رواية حق مكتسب كامله حكـايات مني السيد حصري
رواية حق مكتسب كامله حكـايات مني السيد حصري
حكايات مني السيد حصري
حوّليلي ٤٨ ألف جنيه، أمي محتاجة كنبة سرير طبية كويسة عشان لما تيجي تعيش معانا .... جوزي قال الجملة بمنتهى الهدوء، وكأنه بيطلب من سلمى تجيب شوية حاجات من السوبر ماركت... أما سلمى، فكانت واقفة في بلكونة الشقة بتنشر الغسيل، ولسه ماسكة آخر قطعة في إيدها.
سكتت ثواني، وبعدين بصت له من فوق كتفها.
تيجي تعيش معانا؟
رامي كان قاعد على الكنبة في الصالة، عينه في الموبايل، ورد عليها بمنتهى الثقة
أيوه طبعًا. أمي هتيجي بعد بكرة بكل حاجتها، وهتعيش هنا على طول.
سلمى سابت قطعة الغسيل من إيدها، ودخلت من البلكونة وهي مش مستوعبة.
على طول يعني إيه يا رامي؟
رفع عينه من الموبايل وقال
يعني على طول يا سلمى. أمي باعت نصيبها في البيت اللي في البلد لخالتي، ومبقاش عندها مكان تعيش فيه.
سلمى بصت له شوية، وبعدين سألته
طب والفلوس اللي أخدتها من بيع البيت؟
رامي اتنهد، وكأنه زهق من أسئلتها.
فلوسها وهي حرة فيها. هتحطهم في البنك وتعيش من عائدهم. دي فلوس مستقبلها.
سلمى ابتسمت بسخرية.
يعني والدتك باعت نصيبها في البيت بمبلغ كبير، ومعاها فلوس تأمن مستقبلها، وفي نفس الوقت هتيجي تعيش في شقتي، وأنا كمان اللي أدفع ٤٨ ألف جنيه عشان أجيب لها كنبة؟
حكايات_مني_السيد
رامي رفع صوته
شقتك؟! هو إحنا بقينا غرب عن بعض؟
سلمى سكتت.
الشقة دي أصلًا كانت ملكها قبل الجواز... ورثتها عن جدها، وكانت هي اللي دفعت فلوس تشطيبها بالكامل.
هي اللي اختارت المطبخ.
هي اللي جابت الأجهزة.
هي اللي فرشت الشقة.
حتى معظم العفش كان من فلوسها.
لكن رامي، من أول يوم دخل فيه البيت، كان بيتعامل مع كل حاجة وكأنها حق مكتسب ليه... وبمرور الوقت، كلمة شقتي اختفت من كلامه، وبقت كل حاجة بيتنا.
رامي قام من مكانه واتجه للمطبخ، فتح التلاجة وأخد زجاجة مية، وقال
وبعدين إنتِ شغلك من البيت أغلب الوقت، يعني هتبقي موجودة معاها. أمي محتاجة حد يونسها ويكون جنبها.
سلمى بصت له بعدم تصديق.
هو إنت قررت كل ده لوحدك؟ ولا والدتك قررت وإنت جاي تبلغني؟
رامي ضحك بسخرية.
يا سلمى متكبريش الموضوع. دي أمي. وبعدين إحنا عيلة واحدة، مش محتاجين نقعد نستأذن بعض على كل حاجة.
وبعدين رجع يبص في موبايله وقال
حوّلي الفلوس النهارده. أنا قولتلها إن الكنبة هتكون جاهزة قبل ما توصل.
سلمى ما ردتش... رامي افتكر إنها وافقت... وده بالضبط اللي كانت عايزاه... لأنها لو قالت له لأ، كان هيبدأ خناقة.
ولو وافقت، كان هيعتبر إن الموضوع انتهى.
لكن سلمى المرة دي قررت تعمل حاجة تالتة.
تسكت... عدى اليوم من غير ما تحول جنيه واحد.
وفي الليل، رامي نام وهو مطمن إنها في الآخر هتعمل اللي هو عايزه. حصري على صفحة روايات و اقتباسات.. أما سلمى، فكانت عينيها مفتوحة في الضلمة... مش قادرة تستوعب إن جوزها قرر يدخل أمه بيتها للأبد من غير حتى ما ياخد رأيها... لكن حوالي الساعة اتنين بعد منتصف الليل، حصل شيء خلّا سلمى تعرف إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد كنبة.
كان موبايل رامي متوصل بالسماعة عشان يشحن.
وفجأة، اشتغل تسجيل صوتي على واتساب بالصدفة.
سلمى قامت من السرير.
وأول ما سمعت صوت حماتها نوال، وقفت مكانها.
يا رامي، إوعى تقول لسلمى أنا أخدت كام من بيع البيت. الفلوس دي بتاعتي ومش هصرف منها جنيه.
سلمى قربت ناحية الموبايل وهي مش مصدقة اللي بتسمعه.
صوت نوال كمل
أنا مش هدفع إيجار، ولا أكل، ولا فواتير. هي عندها شقة كبيرة، يبقى تستحملني.
وبعدين أنا مش غريبة عنها.
سكتت ثواني، وبعدين قالت
وأهو مع الوقت تتعود.
سلمى حسّت ببرودة في جسمها... لكنها فضلت تسمع.
لأن التسجيل كان لسه شغال...وبعد ثواني، سمعت صوت رامي متقلقيش يا أمي. سلمى في الآخر بتوافق على كل حاجة. أنا عارف أتعامل معاها.
سلمى حطت إيدها على بقها عشان تمنع نفسها من إصدار أي صوت... في اللحظة دي، فهمت كل حاجة... رامي ماكانش شايف طيبتها حب... كان شايفها ضعف...وسكوتها مش احترام... كان بالنسبة له فرصة.
طول السنين اللي فاتت، كانت كل مرة بتعدي موقف عشان تحافظ على بيتها... كل مرة تقول مش مستاهلة.
جوزي.
أمه.
بلاش مشاكل.
لكن فجأة اكتشفت إن كل تنازل عملته، رامي وأمه كانوا بيعتبروه خطوة جديدة في طريق السيطرة على حياتها.
رجعت سلمى السرير من غير ما تقول كلمة. لكنها ما نامتش.
الصبح، رامي لبس هدومه وقال
أنا رايح البلد أساعد أمي تجهز حاجتها.
وبعدين بص لها وقال
ومتنسيش التحويل يا سلمى.
سلمى ابتسمت له بهدوء.
حاضر.
خرج رامي من البيت وهو واثق إنها أخيرًا استسلمت.
لكن أول ما سمعت صوت باب الشقة وهو بيتقفل...
سلمى مسكت موبايلها... فتحت قائمة الأسماء.
فضلت تدور لحد ما وصلت لاسم محمود، ابن خالها، اللي بقالها شهور ماكلمتوش... وضغطت اتصال.
ألو؟ سلمى؟
سلمى أخدت نفس طويل.
محمود، أنا محتاجة منك خدمة.
خير؟ حصل إيه؟
سلمى بصت ناحية الصالة، وبعدين قالت
محتاجاك تعمل معايا دور.
محمود ضحك
دور إيه بس؟
لكن سلمى ما ضحكتش... وقالت بمنتهى الجدية
أهم دور ممكن تعمله في حياتك.
فهميني.
سلمى قربت من الشباك وبصت للشارع، وقالت
حماتي جاية بعد بكرة بخمس شنط، ومفكرة إنها داخلة شقتي عشان تعيش فيها للأبد.
وسكتت لحظة... ثم ابتسمت ابتسامة غامضة وقالت
بس هي ورامي مش عارفين إن الشقة هتكون مختلفة تمامًا لما يوصلوا.
محمود سألها
إنتِ ناوية تعملي إيه؟
سلمى ردت
هخليهم يندموا إنهم افتكروا إني هفضل ساكتة.
لأن سلمى ماكانتش ناوية تمنع نوال من دخول البيت...
