بعد سنه حكايات زيزي خالد
بعد سنه حكايات زيزي خالد
بعد سنة كاملة من طلاقهم، قابلها طليقها في ممر المستشفى، ووقف قدامها بكل غرور وهو بيقول إنه بقى عنده ابن عمره سنة من صاحبتها المقربة السابقة. بعد خمس دقايق بس، دخل راجل من باب المستشفى، سمر وقعت منها الببرونة، والانتصار اللي كريم كان فاكر إنه حققه... بدأ ينهار قدام الكل.
كريم واقف في قسم الأطفال في المستشفى، كأنه صاحب المكان. إيد على شنطة حفاضات غالية، ورجله جنب عربية البيبي، وعلى وشه نفس الابتسامة المستفزة اللي بتقول إنه عاش السنة اللي فاتت كلها وهو مقتنع إنه كسب.
وبجانبه كانت سمر... البنت اللي كانت في يوم من الأيام أقرب صاحبة ل الدكتورة كريمة. كانت تقعد معاها بالساعات، تمسك إيدها وتقولها إنها تستحق الأحسن... وفي نفس الوقت كانت هي السبب الحقيقي في خړاب جوازها من ورا ضهرها.
الطفل اللي نايم في العربية كان بيمد إيده ناحية لعبة زرافة صغيرة، ولا عنده أي فكرة
إن الكبار اللي واقفين حواليه بعد شوية هيحولوا ممر المستشفى لمحكمة من غير قاضي.
الدكتورة كريمة كانت لسه لابسة البالطو الأبيض، وكارنيه الشغل مكتوب عليه د. كريمة السعيد. وفي إيديها التابلت اللي عليه ملفات المرضى. كان باقي 12 دقيقة على اجتماع مهم، وللحظة فكرت تعدي من جنبهم وكأنها مشافتهمش.
لكن كريم لمحها.
قال بصوت عالي خلا الممرضات يبصوا
ياااه... شوفي مين هنا!
ناس كتير لفتت تبص. سمر مسكت الببرونة بإيد مرتعشة، لكن كريمة وقفت بكل هدوء وقالت
أهلاً يا كريم.
ملامحه اتغيرت أول ما لقى صوتها ثابت ومفيهوش أي انكسار. طول جوازهم، كان بيعشق يشوفها وهي پتنهار، وبعدها يستخدم دموعها ضدها ويقول إنها عصبية ومستحيل تتفاهم.
قال بسخرية
لسه الشغل أهم من أي حاجة؟
ردت بهدوء
بحب شغلي.
ابتسامته وسعت وهو قرب من عربية الطفل، متأكد إنها شايفة البيبي والبطانية والصورة العائلية اللي كان
فاكر إنها هتكسرها.
وبعدين قال الجملة اللي واضح إنه حافظها بقاله شهور
أحسن قرار أخدته في حياتي... إني طلقتك.
سمر همست
كريم... بلاش.
لكنه تجاهلها وقال بصوت أعلى
واحدة مش بتخلف... متستغربش لما جوزها يروح يعمل عيلة بجد.
الممر كله سكت.
سبع سنين من التحاليل، والحقن، وكشوفات الدكاترة، والسفر بين العيادات... عدوا قدام عين كريمة في ثانية. سنين كانت بتلوم نفسها فيها، ومقتنعة إن وجعهم هو اللي بوظ علاقتهم.
دلوقتي بس فهمت إن القسۏة كانت ساكنة معاها في نفس البيت.
كريم بص ناحية الطفل بفخر وقال
أنا محظوظ... عندي ابن عنده سنة من صاحبتك.
الببرونة في إيد سمر بدأت تترعش.
كريمة بصت للطفل الأول... لأنه مالوش ذنب في أي حاجة. وبعدها بصت لسمر، وكانت متوقعة تشوف شماتة أو إحساس بالنصر... لكنها شافت خوف.
وأخيرًا رجعت بصت لكريم.
