القائمة الرئيسية

الصفحات

تابعنا من هنا

قصص بلا حدود
translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

حماتــي كانــت بتعامــل ضرتــي كأنها ملكة

 حماتــي كانــت بتعامــل ضرتــي كأنها ملكة



حماتــي كانــت بتعامــل ضرتــي كأنها ملكة

حماتــي كانــت بتعامــل ضرتــي كأنها ملكــة، وأنــا كأنــي خدامــة… لحد يــوم ما احتاجـت حاجــة محدش قــدر يعملهـا غيري….


اسمي هـناء.متجوزة من محمود بقالي 11 سنة.

وعندي ولدين…طول عمري كنت ست بيت بسيطة.

أصحى بدري…أطبخ…أنضف…وأشيل البيت كله فوق دماغي من غير ما أشتكي.


لكن كل ده ماكانش كفاية عند حماتي.

الحاجة أم محمود كانت شايفة إني “عادية”.

مفيش فيا حاجة مميزة.


أما ضرتي، سمر…فكانت بالنسبة لها معجزة نازلة من السما.

من يوم ما محمود اتجوزها بعدي بـ3 سنين، والدنيا اتقلبت.

لو سمر عملت صينية مكرونة…تبقى أشطر ست في الدنيا.

ولو أنا عملت عزومة كاملة لـ20 شخص…

يبقى “ده واجبك.”


لو سمر اشترت هدية بسيطة…تقعد تحكي عنها شهر.

ولو أنا دفعت مصاريف المدرسة أو ساعدت في علاج حد…

ولا كأن حاجة حصلت.


لدرجة إن حماتي كانت قدام الناس تنادي سمر:

“بنتي.”


أما أنا…فكانت تقول:“مرات ابني الأولى.”


كأن اسمي نفسه بقى تقيل عليها. كنت بزعل.

أكيد.لكن كنت ساكتة.عشان ولادي.


وعشان ما أخربش البيت.وفي المقابل…سمر كانت عايشة ملكة…حماتي بتطبخلها…وتنضفلها.


وتروح تقعد عندها بالأيام…أما أنا…

فلو تعبت يوم واحد بس، أسمع:

“إحنا زمان كنا بنولد ونقوم نخبز.”


مرت السنين على الحال ده.لحد ما جه اليوم اللي غير كل حاجة.


في ليلة شتوية…رن تليفوني الساعة 2 الفجر.

صحيت مفزوعة…لقيت رقم محمود.

رديت بسرعة…صوته كان متوتر جدًا.


قال:

“الحقينا يا هناء… أمي وقعت.”


قلبي وقع…مهما حصل بينا…دي في الآخر ست كبيرة.

جريت لبست وطلعت…وصلت المستشفى.

ولقيت الدنيا مقلوبة…حماتي كانت محتاجة إجراء طبي عاجل…والدكاترة بيسألوا على حد يتصرف بسرعة.


بصيت حواليّا….لقيت سمر قاعدة في الركن بتعيط.

ومحمود تايه…وباقي العيلة واقفين مش عارفين يعملوا إيه.


أول ما شافتني حماتي…مسكت إيدي.

أول مرة…من سنين…وقالت بصوت ضعيف:

“متسيبينيش يا هناء.”


ساعتها حسيت بحاجة غريبة…لأن نفس الست اللي كانت شايفاني خدامة…دلوقتي بتدور عليا أنا.

مش على سمر…ولا على أي حد تاني.

الساعات اللي بعدها كانت صعبة.


أوراق….موافقات….تحليل…وأطباء.


وكل شوية حد يقول:

“لازم حد مسؤول يقرر.”


وسمر كانت كل ما حد يسألها حاجة تقول:

“اسألوا هناء… هي فاهمة أكتر.”


وقتها بس…بدأت أفهم الحقيقة.


كل السنين اللي فاتت…حماتي كانت بتحب المظاهر.


والكلام الحلو…لكن وقت الشدة…


أول اسم نطقت بيه كان اسمي أنا.


وبعد العملية بيومين…طلبت تشوفني لوحدي.


دخلت أوضتها…لقيتها بتبصلي بطريقة عمري ما شفتها قبل كده….وقالت: “أنا ظلمتك.”


سكت…افتكرت إني يمكن سمعت غلط.


لكنها كملت:

“كنت فاكرة إن اللي بيضحك في وشي هو اللي بيحبني… وطلعت غلطانة.”


وفي اللحظة دي…فتحت درج الكومودينو جنبها.


