القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت بنت الملجا كاملة امانى السيد



بنت الملجا كاملة امانى السيد


كنت عايز اتجوز البنت اللى بحبها وامى شرطت عليا اتجوز معاها كلمت زهره وقولتلها رغبت امى لكنها رفضت وقالتلى انها عايزه تعيش مستقله وامى وقتها رفضت رفض تام وقالتلى لو سبتنى لواحدى لانت ابنى ولا اعرفك انا عايزاك تتجوز عشان تجبلى واحده تخدمنى مش واحده تاخدك منى وقتها فضلت افمر ولقيت حل واحد وعرضته على زهره


قررت اروح الملجا واتجوز بنت من هناك واخليها تعيش مع امى فى نفس البيت تخدمها وتشوف طلباتها وفى نفس الوقت اجهز انا شقتى براحتى واتجوز فيها انا وزهره


وفعلاً لما عرضت على زهره الموضوع رحبت وشرطت عليه معملش فرح كبير ولا اقرب من البنت اللى هتجوزها تبقى زوجه على ورق عشان تخدم امى


وفعلاً روحت الملجا انا وماما بحجه زياره ومره فى مره قدرت امى تعجب ببنت وحست انها غلبانه ومكسوره الجناح وتستحمل


كلمنا مديره الدار وافقت وفعلاً قدرت اقنعها اننا نتجوز مع انى عشان انا ابنها الوحيد وانها هتبقى زى بنتها والبنت وافقت وفعلاً الخطوبه ماطولتش وانا معملتش حاجه فى الشقه غير انى جددت الاوضه القديمه بتاعتى


مكنتش بقرب منها بحجه اننا محتاجين وقت نقرب من بعض


عدت الأيام، ولقيت البنت — اللي كان اسمها “مريم” — بتعامل أمي كأنها أمها اللي ولدتها. كانت تصحى من النجمة تنضف وتطبخ وتشوف علاج أمي في مواعيده بالدقيقة، وحتى لو أمي قست عليها في يوم أو تقلت عليها في طلب، كانت مريم تبتسم وتبوس إيدها وراسها وتقولها: “حقك عليا يا أمي، ده أنا تحت رجلك وبركتنا في الدنيا.”


بس بصراحة.. كل ده مكنش فارق معايا في حاجة، ولا كان شاغل بالي أصلًا.


أنا كان كل همي وتركيزي في اتجاه تاني خالص: زهرة، البنت اللي بحبها.



كنت شايف إن مريم دي مجرد وسيلة حلتلي أكبر أزمة في حياتي وريحت دماغي من زن أمي وطلباتها، عشان أفضى لترتيب حياتي اللي بجد. وفي خلال كام شهر، كنت دايس في الشغل ليل نهار لحد ما خلصت شقتي الجديدة وجهزتها على أعلى مستوى.. جبت لزهره شبكة فخمة تليق بيها وتفرح قلبها، وفرشت الشقة من أحسن وأغلى مكان، كل ركن فيها كان معمول على ذوقها وبالتفصيل زي ما حلمت.


كنت برجع البيت عند أمي مهدود، أدخل أوضتي القديمة وأقفل على نفسي الباب عشان مريم متفكرش تفتح معايا كلام. كنت بتعامل معاها ببرود تام وجفاء، وهي كانت تحطلي الأكل وتسألني بصوت واطي: “محتاج أي حاجة تانية؟” أرد عليها بكلمة واحدة من غير ما أبصلها: “لا، شكرًا، اطلعي واقفي الباب.” مكنتش شايفها غير خدامة لأمي وبس، ومكنش يهمني إحساسها ولا هي بتفكر في إيه.


لحد ما الشقة خلصت تمامًا، وبقى مفيش فاضل غير خطوة واحدة انى احدد معاد جوازى


 


قررت ساعتها إني مش هوجع دماغي بمناهدة، ولا هدخل في حوارات ومشاكل مع أمي ومريم ممكن تعطلني.. رتبت كل حاجة في السر، اتفقت مع زهرة وأهلها وحددنا ميعاد الفرح خلاص.