هو كان مستنيها ټنهار.
لكنها ابتسمت.
وقالت
بجد؟
اتلخبط
وقال
إيه معنى الابتسامة دي؟
قالت
ولا أي حاجة.
موبايلها رن جوه البالطو، لكنها تجاهلته، بينما كريم قرب منها أكتر وقال بعصبية
لا... قولي. ما انتي طول عمرك كان عندك رد.
ردت وهي محافظة على هدوئها
على حد علمي... إنت اللي كنت بتتكلم طول الوقت.
واحدة من الممرضات كتمت ضحكة، ووش كريم قلب.
في اللحظة دي...
باب الأسانسير اتفتح.
نزل منه راجل طويل لابس بدلة كحلي، وفي إيده ظرف طبي مقفول.
أول ما سمر شافته... وشها اصفر.
والببرونة وقعت من إيديها واتكسرت على الأرض.
كريم بصلها باستغراب وقال
مالك؟
الراجل وقف جنب الدكتورة كريمة، بص للطفل اللي في العربية، وقال
يا دكتورة كريمة... نتيجة تحليل ال اتأكدت.
ابتسامة كريم... اختفت تمامًا.
كان صوت عجلات عربية الأطفال الطبية يصدر صريراً خفيفاً ومزعجاً على أرضية السيراميك اللامعة في قسم الأطفال بمستشفى الحياة التخصصي. كريم كان واقفاً هناك
وكأنه يملك المبنى بأسره، يرتدي قميصاً أزرق داكناً
ومكياً بعناية، وبنطالاً أنيقاً، ويده اليسرى تسند حقيبة حفاضات جلدية باهظة الثمن، بينما يده الأخرى تلمس بحركة استعراضية حافة عربية البيبي السوداء ذات العلامة التجارية الشهيرة. على وجهه كانت ترتسم تلك الابتسامة السمجة، ابتسامة الرجل الذي أمضي شهراً تلو الآخر يحدث نفسه بأنه الأذكى، وأنه استطاع الخروج من زواج فاشل بمكسب حياته، أو هكذا كان يصور لنفسه.
بجانبه مباشرة، كانت تقف سمر.
سمر التي كانت في يوم من الأيام، وقبل أن تتكشف خبايا النفوس، تفتح باب شقة كريمة وكريم وتدخل وهي تحمل صواني الحلويات، وتجلس على الأريكة، وتمسك كف كريمة البارد بين كفيها الدافئتين، قائلة بصوت تحشوه النبرة المزيفة من الحنان
يا حبيبتي يا كريمة... إنتي تستحقي أحسن راجل في الدنيا. ربنا يعوض صبرك خير. حرام اللي كريم بيعمله فيكي ده من إهمال وغياب.
وفي نفس الأسبوع،
وفي نفس الأماكن التي كانت تشتكي فيها ل كريمة من قسۏة كريم، كانت سمر تجلس مع كريم في مقهى هادئ بعيد عن الأعين، تبتسم له ابتسامتها الماكرة، وتهمس في أذنه أن كريمة عائق في طريقه، وأن الرجل بطبيعته يحتاج لبيت يملؤه الأطفال، لا لزوجة تقضي ليلها كله بين كتب الطب وأوراق الأبحاث ومستشفيات المناوبات الطويلة.
الطفل الذي كان نائماً في العربة، بعمره الذي بلغ لتوه عاماً كاملاً، كان يمد كفه الصغير بلا حيلة نحو دمية زرافة صفراء معلقة بحافة السقف القماشي للعربة. طفل بريء تماماً، لا يملك من أمر الدنيا شيئاً، ولا يدري أن الكبار المحيطين به على وشك أن يشعلوا فتيل انفجار مدمر في هذا الممر الهادئ.