ولا حتى كانت ناوية تتخانق مع رامي... هي كانت محضرة لهم مفاجأة.....يتبع !!! حكايات_مني_السيد
محمود سكت ثواني على التليفون، وكأنه بيستوعب نبرة صوتها اللي عمره ما سمعها منها قبل كده. سلمى طول عمرها العاقلة، الهادية، اللي بتشتري راحة بالها بأي تمن، واللي كانت دايمًا بتلتمس الأعذار للكل حتى لو على حساب كرامتها وأعصابها.
سلمى، إنتِ بتتكلمي بجد؟ رامي عمل إيه عشان توصلي للمرحلة دي؟ وإيه حكاية الخمس شنط دي كمان؟
سلمى سحبت نفس طويل، وقعدت على الكرسي اللي جنب الشباك، عينيها كانت بتلمع ببرود غريب، ما فيهوش ولا ذرة دموع رامي معتبر إن طيبتي دي قلة حيلة يا محمود. معتبر إن الشقة اللي جدي كتبهالي، واللي دفعت فيها ډم قلبي وتشطيبي وفرشي، بقت تكية ليه ولأمه.
الحكاية مش حكاية أمه تيجي تعيش معانا وبس، الحكاية إنها باعت نصيبها في بيت العيلة، وحطت الفلوس في جيبها، وجاية تعيش عالة ومكلفة، وكمان طالب مني أدفع تمن سرير طبي لأمه من حر مالي عشان الهانم ترتاح، وأنا اللي أخدم وأشيل وأحط!
محمود صوته اتغير وبقى فيه ڠضب نعم؟! وإنتِ سكتيله ليه من الأول يا بنتي؟ ما وقفتيهوش عند حده ليه أول ما فتح بقه؟
لإن المواجهة المباشرة كانت هتخليني أنا الۏحشة في نظر الكل. كان هيقول مراتي پتكره أمي، مراتي طاردة ولاد الأصول، ويقلب الترابيزة عليا ويستغل نقطة إني بشتري المشاكل وبسكت. أنا سمعتهم بودني بالليل وهو بيكلمها في التسجيل وبيقولها متقلقيش يا أمي سلمى بتوافق على كل حاجة وأنا عارف أتعامل معاها.
.. يعني مرسومة
ومخططة بمنتهى الخبث.
طب وعايزاني أعمل إيه بالظبط؟ إنتِ عارفة إني في ضهرك، بس فهميني الخطة عشان مبوظش الدنيا.
سلمى بصت في الصالة الواسعة، وشافت كل ركن فيها، السجاد الإيراني اللي كانت بتلف بيه مع خالتها عشان تجيبه، الستائر، الصالون المدهب، وشاشة التلفزيون الضخمة، وقالت بثبات إنت شغال في مكتب سمسرة وعقارات كبير، ومعاك مفاتيح شقق، وليك معارف في شركات الشحن ونقل العفش، صح؟
صح، ده شغلي وأكل عيشي.
حلو أوي. قدامك قد إيه وتكون عندي هنا في الشقة؟ رامي في الطريق للبلد ووراهم على الأقل يوم ونص هناك عقبال ما يلموا حاجتها ويجيبوا العربيات.
ساعة زمن وأكون عندك. بس يا سلمى، قوليلي فكرتك إيه برضه عشان أعمل حسابي؟
فكرتي يا ابن خالي... إن اللي يبيع بيته عشان يرتاح، يلاقي نفسه داخل على راحة تانية خالص غير اللي رتبلها في دماغه. تعالى، وكل حاجة هتفهمها على الطبيعة.
قفلت سلمى مع محمود، وقفت في نص الصالة، لفت طرحتها، ودخلت أوضة النوم. طلعت شنطة هدومها الكبيرة، فتحت الدولاب وبدأت تفرز حاجتها بهدوء شديد وتركيز مدهش. ما سابتش قطعة دهب، ولا ورقة تخص الشقة أو حساباتها في البنك، ولا حتى شهادات التقدير وجوازات السفر. حطت كل ده في شنطة يد خاصة وركنتها جنب الباب.
بعد أقل من ساعة، جرس الباب رن. فتحت سلمى وكان محمود واقف ومعاه شنطة شغله الصغيرة. صباح الخير يا سلمى. ادخل يا محمود، تعالى.
دخل محمود وبص في الشقة المترتبة على سنقة عشرة، وسألها وهو بيحط حاجته على الترابيزة خير يا بنتي؟ قوليلي بقى إيه الدور اللي هلعبه؟
سلمى شربت رشفة مية، وبصت له في عينيه الشقة دي ملكي أنا رسمي وقانوني، صح؟ وعقد الملكية مسجل باسمي من قبل ما أعرف رامي، والعقد الأخضر في خزن البنك، مظبوط؟
مظبوط، وأنا اللي كنت حاضر معاكي التسجيل بنفسي.
حلو. الشقة دي مساحتها ميتين وعشرين متر، فيها تلات أوض وصالة واسعة قطعتين وحمامين ومطبخ كبير. رامي وأمه فاكرين إنها قصر مفتوح للهانم تتحكم وتتأمر فيه، وتعيش في براح وأنا شغالة عندها. أنا بقى عايزة أأجر أوضتين من التلاتة دول يا محمود!
محمود فتح عينيه على وسعهم وبرق تأجري إيه؟! إنتِ اټجننتي يا سلمى؟ تأجري أوض في شقة جوزك عايش معاكي فيها؟ إنتِ واعية للكلام ده؟
سلمى ردت ببرود يغيظ رامي مش مالك للشقة يا محمود، رامي ساكن معايا في بيتي اللي كرمته بيه. وهو بنفسه الصبح قال جملة عظيمة أوي هو إحنا بقينا غرب عن بعض؟ وإحنا عيلة واحدة ومش محتاجين نستأذن بعض. طالما إحنا عيلة واحدة وهو بيصرف من دماغه في بيتي، يبقى من حقي أنا كمان أستثمر بيتي عشان أأمن مستقبلي زي أمه بالظبط!
محمود كان باين عليه الذهول، لكن سلمى كملت كلامها وهي بتشاور على الأوضة الكبيرة اللي كانت مجهزاها للأطفال في المستقبل، والأوضة التانية اللي كانت عاملة فيها مكتب صغير بتشتغل منه الأوضة دي، والأوضة التانية اللي جنبها، هتعملهم عقود إيجار مفروش لطلبة مغتربين أو شباب شغالين في شركات محترمة وبتثق فيهم. إنت عندك في المكتب قايمة بالناس اللي بتدور على غرف في أماكن راقية ومش لاقيين ويكونوا ناس هاديين ومحترمين ويدفعوا بالشهور مقدم.
محمود ضړب كف بكف يا بنتي ده جنان رسمي! ده رامي هيتجنن، وممكن يعمل خناقة تكسر الدنيا!
يكسر إيه بالظبط؟ يكسر شقتي اللي باسمي؟ هو لو فتح بقه هقوله دي فلوس استثماري عشان
أأمن مستقبلي، زي ما والدتك باعت بيتها وشالت فلوسها في البنك، أنا كمان محتاجة دخل يساعدني على مصاريف البيت اللي هيزيد فيه شخص جديد بيطلب كنبة طبية بتمانية وأربعين ألف جنيه! هيقولي لأ؟ طب بأي حق يعترض وأنا صاحبة الملك؟
محمود سكت شوية، وبدأ يفهم عمق الضړبة اللي سلمى بتفكر فيها، لكنه قال بقلق طب والناس اللي هيدخلوا؟ مين هيقعد معاهم؟
محدش هيدخل يقعد مع حد يا محمود. أنا مش هأجرها شباب، أنا هأجرها لبنات، اتنين دكاترة امتياز أو مهندسات من اللي بييجوا من المحافظات يدوروا على سكن بنات راقي ومقفول عليهم. وهيكون ليهم أوضهم ومقفولة بالمفتاح، وحمامهم الخاص، وما يدخلوش غير على المطبخ بس لو حابين يعملوا شاي أو يسخنوا أكل. وطبعًا ده مش هيتم فعليًا غير بورق وقانون عشان أضمن كل حاجة.
سلمى كانت بتبص للأرض وهي بتفكر، وبعدين رفعت راسها وقالت بس دي الخطوة التانية. الخطوة الأولى والأهم هي العفش يا محمود.