وقبل الفرح بيومين، لميت شنطة هدومي وقولت لأمي ومريم ببرود تام:


“أنا طالع مأمورية شغل مهمة تبع الشركة ومسافر أسبوع برا البلد، تليفوني ممكن يكون مقفول أغلب الوقت، خلوا بالكم من نفسكم.”


أمي دعتلي بالتوفيق والستر، ومريم جريت جهزتلي الشنطة وحطتلي فيها أكل ومصحف صغير، وودعتني بابتسامتها الهادية وهي بتقولي: “ترجع بالسلامة يا رب، الشقة وأمي في عينيا متقلقش على أي حاجة.” أخدت الشنطة من إيدها من غير حتى ما أقولها شكرًا ونزلت وأنا دماغي مش شايفة غير اللحظة اللي هكون فيها مع زهرة.



سافرت وقضيت كام يوم الفرح، عملنا ليلة من أجمل الليالي.. زهرة كانت طالعة زي القمر، فستانها والشبكة الفخمة اللي جبتها وكل حاجة كانت زي ما خططنا وأحسن، مقصرتش معاها في مليم. قضينا يومين في الفندق، وبعدها سافرنا اسبوع وبعدها قررت إن خلاص وقت المواجهة جه، ولازم أحط الكل قدام الأمر الواقع.


أخدت زهرة وركبنا العربية، وروحنا على بيت أمي..


طلعت السلم، طلعت المفتاح وفتحت باب الشقة بمنتهى الهدوء والثقة، ودخلت وأنا ماسك إيد زهرة ومتبتين في إيدين بعض، وزهرة داخلة بكامل شياكتها وبصالي بفخر وانتصار.


أول ما الباب اتفتح، كان صوت التلفزيون واطي، وريحة الأكل مالية البيت..


أمي كانت قاعدة على الكنبة بتسبح، ومريم واقفة جنبها بتناولها كوباية العصير.


أول ما أمي شافتني وشافت البنت اللي ماسكة في إيدي، السبحه وقعت من إيدها، ومريم وقفت متنحة في مكانها والكوباية بتتهز بين صوابعها، وعينيها رايحة جاية بيني وبين إيد زهرة اللي متشبكة في إيدي…


وقفت في نص الصالة، وقولت بصوت عالي وثابت:


“أنا رجعت يا أمي.. وباركيلي، دي زهرة.. مراتي. وحب عمرى


الصدمة لجمت لسان الكل لثواني، وكأن الهوا اتسحب من الصالة فجأة..


الكوباية فلتت من إيد مريم ووقعت على الأرض، صوت تكسير الإزاز رن في الشقة كلها والعصير اتدلق، بس هي حتى مخدتش بالها ولا بصت في الأرض.. كانت عينيها مثبتة في عيني، نظرة مكسورة عمري ما شفت زيها في حياتي، عيون كانت مليانة أمان ورضا واتحولت في لحظة لذهول ووجع كأن روحها بتتسحب منها بالبطيء.


أمي قامت وقفت على رجليها بالعافية، وشها جاب ألوان وعينيها احمرت من الصدمة، بصتلي وزعقت بصوت بيترعش:



“إنت بتقول إيه يا بني آدم إنت؟! مراتك مين؟ ومريم اللي غدرت بيها واستأمنتك على نفسها وبيتك دي إيه؟!”


زهرة شدت على إيدي وعلت راسها بتكبر، وبصت لمريم من فوق لتحت بقرف كده من لبسها البسيط، وأنا رديت على أمي بمنتهى الثبات والبرود:


“يا أمي إهدي واسمعيني الأول.. مريم هتفضل هنا معاكي زي ما هي، معززة مكرمة تأكلك وتديكي علاجك وتخدمك وتشوف طلباتك، وأنا هتكفل بمصاريفها كلها.. بس أنا وزهرة هنعيش في شقتنا الجديدة اللي جهزتها. مفيش حاجة هتتغير عليكي يا أمي، أنتي طلبك إن واحدة تخدمك وتونسك ومريم قايمة بالواجب وزيادة، ودي حياتي وأنا حر فيها، اتجوزت البنت اللي قلبي اختارها.”


زهرة لوت بوزها ورمت كلمتها باستعلاء:


“أهلاً يا طنط.. مبروك علينا. زي ما قالك، أنا مش جاية أضايقك ولا آخدك من بيتك، مريم كفاية أوي عليكي هنا، وإحنا هنبقى نجيلك زيارات نخطف رجلنا نطمن عليكي.”


