سر زوجي حكايات نور محمد
سر زوجي حكايات نور محمد
جوزي بيخـونـي وبيدي نص مرتبه لواحدة تانية في السر، لكن اللي لقيته لما روحت أواجهها في شقتها غير نظرتي لجوزي وللدنيا كلها!
أنا اسمي نور، عندي ٣٠ سنة، متجوزة من ٤ سنين من “طارق”، راجل محترم وحنين جداً، عايشين حياة هادية ومستقرة ومفيش بيننا أي مشاكل تذكر. طول عمري بشوفه الزوج المثالي، مابيتأخرش بره، بيهتم بيا، وبيعمل كل حاجة عشان يسعدني. بس من حوالي ٦ شهور، بدأت ألاحظ حاجات غريبة.
طارق بقى يمسك تليفونه كتير، أوقات يخرج البلكونة يتكلم بصوت واطي جداً، ولما أقرب منه يقفل المكالمة بسرعة ويقولي ده شغل. عديتها مرة واتنين، لحد ما في يوم كان سايب محفظته على الترابيزة ودخل ياخد دش. الشيطان شاطر.. فتحت المحفظة، ولقيت إيصالات تحويل بنكي بمبالغ كبيرة جداً، تقريباً نص مرتبه، بتتبعت بانتظام كل أول شهر لاسم واحدة اسمها “سلمى عبدالرحمن”.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا، ونار قادت في قلبي. جوزي؟ حبيبي اللي واثقة فيه بيخونني؟ ومين سلمى دي اللي بيصرف عليها كل الفلوس دي؟ سكتّ وما واجهتوش، وقررت أدور وراه بنفسي. راقبته في صمت، لحد ما في يوم نسي اللاب توب بتاعه مفتوح، لقيت رسايل بينه وبينها بيقولها فيها: “ماتقلقيش، أنا جنبك ومستحيل أسيبك، حقك عليا أنا”.
يومها مقدرتش أمسك نفسي من العياط.. الإحساس بالخذلان كان بياكل في روحي. بس قررت إني مش هبكي في صمت، أنا لازم أروح أشوف مين دي، وأواجهها قبل ما أطلب الطلاق.
أخدت العنوان من واحد من الإيصالات اللي صورتها، ونزلت تاني يوم الصبح وهو في الشغل. وصلت لعنوان في عمارة قديمة شوية بس راقية. طلعت الدور التالت، وقفت قدام الباب وأنا قلبي بيدق كأنه هيخرج من ضلوعي. كنت مجهزة كلام يوجع، وناوية أقلب الدنيا على دماغها.
رفعت إيدي ورنيت الجرس.. ثواني وسمعت صوت خطوات تقيلة بتقرب.. الباب اتفتح، ولقيت قدامي بنت في أواخر العشرينات، ملامحها هادية جداً بس وشها شاحب، وقاعدة على كرسي متحرك!
بصيت لها بصدمة، ولسه هفتح بوقي وأتكلم، عيني لمحت الصالة وراها.. كان متعلق على الحيطة برواز كبير فيه صورة طارق جوزي، بس الصدمة مكنتش في صورته.. الصدمة كانت في الشخص اللي متصور معاه في البرواز التاني، واللي خلاني أرجع خطوتين لورا وأنا مش قادرة أتنفس.
#الكاتبه_نور_محمد
وقفت متسمرة في مكاني، عيني مش قادرة تتحرك من على البرواز التاني…
كانت صورة كبيرة، بتجمع تلات أشخاص… جوزي “طارق” واقف بيضحك من قلبه ضحكة صافية عمري ما شفتها على وشه من يوم ما اتجوزنا، وحاطط إيده على كتف شاب تاني أصغر منه في السن، ملامحه قريبة جداً من طارق بس على أهدى وأرق. وفي النص، كانت واقفة البنت دي… “سلمى”، بس ما كانتش على كرسي متحرك! كانت واقفة على رجليها، لابسة فستان فرح بسيط، وبتبتسم للكاميرا بابتسامة بتشع حياة وأمل. الشاب الصغير كان لابس بدلة عريس، وباصص لسلمى بنظرة كلها حب.
حسيت إن الهوا اتسحب من الأوضة، ورجلي ما بقتش شيلاني. الأفكار بتضرب في دماغي زي العواصف… مين الشاب ده؟ وإزاي سلمى كانت بتمشي؟ وليه طارق متصور معاهم في يوم فرحهم بالشكل الحميمي ده؟ وليه خايف ومخبي عني كل ده؟
صوت هادي ودافي قطع حبل أفكاري، رجعني للواقع وأنا بنهج كأني كنت بجري مسافة طويلة:
ـ “أنتِ نور… صح؟”
لفيت وشي بسرعة ناحيتها، عينيها كانت مليانة دموع، بس على شفايفها ابتسامة هادية جداً، ابتسامة حد كان مستني اللحظة دي من زمان.
