش مطمن.


مر اليوم بالعافية، وتاني يوم بالليل، جه أحمد يزورنا تاني وقعد معايا في الصالون، ونبرة صوته متغيرة تماماً، نبرة جافة وفيها حدة وتوتر يطير النوم من العين. ما استنّاش حتى أقدم له حاجة يشربها، وقال لي على طول بنرفزة وهو قاعد قصادي وش لوش:


— أنا سألت ماما على الأرقام اللي قلتهالي امبارح.. قالتلي “لا طبعا، ده قليل جدا! دي كده مش جايبة حاجة!”


دماغي وقفت من الصدمة، والدم هرب من وشي. بصيت ناحية الصالة على أمي اللي كانت معدية ومش فاهمة فيه إيه، وحاولت أتمالك أعصابي وأرد بأصول وعقل عشان مأكبرش المشكلة، فقلتله بنبرة هادية وبترجي:


— يا أحمد واحنا جبنا اللي نقدر عليه، وأهلي ما قصروش في أي حاجة كتر خيرهم وشايلين فوق طاقتهم في الظروف دي.


لكن أحمد ما هديش ولا قدر كلمتي ولا احترم تعب أهلي، وكمل ينقل كلام أمه بكل قسوة وبدون أي مراعاة لمشاعري:



— أنا قلت لماما كده، قالتلي: “ومش هجيب حاجة تاني؟ أنا جايبة كفايتي وزيادة!”


أنا كنت بسمع الكلام ده وأنا مش مصدقة إن ده الإنسان اللي هعيش معاه وبينّا أيام على الزفاف. جسمي كله بدأ يترعش من القهر والغيظ، لحد ما أحمد قرب مني، وبصلي بتحكم وقال الجملة اللي ولعت النار في قلبي وتخطت بيها كل حدود العقل والأدب:


#الكاتب_رومانى_مكرم_روميو


— بصراحة يا نورهان، أنا حاسس إنكم جايين عليا، والمفروشات دي قليلة جداً وكده ظالميني.. إزاي يعني 25 مفرش سرير بس؟!


هنا أنا فاض بي الكيل، والدم غلى في عروقي ووصل لقمة راسي، رميت الكشكول من إيدي على الترابيزة بقوة ووقفت في نص الصالون وزعقت بصوت هز البيت وطالع من وسط صدمتي وذهولي:


— ليه؟! هو 25 مفرش سرير قليل ليه؟! انت بتعمل حمام على السرير ولا إيه؟!


**الجزء الثاني**


وقفت الكلمات في حلق أحمد كأنها قنبلة انفجرت في وجهه دون سابق إنذار. تغيرت ملامح وجهه وتبدلت ألوانه بين الأحمر والأسود من شدة الصدمة والإهانة التي لم يتوقعها أبداً. كانت جملتي كالصفعة التي هزت أركان الصالون، صمت قاتل ساد المكان للحظات، لا يُسمع فيه سوى صوت أنفاسي المتسارعة التي كانت تعلو وتهبط من شدة الغيظ والقهر الذي تكبس في صدري طوال الأشهر الماضية.


كانت كلمة “بتعمل حمام على السرير ولا إيه؟” تدوي في أذنيه كالرعد. تنحنح أحمد وهو يحاول استعادة توازنه وهيبته المهدورة، وقام واقفاً ببطء، وعيناه تتطاير منهما شرارات الغضب الجاهل. لم يستوعب كيف لفتاة هادئة ومطيعة مثلي أن تجرؤ على التلفظ بكلمة كهذه في وجهه، هو الذي اعتاد أن يسمع مني كلمة “حاضر” و”نعم” لكل أفكاره وأفكار والدته التعسفية.