ماله العفش؟ العفش ده كله هينزل المخزن بتاعكم في المكتب، أو توديه عند شقة والدتك اللي مقفولة في العباسية لحد ما أشوف هعمل إيه. الصالون، السفرة الكبيرة بالنيش، شاشة التلفزيون الضخمة، والكنب المريح... كل ده هيتشال.
محمود بصلها وكأنه بيشوف واحدة تانية خالص غير سلمى بنت خالته الطيبة يعني هتفضي الشقة؟ مش هفضيها كلها. هسيب بس الكنب القديم الخشب اللي كان في بيت ستي، والسجادة القديمة اللي ركناها في البلكونة، وترابيزة صغيرة. الشقة دي هتبقى على العضم بالمعنى الحرفي للكلمة. هسيب أوضة نومي مقفولة بقفل محترم، والمطبخ مش هيكون فيه غير تلاجة صغيرة والبوتاجاز، وأي حاجة غالية جبتها من شقايا وتعتبر رفاهية هتختفي.
وإنتِ ناوية على إيه لما يوصلوا؟
لما يوصلوا، الست نوال هتدخل تلاقي إن القصر اللي جاية تسيطر عليه وتتحكم فيه، اتقلب لسكن مشترك ناشف، مفيش فيه رفاهية التلفزيونات الضخمة والكنب اللي بتتمطع عليه، ولا شقة ملك كاملة تحت أمرها. هتلاقي أوضتها المجهزة مش موجودة أصلًا، وهتلاقي إنها لازم تتشارك في أبسط الحاجات، وإن كل جنيه كانت ناوية توفره وتعيش من وراه ببلاش، هيخرج من جيبها ڠصب عنها!
محمود هز راسه ببطء، وقال بضحكة باهتة ېخرب عقلك يا سلمى... إنتِ مش ناوية على خير أبدًا. بس تصدقي؟ يستاهلوا. رامي طول عمره شايف نفسه ذكي وعامل فيها تاجر شاطر وهو في الحقيقة عايش على خير غيره. أنا معاكي يا سلمى. هكلم رجالة العمال بتوع النقل دلوقتي، وخلال تلات ساعات هيكونوا هنا. وبالنسبة لموضوع البنات، أنا عندي اتنين دكاترة صيدلة شغالين في معمل تحاليل قريب هنا، كانوا بيدوروا على سكن نظيف بقالهم أسبوعين ودايخين، وهما في منتهى الأدب والاحترام وبيدفعوا بانتظام.
هكلمهم يجوا يشوفوا الأوضة التانية ويستلموها بكرة الصبح.
تمام أوي. بس في حاجة تالتة، ودي الأهم. إيه تاني؟ البنك.
سلمى مسكت موبايلها رامي معاه كارت فيزا مرتبط بحساب مشترك كنا عاملينه لمصاريف البيت، وكان كل أول شهر بيسحب منه زي ما هو عايز، وأنا اللي كنت بحط فيه معظم المرتب بحكم إن دخلي من شغلي الحر أعلى منه بكتير. أنا دلوقتي حالا هحول كل الفلوس اللي في الحساب ده لحسابي الشخصي في بنك تاني ميعرفش عنه حاجة، وهسيب في الحساب المشترك بالظبط ميتين جنيه.
محمود ضحك بصوت عالي ميتين جنيه؟
! ده تمن كارت شحن وبنزين للموتوسيكل! عشان لما ينزل يشتري فطار لأمه أو يحاول يحاسب على العربيات اللي جايبة الشنط
من الكارت، يلاقي نفسه بيتحاسب على القرش. هو مش جاي ومعاه أمه اللي بايعة نصيبها في البيت بملايين؟ يدفعوا بقى.
في ظرف تلات ساعات، كانت الشقة بتتحول لخلية نحل. عمال النقل جم بالبطاطين والحبال، وتحت إشراف سلمى، بدأوا يفككوا الصالون، النيش بالكريستال اللي فيه اتحط في كراتين مقفولة ومكتوب عليها أمانات، شاشة التلفزيون الستة وخمسين بوصة اتغلفت ونزلت، حتى السجاد التقيل اتلف وخرج.
الشقة اللي كانت بتبرق وبتشع دفء وفخامة، اتحولت في ساعات قليلة لمكان واسع وفاضي، مفيش فيه غير بلاط باين، وركنة خشبية صغيرة وبسيطة كانت سلمى شايلاها في أوضة الكراكيب، مع ترابيزة شاي صغيرة، والمروحة السقف شغالة بصوت واطي ومفيش أي أثر للتكييف في الصالة؛ لإن سلمى شالت الريموتات وفصلت الفيوز من لوحة الكهرباء عشان مفيش تكييف يشتغل غير في أوضتها بس لو حبت.
محمود جهز الورق الرسمي المؤقت للبنات، وفعلاً اتصل بالبنتين الدكاترة اللي جم وطايرين من الفرحة إنهم لقوا مكان قريب من شغلهم وفي عمارة محترمة، وسلمى اتفقت معاهم على كل التفاصيل يا بنات، الشقة هادية ومفيش دوشة، أوضتكم بحمامكم مقفول عليكم، وليكم استخدام المطبخ، وعقدكم قانوني ومكتوب بكل الشروط اللي تضمن حقكم وخصوصيتكم. لكن في ست كبيرة هتيجي تقعد في الصالة أو في الأوضة التالتة مع ابنها، محدش فيكم يختلط بيهم كتير ولا يدخل في تفاصيل معاهم.
الدكتورة مريم، اللي كانت أكبرهم، قالت بامتنان متقلقيش يا مدام سلمى، إحنا أصلًا يومنا كله بيضيع بين المعمل والمستشفى، بنرجع على النوم بس. وشكرًا بجد إنك فرجتيها علينا.
سلمى ابتسمت ابتسامة هادية العفو، ده حقكم، وحقي برضه.
مر اليوم، وسلمى فضلت قاعدة في الشقة وهي بتبص على المظهر الجديد. الشقة كانت كئيبة بالمقارنة باللي كانت عليه، وده بالظبط اللي كانت عايزاه. نوال كانت جاية عشان تستعرض قدام قرايبها في البلد إنها سايبة بيت قديم وجاية تقعد في شقة الهوانم في العاصمة، وكانت متخيلة إنها هتستقبل ضيوفها وتتصدر وتتحكم.
الساعة كانت داخلة على حداشر بالليل، لما رامي اتصل. سلمى بصت للموبايل، وفضلت ترن النغمة كذا مرة قبل ما تفتح بهدوء ألو يا رامي.
صوت رامي كان طالع وفيه دوشة وزغاريد حواليه في البلد ألو يا سلمى، إيه يا بنتي مبترديش من أول رنة ليه؟ جهزتي التحويل؟ الصيدلية بتاعة التجهيزات الطبية كلموني في التليفون وقالوا الكنبة جاهزة للشحن ومستنيين الدفع.
سلمى ردت ببرود تام تحويل إيه يا رامي؟ إيه اللي تحويل إيه؟ الكنبة الطبية بتاعة أمي! إنتِ نسيتي؟ لا منستش، بس معنديش سيولة تكفي يا رامي. الفلوس اللي كانت معايا في الحساب راحت في التزامات تانية طارئة.
رامي صوته اتغير وبقى ناشف، وابتدى يبعد عن الدوشة اللي حواليه التزامات إيه وطارئة إيه اللي بتمانية وأربعين ألف جنيه فجأة كده؟! إنتِ بتهزري يا سلمى؟ أنا وعدت أمي إن حاجتها هتبقى جاهزة ومستنياها!
والله دي ظروفي يا رامي، وبعدين مامتك باعت نصيبها في البيت بمبلغ كبير، والكنبة دي تمنها يعتبر ملاليم من الفلوس اللي معاها، تدفع هي وتجيب الحاجة اللي تريح ضهرها. هو عيب لما الست تشتري راحتها بفلوسها؟
رامي اتعصب، ونبرته بقت حادة إنتِ مالك بفلوس أمي؟! هو إنتِ هتحاسبينا على فلوسنا؟ خلاص يا ستي، مترميش بياضك، أنا هتصرف وهسحب من الحساب المشترك وأخلص الليلة، بس كلامنا لما أرجع هيكون ليه حساب تاني خالص!