الكلمة نزلت على مريم زي الكرباج.. شفايفها كانت بتترعش والدموع نزلت على خدها سيل صامت، لا صرخت ولا عاتبت ولا نطقت بحرف.. فضلت باصة للأرض وهي بتلمس صدرها من الوجع، وفجأة مشيت في سكات ودخلت أوضتها وقفلت الباب من غير صوت.


افتكرت إن الموضوع هيعدي وأمي هتهدى لما تفهم إن طلباتها لسه مجابة، لكن اللي حصل صدم قلبي ونزل عليا زي الصاعقة..


أمي قربت مني، وعروق رقبتها بارزة من كتر الغضب، رفعت إيدها وضربتني بالقلم على وشي رن في الصالة.. زهرة شهقت ورجعت لورا، وأنا وقفت متنح مش مستوعب.


أمي بصت في عيني وقالت بصوت رج أركان البيت:


“اخرس.. اقطع لسانك إنت وهي! إنت فاكر نفسك راجل باللي عملته ده؟! إنت عيل خسيس وغدار وواطي! فاكر بنات الناس لعبة في إيدك عشان يتيمة وملهاش حد؟ تجيبها تخدم أمك بلقمتها وتضحك عليها بمشاعر وجواز كداب عشان تفضي نفسك لنزواتك ولهانم الغبرة دي؟!”



وبصت لزهرة بقرف وصرخت فيها:


“اطلعي برا بيتي يا خطافة الرجالة، البيت ده طاهر وميدخلوش أشكالكم.. لا أنتي تلزميني ولا هو يلزمني! واللي يبيع بنت غلبانة يتيمة ملهاش ضهر، يبيع أمه بكرة الصبح عشان يرضيكي!”


وفجأة.. الباب بتاع الأوضة اتفتح، وخرجت مريم، وماسكة في إيدها نفس الشنطة القماش القديمة اللي دخلت بيها البيت أول يوم، قالعة الدهب البسيط اللي كنت جايبهولها وسايباه على ترابيزة الصالة.. كانت حاطة طرحتها وعينيها حمرا من العياط ورايحة ناحية باب الشقة عشان تمشي في سكات تام.


أمي أول ما شافتها، جريت عليها ومسكت إيدها وحضنتها بكل قوتها وهي بتعيط وتقولها:


“وحياة أمي ما أنتي خارجة يا بنتي.. أنتي بنتي اللي مخلفتهاش، والبيت ده بيتك، والواطي ده وعروسته هما اللي يغوروا في ستين داهية وما يعتبوش الباب ده تاني!”


 

بنت الملجا ٢

أمانى سيد


مريم حاولت تشد إيدها براحة من إيد أمي، وصوتها كان طالع مخنوق ومتقطع من كتر القهرة:


“سيبيني يا أمي الله يخليكي.. أنا مليش مكان هنا خلاص. أنا دخلت البيت ده بكرامتي وفاكرة إن ربنا عوضني عن حرماني وعن عيشتي في الدار، فاكرة إني بقيت بني آدمة وليا ضهر وبيت يحميني.. مكنتش أعرف إني مجرد صفقة وخدّامة متسجلة على ورق.”


بصتلي مريم لأول مرة بنظرة خلت الدم يهرب من عروقي.. مكنش فيها غل، كان فيها كمية خذلان وكسرة تهد جبال، وقالتلي بهدوء مرعب:


“أنا مكنتش محتاجة منك فلوس، ولا شبكة ألماظ، ولا شقة في السما.. أنا كنت محتاجة بس أحس إني إنسانة، لو كنت جيت قولتلي الحقيقة من الأول وقولتلي محتاجك تخدمي أمي وتونسيها كنت هوافق لله ولثوابها، لكن تخدعني وتبيع وتشتري فيا كده؟ حسبي الله ونعم الوكيل فيك.. حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا مش هيسيبك.”