بلعت ريقي بصعوبة، وصوتي طلع مهزوز، مليان غضب على حيرة على وجع:
ـ “أنتِ تعرفيني؟ ومين أنتي؟ ومين الشاب اللي في الصورة ده؟ وإيه علاقة جوزي بيكي عشان يبعتلك نص مرتبه كل شهر ويقولك ‘أنا جنبك وحقك عليا’؟ أنا مش هخرج من هنا غير لما أفهم كل حاجة، أنا بيتي بيتخرب!”
سلمى حركت الكرسي المتحرك بتاعها بهدوء، وشاورتلي على كنبة قديمة بس نظيفة ومترتبة بعناية:
ـ “ادخلي يا نور… أنا عارفة إنك مصدومة، وحقك تفكري في أسوأ الحاجات. أنا لو مكانك هعمل أكتر من كده. بس أرجوكي اقعدي، أنا هحكيلك كل حاجة. الحكاية اللي طارق شايلها في قلبه لوحده ومخبياها عن الدنيا كلها… حتى عنك.”
الحقيقة المدفونة تحت رماد الماضي
دخلت وقعدت على طرف الكنبة، جسمي كله مشدود، مش قادرة أرخي أعصابي. سلمى قربت بالكرسي لحد ما بقت قدامي، وبدأت تتكلم وصوتها بيترعش:
ـ “الشاب اللي في الصورة ده… يبقى ‘زياد’. زياد أخو طارق الصغير.”
الكلمة نزلت على ودني زي الصاعقة. قاطعتها بصوت عالي:
ـ “أخوه؟! طارق وحيد ملوش إخوات! هو قالي كده من أول يوم اتعرفنا فيه… قالي إن أبوه وأمه ماتوا وهو في الجامعة ومقاليش أبداً إن ليه أخ!”
نزلت سلمى عينيها للأرض، ومسحت دمعة هربت منها وقالت:
ـ “طارق اعتبر إن زياد مات، واعتبر إن جزء من روحه مات معاه. زياد كان كل حاجة في حياة طارق… كان ابنه وأخوه وصاحبه. ولما طارق اتخرج وبدأ يشتغل، كان بيصرف على زياد عشان يكمل تعليمه. أنا وزياد كنا زمايل في الكلية، وحبينا بعض، وطارق هو اللي جوزنا وهو اللي وقف جنبنا.”
سكتت لحظة، وكأنها بتستجمع قوتها عشان تفتح جرح قديم، وكملت:
ـ “بعد جوازي أنا وزياد بشهرين، حصلت الكارثة. زياد كان شاب طايش شوية، دخل في مشروع مع ناس مش كويسين، واستلف منهم مبلغ كبير من غير ما يقول لطارق. الناس دي طلعت عصابة، ولما زياد مقدرش يسدد، بدأوا يهددوه بينا. يومها، زياد اعترف لطارق وهو بيبكي. طارق ما فكرش لحظة، سحب كل مدخراته، وباع عربيته، وأخدنا أنا وزياد في عربية متأجرة عشان نروح نقابلهم ونسدد الفلوس ونقفل الصفحة دي للأبد.”
قلبي بدأ يدق بسرعة، وحسيت بانقباضة في صدري كأني عايشة معاها نفس اللحظة.
ـ “وإحنا على الطريق الزراعي بالليل… عربية نقل كبيرة تبع الناس دي طلعت علينا فجأة. كانوا قاصدين يرهبونا، بس الموضوع خرج عن السيطرة. العربية خبطتنا بكل قوتها، وعربيتنا اتقلبت بينا كذا مرة ونزلت في الترعة.”
شهقت غصب عني، وحطيت إيدي على بوقي. سلمى كملت ودموعها بتنزل زي المطر:
ـ “أنا فقدت الوعي، ولما فقت لقيت نفسي في المستشفى. عرفت بعدها إن طارق قدر يكسر الإزاز ويخرج، وغطس في المية عشان يطلعنا. طلّعني أنا الأول، ولما رجع عشان يطلع زياد… كانت العربية نزلت في القاع، وزياد كان محشور جوه. طارق فضل يغطس لحد ما رئته كانت هتنفجر، بس مقدرش ينقذه. زياد مات غرقان قدام عين أخوه.”