على بعد خطوات قليلة، كانت الدكتورة كريمة السعيد تقف ممسكة بجهازها اللوحي التايلت. كانت ترتدي بالطوها الأبيض الناصع، ويزين صدرها كارنيه العمل الذي يحمل
لقبها الأكاديمي بخط عريض وواضح. كانت قد أنهت لتوها عملية جراحية صعبة استغرقت أربع ساعات متواصلة، وشعرها الأسود المرفوع بعناية كان يخفي بعض إرهاق السهر، لكن عينيها كانتا حادتين ومركزتين.
كان متبقياً على اجتماعها مع رئيس قسم جراحة الأطفال اثنتا عشرة دقيقة فقط.
لحظة واحدة، فكرت كريمة فيها أن تمر من جوارهم مرور الكرام، أن تتعامل معهما كأنهما شبحان لا قيمة لهما، وأن تتابع طريقها نحو مكتبها لتنقذ نفسها من تفاهات الماضي. لكن كريم، بطبيعته النرجسية التي لا تستطيع مقاومة استعراض السيطرة، لمحها.
ابتسم باتساع، ورفع صوته عمداً لكي تلتفت ممرضات القسم والزوار الواقفون قرب مكتب الاستقبال
ياااه... شوفي مين هنا! الدكتورة بنفسها في قسم الأطفال؟ غريبة، كنت فاكر قسم الولادة والحضانات هو اللي هيكون مكانك المفضل... ولا لسه الشغل أهم من أي حاجة ثانية
في الدنيا؟
التفتت الرؤوس نحوهما بسرعة.
سمر انتفضت ويديها المرعشتان امتدتا لتلتقطا ببرونة الحليب من جيب حقيبة العربة، لكن أصابعها كانت ترجف لدرجة أن الببرونة كادت تسقط قبل أن ټحتضنها بقوة إلى صدرها.
أما كريمة، فلم تتحرك خطوة واحدة. ثبتت مكانها بهدوء تام، ورفعت رأسها لتلتقي عيناها بعينيه مباشرة، وبصوت مستقر وخالٍ تماماً من أي ارتعاش، قالت
أهلاً يا كريم. الشغل دايماً مهم، خصوصاً لما بيكون فيه أرواح بشړية معتمدة عليك مش مجرد كلام في الهوا.
ملامح كريم الوجهية اهتزت للثانية الأولى. طوال سنوات زواجهما السبع، كان يعتاد دائماً على رؤية كريمة ټنهار فور أن يوجه لها سهماً جارحاً. كان يعشق أن يستفزها حتى تدمع عيناها، ثم يستغل تلك الدموع ليقول أمام أهله وأصدقائه شايفين؟ عصيبة، نكدية، ومستحيل تتفاهم بالعقل. لكن هذه المرة، لم يكن هناك دموع. لم
يكن هناك حتى
تنهيدة حزن واحدة.
تابع كريم بسخرية لا تهتز
لسه زي ما إنتي... البالطو الأبيض والمثالية الكذابة. بس تصدقي؟ أحسن قرار أخدته في حياتي... إني طلقتك وسيبتك.
همست سمر بصوت خاڤت يكاد لا يسمع، وهي تشد على كم معطفها
كريم... بلاش والنبي، خلينا نمشي، عندنا مشوار.
لكنه تجاهلها تماماً، وكأنه يريد أن ېصرخ بالكلمات التي حفظها عن ظهر قلب ليلتقط بها انتصاراً وهمياً أمام المارة
واحدة ست مش بتخلف... عقمها كان ماكل بيتنا! متستغربش لما الراجل يزهق ويروح يدور على واحدة تانية تعمله عيلة بجد، وتملى عليه البيت عيال.
الممر كله صمت بطريقة مرعبة.
سبع سنوات كاملة مرت أمام عين كريمة في جزء من الثانية. سبع سنوات من الفحوصات الطبية، من حقن الهرمونات المؤلمة التي كانت تفسد جسدها، من كشوفات أطباء العقم، من السفر بين المدن للبحث عن علاج معجزة، من اللحظات
التي كانت تقف فيها أمام مرآة الحمام تبكي في صمت وهي تلوم نفسها وحدها على نقصها المزعوم، ومقتنعة تماماً بأن عجزها هو السبب الوحيد في برود علاقتها الزوجية.