قصص وروايات أمانى سيد و


قصص وروايات أمانى سيد ٢


زهرة اتعصبت ولفت وشها، ونفخت بضيق وهي بتشد دراعي:


“إيه الدراما دي كلها؟! يلا بينا يا حبيبي، إحنا غلطانين أصلًا إننا جينا نبرهم ونعملهم حساب.. خليهم يشبعوا ببعض، بيتك وعيشتك الجديدة مستنيينك وسيبك من وجع الدماغ ده.”


أنا لساني كان مربوط، مكنتش قادر أنطق ولا أدافع عن نفسي.. المشهد كان عكس كل اللي رتبته في خيالي، كنت فاكر إني هفرض الأمر الواقع والكل هيرضخ، لقيت نفسي فجأة بطلع من بيت أمي مطرود، وصوت دعاء أمي وغضبها بيرن في ودني ويهز حيطان العمارة.


نزلت وأنا ماسك إيد زهرة، بس الخطوة كانت تقيلة، والنشوة والانتصار اللي كنت حاسس بيهم اتبخروا في ثواني وحل مكانهم إحساس غريب بالخنقة والضيق.



روحت مع زهرة شقتنا الجديدة.. أول كام يوم عدوا في دوامة الجواز والزيارات والخروجات، كنت بحاول أهرب من التفكير، أضحك وأهزر وأقنع نفسي إني عملت الصح وإن ده حقي أعيش مع اللي بحبها.. بس الحقيقة المرة بدأت تظهر بدري أوي.


زهرة مكنتش البنت اللي شوفتها في فترة الخطوبة؛ بدأت طلباتها تزيد بشكل مبالغ فيه، وكل يوم خناقة على مصاريف، وعلى خروج، وعلى دلع مبيخلصش. مكنتش بتعمل لقمة في البيت، وطول النهار نايمة أو ماسكة الموبايل، والبيت دايمًا مقلوب ومهمل، ولما كنت أطلب منها تعمل حاجة كانت تزعق وتقولي: “أنا متجوزاك عشان اتدلع وأعيش هانم، مش عشان أطبخ وأنضف.. هاتلي شغالة تخدمني زي ما كنت متعودة في بيت أهلي!”


وفي يوم، رجعت من الشغل مهدود وتعبان بعد يوم طويل، ملقتش أكل، والشقة تضرب تقلب، وزهرة بتطلب مني أنزل أجيبلها أكل جاهز ومصممة على خروجة مع صحابها.. قعدت على طرف السرير، وافتكرت فجأة مريم.


افتكرت لما كنت أرجع مهدود ألاقي الأكل سخن وريحته تفتح النفس مستنيني، هدومي مغسولة ومكوية في الدولاب بنظام، كوباية الشاي بتتحط قدامي بابتسامة هادية ومن غير ما أنطق بطلب.. افتكرت رضاها وقناعتها اللي كنت شايفها ضعف واستباحتها بغبائي.


قومت من مكاني، ومن غير ما أرد على زهرة، مسكت تليفوني ورنيت على أمي.. بس الخط كان مقفول. رنيت على تليفون البيت، فضلت أسمع الرنة لحد ما قطعت، ومحدش رد.


القلق أكل قلبي، نزلت جري وركبت العربية وطرت على بيت أمي..


طلعت السلم خطوتين خطوتين، وطلعت المفتاح وحطيته في الباب.. بس المفتاح مكنش بيلف، أمي غيرت الكالون.


فضلت أخبط بإيدي الاتنين بهستيريا وأنا بنادي: “يا أمي.. يا أمي افتحي، أنا ابنك وحبيبك.. افتحي عشان خاطري!”



وبعد دقايق، الباب اتفتح بالراحة.. ووقفت قدامي المفاجأة اللي رجعتني لنقطة الصفر وخلتني أدرك حجم الكارثة اللي عملتها في حق نفسي.


الباب اتفتح ببطء، ومكنتش أمي اللي واقفة وراه..


كان راجل كبير في السن، وشه بشوش ومريح، لابس جلباب شيك وباين عليه الهيبة والوقار، وكان واقف جنبه واحد من جيراننا القدامى في العمارة. الراجل بصلي من فوق لتحت بنظرة استغراب وهدوء وسألني:


“خير يا بني؟ بتخبط كده ليه وبتنادي على مين؟”


أنا اتسمرت في مكاني، وبصيت جوة الشقة وقولتله وأنا بنهج وصوتي بيترعش:


“أنت مين وبتعمل إيه في شقة أمي؟! أمي فين ومريم فين؟!”