وعد تحت وطأة الذنب
المكان بقى هادي تماماً، مفيش غير صوت شهقات سلمى المكتومة. أنا كنت قاعدة متصلبة، مش قادرة أستوعب حجم المأساة اللي جوزي عاشها. طارق… الراجل الهادي الحنين اللي دايماً بيضحك في وشي، شايل جواه الجحيم ده كله؟!
سلمى كملت وهي بتبص لرقبتها:
ـ “الحادثة دي مكنتش بس نهاية حياة زياد… دي كانت نهاية حياتي أنا كمان الطبيعية. العمود الفقري بتاعي اتكسر، والدكاترة قالوا إني مستحيل أمشي تاني. طارق كان بيقف قدام باب العناية المركزة يضرب نفسه ويبكي زي الأطفال. كان بيلوم نفسه، بيقول إنه السبب، إنه لو كان سدد الفلوس من بدري، لو كان طلّع زياد قبلي، لو، لو، لو…”
سكتت شوية وأخدت نفس عميق:
ـ “يوم ما خرجت من المستشفى، طارق ركع قدام الكرسي بتاعي، وبكى بكاء عمري ما شفته من راجل. ومسك إيدي وحلف لي بحياة زياد اللي مات، إنه عمره ما هيسيبني، وإنه هيكون مسؤول عني ليوم الدين. قالي بالنص: (أنا قتلت فرحتك وحياتك يا سلمى، وحقك عليا أنا هفضل تحت رجليكي لحد ما أموت).”
الكلمة رنت في ودني… (حقك عليا أنا… أنا جنبك ومستحيل أسيبك)… نفس الرسايل اللي قريتها على اللاب توب وكنت فكراها رسايل خيانة وحب لغيري! طلعت رسايل قهر وذنب ووعد شرف من راجل حقيقي.
ـ “وليه… ليه خبا عليا؟ ليه ما قاليش من الأول؟” سألتها وصوتي كله شجن ودموعي بدأت تنزل.
ردت سلمى بابتسامة حزينة:
ـ “لأنه كان خايف. طارق لما ساب البلد القديمة وجه هنا، كان بيهرب من ذكرياته. كان شايف نفسه نذير شؤم. ولما عرفك وحبك، شاف فيكي النور اللي هينقذه من الضلمة. كان خايف لو حكالك عن أخوه وعن الكارثة اللي حصلت، تشوفيه راجل مكسور، أو تحسي إنك شيلة حمل تقيل ومسؤولية واحدة معاقة ملهاش ذنب. كان عايز يبدأ معاكي صفحة بيضاء، خالية من أي وجع. فلوسه اللي بيبعتها لي مش حب في السر يا نور… دي كفارة عن ذنب هو أصلاً ملوش ذنب فيه، ده قضاء ربنا. دي مصاريف علاجي وجلسات العلاج الطبيعي اللي رافض يخليني أبطلها عشان لسه عنده أمل إني أمشي تاني.”
المواجهة التي غيرت كل شيء
في اللحظة دي، سمعت صوت مفتاح بيلف في باب الشقة.
الباب اتفتح، ودخل طارق وهو شايل في إيده أكياس أدوية وفاكهة، وبيتكلم بصوته الدافي المعتاد:
ـ “يا سلمى أنا جبتلك الدوا الجديد اللي الدكتور كتبه، وكلمت المركز عشان جلسات الأسبوع الجاي…”
فجأة، طارق رفع عينه… وشافني.
الأكياس وقعت من إيده على الأرض. الأدوية اتنطرت والفاكهة اتدحرجت تحت رجليه. وشه جاب ميت لون، وعينيه وسعت بصدمة كأنه شاف شبح. كان واقف مكانه مش قادر يتحرك، شفايفه بتترعش ومش قادر ينطق ولا حرف. شفت في عينيه رعب حقيقي… مش رعب خاين اتكشف، لأ… رعب طفل صغير خايف يتخلى عنه أكتر إنسان بيحبه.
قمت وقفت، ومشيت خطوات بطيئة ناحيته. عيني في عينه، وهو بدأ يتراجع لورا خطوة بخطوة، لحد ما ضهره لزق في الحيطة. نزل راسه للأرض، ودمعة يتيمة نزلت من عينه، وقال بصوت متقطع ومكسور:
ـ “نور… أنا… أنا هفهمك… أرجوكي ما تظلمينيش… أنا والله العظيم ما خنتك… أنا بس…”
مقدرش يكمل. الراجل القوي السند، انهار قدامي. حط إيديه الاتنين على وشه، ونزل على ركبه في الأرض، وبدأ يبكي بصوت عالي، شهقات طالعة من أعماق روحه، شهقات مكتومة بقالها سنين طويلة تحت قناع الزوج السعيد المستقر.