وطلعت ظرف كبير.


وحطته في إيدي.


وقالت:

“الظرف ده كنت ناوية أديه لحد تاني… لكن بعد اللي حصل، غيرت رأيي.”


بصيت للظرف…وبعدين بصيتلها.

ولما فتحته…اتجمدت مكاني…لأن اللي جواه ماكانش فلوس.

ولا دهب…كان شيء لو عرفته سمر…مستحيل تسكت عليه أبدًا…وفي نفس اللحظة…اتفتح باب الأوضة ووو….


اتقفل الباب ورايا بسرعة، ولقيت سمر داخلة وعينيها بتلف في الأوضة زي الصقر، بتدور على أي حاجة غريبة. بصت لإيدي اللي كانت لسه مخبية الظرف ورا ضهري، وحسيت بنظراتها بتخترقني.

سمر دخلت بابتسامتها الصفرا اللي متعودة عليها وقالت: “ألف سلامة عليكي يا ماما.. شدة وتزول. إيه ده، هناء هنا من بدري؟ مش تقولوا لي عشان آجي أقعم معاكوا؟”

حماتي لفت وشها الناحية التانية بتعب، ومردتش عليها بنفس الحماس بتاع زمان. الحركة دي خلت سمر تبرق وعينيها تروح وتيجي بيني وبين حماتي. أنا في اللحظة دي كنت حاسة بضربات قلبي بتسمع في وداني، والظرف في إيدي كأنه جمرة نار. استأذنت بسرعة وقلت: “الحمد لله إنك اطمنتي عليها يا سمر، أنا هطير أنا بقى عشان أشوف الولاد زمانهم صحيوا للمدرسة، ومحمود برا مع الدكتور بيخلص بقية الحسابات.”

خرجت من الأوضة وأنا حاطة الظرف في الشنطة وقافلة عليه السوستة مية قفلة. ركبت التاكسي وروحي رايحة، مش قادرة أستنى لحد ما أوصل البيت. أول ما دخلت شقتي، قفلت الباب بالمفتاح، ودخلت أوضتي وطلعت الظرف. إيديا كانت بترتعش وأنا بفتحه.

لما طلعت اللي جواه، جالي ذهول.. مكنش فلوس ولا دهب فعلاً، لكن كان ورق عقد بيع وشراء ابتدائي، ومعاه التنازل الرسمي والوصية المسجلة في الشهر العقاري لبيت العيلة الكبير! البيت اللي حماتي عايشة فيه، واللي فيه شقتي وشقة سمر، والأرض اللي ورا البيت اللي تسوى ملايين دلوقتي بعد ما المنطقة دخلت كردون مباني وبقى يتعمل فيها أبراج.

العقد كان مكتوب باسمي أنا! “هناء عبد الرحمن”. حماتي كتبت لي البيت كله والأرض بكامل تصرفها، والتاريخ كان قديم، يعني العقد كان مكتوب من فترة ومكتوب فيه إن البيع تم وقبضت الثمن، بس كانت شايلاه ومترددة تسلمه لمين، والظاهر إنها كانت ناوية تديه لسمر لولا اللي حصل في المستشفى.

قعدت على السرير ومش مصدقة. الست اللي كانت شايفاني مجرد “مرات ابنها الأولى” والشغالة اللي ملهاش تمن، أمنتني على ورث أولادها وعلى شقا عمرها كله. شافت فيا السند اللي بجد مش المظاهر.

تاني يوم الصبح، نزلت لحماتي المستشفى تاني عشان أطمن عليها، بس لقيت الأجواء متكهربة تماماً. أول ما دخلت الدور، سمعت صوت سمر عالي وهي بتتخانق مع محمود في الممر برا الأوضة.

سمر كانت بتزعق وتقول: “بقولك يا محمود، أمك مخبية حاجة! أنا لمحت هناء وهي بتخبي ظرف كبير ورا ضهرها أول ما دخلت الأوضة امبارح، وأمك كانت بتبص لها بنظرات غريبة. أنت لازم تدخل تسألها، هو إحنا ملناش حق في الست دي ولا إيه؟ أنا اللي كنت بفسحها وأوديها النوادي، وفي الآخر تقعد مع هناء لوحدهم؟”

محمود كان واقف حاطط إيده على راسه وتعبان وقال لها: “بس يا سمر الله يهديكي، أمي لسه طالعة من العمليات ومابين الحياة والموت، وأنتِ بتفكري في ظروف وورق؟ هناء شالت شيل كبير امبارح وإنتِ كنتِ واقفة بتعيطي ومش عارفة تتصرفي.”