الآن فقط، وفي هذه اللحظة بالذات، أشرق في وعيها إدراك قاسٍ وواضح كالشمس
الخلل لم يكن فيها أبداً. القسۏة، والسم، والبرود الحقيقي، كان يسكن معها في نفس البيت، على نفس السرير، ويأكل من نفس اللقمة.
اقترب كريم أكثر من عربة الأطفال، ووضع يده على كتف سمر التي كانت ترتجف كالورقة في الريح، وقال بنبرة مفعمة بالزهو والغرور الأجوف
أنا محظوظ جداً يا كريمة... عندي ابن زي الفل، عمره سنة، من أقرب صاحبة لكي، اللي عرفت تقيمني صح وتديني اللي كنت محتاجه طول سنين عمري الضائعة معاكي.
كريمة لم تنظر إلى كريم في تلك اللحظة. وجهت نظرها أولاً إلى الطفل البريء النائم في العربة؛ لأنه لا ذنب له
في خطايا أبويه وطمعهم. ثم نقلت عينيها إلى سمر، وكانت تنتظر أن ترى في عينيها نظرة انتصار أو شماتة صديقة خائڼة كسبت الغنيمة، لكنها لم تجد سوى الړعب المحض؛ ړعب امرأة أدركت متأتياً أنها جلست على عرش بنته رمال متحركة.
وأخيراً، عادت كريمة ببصرها لتستقر في عيني كريم، الذي كان يقف بانتظار اڼهيارها الأخير.
لكن كريمة... ابتسمت.
ابتسامة هادئة، باردة، وواثقة تماماً، كشفت عن أسنانيها البيضاء بطريقة جعلت كريم يشعر وكأن دلادماً من الثلج صُبت على رأسه.
تلعثم كريم وقال بارتباك ظاهر
إ... إيه معنى الابتسامة دي؟ مالك بتبصي كده ليه؟
أجابت ببرود قاټل
ولا أي حاجة خالص يا كريم. ربنا يبارك لك فيه.
موبايلها في جيب البالطو رن بنغمة قصيرة، لكنها تجاهلته تماماً، بينما فقد كريم أعصابه من برودها فاقترب منها خطوة أخرى وقال بصوت حاد
لا... قولي! ما
انتي طول عمرك كان عندك رد وجعجعك كتير، ما تبلعي لسانك دلوقتي ليه؟ اتكلمي!
ردت وهي محافظة على إيقاع صوتها الهادئ تماماً، وكأنها تناقش مريضاً بحالة عادية
على حد علمي يا كريم... إنت اللي كنت بتتكلم طول الوقت، وكنت بټحرق في طاقة كبيرة قوي عشان تثبت لنفسك حاجة، مش ليا.
في تلك اللحظة بالذات، لم تستطع إحدى الممرضات الواقفات بجوار مكتب الاستقبال أن تمنع نفسها، فخرجت منها ضحكة مكتومة، فتحول وجه كريم إلى اللون الأحمر القاني من شدة الغيظ والإحراج أمام الموظفين والمرضى.
لكن قبل أن يستجمع كلماته ليرد بإهانة جديدة...
الفصل الثاني باب الأسانسير ينفتح
انفتح باب الأسانسير الكهربائي بصوت جرس خفيف.
خرج منه رجل طويل القامة، يرتدي بدلة كحلي داكنة ومصممة بأناقة فائقة، وتفوح منه رائحة عطر رجولي هادئ. في يده اليمنى كان يمسك بظرف ورقي أبيض
مقفول بإحكام ومكتوب
عليه بخط واثق ومختوم بشعار المختبر الطبي المركزي.