الجار رد عليا بحزن وعتاب واضح في عينيه:


“والدتك مش هنا يا بني.. والدتك سابت العمارة دي من أسبوعين، والشقة دي اتأجرت للأستاذ.”


الكلمة نزلت على دماغي زي مية ساقعة، رجعت خطوة لورا وقولت بذهول:


“سابت العمارة؟! يعني إيه سابتها؟ راحت فين؟! دي شقتها ومطرحها، هتروح فين يعني ومين اللي معاها؟!”


الجار قرب مني، حط إيده على كتفي وطبطب عليا بحسرة وقال بصوت واطي:


“والدتك تعبت أوي بعد اليوم اللي جيت فيه يا ابني.. جالها جلطة خفيفة من الزعل والضغط ونقلوها المستشفى، ومكنش جنبها في المستشفى دي ليل ونهار غير مريم الغلبانة اللي أنت كسرت بخاطرها.. مريم هي اللي شالتها وغيرتلها وداوتها وسهرت جنب رجلها لحد ما وقفت على حيلها تاني. وأول ما خرجت، والدتك أصرت تبيع عفش الشقة وتأجرها، وقالت إنها مش عايزة تعيش في مكان يفكرها بالخزي والعار اللي عملته.”


مسكت في دراع الجار بهستيريا وقولتله:


“طب راحت فين يا عم الحاج؟! قولي عنوانها الله يسترك، أنا ابنها الوحيد ومينفعش تسيبني كده!”



الجار هز راسه بأسى وشال إيدي من على كتفه:


“معرفش والله يا بني راحت فين.. كل اللي أعرفه إنها كتبت شقة تانية كانت مأجراها لمريم باسمها بيع وشرا، وراحت عاشت معاها، ومريم نزلت تدور على شغل واشتغلت في حضانة عشان تصرف على أمك وتتكفل بعلاجها من غير ما تمد إيدها لمليم منك.. أمك حلفت كل سكان العمارة مفيش مخلوق يديك طريقها ولا يقولك على مكانها، وقالت بالحرف: (ابني مات يوم ما جاب الغريبة وداس على كرامة اليتيمة).”


الدنيا لفت بيا، ونزلت السلم وأنا مش حاسس برجليا تحت مني.. ركبت العربية وضربت بإيدي على الدركسيون وأنا بصرخ من القهرة.


رجعت على شقتي الجديدة.. أول ما فتحت الباب، لقيت زهرة قاعدة حاطة رجل على رجل، بتعمل ضوافرها، وأول ما شافتني داخل وشي أصفر زعقت ببرود:


“كنت فين ده كله؟! الأكل مجاش يعني؟ وبعدين مالك قالب وشك وداخلي زي الهم كده ليه؟”


بصيت لزهرة.. بصيت للوش اللي كنت فاكره حب عمري وكنت مستعد أخسر الدنيا عشانه.. حسيت بغثيان وبقرف من نفسي ومنها. مكنتش شايف فيها غير الأنانية والجشع والخواء.


سكت خالص ومردتش عليها، دخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح.. قعدت على الأرض في الضلمة، وافتكرت كل لحظة دعتلي فيها مريم وهي بتناولني كوباية الشاي، وافتكرت نظرة الرضا اللي في عيون أمي لما كانت مريم بتسندها..


أنا كسبت الشقة الفخمة، وكسبت البنت اللي حاربت عشانها، بس في المقابل؟


خسرت أمي، وخسرت رضاها، وخسرت إنسانة نقية كانت ممكن تشيلني في عينيها العمر كله.. وعرفت ساعتها إن دعوة المظلوم مبتضيعش، وإن ذنب مريم هيفضل كابوس يطاردني ويخنقني في كل لقمة وكل خطوة جاية في حياتي.




الأيام بقت عبارة عن سجن كبير.. زهرة مكنتش بتههد ولا ترحم. الشقة اللي فرشتها بدم قلبي وبأغلى الأشياء تحولت لجحيم، خناقات كل يوم على أقل تفاصيل، وفلوس الشغل اللي كنت بطلع روحي عشان أجيبها كانت بتطير في الشوارع واللبس والخروج والمظاهرات الفارغة.