وقفل السكة في وشها من غير ما يستنى ردها.
سلمى بصت للتليفون المقفول، ومردتش، بل ضحكت ضحكة هادية فيها سخرية
العالم كله. هتسحب من الحساب المشترك؟.. طب وريني هتسحب إزاي!
بعد ربع ساعة بالظبط، تليفونها رن تاني. الاسم رامي. فتحت الخط من غير ما تنطق، وجه صوته وهو پيصرخ وكأنه ماشي على جمر سلمى! إنتِ عملتي إيه في الفلوس اللي في البنك؟! إيه العمليات دي؟! إزاي الحساب رصيده ميتين جنيه بس؟! المكنة رفضت السحب والرسالة جاية إن الرصيد لا يكفي! إنتِ بتلعبي معايا؟!
صوتك ميعلاش عليا يا رامي وأنا بكلمك بأدب. الفلوس دي فلوسي، وأنا حطيتها في مكان محتاجاه. مش ده حساب مشترك عشان مصاريف البيت؟ البيت دلوقتي محتاج الفلوس دي، وأنا اتصرفت فيها.
إنتِ اټجننتي؟! إزاي تسحبي كل حاجة من غير إذني؟! بنفس الطريقة اللي إنت قررت بيها تجيب والدتك تعيش معايا في شقتي للأبد من غير إذني يا رامي. بالمثل بالظبط. مش إحنا عيلة واحدة ومش محتاجين نستأذن بعض على كل حاجة؟ إنت قولتلي الكلمتين دول الصبح قبل ما تسافر. شربت من نفس الكاس ليه بقى؟
رامي فضل يتنفس بصوت عالي كأنه بيغلي، وقال بصوت مكتوم ومليان حقد ماشي يا سلمى... ماشي. حسابنا مش في التليفون. بكرة الصبح أنا داخل عليكي بأمي وبشنطها، وساعتها هنشوف مين اللي كلامه هيمشي في البيت ده!
وقفل الخط بقوة.
سلمى قفلت التليفون، قامت بهدوء، طفت النور، ودخلت أوضتها، قفلت الباب بالمفتاح من جوه، ونامت وهي حاسة لأول مرة من سنين طويلة براحة بال عجيبة... كانت عارفة إن بكرة مش هيكون يوم عادي، بل هيكون المعركة الكبيرة.
طلع النهار، وسلمى كانت صاحية من بدري، لبست بيجامة قطيفة محترمة، وربطت شعرها بإيشارب خفيف، وقعدت في الصالة الفاضية ومعاها مج قهوة سخن، بتسمع صوت خطوات الدكاترة الصيدلانيات وهما بيستعدوا للخروج للشغل بدري. البنتين سلموا عليها باحترام وخرجوا بهدوء وقفلو الباب وراهم.
فضلت سلمى قاعدة لوحدها، بتبص في ساعتها. الساعة عشرة الصبح.
وفجأة، سمعت صوت حركة ودربكة في مدخل العمارة، وأصوات عالية طالعة على السلم، صوت رامي وهو بيزعق للشيالين بالراحة يا بني آدم بالشنط دي! فيها حاجات تتكسر! اطلع يا عم الشقة في التالت أهي!
وبعدها سمعت صوت نوال، صوتها اللي بيرن في بير السلم كله بالنبرة اللي مليانة تعالٍ ومفاخرة أيوة يا رامي، وسع كدة أما أشوف الشقة، يارب تكون البت سلمى هشت الصالة ونضفتها زي ما قولتلك، أنا عضمي بيوجعني ومش قادرة أقف على حيلي من سكة السفر المقرفة دي!
سلمى حطت مج القهوة على الترابيزة الخشبية الصغيرة بهدوء، ومقامتش من مكانها. فضلت قاعدة مربعة رجليها، عينيها ثابتة على باب الشقة.
المفتاح دخل في الكالون، ولف لفتين. الباب اتفتح على مصراعيه...
دخل رامي الأول وهو عرقان، وشايل في إيده شنطتين سفر تقال، ووراه أمه نوال، لابسة العباية السودا المطرزة وطرحتها الكبيرة، ووراهم اتنين شيالين شايلين تلات شنط كبار من الكراتين والشنط الجلد المربوطة بحبال.
نوال وقفت على العتبة، ولسه بتفتح بقها عشان تقول يا فتاح يا عليم، أفسحوا الطريق لست الكل... الكلام وقف في زورها.
عينيها فتحت على وسعها، وبصت يمين وشمال. الصالة... فاضية. مفيش صالون مدهب. مفيش نيش يلمع بالكريستال. مفيش سجاد تقيل مفروش على الأرض يغطي البلاط. مفيش شاشة تلفزيون على الحيطة. مفيش غير ترابيزة شاي صغيرة، وركنة خشب قديمة سلمى قاعدة عليها بكل هدوء وهي بتبتسم لهم ابتسامة باردة زي التلج.
رامي رمى الشنط من إيده على الأرض، وبص في أرجاء الصالة وهو مش مستوعب، وشه احتقن پالدم وبقى لونه أحمر زي الطماطم إيه
ده؟! فين العفش؟! إيه اللي حصل هنا يا سلمى؟! الشقة اتسرقت ولا إيه؟!
نوال حطت إيدها على صدرها وهي بتنهج ومش قادرة تتنفس، وبصت لسلمى بشړ يا داهية دقي! فين حاجتك يا بت؟ فين الشقة اللي ابني قايلي عليها قصر الهوانم؟! إنتِ جايباني أقعد في خړابة؟!
سلمى قامت من مكانها بمنتهى الرزانة، خطت خطوات بطيئة ناحيتهم، بصت لحماتها من فوق لتحت، وبعدين بصت لرامي وقالت بصوت هادي نزل عليهم زي الصاعقة حمد الله على سلامتكم يا نوال هانم... شرفتي السكن المشترك. اتفضلوا حطوا الشنط دي في الممر جنب الحمام المشترك، عشان الأوض التانية مقفولة لأصحابها الدكاترة اللي مأجرينها... وأوضتك يا رامي إنت ومامتك جاهزة أهي، الركنة الخشب دي تتفتح سرير، مريحة جدًا للضهر وببلاش، أصل الكنبة اللي بتمانية وأربعين ألف ملقتلهاش مكان هنا!
يتبع
حق مكتسب ج 2 حكـايات مني السيد حصري
الفصل الثاني حكايات مني السيد حصري
الشيالين اللي كانوا شايلين الكراتين والشنط الجلد وقفوا في مدخل الشقة وبصوا لبعض بذهول، واحد فيهم نزل الكرتونة الكبيرة من فوق كتفه بحذر ومسح عرقه بكُم قميصه وهو بيبص للبلاط الفاضي والحيطان العريانة، وقال بصوت واطي ومتردد ننزل بقية الحاجه هنا يا أستاذ ولا إيه؟
رامي ماكانش سامعه أصلًا... كان واقف مسمر مكانه وعينيه بتلف في الصالة كأنه في كابوس، عروق رقبته نفرت واتملت ډم، وشه قلب أحمر قاني كأنه هينفجر، وبص لسلمى بصة كلها غيظ وغل، وصوت صريخه رج أركان الشقة لدرجة إن صوته عمل صدى في الصالة الفاضية سكن إيه؟! ودكاترة مين؟! ومين دول اللي مأجرين يا سلمى؟! إنتِ اټجننتي رسمي؟! إنتِ واعية للكلام اللي بتقوليه ده ولا عقلك طار منك؟!
نوال حماتها رمت طرحتها لورا بعصبية، ورفعت كفوفها الاتنين في الهوا ووشها بيتقلب مية لون، بصت للشيالين وزعقت فيهم نزلوا الزفت من إيديكم واطلعوا بره انتو! اطلعوا بره محدش يقف يتفرج على حريمنا!
الشيالين رموا الشنط على العتبة وجريوا على السلم من غير حتى ما ياخدوا بقية حسابهم كامل، ورامي قفل الباب وراهم برزعة هزت الحيطان كلها، ولف لسلمى وهو بيقرب منها بخطوات سريعة وصوابعه بتترعش من الڠضب فين العفش يا سلمى؟! فين النيش والصالون والسفرة؟! الشاشة اللي هناك دي راحت فين؟! انطقي قبل ما أتصرف تصرف مش هيعجبك!