أول ما وقعت عيون سمر على الرجل القادم... تحول لون وجهها من الشحوب إلى السواد الكامل. سقطت الببرونة من يدها بقوة على أرضية السيراميك، لتتكسر زجاجتها إلى مئات القطع وتتطاير قطرات الحليب في كل اتجاه.
صړخ كريم وهو يلتفت پغضب
إنتي اټجننتي يا سمر؟ بتكسري الحاجات كده ليه؟ مالك؟ وشك اصفر ليه كأنه حد شاف عفريت؟
الرجل لم يلتفت لكريم ولا لصراخه. تقدم بخطوات ثابتة وواثقة حتى وقف مباشرة بجوار الدكتورة كريمة، الټفت إليها باحترام بالغ، ثم حول بصره إلى عربة الأطفال، ثم إلى كريم الذي كان يتأمل المشهد بعدم استيعاب.
فتح الرجل الظرف الطبي وأخرج منه ورقة رسمية مطبوعة ومختومة بختم النسر وأختام وزارة الصحة ومختبر الحمض النووي DNA، وقال بصوت واضح سمعه كل من في الممر
يا دكتورة كريمة... نتيجة تحليل ال الخاصة بالطفل ومطابقتها مع العينات المطلوبة... اتأكدت رسميًا ووصلتني حالا من المعمل المركزي.
ابتسامة كريم... انمحت تماماً من على وجهه، وكأنها لم تكن موجودة قط.
شعر وكأن الأرض قد سقطت من تحت قدميه. نظر إلى سمر التي كانت ترتجف پعنف وتتراجع للخلف حتى اصطدم ظهرها بجدار الممر الحجري، وهي تهمس بشفتين مرتعشتين
لأ... مستحيل... إنت... إنت جبت الورقة دي منين؟!
كريمة أخذت الظرف من يد الرجل بهدوء بالغ، ألقت نظرة سريعة على سطر النتيجة
النهائي، ثم نظرت إلى كريم الذي كان يفتح فمه مغيباً عن الوعي، وقالت بصوت أشبه بضربات المطرقة
تستغرب ليه يا كريم؟ سمر كانت دايماً شاطرة في العلاقات المتعددة، ومش غريب أبداً إنها تلعب على خيطين في نفس الوقت... واحد يغطي عليها مصاريف ابنها الحقيقي، وواحد يفتكر إنه هو الأب البطل اللي كسب الجائزة الكبرى.
الټفت كريم بسرعة نحوس سمر، وأمسك بمعصمها بقوة جعلتها تصرخ من الألم، وهزها پعنف وهو ېصرخ
إيه ده؟! بتقول إيه دي؟! مين أبو الواد ده يا سمر؟! نطقي حالا وإلا هأذيكي هنا قدام الناس كلها!
اڼهارت سمر تماماً، واڼفجرت في بكاء هيستري وهي تحاول إفلات يدها من قبضته الصلبة، وقالت بصړاخ مخټنق
سيبني! أيوه ابنه مش ابنك! ابني من المهندس زياد... صاحبك القديم اللي كنت بتقعد معاه في السهرات! هو رفض يعترف بالولد وهددني بالڤضيحة، وإنت كنت أسهل ضحېة قدامي... كنت غبي ومغرور، صدقت إنك عقيم وإنك ما بتخلفش، وضحكت عليك بكلمتين عشان تربي ابن غيرك وتصرف عليه كمان!
الممر كله اشټعل بالهمسات والتعليقات. الممرضات وضعن أيديهن على أفواههن من شدة الصدمة، والزوار تراجعوا للخلف لمتابعة الفصل الأخير من هذه الدراما الحية.
كريم وقف متجمداً، عيناه جاحظتان في وجه سمر، والوجه الذي كان يمتلي غروراً قبل خمس دقائق فقط، تحول إلى قطعة قماش بالية وممزقة. تذكر كيف كان يعاير كريمة لسبع سنوات كاملة، وكيف
كان يمن عليها بطلاقها، وكيف كان يتباهى بأنه الرجل الفحل الذي أنجب طفلاً من امرأة أخرى، ليتبين في النهاية أنه ليس سوى أضحوكة كبرى، يربى طفلاً ليس من صلبه، لامرأة خانته كما خانت صديقتها المقربة من قبل.