وفي مرة، وفي نص خناقة كبيرة بيني وبين زهرة، لما قلتلها إنتي طماعة ومبيهمكيش غير نفسك، صرخت في وشي بكل قسوة:


* “أومال إنت فاكر إيه يا روح أمك؟! أنا مش خدامة عندك، ولا قاعدة عشان أطبطب عليك.. أنا اتجوزتك عشان أعيش عيشة الهوانم، ولما لقيتك ولا حاجة وإن كل همك هم أمك والست اللي كانت قاعدة في بيتك، فوق لنفسك أنا مليش دعوة بده كله!”


كلماتها كانت القلم التاني اللي فاقني بس متأخر أوي. بصيتلها وسكتّ.. مكنش فيا حيل أرد، حسيت إن ربنا بيعاقبني جزاء وفاقار على كل اللي عملته.


عدت شهور، والشغل بتاعي بدأ يتأثر بسبب حالتي النفسية اللي بقت تحت الصفر، لحد ما في يوم دخلت الشركة لقيت قرار فصلي أو خصم كبير بسبب الإهمال، والدنيا اتقفلت في وشي من كل ناحية.


زهرة أول ما عرفت إن الفلوس قلت وإن الحال اتغير، مأخدتش وقت.. صحتني في يوم على صوت شنطتها وهي بتلم هدومها، وقالت ببرود وهي خارجة من الباب:


* “أنا مش هعيش في الإفلاس ده.. سلام يا حبيبى، دور على حد تاني ينكد عليك!”


خرجت وسابتني لوحدي في الشقة الواسعة الفخمة اللي بقت كأنها مقبرة.. مكنش فيه لا زهرة، ولا أم، ولا مريم.


قعدت على الأرض أعيط زي العيال الصغيرة، لأول مرة أنزل دمعة حقيقية من قلبي.. افتكرت كل اللي عملته، وندمت ندماً عميقاً ملهوش آخر.


نزلت زي المجنون أدور على أمي في كل مكان ممكن تخطر على بالها.. سألت الجيران القدامى، دورت في المستشفيات، فضلت ماشي في الشوارع زي التائه، لحد ما في يوم، وبعد سنة كاملة من العذاب، وأنا ماشي صدفة جنب حضانة أطفال في منطقة شعبية، سمعت صوت ضحكة طفل بيفكرني بريحة البيت القديم.



رفعت عيني.. لقيت يافطة الحضانة، ولقيت على الباب مريم..


مريم كانت بتبتسم وهي بتسلم طفل لأمه.. كانت أبسط بكتير، بس وشها منور، فيه سك/ينة وسلام داخلي مكنش موجود نهائي وهي في بيتنا.


قلبي دق بجنون، وقفت مش بعيد وعيني دمعت.. لقيتها بصت وشافتني.


ابتسامتها اختفت لثواني، ونظرة الخذلان رجعت في عيونها، بس المرة دي كان فيها إشاعة تسامح أو يمكن شفقة على الحالة الصعبة اللي وصلت لها.. وقفت مكانها من غير ما تقرب، وأنا قربت بخطوات بتترعش، نزلت على ركبي قدامها، وبصيت في الأرض وقلت بصوت مكسور:


* “سامحيني.. أنا جيت أدفع ثمن غبائي وغدري.. أمي.. أمي عاملة إيه؟ والنبي طمنيني عليها.. مش عايز أخدها منك، بس عايز أشوفها وأبوس إيدها قبل ما أموت من الندم.”


مريم بصتلي طويلًا، وفي عيونها لمعت دمعة نزلت على خدها بهدوء، وقالت بصوت دافي هز روحي:


* “أمك.. أمك يا سيدي دعت عليك كتير، بس في كل صلاة كانت بتدعي ربنا يهديك وينور بصيرتك.. أمك عايشة معايا، وفي حضني، وبخير الحمد لله.. بس عشان تقابلك، هى اللي تقرر.. تعالى معايا.”


مشيت وراها وأنا حاسس إني برجع للحياة من جديد، بدموع وندم عمره ما هيتنسي، وعرفت ساعتها إن العوض بيبدأ من ساعة الصدق، وإن حقوق الناس والقلوب الطيبة مابتضيعش عند ربنا أبداً.