في تلك اللحظة بالذات، خرجت أمي من المطبخ على صوت الصراخ الذي هز جدران البيت، وعلى وجهها علامات الرعب والفزع. كانت تحمل بين يديها صينية العصير، ولما رأت منظري وأنا أقف مشدودة القامة، وعيناي مليئتان بالدموع والغضب، وأحمد الواقف أمامي بكبرياء مجروح، كادت الصينية أن تسقط من يديها. وضعتها بسرعة على أقرب طاولة وقربت منا بخطوات مرتجفة وهي تقول:


— في إيه يا ولاد؟ صلوا على النبي! صوتكم واصل لآخر الشارع ليه؟ في إيه يا أحمد؟ إيه اللي حصل يا نور؟


نظر أحمد إلى أمي بنظرة مملوءة بالتكبر والانتصار المزيف، وكأنه وجد فرصة ليشفي غليله مني ويقلب الطاولة لصالح أمه. أشار إليّ بإصبعه المرتعش وقال بنبرة مليئة بالإهانة والتحقير:


— اتفضلي شوفي بنتك يا طنط! اتفضلي اسمعي الهانم متربية إزاي وبترد عليا تقول إيه! أنا جاي بتكلم معاها بالأصول، وبنقلها كلام أمي عشان نرتب أمورنا ونشوف ناقص إيه في جهازها، تقوم تتطاول عليا وتقولي كلام عيب وما يصحش يتقال لراجل هيكون جوزها؟!


تجمعت الدموع في عيني أمي وهي تتنقل ببصرها بيني وبينه، ولأنها امرأة طاعنة في السن، عاشت عمرها كله تفني صحتها ومالها من أجل تلك اللحظة، كان كل همها ألا تخرب زواجة ابنتها، وأن تمر الأمور بسلام حتى لو كان ذلك على حساب كرامتنا. التفتت إليّ أمي بعينين متوسلتين، وصوت مبحوح من الخوف وقالت:


— عيب يا نور! إيه اللي قولتبه لأحمد؟ تعوذي من الشيطان يا بنتي واعتذري لخطيبك، مهما كان ده كلام ما يصحش، وإحنا ناس بنعرف الأصول.


تلك اللحظة بالذات كانت بمثابة السكين التي طعنتني في فؤادي. أمي، التي انحنى ظهرها وهي تطوف الأسواق صباحاً ومساءً، التي باعت غوايشها الذهبية الأخيرة لتشتري لي المفارش والستائر وأفخر أنواع الفوط، تسألني أنا أن أعتذر لهذا الإنسان الذي لم يراعِ حياءً ولا إنسانية؟ هانت عليها نفسها وتعبها أمام جبروت هذا الرجل وأمه؟


نظرت إلى أمي بكسرة قلب لا توصف، ثم التفتت إلى أحمد الذي كان يقف بابتسامة صفراء تتراقص على شفتيه، ظاناً أنه كسب الجولة وأنني سأركع وأعتذر له خوفاً من فسخ الخطبة. لكنه لم يكن يعلم أن بداخل كل إنسان هادئ نمرة نائمة، إذا جُرحت في كرامتها وفي أهلها، قامت ولن تبقي ولن تذر.



استجمعت كل قوتي، ومسحت الدمعة التي كادت تسقط من عيني، وقلت بصوت ثابت، نقي، ومجلجل يملؤه الثقة:


— أعتذر عن إيه يا أمي؟ أعتذر إنه داخل بيتنا يتفتش في كراتيننا ويعد في حاجتنا كأنه مفتش تموين؟ ولا أعتذر عشان أمه شايفين إن 25 مفرش سرير ده ولا حاجة ومقصرين؟ أعتذر عشان بيقولي إني جاية عليه وظالماه؟! هو إحنا جايين نشتريه بفلوسنا ولا إحنا بنجهز بيت لعروسة وعريس؟


قفز أحمد خطوات إلى الأمام وهو يلوح بيده بغضب:


— احترمي نفسك يا نور! أمتي دي ست عارفة الأصول، واللي أقوله يمشي! العرايس في عيلتنا بيجيبوا بـ 50 مفرش سرير، و20 دستة فوط، وبنات خالي جابوا شاشات تلاجات وغسالتين! إنتي جايبة حاجات عادية جداً وجاية تمنّي عليا بيها؟! أمي لما سمعت الأرقام قالتلي ابننا مضحوك عليه وتستاهلوا واحدة تعملكم قدر وقيمة!