سلمى ما رمشتش... ما رجعتش خطوة واحدة لورا، بل فضلت واقفة مكانها، رافعة راسها، وعينيها مثبتة في عينيه بكل برود وقوة، وردت عليه بنبرة هادية جدًا ټرعب أكتر من أي زعيق تصرف إيه يا رامي اللي هتعمله في شقتي وملك أبويا وجدي؟ حسك ميعلاش هنا، ولا نسيت نفسك خلاص؟ العفش ده عفشي أنا، شقاي وتعبي وفلوسي اللي اندفعت قرش قرش قبل ما أسمع صوتك في الدنيا دي. حسيت إن الشقة مكركبة بحاجات ملهاش لازمة، وقررت أعمل ليها إعادة تدوير عشان نوسع المكان للمشاريع الجديدة.
نوال قربت ووقفت في وش سلمى، وصوتها الرفيع كان مليان شړ وغل، وشهقت
شهقة طويلة مشاريع إيه يا بت إنتِ؟! جايباني من بلدي وناسيتي وعزوتي عشان أفرش على البلاط وأقعد في ركنة مقشفة من بتوع زمان؟! فين الأوضة الكبيرة بحمامها اللي قالي عليها رامي؟! فين الفرش القطيفة والديباج؟! إنتِ بتنزلي من قيمتي يا سلمى؟! فاكراني شحاتة جاية أتسول على بابك؟!
سلمى ابتسمت ابتسامة خفيفة على جنب، وبصت لنوال من فوق لتحت بنظرة خلت الډم يغلي في عروقها حاشا لله يا حماتي، إنتِ ست العارفين ومش شحاتة أبدًا. الشحات ميبقاش معاه ملايين في البنك من بيع بيت العيلة. إنتِ ست مقتدرة وماشية على كنز، وعشان كده قولت إن الشقة دي بمستواها البسيط ده مينفعش تسيطر عليكي، وما يصحش أبدًا تبقي عالة عليا وعلى شقتي، فقولت أتصرف بما يرضي الله وبالأصول.
رامي مسك دماغه بإيديه الاتنين وكأنه ھيموت من الصداع، وبص للباب المقفول بتاع الأوضة الكبيرة يعني إيه أوض مأجرة؟! يعني إيه في بنات نايمين وقاعدين في بيتي؟! إنتِ ازاي تعملي كده من غير ما ترجعيلي؟! أنا راجل البيت ده ولا سوسة قاعدة ملهاش لازمة؟!
سلمى بصت له بمنتهى القسۏة راجل البيت لما البيت يكون بفلوسك أو بإيجارك يا رامي. لكن لما البيت يكون ملكي، وأنا اللي دافعة فيه ډم قلبي، وإنت تيجي ببرود وتقولي أمي هتيجي تعيش معانا على طول وباعت بيتها وفلوسها في البنك ليها وإنتِ شغالة من البيت تبقي تخدميها وتونسيها، وتقولي إحنا عيلة واحدة ومش محتاجين نستأذن بعض... يبقى بالمنطق كده، طالما إحنا عيلة واحدة ومش محتاجين نستأذن، أنا كمان استثمرت أوض الشقة الفاضية عشان أطلع منها مصاريف تعيشنا! هو إنت هتصرف على أمك وتأكلها وتدفع فواتير علاجها من مرتبك اللي ما بيكفيش جمعيتك وقسط عربيتك؟!
نوال صړخت وهي بټضرب على صدرها فواتير إيه وعلاج إيه يا أم لسان طويل؟! ابني هو اللي شايلك وشايل بيتك! ابني مهندس قد الدنيا وكل الناس بتعمله ألف حساب!
بدل ما تبوسي إيدك وش وضهر إنه وافق يعيش في حتتك دي، جاية تعملي علينا معلّمة وتأجري الأوض وتشيلي العفش
من ورانا؟!
سلمى ردت بسرعة وبنبرة قاطعة ابنك المهندس ده لو كان يقدر يشيل شقة كان اشترى ولا أجر باسمه من سنين! لكن هو دخل على الجاهز، دخل على شقة متشطبة بأعلى تشطيب، ومفروشة بأحسن فرش، وراكب عربية كانت مقدمتها من دهبي اللي بعته عشان يفك ضيقته! نسيت يا رامي دهب شبكتي ودهب أمي الله يرحمها اللي قولتلي هعوضهملك أول ما المشروع يمسك نفسه؟! المشروع مسك نفسه وأمك باعت نصيبها، وجايين هنا تقسموني في لقمتي ومكاني؟!
رامي اتراجع خطوة لورا، الكلمات كانت زي الړصاص اللي بيخترق كبريائه المزيف قدام أمه، ونوال بصت لابنها بعينين واسعة ومصډومة دهب إيه ده يا رامي؟! إنت أخدت منها دهب زمان؟!
رامي اتلجلج وصوته وطي وهو بيحاول يداري خيبته يا أمي ده كان كلام قديم بيني وبينها ومكنش دهب ولا حاجة، دي حاجات بسيطة وخلاص خلصت... اسمعي يا سلمى! الكلام ده ميمشيش معايا. أنا دلوقتي حالا هكسر الأبواب دي وأخرج عفش الغرب دول في الشارع، والناس دي متباتش هنا دقيقة واحدة!
سلمى طلعت موبايلها من جيب الروب بهدوء شديد، وداست على زرار الشاشة ونورتها في وشه جرب كده تلمس أوكرة باب فيهم يا رامي. جرب بس تقرب من باب أوضة البنات. عقود الإيجار مسجلة رسمي وفيها شرط جزائي، وبلاغ التعدي على مستأجرين ومعاينة الشقة هيتعمل في خلال عشر دقائق. وكمان هعمل فيك بلاغ عدم تعرض وطرد من الشقة بصفتي المالكة الوحيدة للعقار بموجب العقد الأخضر المسجل في الشهر العقاري. تحب تجرب نركب البوكس سوا قدام الجيران في العمارة اللي بتتباهى قدامهم إنك صاحب الملك؟!
رامي وقف مسمر، إيده اللي كانت ممدودة للأكرة اتجمدت في الهوا. هو عارف سلمى لما بتقفل دماغها، وعارف إن القانون في صفها من الألف للياء، وإن كل خطوة عملتها كانت متقفلة بالورقة والقلم.
نوال قعدت على الركنة الخشب بصعوبة وهي بتنهج وبتعيط عياط مصطنع، وبدأت تخبط على رجليها ياباي عليك يا رامي!
ياباي على خيبتك وخيبة سنينك! جايبني تبهدلني وتهين شيبتي على كبر؟! ده أنا بايعة بيتي
اللي في البلد بالرخيص لخالتك عشان أجي أقعد جنبك، عشان أعيش معززة مكرمة زي ما وعدتني! تقعدني في شقة عضم، وتحطني في وش بنات غراب رايحين جايين، وتخليني أفرش في الممر؟!
سلمى قربت من حماتها ووقفت قدامها، نظرتها كانت صافية ومفيهاش أي تردد شيبتك على عيني وعلى راسي يا نوال هانم، بس اللي بيعز نفسه بيعزها بماله وبكرامته. إنتِ بايعة بيتك بملايين، ليه مأجرتيش شقة تمليك ولا إيجار جديد على النيل في أرقى مكان وقعدتي فيها ملكة متوجة ومعاكي خدامة تخدمك؟! ليه جيتي هنا تفرضي نفسك عليا وتستخسري في نفسك وفي بيتك، وعايزة تعيشي على قفايا وتوفري فلوسك في البنك وتطلبي مني أنا اللي أصرف وأدفع تمانية وأربعين ألف جنيه في كنبة طبية؟!
نوال نشفت دموعها فجأة، وعينيها تحولت لعينين صقر مفترس فلوسي دي شقايا وشقا أبو رامي المرحوم! محدش ليه قرش صاغ عندي! والكنبة دي ابنك هو اللي ملزوم بيها، هو اللي يجيبها لأمه!