نزلت لمستواه، قعدت على ركبي قدامه. شديت إيديه من على وشه بصعوبة، ومسكتهم بين إيديا. بصيت لملامحه اللي شقيت من الحزن، وللجرح القديم اللي فوق حاجبه اللي دايماً كان يقولي إنه من وقعة وهو صغير، وعرفت دلوقتي إنه من حادثة العربية.
ـ “ليه يا طارق؟” قلتها بصوت حنين مليان عتاب محب. “ليه تشيل الجبل ده كله لوحدك؟ ليه تحرمني إني أكون كتفك وسندك زي ما أنت دايماً سندي؟ أنت فاكرني سطحية لدرجة إني أسيبك عشان عندك ماضي بيوجعك؟”
رفع عينه المليانة دموع وبصلي بذهول، كأنه مش مصدق اللي بيسمعه.
ـ “أنتِ… أنتِ عرفتي كل حاجة؟”
هزيت راسي ودموعي بتنزل:
ـ “عرفت إن جوزي أنبل وأرجل إنسان في الدنيا. عرفت إني متجوزة بطل، مش خاين. إزاي تفكر إن مسؤوليتك عن مرات أخوك ممكن تبعدني عنك؟ دي الحاجة اللي خلتني أحبك وأحترمك أضعاف أضعاف ما كنت بحبك. الراجل اللي ما يفرطش في لحمه ودمه، وفي وعده للميت، مستحيل يفرط في مراته وعشرة عمره.”
طارق مقدرش يستحمل، اترما في حضني ومسك في هدومي كأنه غريق لقى طوق النجاة. فضل يعيط، وطلع كل الوجع والكبت والخوف اللي عاش بيهم السنين دي كلها. كنت بطبطب على ضهره وأنا بعيط معاه، وسلمى ورا بتعيط وبتدعي لنا من قلبها.
نهاية وبداية
في اليوم ده، ما رجعناش البيت غير بالليل متأخر. قعدنا مع سلمى، أكلنا سوا، وضحكنا، وبكينا، وحكينا كتير. طارق حس إن صخرة وزنها أطنان انزاحت من على صدره. لأول مرة أشوفه بيتنفس بحرية، من غير ما يحسب الكلمة، ومن غير ما يستخبى عشان يرد على تليفون.
قررنا قرار واحد، مفيش رجعة فيه.
تاني يوم الصبح، طارق أجر عربية نقل، ورحنا شقة سلمى لمينا كل حاجتها. مكانها مابقاش لوحدها في العمارة القديمة دي. سلمى نقلت تعيش معانا في الأوضة الفاضية اللي في شقتنا، الأوضة اللي كنا سايبينها للطفل اللي لسه مجاش. بس ربنا رزقنا بوجود سلمى، اللي بقت أختي وصحبتي وبنتي.
مرت الأيام والشهور. الشك اللي كان هيدمر حياتي، تحول ليقين وحب ملوش حدود. بقيت أنا اللي بنزل مع سلمى جلسات العلاج الطبيعي لما طارق يكون في الشغل. بقيت أنا اللي بفكرها بمواعيد دواها. وطارق؟ طارق رجعت له روحه، بقى إنسان جديد، متصالح مع نفسه ومع ماضيه.
وفي يوم من الأيام، واحنا قاعدين كلنا بنتفرج على التلفزيون بليل، سلمى نادت عليا. بصيت لها… لقيتها واقفة على رجليها!
ساندة على عكازين، بس واقفة!
صرخت من الفرحة، وطارق جري عليها سندها وهو بيسجد شكر لله في الأرض. كان انتصارنا كلنا على الوجع والموت واليأس.
الخلاصة
أحياناً، الظواهر بتخدعنا، وبنخلي الشياطين تلعب في دماغنا وتصور لنا أسوأ السيناريوهات. الثقة، والمواجهة بهدوء، ومحاولة فهم اللي قدامنا قبل ما نحكم عليه، ممكن تنقذ بيوت من الخراب، وتكشف لنا عن معادن حقيقية من الدهب الصافي متغطية بتراب الخوف. جوزي مكنش بيخوني… جوزي كان بيمارس أقصى درجات الرجولة والشهامة في صمت. والحمد لله إني ما هديتش بيتي، وكسبت راجل عظيم، وأخت أعظم.
الكاتبه_نور_محمد


تعليقات
إرسال تعليق