هنا، دخل أخي الأكبر “حسام” من باب الشقة. كان حسام قد عاد للتو من عمله، وسمع الجزء الأخير من الحديث والنبرة الحادة التي يتحدث بها أحمد. ألقى مفاتيحه على الطاولة ودخل الصالون بخطوات متزنة، ملامحه كانت صارمة وعيناه تتفحص المشهد بذكاء وحزم.


قال حسام وهو ينظر لأحمد بثبات:


— مساء الخير يا أحمد.. في إيه؟ صوتك عالي في بيتنا ليه وعلى أختي وأمي؟


بدأ أحمد يتراجع قليلاً للخلف، فنبرة حسام ورجولته كانت تعكس شخصية لا تتهاون في حق أهل بيته. قال أحمد محاولاً تبرير موقفه بأسلوب ملتوٍ:


— يا حسام أنا ما بقصدش حاجة، أنا بتكلم مع نور في جهازها، أصل المفروشات والملايات اللي جابتا قليلة جداً، وماما قالتلي إن ده ما يصحش ولا يكفي شقة عريس، فنور اتعصبت عليا وقالتلي كلام مش تمام.


التفت حسام إليّ وسألني بصوت هادئ:


— إيه الكلام ده يا نور؟ إيه اللي حصل بالضبط؟


مسكت الكشكول العريض من على الطاولة، وفتحته أمام حسام، وقلت بصوت يرتجف من القهر ولكن بقوة:


— اتفضل يا حسام.. بص في الورقة دي. دي حسابتنا، دي الملايين اللي بابا الله يرحمه سابهالنا وأمي أخدتها من قوتها وصحتها عشان تجهزني. أنا جايبة 45 قميص نوم، 30 بجامة، 30 جلابية، 15 دستة فوط، و25 مفرش سرير غير السجاد والستائر ومستلزمات المطبخ والحمام.. والأستاذ وأمه شايفين إن ده قليل جداً، وأننا ظالمينه وجايين عليه! وبيقولي أمه بتقول “دي مش جايبة حاجة وشكلنا مضحوك علينا”!


قاطعتها أمي وهي تبكي وتهدئ الجو:


— يا حسام يا بني كبر عقلك، أحمد زي أخوك، ووالدته أختي الكبير، وإحنا ممكن ننزل السوق تاني ونكمل لو ناقصهم حاجة.. أهم حاجة ما نخربش البيت وعرايسنا يفرحوا.


في هذه اللحظة، نظر حسام إلى أمي بعتاب شديد، ثم أخذ الكشكول من يدي وقرأ الأرقام المكتوبة فيه بتمعن. كان وجهه يزداد غضباً وصفاراً مع كل سطر يقرأه. لم يصدق أن أخته العروس التي صرفت عليها الأسرة ما يربو على مئات الآلاف في ظل هذه الظروف الاقتصادية الطاحنة، تُعامل بهذه الخسة والاستهانة.


أغلق حسام الكشكول بقوة أحدثت صوتاً مدوياً في الغرفة، ثم رفع رأسه ونظر إلى أحمد ببرود قاتل، وسأله سؤالاً واحداً:


— هو إنت يا أحمد جايب إيه في الشقة؟


ارتبك أحمد وتلعثم، وقال دفاعاً عن نفسه:


— أنا جيبت الشقة، وعملت النقاشة، وجايب الصالون وأوضة النوم!


ابتسم حسام ابتسامة سخرية مريرة وقال:


— حلو قوي.. الشقة إيجار جديد وكتابة العقد باسمك إنت، الصالون خشب حبيب مضغوط جايبه من المعارض الرخيصة، وأوضة النوم لسه ما كملتش بقيتها. يعني أختي جايبة جهاز بضعف اللي إنت دفعه مرتين! وجاي النهاردة تقف في صالون بيتنا، قدام أمي الست الكبيرة، وتقولها “بنتك مش جايبة حاجة” عشان أمتك قالتلك 25 مفرش مش كفاية؟!