مشيت ورا مريم وخطواتي بتجر بعضها بالعافية، لحد ما وصلنا لبيت هادي في منطقة بسيطة.. أول ما الباب اتفتح، شفت أمي قاعدة على كرسي مريح، وشها كان أهدى بكتير من آخر مرة، بس العجز والسن بانوا عليها أكتر.


أول ما عيني جت في عينها، رميت نفسي تحت رجليها وفضلت أعيط وأبوس إيدها وراسها:



“سامحيني يا أمي.. أبوس رجلك اغفريلي، أنا ادمرت وخسرت كل حاجة.. زهرة سابتني أول ما الفلوس راحت والشغل ضاع، وعرفت إن ذنبكم هو اللي عمل فيا كده!”


أمي سكتت ودموعها نزلت، وبصوت هادي وحنين طبطبت على كتفي وقالت:


“مسامحاك يا بني عشان أنت حتة مني.. بس الجرح اللي سيبته في قلب الغلبانة دي مش هيمحيه ندمك ده كله.”


لفيت وشي لمريم، ووقفت قدامها وأنا كلي أمل إني أصلح اللي انكسر.. مسكت إيدها وحاولت أترجاها:


“مريم.. أنا طلقت زهرة ومستعد أبدأ معاكي من الصفر، هعوضك عن كل دمعة نزلت من عينك، هكتبلك كل اللي أملكه، وهعيش خدام تحت رجلك أنتي وأمي.. اديني فرصة تانية وأنا هرجعك على ذمتي وأعملك أحسن فرح في الدنيا.”


لحظة الحقيقة وقرار مريم


مريم سحبت إيدها من إيدي بمنتهى الهدوء والثبات، وبصتلي بنظرة خلتني أحس إني أصغر بكتير مما أتخيل.. مكنش في عينيها أي كره، كان فيها بس استغناء تام وقوة عمرها ما كانت باينة عليها زمان.


قالتلي بصوت واطي بس رن في أركان الأوضة:


“أنت فاهم غلط يا ابن الأصول.. أنا مش ورقة تشتريها وقت ما تعوز وترميها وقت ما تحب، ولا أنا بديل ترجعله لما اللي جريت وراها تكسرك وتبيعك. أنا لما سامحتك، سامحتك عشان أطهر قلبي وميبقاش فيه غل، مش عشان أرجع للبير اللي رماني فيه غدرك. كرامتي اللي داست عليها رجليك زمان رجعتلي يوم ما خرجت من بيتك، ومفيش قوة على الأرض هترجعني ليك تاني.”


عوض ربنا الجميل


مرت شهور، وكنت باجي كل أسبوع أزور أمي وأطمن عليها من بعيد لبعيد، شايف مريم وهي بتكبر في شغلها في الحضانة ومحبوبة من كل الناس.. لحد ما جه اليوم اللي شفت فيه عوض ربنا ليها بعيني.



واحد من أولياء الأمور كان بيجيب ابن أخته الصغير الحضانة كل يوم بعد وفاة أمه.. كان اسمه طارق، مهندس محترم، راجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى. طارق لفت نظره حنية مريم وطيبتها وأخلاقها العالية، ومعاملتها للصغير كأنه ابنها.


* سأل عليها في الحضانة وعرف قصتها كلها بالكامل.


* جه لأمي في البيت، وقعد راجل لراجل يطلب إيد مريم من أمي بصفتها ولية أمرها وسندها.


* قال لأمي جملة عمري ما هنساها: “أنا مش بس جاي أطلب إيد مريم.. أنا جاي أطلب رضاكم وأشيلها هي وحضرتك فوق راسي طول العمر.”


وفي يوم كتب كتابها، وقفت من بعيد أراقب المشهد من ورا الشارع..


شفت مريم بفستان أبيض بسيط من غير أي بهرجة، وشها كان منور بفرحة حقيقية مفيهاش ذرة خوف ولا انكسار، وطارق ماسك إيدها بحب واحترام، بيبصلها كأنها أغلى كنز في الدنيا.


أمي كانت واقفة جنبهم بتزغرد والدموع مالية عينيها من الفرحة، ولأول مرة أشوف ابتسامة أمي الصافية اللي اتحرمت منها سنين.