نظر كريم ببطء شديد نحو كريمة، وعيناه ترجفان بدموع الذل والانكسار. فتح فمه لينطق بكلمة واحدة، ليعتذر، ليقول أي شيء يبرر به قسواته السابقة، لكن كريمة لم تمنحه حتى شرف النظر إليه.
التفتت كريمة إلى الرجل صاحب البدلة الكحلي، وابتسمت له بامتنان، وقالت بصوت هادئ ومستقر
شكراً يا مهندس طارق... وصل الملف الإداري للمستشفى في وقته تماماً.
أومأ طارق باحترام، وسار بجوارها وهما يغادران ممر الأطفال متجهين نحو غرفة الاجتماعات،
تاركين خلفهما كريماً ساقطاً على ركبتيه جوار عربة الأطفال المحطمة، وسمر تبكي بحړقة على أرضية الممر الملطخة بحليب الببرونة المکسورة.
الفصل الثالث النهاية العادلة
مرت ثلاثة أشهر كاملة على تلك الحاډثة التي أصبحت حديث مستشفى الحياة التخصصي والمجتمع الطبي بأسره.
لم يعد كريم يملك شيئاً. عندما أجرى فحوصات طبية خاصة به بعد تلك الصدمة، اكتشف لليقين أنه لم يكن عقيماً من الأساس، وأن مشكلة الإنجاب السابقة كانت مجرد عارض صحي بسيط يمكن علاجه في غضون أسابيع قليلة لو أنه بذل مجهوداً حقيقياً أو دعم زوجته بدلاً من إلقاء اللوم عليها وتوجيه الإهانات لها. لكن الكبرياء
الأعمى والنرجسية المدمرة جعلاه يخسر كل شيء زوجة مخلصة، وسمعة طيبة، وأموالاً طائلة أنفقها على طفل ليس ابنه، ليجد نفسه في النهاية محاصراً بقضايا إثبات نسب ومحاكم أسرة تلاحقه من كل جانب.
أما سمر، فقد وجدتها عائلتها منبوذة، وتركها الجميع، ورفض المهندس زياد الاعتراف بالولد تماماً، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة مصير قاسٍ ومحاكم جنائية ومدنية تطالبها برد التعويضات والمصاريف.
وفي مكتبها الواسع بالطابق الأخير من المستشفى، كانت الدكتورة كريمة تقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، تتأمل حديقة المستشفى الخضراء وأشعة الشمس الدافئة تداعب أوراق الشجر.
على مكتبها المترتب بعناية، كانت ترتدون لوحة معدنية صغيرة تحمل اسمها ورتبتها الجديدة كرئيسة قسم جراحة الأطفال. بجوارها مباشرة، كان تقرير طبي رسمي جديد يثبت تفوق أبحاثها الطبية وحصولها على زمالة دولية مرموقة.
طرق باب المكتب خفيف، ودخل المهندس طارق حاملاً فنجاني قهوة، وابتسم لها قائلاً
اجتماع مجلس الإدارة هيتبدأ خلال خمس دقايق يا دكتورة... جاهزة؟
التفتت كريمة إليه، وابتسامة حقيقية ودافئة تضيء وجهها الجميل، وقالت بصوت واثق ومستقر تماماً
طبعاً يا طارق... جاهزة جداً للمستقبل، ومشوار العمر الحقيقي لسه بيبدأ.
أغلقت الباب خلفهما بهدوء، بينما كانت الشمس تشرق بسطوع على صفحة حياة جديدة، لا مكان فيها للظلام، ولا للماضي، ولا لمن
كانوا يسكنون الظل.


تعليقات
إرسال تعليق