اقترب حسام من أحمد خطوة واحدة، وجعل عينيه في عينيه مباشرة، وقال بصوت حاسم كالسيف:



— إنت عارف يعني إيه 25 مفرش سرير؟ يعني أختي محتاجة تغير مفرش كل أسبوعين لمدة سنة كامة من غير ما تغسل مفرش واحد! إنت جاي تتشرط وتتأنق على تعب ناس شقيت عشان تستر بنتها؟ إنت متجوز عروسة ولا فتح تاجر مفروشات وجملة في الشقة؟!


صدم أحمد من رد فعل حسام الصارم، وحاول أن يسترد كبرياءه المهدور، فقال بنبرة استعلاء:


— أنا ابن ناس يا حسام، وماما عارفة الأصول والعرائس بتجيب إيه! لو أنتم مش قد الجوازة دي ومش قادرين تجهزوا أختكم زاي بقية الناس، كنتم قولوا من الأول بدل ما تدبسوني وتكسفوني قدام أهلي وأمي!


هنا، اختفت كل مشاعر التردد من قلبي. شعرت وكأن الغشاوة سقطت عن عيني دفعة واحدة. هذا ليس الرجل الذي يؤمن على حياة، ولا هذا هو الشخص الذي يصلح أن يكون شريكاً وعائلاً لبيت. هذا مسخ حقيقي يُدار بريموت كنترول في يد أمه، رجل يرى كرامة بيته وأهله في عدد الملايات وأطقم الفوط!


خطوت خطوات سريعة ونشيطة نحو غرفة نومي، وأنا أسمع صدى شجاره مع حسام في الصالون. فتحت أدراج مكتبي، وأمسكت بعلبة القطيفة الصغيرة التي تحتوي على شبكتي: الخاتم والمحبس والدبلة الذهبية التي اشترتها لي أمه بعد ألف مساومة ومساومة في محلات الصاغة.


مسكت العلبة بكل قوة في يدي، وخرجت إلى الصالون بخطى ثابتة، والجميع ينظر إليّ بذهول. وقفت أمام أحمد مباشرة، وفتحت العلبة في وجهه، ثم رميتها في حجره بقوة.


ساد الذهول المكان، وشهقت أمي بصوت عالٍ:


— نور! بتعملي إيه يا بنتي؟! استهدي بالله!


نظرت إلى أمي وربطت على يدها المرتجفة وقلت لها بنبرة يملؤها الكبرياء والكرامة:


— بس يا أمي.. خلاص! لحد هنا وستوب. كفايتك طأطأة راس وتعب صحة عشان ناس ما يستاهلوش حتى التراب اللي بتمشي عليه!


ثم التفتت إلى أحمد بكل احتقار، وقالت له بصوت هز أركان البيت وأسكت الجميع:


— خد شبكتك يا أحمد! خد ذهبك ويا رب يكفيك أنت وأمك تروحوا تشتروا بيه مفروشات وملايات وتفرشوها في شقتكم! أنا مش هكون اللعبة اللي بتقيسوا بيها قيمتكم قدام قرايبكم، ولا أمي هي الست اللي تتهان صحتها عشان ترضي طمعك وطمع أمك!


تجمد أحمد في مكانه والعلبة في يده، ولم يصدق أن العروس التي كان يظن أنها متمسكة به ولن تستغني عنه، هي من تنهي كل شيء في لحظة واحدة وأمام الجميع.


قال أحمد وهو يحاول التماسك بصوت مبحوح:


— إنتي بتفسخي الخطوبة يا نور عشان خاطر مفارش ورأي أمي؟! إنتي بتبيعي البيعة بسهولة كده؟


رد حسام فوراً ووضع يده على كتفي بحماية وفخر، وقال لأحمد وهو يشير له نحو الباب:


— أختي ما بتبيعش، أختي بتشتري كرامتها وكرامة أهلها! خد حاجتك يا أحمد، ومش عايزين نشوف وشك في البيت ده تاني.. واللي بينك وبيننا الأصول والورق والذهب أهو في إيدك، اتفضل بره!