وابنك ده معندوش يجيب حتى كيس عيش الصبح يا حماتي! تحبي تشوفي حسابه المشترك في البنك فيه كام دلوقتي؟!
رامي اتنفض وصړخ فيها سلمى! كفاية لحد كده! لمي لسانك ومتقليش بأصلي قدام أمي!
أصلك إنت اللي بتقل بيه يا رامي لما تستغفلني! لما تقول لأمك في التسجيل بالليل متقلقيش سلمى هبلة وبتوافق على كل حاجة وأنا عارف أتعامل معاها، وهي تستحملنا ومفيش مليم هيطلع من جيبنا! ده أصلك؟! دي الرجولة اللي اتعلمتها؟! إنك تنهب مراتك وتستبيح مالها وبيتها عشان تبان قدام أمك البار العظيم على حساب شقايا وكرامتي؟!
رامي اټصدم، الكلمات شلت تفكيره تمامًا. بص لموبايله اللي كان في جيبه، وبص لسلمى وعينيه بتدور يمين وشمال بړعب إنتِ... إنتِ سمعتي التسجيل؟!
سلمى ضحكت ضحكة ۏجع، مليانة قهر سنين اتحول فجأة لقوة سمعت كل كلمة يا رامي. سمعت اللي اتقال واللي متقالش. سمعت تخطيطكم وتدبيركم عشان تخلوني خدامة وممولة لمشاريعكم.
بس خلاص، سلمى القديمة اللي كانت بتعدي وتقول معلش عشان أحافظ على بيتي ماټت ودفنتوها بإيديكم في التسجيل ده.
نوال وقفت فجأة،
رغم ۏجع ضهرها اللي كانت بتشتكي منه، وقالت بصوت مفحوح قوم يا رامي، لم الشنط دي من هنا! إحنا مش هنقعد في المكان النجس ده ثانية واحدة!
قوم نزل حاجتنا وخلينا نروح نقعد في فندق ولا نروح عند أختي في شبرا لحد ما نتصرف! إحنا ولاد ناس ومحدش يذلنا!
سلمى شاورت على الباب بكل هدوء الباب يفوت جمل يا حماتي، بس افتكري كويس، الفنادق بفلوس، والفلوس اللي في البنك هتصرفي منها ڠصب عنك، مفيش حاجة هنا هتاخديها ببلاش. وياريت تفهمي ابنك إنه لو خطى بره العتبة دي، مفتاح الشقة دي مش هيدخل الكالون ده تاني أبدًا، وقضية الطلاق للضرر مع مؤخر الصداق وقائمة المنقولات اللي هطالبه بيها هتوصله على عنوانك الجديد!
رامي وقف مكانه، رجليه اتسمرت في الأرض. هو عارف يعني إيه قائمة المنقولات، وعارف يعني إيه مؤخر، وعارف إنه ما عندوش مليم يدفعه، وإنه لو خرج بره الشقة دي مش هيلاقي مكان يروحه غير إنه يصرف من فلوس أمه اللي هي أصلاً ماسكة عليها بإيديها وسنانها ومش هتفرط في جنيه واحد لصالحه، هي كانت جاية تعيش على خير مراته، مش تصرف هي عليه!
نوال شدت رامي من دراعه بقوة يلا يا رامي! مستني إيه يا واد؟! إنت واقف تتفرج على أمك وهي بتتهان؟! شد الشنط خلينا نمشي!
رامي شال إيد أمه من على دراعه بالراحة، وبص في الأرض، وشه كان مكسور، وقال بنبرة واطية ومذلولة هنروح فين بس يا أمي في نص النهار بالشنط دي كلها؟
وخالتي شقتها ضيقة ومش حملنا، والفنادق الليلة فيها بالشيء الفلاني... اقعدي بس نهدي الأمور ونشوف حل بدل الفضايح في الشارع.
نوال بصت لابنها پصدمة، كأنها بتشوف راجل غريب، وقالت بصوت مبحوح إنت... إنت بتقول إيه يا رامي؟! عايزني أقعد هنا على الخشب ده في وسط البنات الغراب؟! عايزني أقبل المڈلة دي؟!
يا أمي مش مڈلة، دي فترة مؤقتة بس لحد ما نظبط دنيتنا ونفهم في إيه.
.. اقعدي بس ارتاحي من السفر.
سلمى كانت بتبص على المشهد ده بنظرة المنتصر
اللي بيشوف أعداءه بياكلوا في بعض. المشهد كان بيبين حقيقة كل واحد فيهم، رامي اللي كان عامل فيها أسد قدامها بقى نعامة قدام حقيقة إنه مفلس وميقدرش يعيش من غير بيتها وفلوسها، ونوال اللي كانت فاكرة إن ابنها مسيطر وماسك زمام الأمور اكتشفت إنه مجرد سراب عايش على خير مراته.
سلمى مشيت ناحية المطبخ، ووقفت على الباب وقالت بصوت واضح الركنة الخشب أهي يا نوال هانم، والشنط حطوها في الطرقة ومتقفلوش بيها سكة الحمام عشان البنات لما يرجعوا يلاقوا طريقهم سالك. وفي حاجة كمان لازم تعرفوها كويس... مصاريف الأكل والشرب والكهربا والمية هتتقسم بالتساوي. كل رأس في الشقة دي ليها حسابها، مفيش حد بيصرف على حد. والأكل اللي في التلاجة هنا ده بتاعي أنا وبفلوسي، اللي عايز ياكل ينزل يشتري حاجته ويحطها في رف منفصل ومكتوب عليه اسمه.
نوال كانت بتبص لسلمى والشرار بيطلع من عينيها، وقعدت على الركنة الخشب وهي بتضغط على أسنانها لدرجة إن فكها كان بيترعش ماشي يا سلمى... الأيام بيننا طويلة، والبيت ده مش هيساعنا إحنا الاتنين.
سلمى ابتسمت ابتسامة باردة جدا، وردت عليها البيت ده شقتي وملك أبويا يا حماتي، واللي مش عاجبه وسعه يرجع لبلده أو يشتري براحه بفلوسه... نهاركم سعيد.
ودخلت سلمى أوضتها، قفلت الباب من جوه ولفّت المفتاح لفتين، وسمعت صوت رامي بره وهو بيوطي صوته وبيتحايل على أمه تهدا، وصوت نوال وهي بټشتم وبتندب حظها اللي رماها في الشقة دي.
سلمى قعدت على سريرها، مسكت تليفونها، وكتبت رسالة لمحمود ابن خالها الدفعة الأولى وصلت يا محمود، والضړبة صابت الهدف بالظبط. ابدأ جهز لي المحامي بتاعك، لإن المعركة الحقيقية لسه هتبدأ بكرة الصبح لما يلاقوا نفسهم محاصرين في كل قرش وكل خطوة.
سلمى حطت راسها على المخدة وهي حاسة بهدوء غريب بيسري في عروقها، كانت عارفة إن الأيام اللي جاية هتكون مليانة حرب باردة، بس لأول مرة من سنين، كانت هي اللي ماسكة السلاح، وهي اللي بتحدد شروط المعركة!
يتبع
حق مكتسب ج 3 حكـايات مني السيد حصري
الفصل الثالث والأخير
عدّت الليلة الأولى كأنها سنة كاملة في الصالة الواسعة الباردة. رامي كان نايم على الأرض فوق مرتبة قطن قديمة اتسحبت من البلكونة، ضهره واجعه وعينيه ما داقتش النوم، ونوال حماتها كانت متكومة على الركنة الخشب، عضمها مكسر وتتأوه مع كل حركة، مش متعودة على الخشب الناشف بعد ما كانت فارشة في بيتها القديم مراتب حرير ومستنية الكنبة الطبية اللي ضاعت في الهوا.
مع دقة الساعة سبعة الصبح، سلمى فتحت باب أوضتها بهدوء. كانت لابسة إسدال صلاة نضيف، ريحة عطرها سابقة خطاها، وشها هادي ومرتاح زي النسمة. عدّت من جنب رامي اللي كان قاعد على حرف المرتبة بيدعك وشه بإيديه المجهدة وعينيه حمر زي الډم.