ساعتها بس فهمت.. إن القلوب النقية مابتتكسرش للأبد، وإن ربنا لما بياخد من الطيبين بيعوضهم بأحسن بكتير، أما أنا.. فكان نصيبي إني أعيش باقي عمري شايل ذنب غبائي، وأتفرج على السعادة اللي ضيعتها بإيدي وهي بتبني بيت تاني مع راجل عرف قيمتها بجد.


أما زهرة.. فكانت فاكرة إن الدنيا هتفضل تضحكلها، وإن جمالها وشطارتها في التلاعب هيفتحولها كل الأبواب المقفولة.


بعد ما سابتني وطلبت الطلاق وأخدت كل اللي قدرت عليه، كانت حاطة عينها على مستوى أعلى.. مكنتش مقتنعة بحياتها معايا من الأول، وعيونها كانت دايمًا باصة لفوق، للي عنده فلوس أكتر وعربيات أفخم ومظاهر تتباهى بيها قدام صحابها على السوشيال ميديا.



بعد طلاقنا بفترة قصيرة، اتعرفت على راجل أعمال – أو على الأقل ده اللي كان مبينه للناس – كان بيغرقها هدايا ومظاهر كدابة، ووعدها إنه هيعيشها عيشة الأميرات في فيلا في التجمع وسفر بره مصر كل شهر. زهرة انبهرت بكل سهولة، ومفكرتش تسأل عن أصله ولا فصله ولا حتى مصدر الفلوس دي إيه.. كل اللي كان فارق معاها إنها لقت “الصيد الثمين” اللي يرضي غرورها.


اتجوزته في فرح أسطوري، ونزلت صور وفيديوهات عشان تغيظ كل الناس وتثبت إنها كسبت في الآخر.. بس الحفلة مكملتش.


سقوط القناع


بعد شهرين اتنين بس من الجواز، بدأت الحقيقة المرة تنكشف:


طلع نصاب ومطارد: الراجل طلع غرقان في ديون وشيكات بدون رصيد، والفيلا والعربيات كلها كانت إيجار ومظاهر كدابة لنصب أكبر.


الاستغلال والورطة: استغل طمعها وكتب باسمها عقود وشركات وهمية، وأقنعها تمضي على وصولات أمانة وشيكات بحجة إنه بيأمن مستقبلها وبيعملها بيزنس خاص بيها.


الهروب الكبير: فجأة وفي ليلة وضلتها، فص ملح وداب.. هرب بره البلد وساب وراه بلاوي متلتلة.


زهرة صحت في يوم على صوت خبط ورزع على باب الشقة.. كانت الشرطة ومعاهم أحكام وقضايا نصب وشيكات بالملايين موجهة ضدها هي بصفتها الشريكة والضامنة في كل الأوراق.


اتقبض عليها ونزلت بالكلابشات في إيديها قدام عمارة كاملة وعيون الناس بتاكل فيها.. كل الدهب واللبس والشبكة اللي حرقت دمي عشان أجيبهالها اتبعوا في مزادات عشان يسددوا جزء بسيط من الديون، وأهلها اتبروا منها ومن الفضايح اللي جابتهالهم.


 


وفي زيارة لمحامي كنت بخلصله ورق قديم، شفتها بالصدفة في المحكمة..


كانت قاعدة على دكة خشب، لابسة لبس الحبس الأبيض الباهت، وشها مطفي، مفيش نقطة مكياج، وعينيها غرقانة في رعب وذل لا يوصف، مستنية حكم بالسجن هيضيع من عمرها سنين وسنين.



بصيتلها من بعيد وافتكرت يوم ما دخلت بتبص لمريم باستعلاء وقرف وتقولها “أنتي كفاية عليكي تخدمي هنا”..


سبحان من يذل من يشاء ويعز من يشاء؛ مريم اللي اتقهرت وداست على كرامتها ربنا كرمها ببيت وعز وراجل شايلها فوق راسه، وزهرة اللي شافت نفسها على خلق الله وبنت سعادتها على خر


اب البيوت، رماها طمعها في قاع مظلم ورا القضبان، تدوق نفس مرارة الكسرة.. بس بأبشع طريقة ممكنة.


 



 


تعليقات

close