خرج أحمد من باب الشقة وهو يجر أذيال الخيبة والذهول، يمسك علبة الذهب بيده، ونظرات السخط والدهشة تملأ وجهه، وهو لا يستوعب كيف تحولت سهرته التي جاء فيها ليفرض شروطه وطمعه، إلى نهاية محتومة لقصة خطوبة ظن أنه يملك فيها كل الأوراق.


أغلقت الباب خلفه بقوة، والتفتت إلى أمي وحسام. سقطت أمي على الكنبة وهي تبكي بكاءً مراً على حلمها الذي تبدد، وعلى الفرحة التي كانت تنتظرها. جثوت على ركبتي أمامها، وأمسكت بيديها المجعدتين وقبلتهما بحرارة، وقلت لها والدموع تترقرق في عيني:


— ما تبكيش يا أمي.. والله العظيم ربنا نجدني. ربنا كشفهم ليا قبل ما أتدبس في بيت مقفول وأبقى تحت رحمتهم. دموعك وصحتك عندي بالدنيا كلها، والملايات والمفارش اللي جابتهالي هي جهزي وكرامتي، ومش هسمح لحد في الدنيا يقلل منك ولا من تعبك!


ابتسم حسام وهو ينظر إليّ بفخر، وقال لأمي:


— سيبك منه يا أمي، نور عندها حق.. الراجل اللي بيقيس مراته بعدد الفوط والملايات، بكره كان هيقيسها ويبيعها على أول مشكلة. الحمد لله إن ربنا كشفه بدري.



لكن الأحداث لم تنتهِ عند هذا الحد.. فما حدث في تلك الليلة كان مجرد بداية لبركان أكبر كان يتجهز للانفجار في اليوم التالي، حينما علمت “طنط سعاد” والدة أحمد بما حدث لابنها العزيز وبإرجاع الشبكة، ولتبدأ جولة جديدة من المواجهة القبيحة التي لم تكن في الحسبان…


 

بقلم روماني مكرم 2


**الجزء الثالث**


مرت ليلة البارحة ثقيلة كالجبل. لم تذق أمي غمض جفن، وكانت تتنهد بين الحين والآخر وهي تنظر إلى الكراتين والأكياس التي تملأ صالة الشقة، كأنها تحاكي تعبها الذي ذهب أدراج الرياح. أما أنا، فكان ينتابني مزيج غريب من ألم الفراق وارتياح شديد، حسيت كأن طوقاً ألمسياً من الحديد كان يلتف حول رقبتي وانقطع فجأة.


في صباح اليوم التالي، وتحديداً في الساعة الحادية عشرة صباحاً، امتدت يدٌ على جرس باب شقتنا بدقات متواصلة، هائجة، وبطريقة مستفزة لا تعبر إلا عن غلّ ودناءة. قمت من فراشي بسرعة، وخرجت أمي من المطبخ وهي تضع يدها على قلبها المجهد.


فتحت أمي الباب بوجل، لتفاجأ بـ “طنط سعاد” والدة أحمد تقف على العتبة، ووجهها يحمل تعابير الشراسة والشر، ويقف خلفها أحمد متوارياً كالعادة كطفل صغير يتخفى خلف رداء أمه! لم تنتظر حتى أن نأذن لها بالدخول، بل دفعت الباب بكرشها ودخلت إلى منتصف الصالون وهي تصيح بصوت جليط هز أرجاء البناية:


— إيه القلة الأدب دي؟! إيه الحركات البلطجة اللي عملتوها مع ابني امبارح دي؟! بقى ابن الحاج متولي، سيد الشباب، يترملو الدهب في حجروا ويتردم له الباب في وشه عشان بنتك مش متربية وما بتعرفش الأصول؟!