نوال أول ما حست بحركة سلمى، قامت قعدت بالعافية وسندت ضهرها على الحيطة العريانة وقالت بصوت خشن ومبحوح صباح الخير يا هانم.. كويس إنك صحيتي عشان تشوفي فطار للراجل اللي طالع عينه ونايم على البلاط ده، ولا هنسيب المهندس يروح شغله ببطن فاضية عشان جنابك زعلانة؟
سلمى وقفت في مدخل المطبخ، مالت بجنبها وبصتلها بابتسامة مرسومة بالمسطرة صباح النور يا نوال هانم. الفطار ده مسؤولية كل واحد عن نفسه، إحنا اتفقنا امبارح إن النظام اتغير. الأكل اللي في التلاجة محطوط في علب ومكتوب عليه اسمي، والبوتاجاز موجود اللي عايز يغلي بيضة أو يعمل شاي يولع عين البوتاجاز بس يجيب حاجته معاه. وبعدين ابنك معاه كارت البنك يقدر ينزل يجيبلك فول وطعمية سخنة من المحل اللي على أول الشارع، ده لو الكارت فيه فلوس يعني.
رامي وقف على حيله بعصبية، وشد التيشيرت بتاعه سلمى! متزوديهاش بقى! إنتِ شايفة أمي عاملة إزاي ومش قادرة تقف على حيلها؟ إيه القسۏة اللي نزلت على قلبك فجأة دي؟! فين العيش والملح اللي بينا؟!
سلمى لفت ووشها اتصلب، عينيها بقت زي الړصاص الحي العيش والملح إنت اللي طفحته ورجعته لما قعدت تدبر في ضهري إزاي تاكل حقي وشقايا.
العيش والملح اللي بجد بيحفظه ولاد الأصول يا رامي، مش اللي بيخططوا يدخلوا أهاليهم بيوت ناس تانية
ڠصب عنهم عشان ينهبوا شقاهم ويعيشوا عالة. عيش وملح إيه وإنت كنت بتسحب من حسابي تحطه في بنزين عربيتك ومصاريفك التافهة؟!
نوال زعقت وهي بتخبط كف بكف اسمع يا رامي.. أنا الست دي مش طايقالها كلمة تانية في البيت ده! البت دي لازم تتأدب وتعرف مين ستها ومين اللي كلامها يمشي! طلقها يا واد وخليها تقعد في شقتها دي تعوي فيها لوحدها!
سلمى ضحكت ضحكة رنت في الصالة، ضحكة واثقة خلت نوال تبلع بقية كلامها ياريت يا حماتي، والله دي تبقى أحسن حاجة رامي يعملها في حياته كلها! بس قوليله يجهز مؤخر الصداق المكتوب في القسيمة، سبعين ألف جنيه نقدًا، ويجهز تمن الدهب اللي خده مني وكتب بيه إقرار على نفسه، ده غير قائمة المنقولات اللي متسجلة في المحكمة بحوالي ربع مليون جنيه واللي إنتو الاتنين مش عارفين هي راحت فين ومستعد أقدم بلاغ بتبديدها دلوقتي لو حابب. قوليله يطلق، يلا يا رامي، وريني شجاعتك وطلقني حالاً!
رامي رجع خطوة لورا، لسانه تقل في بقه ووشه صفر. هو عارف الحسبة دي كويس، وعارف إن سلمى مش بتهوش، دي كل خطوة بتعملها وراها ورق ومستندات تدخله في حيطة سد.
في اللحظة دي، جرس الباب رن. نوال بصت للباب باستغراب، ورامي وقف متنح. سلمى راحت ناحية الباب وفتحته، وظهر محمود ابن خالها، ومعاه راجل لابس بدلة شيك وماسك في إيده شنطة جلد سودا، ووراهم اتنين شباب شغالين في شركة صيانة وتركيبات.
محمود دخل وابتسم صباح الخير يا سلمى. صباح الفل يا محمود، اتفضل، أستاذ عادل المحامي وصل في ميعاده بالظبط.
رامي عروق جبهته نطت، وقرب بسرعة وهو بيزعق إيه ده؟! مين دول يا سلمى؟! الشقة دي مفيهاش رجالة ولا إيه عشان تدخلي ناس غريبة علينا في الصباحية كده؟!
محمود وقف قصاد رامي، وكان أطول منه وأعرض، وبصله بنظرة قاطعة صوتك ميعلاش يا رامي عشان إنت عارف إني مش غريب، أنا ابن خالها ووكيلها الرسمي في إدارة العقار ده.
وده الأستاذ عادل محامي العيلة، والشباب دول فنيين جايين ينفذوا طلبات
المالك.
نوال وقفت مسكت في رامي من ضهره وقالت بصوت بيترجف فنيين إيه وطلبات إيه؟! انتو جايين تعملوا إيه في بيتنا؟!
المحامي عادل فتح شنطته وطلع ملف كبير، ووقف في نص الصالة وقال بصوت هادي وقانوني صارم الشقة دي ملك خالص للموكلة الأستاذة سلمى، بموجب العقد المسجل رقم ألف وميتين وستة، ولا يوجد لأي طرف آخر أي حق انتفاع أو ملكية فيها. وبناءً على طلب الموكلة، تم تقسيم الشقة لوحدتين مستقلتين لتقليل استهلاك الخدمات ولأغراض الاستثمار، واليوم سيتم تركيب عداد كهرباء منفصل بكارت للدور، وتركيب قفل إلكتروني للأبواب الخاصة بغرف الإيجار وغرفة الموكلة، وفصل خط المية للغرف المستأجرة.
رامي بص للمحامي وبعدين لسلمى والذهول واكله تقسيم إيه وعداد إيه؟! إنتِ عايزة تحبسينا في الصالة؟!
سلمى قربت من رامي، وطلعت ورقة تانية من جيب الإسدال الصالة دي مش ملكك يا رامي. وبما إنك مصر تقعد فيها إنت ووالدتك، فالمحامي جهز عقد إيجار مؤقت للصالة والحمام المشترك، الإيجار الشهري ستة آلاف جنيه شامل المية والنور، هتدفعهم أول كل شهر، وإلا هيتعمل فيك محضر طرد فوري لعدم وجود سند قانوني لإقامتك هنا بعد ما شيلتك من بطاقة السكن.
نوال صړخت بصوتها كله ستة آلاف جنيه في الصالة يا مفترية؟! ده إحنا في بلدنا كنا قاعدين في دوار يساع مية راجل ببلاش!
سلمى ردت عليها بنظرة باردة ده في بلدكم يا حماتي، اللي إنتِ بعتيه وقبضتي تمنه بالملايين وشيلتيهم في جيبك وجاية تعيشي عندي ببلاش وكمان تطلبي كنبة طبية بتمانية وأربعين ألف جنيه من جيبي! هنا القاهرة، وهنا كل شبر بتمنه، واللي عايز يقعد في ملك غيره يدفع، ولا إنتِ شايفة إنك تاخدي حقي وتعيشي على قفايا؟!
رامي مسك إيد سلمى پعنف وقال إنتِ اتعديتي كل الحدود يا سلمى! أنا جوزك! سامعة يعني إيه جوزك؟! الشرع والدين بيقولوا الزوجة تطيع جوزها!
سلمى نفضت إيده من عليها بقوة وحزم والشرع والدين قالوا إن الراجل هو اللي بيوفر السكن والكسوة والأكل، مش يجي يقعد في شقة مراته ويجيب أمه تتحكم فيها ويسرق دهبها ومرتبها!
إنت سقطت في كل واجباتك الشرعية من يوم ما طمعت في مالي واعتبرت طيبتي وسكوتي ضعف وغباء منك!