خرجتُ من غرفتي بكل ثبات، وقفت أمامها مباشرة ونظرت في عينيها المتوسعتين غضباً. لم أعد تلك الفتاة الوديعة التي تخشى غضبها أو ترتعد من نظراتها الشزر. وقلت بنبرة حادة وواثقة:


— الأصول نعرفها كويس يا طنط! والأدب اتعلمناه في بيتنا قبل ما نعرفكم! إنتي داخلة بيتنا تصرخي وتزعقي بصفتك إيه؟ ابنك جالك امبارح وشايل دهبه في إيده، ومظنّش فضل بينّا حاجة تليق بيكم أو بيكم تليق بينا عشان تيجي لحد هنا!


لوحت والدة أحمد بيديها في الهواء، واقتربت مني بصفاقة وهي تنظر إلى كراتين الجهاز المركونة في الصالة بنظرات استخفاف وصياح:


— شوفي البت وبجاحتها! بتتكلمي وكأنك جايبة الذئب من ذيله؟! قال 25 مفرش سرير قال! ده أنا ابن أختي متجوز واحدة جايبة 60 مفرش و50 طقم ملاية، وجايبة شاشة 65 بوصة وثلاجة بابين! إنتي فاكرة نفسك عروسة بإيه؟ بالمفروشات البيئة والكمية العادية دي؟ ابننا كاره القلة، وإحنا ناس قامات في البلد، لما نتجوز ابننا، يتجوز عروسة ترفع راسه مش عروسة تاخد نص الشقة وتملأها حاجات رخيصة!


في هذه اللحظة، خرجت أمي عن صمتها. التفتت أمي إلى سعاد، وعلى وجهها حزن كاسر تحول في ثانية إلى غضب أم جُرِحت في أغلى ما تملك، فقالت بصوت مبحوح ولكنه قوي يخرج من بين ضلوعها:


— بس يا سعاد! لحد هنا والزمي حدودك! إحنا ما طردناش ابنك امبارح من فراغ.. ابنك جه وقف في نص بيتي، قدامي وأنا ست كبيرة، وبيقولي “أمي بتقول دي مش جايبة حاجة وإننا مضحوك علينا”! بقى شقا عمري، وجريي في الشوارع، وعرقي عشان أجهز بنتي بالدم، ييجي ابنك يتأنق عليه؟ إحنا جبنا أغطية وملايات ومفروشات أشكال وألوان بأغلى الأسعار، وجايبين أحسن ماركات الأجهزة، لكن الغل والطمع عماكم!


تدخل أحمد من خلف أمه محاولاً أن يظهر بمظهر القوي، فقال بنبرة تهكمية:


— يا طنط أنتِ بتكبري الموضوع ليه؟ ما هو فعلاً قليلة! أنا صحابي لما بيسألوني عرايسهم جابوا إيه، ببتكسف أقول الأرقام دي! إنتو كأنكم بتمنوا عليا بالجهاز!


سخرتُ منه بضحكة عالية أربكته وأربكت أمه، وقلت له:


— بتتكسف يا أحمد؟! بتتكسف وأنت مش قادر تفرش شقة ملك؟! بتتكسف وأنت جايب شقة إيجار وصالون مضغوط وتقول عن نفسك عريس؟ أنت مش بتتكسف من جهاز نورهان، أنت بتتكسف من نقصك! أنت وأمك فاكرين الجواز تجارة ومزايدة، فاكرين إن العروسة جاية تستر نقصكم المادي وتكمل شقتكم على حساب صحة أهلها!


صدمت والدة أحمد من كلامي الجريء، واحمرّ وجهها وتلعثمت من المفاجأة، ثم صاحت بصوت أعلى لتداري خيبتها:



— بقى كده؟! ماشاء الله عليكِ وعلى لسانك اللي عايز قطعه! كويس إن ربنا كشفك على حقيقتك قبل ما تدخلي بيتي وتنكدي على ابني! هاتي بقى قائمة المصاريف والفلوس اللي ابني دفعها في العر بون بتاع القاعة وكتب الكتاب والمأذون، وماكيش عندنا مليم واحد من هدايا خطوبتك!


ابتسمتُ ببرود واستفزاز، وذهبت إلى الدرج وسحبت منه مظروفاً ورقياً كبيراً كنت قد أعددته منذ الصباح الباكر. ألقيت المظروف على الطاولة أمامها وقاطعتها بقوة:


— اتفضلي يا طنط! ده المظروف فيه كل فواتير العربونات اللي ابنك دفعها، ومعاها فلوس الهدايا اللي جابهالي في المناسبات بالقرش والدقيقة! إحنا ناس أوفياء وما بناكلش حرام، ولا بنقبل على نفسنا مليم من ناس شايفيننا “مضحوك عليهم”! خدي فلوس ابنك، وخديه في إيدك واطلعي بره بيتنا، لأن البيت ده يدخله رجالة تعرف قيمة الشبع والكرامة، مش ناس بتعد الفوط والملايات!


صدمت المرأة، ونظرت إلى المظروف ثم إلى ابنها أحمد الذي كان ينظر للأرض بقلة حيلة ووجه يشتعل خجلاً. لم يتوقعوا أبداً أن نكون بهذه الحسم والسرعة في رد حقوقهم كاملة دون نقاش أو محاولة لاستعطافهم!


أخذت سعاد المظروف بلمح البصر، وفتحت حقيبتها ودفعت الفلوس فيها، ثم نظرت إليّ بعينين تتطاير منهما الحقد والشر وقالت وهي تتراجع نحو الباب:


— بكرة تقعدي جنب أمك وتخللي! بكرة تشوفي مين هيعبرك ولا يرضى بيكي وبجهازك القليل ده! ابننا ألف مين تتمناه، وغداً هجوزه سيد سيدك، عروسة تجيب جهاز بمليون جنيه وتملأ الشقة من السقف للأرض!


وقف حسام أخي، الذي كان قد دخل الشقة في تلك اللحظة وسحب الباب للداخل ببطء، ونظر لوالدة أحمد بابتسامة ثقة وثبات، وقال لها ناهياً المهزلة:


— ربنا يسعده يا طنط بالعروسة اللي هتجيب أطنان الملايات.. بس بره بيتنا بقى، عشان إحنا بابنا ما بيدخلوش غير العزيز النفس، ومتربي على الشبع. اتفضلي من غير مطرود!


خرجت والدة أحمد وهي تثرثر وتبصق في الممر، وخلفها أحمد يجر خطاه بكسرة وخيبة أمل لا توصف، بعدما أدرك أنه خسِر عروساً أصلية وعائلة محترمة لم تكن تطلب منه سوى التقدير والرجولة.


أُغلق الباب بصوت قوي أعلن نهاية تلك الحقبة السوداء من حياتي. التفتُّ إلى أمي، فوجدتها تنظر إليّ بدموع شرف وفخر، وأقبلت عليّ وجمعتني في أحضانها وهي تقول:


— رفعتِ راسي يا نور.. ربنا يعوضك باللي يعرف قيمتك وينضف قلبك، والحمد لله إن ربنا نجانا من العيشة مع الناس دي.


تبسمتُ وأنا أستند على كتف أخي وأمي، وأحسست لأول مرة منذ أشهر بطعم الحرية والراحة، وعلمت أن كرامة الإنسان لا تُقاس بعدد ملايات السرير ولا بدست الفوط، بل تُقاس بعزة النفس وشرف الكلمة.


**الجزء الرابع والأخير**


مرت الأيام والأسابيع بعد تلك الليلة، وكان الصمت الذي يلف بيتنا هذه المرة صمتاً مريحاً، يشبه الهدوء الذي يعقب العاصفة. أعدنا ترتيب الصالة، وأرجعنا كراتين الجهاز إلى الغرفة المغلقة، دون أن ينتابنا أي شعور بالندم أو الكسرة. بل على العكس، كانت كل قطعة مفارش أو طقم فوط أراه، يذكرني باللحظة التي اخترت فيها كرامتي وعزة نفسي على حساب زيجة تتغذى على الطمع والجشع.