المحامي عادل اتدخل ووقف بين رامي وسلمى يا أستاذ رامي، عشان نكون واضحين ونقصر الطريق، دي إنذارات رسمية على يد محضر هتوصلك على شغلك بكرة، أول إنذار برد أعيان الجهاز وقائمة المنقولات في ظرف تمانية وأربعين ساعة أو الحبس پتهمة التبديد، وتاني إنذار بدفع إيصال الأمانة الخاص بقيمة المصوغات الذهبية وقيمتها مية وعشرين ألف جنيه بسعر اليوم، وتالت حاجة دعوى طرد من العين لعدم سداد مقابل الانتفاع. تحب نودع الورق ده في القسم والمحكمة ولا نخلص بالتراضي وكل واحد يروح لحاله؟
نوال لما سمعت كلمة الحبس والتبديد وإيصال الأمانة، قلبها وقع في رجليها. بصت لرامي بعينين تايهة ومړعوپة إيصال أمانة إيه وحبس إيه يا رامي؟! هو إنت ماضي على ورق يا نيلة؟!
رامي وشه اتخطف وبقى باهت زي المېت. كان ماضي على إيصال الأمانة زمان لما أخد منها الدهب عشان يسدد قسط أخير في مشروعه اللي فشل، وسلمى كانت محتفظة بالورقة في خزنتها من غير ما تفتح سيرتها أبدًا، وهو كان ناسي أصلًا إن الورقة دي موجودة وبتتنفس في الدرج ومستنية اللحظة الصح.
رامي بص في الأرض، وصوته بقى واطي ومكسور كأنه عيل صغير اتقفش بيسرق سلمى.. خلينا نتكلم على انفراد.. بلاش المحاكم والناس اللي واقفة تتفرج علينا دي.. إحنا بينا سنين وعشرة.
سلمى شالت الوش الهادي، وبصت له بكل الصدق والقوة اللي كانت حابساهم طول سنين جوازها العشرة دي إنت اللي قټلتها يا رامي في التسجيل بتاع الساعة اتنين بالليل.. لما قولت لأمك سلمى هبلة وبتوافق على كل حاجة وأنا عارف أتعامل معاها. في اللحظة دي، إنت مسحت بإيدك أي ذكرى حلوة كانت بيننا، وبينتلي إنك كنت شايفني مجرد بنك متحرك ومكان ببلاش تعيش فيه إنت وأهلك وتاكلوا خيره. أنا مش هعيش ثانية واحدة مع راجل باصص في لقمتي وشايفني فرصة يستغلها.
نوال وقفت، ورجليها بتخبط في بعض من الړعب على ابنها الوحيد وفلوسها اللي شايلاها ومش
عايزة تطلع منها مليم يا بنتي اهدي وصلي على النبي.. إحنا أصلًا مكناش ناويين نقعد كتير، دي كانت زيارة كام يوم نغير جو بس ونتطمن عليكم.. رامي ابني ملهوش في الحبس والپهدلة دي، وإحنا ولاد أصول ونعرف الواجب.
سلمى ابتسمت ابتسامة صفرا قطعت بيها كل سبل الرجوع لا يا حماتي، انتو مكنتوش جايين زيارة، انتو جايين بخمس شنط وعربيات شحن وعايزين كنبة طبية بتمانية وأربعين ألف عشان الإقامة الدائمة. بس الحلم خلص هنا. الورق ده مش هيتنزل عنه غير بحاجة واحدة بس.
رامي رفع عينه بلهفة وخوف إيه هي يا سلمى؟ قولي وأنا هنفذ فورًا.
ورقة طلاقي توصلي من المأذون قبل صلاة العصر النهاردة، تتنازل عن أي حقوق وتوقع على مخالصة كاملة، وتاخد أمك وشنطك وتخرجوا بره العمارة دي ومشوفش وشك في الشارع ده تاني أبدًا. لو ده حصل، هسلمك إيصال الأمانة وقائمة المنقولات قصاد ورقة الطلاق ونسيب بعض بالمعروف. لو مخرجتوش قبل العصر، المحامي هيتحرك، والشرطة هتيجي تنفذ الطرد والقبض في نفس الساعة، وقدام كل جيرانك وأصحابك والشركة اللي بتشتغل فيها.
نوال شدت رامي من دراعه بكل قوتها، وصوتها اتخنق بالخۏف على فلوسها اللي في البنك لتروح في محامين وغرامات طلقها يا رامي! طلقها يا واد دي ولية حية ومعاها ورق يودي في داهية! طلقها خلينا نغور من هنا بكرامتنا، ده إحنا مش هنخلص من شرها! يلا شيل الشنط دي من هنا!
رامي فضل واقف ثواني بيبص لسلمى، كان بيحاول يدور في عينيها على البنت الطيبة، الساذجة، اللي كانت بتسامح في حقه وفي فلوسها وتطبخله وتستناه بابتسامة.. بس ملقاش غير جدار عالي من الصلابة والعزة والكرامة اللي اتولدت من جديد. عرف إن كل محاولاته فشلت، وإن القناع اللي كان لابسه طول السنين اللي فاتت وقع ومبقاش فيه أي حيلة تنفعه.
هز راسه ببطء وهو مكسور تمامًا، وبص للمحامي وقال هروح معاك للمأذون دلوقتي.
. بس عايز حاجتي الشخصية وهدومي.
سلمى شاورت لمحمود، اللي دخل أوضة النوم وجاب شنطة سفر رامي الكبيرة اللي كانت سلمى رصت فيها
هدومه وحاجته الشخصية من بالليل بمنتهى الترتيب، وحطها قدامه في الصالة حاجتك جاهزة أهي يا رامي، مفاضلش غير إنك تاخدها وتتفضل.
نوال بدأت تلم أكياسها وشنطها وهي بتبرطم وتدعي بالويل والثبور، والشباب الشيالين نزلوا الشنط على السلم، ورامي ماشي وراهم مطأطأ الراس، عينه في الأرض، مش قادر حتى يرفع عينه في وش البواب اللي كان واقف يتفرج ومستغرب المشهد.
نزلوا كلهم، وراح رامي مع المحامي عادل ومحمود عشان يخلصوا إجراءات الطلاق في مكتب المأذون اللي جنب العمارة، وسط صمت تقيل وخيبة أمل نوال اللي حلمت بالسيطرة على شقة الهوانم وطلعت منها مطرودة في عز الضهر من غير حتى كباية شاي.
بعد ساعتين، الباب خبط خبطة خفيفة. فتحت سلمى، وكان محمود لوحده في المدخل. مد إيده وادالها ظرف أبيض كبير، وابتسم وقال مبروك يا سلمى.. ورقة طلاقك اهي، وكل المخالصات القانونية اتمضت، ورامي سلم المفاتيح اللي كانت معاه للمحامي رسمي، وأمه أخدته وخدوا تاكسي على محطة القطر عشان يرجعوا بلدهم بخيبتهم.
سلمى مسكت الظرف بإيدين تابتة، وحست فجأة كأن جبل تقيل أوي كان نايم على صدرها وذاب في ثواني. سحبت نفس عميق وطويل، نفس نقي مكنتش حسيت بيه من سنين.
شكرًا يا محمود.. لولا وقفتك جنبي مكنتش هعرف أخد حقي بالشياكة دي.
محمود ضحك وقال العفو يا بنت خالي، إنتِ اللي خططتي وإنتِ اللي كنتِ قوية. العفش بتاعك في المخزن متغلف ومحفوظ، تحبي العمال يرجعوه امتى؟
سلمى بصت في الصالة الفاضية، وشافت الشمس داخلة من البلكونة بتنور كل ركن فيها، الأرضية البلاط كانت بتلمع، والهوا كان داخل منعش ونضيف، وقالت براحة ورضا ماليين قلبها بكره يا محمود.. سيب الصالة واسعة كده النهاردة.. الشقة شكلها كده واسع وبيرد الروح، وحاسة لأول مرة إنها بيتي أنا وبس.. بيتي اللي مش هيدخله تاني أي إنسان يطمع فيا أو يفتكر إن طيبيتي دي قلة حيلة.
قفلت سلمى الباب بالمفتاح، ودخلت وقفت في نص الصالة، رفعت راسها لفوق وابتسمت ابتسامة صافية، كانت عارفة إنها بدأت صفحة جديدة في حياتها، صفحة عنوانها إن اللي
يتنازل عن كرامته مرة بيخسر كل حاجة، وإن اللي يعرف قيمة نفسه، مفيش حد في الدنيا يقدر يكسره.
النهاية

تعليقات
إرسال تعليق