وبعد مرور حوالي ستة أشهر، وصلتنا الأخبار عن طريق إحدى الجارات. خطب أحمد فتاة أخرى، استجابةً لرغبة أمه التي ظلت تبحث له عن عروس تتحدى بنا وتتباهى بها أمام الأقارب. عروس جاءت -كما تمنت سعاد- بأطنان المفروشات والملايات، وعشرات الشاشات والأجهزة، وجهاز يُغطي عين الشمس!


ظنت والدة أحمد أنها فازت بالجولة، وأنها أثبتت للعالم أن ابنها يستحق الأكثر. لكن دوام الحال من المحال.. فبعد الزفاف بأقل من شهرين، بدأت المعركة الحقيقية.


تلك العروس لم تكن مثل نور، ولم تتربَّ على خلق التغاضي والصبر. كانت تعتبر نفسها قد “اشترت” العريس وعائلته بجهازها الهائل، فصارت تتعامل مع أحمد وأمه باستعلاء شديد. كانت تحصي عليهم خطواتهم، وتمنّ عليهم بكل قطعة أثاث أو مفرش أدخلته الشقة. وبدلاً من أن يعيش أحمد في هدوء واستقرار، تحول بيته إلى ساحة حرب يومية مع زوجته وأمه، وأدرك -بعد فوات الأوان- أن أطنان المفروشات لا تشتري راحة البال، وأن كثرة الملايات لا تغطي عورة رجل سلب أمه حريته وشخصيته.



علمنا لاحقاً أنه حاول لعدة مرات التودد لإخواني ومحاولة معرفة أخباري، ونادم كاشد ما يكون الندم على نورهان التي كانت ترضى بالقليل، وتحترم أهله، وتصون بيته. لكن الباب الذي يُغلق بعزة النفس، لا يُفتح أبداً بصلوات الندم.


أما أنا، فقد فتح الله عليّ في عملي، واستردت أمي صحتها وعافيتها بعدما زال عن صدرها همّ ذلك الجواز الشاق. وبعد عام كامل، تقدم لخطبتي رجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ شخص شبعان، أتى بيتنا وهو يشتري “نور” ذاتها، لا يهمّه كم دستة فوط أحضرت، ولا كم مفرش سرير غطى الغرفة. كان كل همّه أن يبني بيتاً أساسه المودة والرحمة والاحترام المتبادل.


في ليلة زفافي، وأنا أرتدي فستاني الأبيض، نظرتُ إلى أمي التي كانت تبكي فرحاً هذه المرة، وقبلت يدها وقلت لها: “شفتي يا أمي؟ كرامتنا هي اللي زوجتني اليوم رفيعة الراس.”


## **الحكمة من القصة**


> **”إن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يحمله في كراتين جهازه، ولا بعدد المفروشات والأغراض التي يملأ بها بيته، بل تُقاس بعزة نفسه، وكرامته، ومعدنه الأصيل.”**


>


* **البيوت تُبنى على المودة والرحمة:** الزواج ليس صفقة تجارية، ولا مظاهرة للمفاخرة أمام الناس بالأرقام والأشكال. من يزن العروس بعدد الفوط والملايات، سيزنها غداً عند أول أزمة وبيعها بأرخص الثمن.


* **عزة النفس لا تُقدّر بثمن:** أن تجلس الفتاة في بيت أهلها عزيزة مكرمة، خيرٌ لها ألف مرة من أن تدخل بيتاً يُنقص من قدرها وتعب أهلها، ويُعاملها كمجرد ساطور استهلاكي.


* **الطمع يقل ما جمع:** من ينظر إلى ما في أيدي الناس ويتطلع للمزيد بجشع، يبتليه الله بما يخرّب عليه راحته، ولا يذوق طعم القناعة أبداً.


* **الأصل الطيب لا يُعوَّض:** الرجل الحقيقي هو من يشتري شريكة حياته لأخلاقها وأصلها، ويقدر تعب أهلها وظروفهم، ولا يسمح لأحد -حتى لو كان أقرب الناس إليه- أن يقلل من شأنهم أو يطرق باب كرامتهم.


 



تعليقات

close