سمر ردت بلؤم: “ماشي يا محمود.. بكره نشوف مين اللي بيحبكم بجد ومين اللي بيدور على مصلحته.”

دخلت الأوضة وعملت نفسي مسمعتش حاجة. حماتي أول ما شافتني، ابتسمت بضعف وقالت لي بصوت واطي: “شفتيه يا هناء؟”

هزيت راسي وقلت لها: “شفته يا ماما.. بس ده كتير عليا، والبيت ده حق محمود وأخواته، أنا مش عايزة مشاكل.”

حماتي مسكت إيدي وقالت بعزم ما فيها: “لأ يا بنتي، ده حقك وحق تعبك وصبرك. البيت ده لو وقع في إيد سمر، هتخلي محمود يبيع نصيبه ويطردك أنتِ وعيالك في الشارع. سمر عينها مش مليانة، وأنا كنت عمية بس ربنا فتح عيني على آخر ليلة. خلي الورق معاكي واوعي حد يعرف عنه حاجة لحد ما أخرج بالسلامة وتقوم لي قومة.”

مرت الأيام وحماتي خرجت من المستشفى ورجعت البيت. من يومها، المعاملة اتقلبت 180 درجة. حماتي بقت تطلبني بالاسم في كل حاجة. “هناء هاتي لي العلاج”، “هناء أكليني من إيدك”، “أنا مش بترتاح نفسي غير لما هناء تقعد معايا”. سمر كانت هتموت من الغيظ، المظاهر والكلام المعسول اللي كانت بتثبت بيهم حماتي مابقوش ياكلوا معاها. سمر بدأت تحس إن البساط بيتسحب من تحت رجليها، وإن مكانتها كـ “ملكة البيت” بقت في الضياع.

وفي يوم، وحماتي قاعدة في الصالة، دخلت سمر وهي شايلا صينية بسبوسة عاملاها ومزوقاها على الآخر، وقالت بدلعها المعتاد: “دوقي بقى يا ماما البسبوسة دي، عاملاها بالسمن البلدي مخصوص عشان ترم عضمك.”

حماتي خدت منها حتة صغيرة ومسحت إيدها في المنديل وقالت ببرود: “تسلم إيدك يا سمر.. بس تقيلة عليا، هناء عاملة لي شوربة خضار خفيفة على معدتي وجميلة، كتر خيرها مابتفارقنيش.”

وش سمر جاب ألوان، وبصت لي بنظرة كلها غل وحقد، وقالت: “بقيتي ليكي كلمة مسموعة أوي يا هناء في البيت ده فجأة كده.. سبحان مغير الأحوال!”

رديت عليها بكل هدوء وثقة: “الأصول مابتتغيرش يا سمر، وأنا طول عمري في البيت ده بخدم وبعمل واجبي من غير ما أستنى مقابل، والحمد لله إن ربنا بيبين كل واحد على أصله وقت الشدة.”

سمر سابت الصينية وطلعت شقتها وهي بتبرطم وتتوعد. حسيت إن الحرب الحقيقية لسه هتبدأ. سمر مش من النوع اللي يستسلم بسهولة، وذكائها لئيم. بدأت تفتش ورايا، وتراقب دخولي وخروجي، وتحاول توقع بيني وبين محمود بأي طريقة. كانت بتقول له: “شايف أمك بقت مقاطعا ركلي إزاي؟ شايف هناء مسيطرة عليها إزاي؟ دي أكيد عاملا لها حاجة أو واكلة عقلها بكلام!” بس محمود كان شايف بعينه إن أمه تعبانة وإن أنا اللي شايل الإرادة كلها.

بعد أسبوعين، وحماتي نايمة بتصحي في قيلولة الضهر، لقيت محمود داخل عليا الأوضة ووشه متغير تماماً، ماسك تليفونه وفي إيده ورقة تانية خالص.

بص لي وقال بنبرة غريبة عمري ما سمعتها منه: “هناء.. سمر لقت الورقة دي في شقة أمي وهي بتروقها امبارح.. وعايز أفهم إيه الكلام ده؟”

بصيت للورقة اللي في إيده، ولقيتها مسودة قديمة لعقد البيع والتنازل اللي معايا، الظاهر حماتي كانت كاتباها بخط إيدها قبل ما تعمل العقد الرسمي، ونسيتها في وسط كراكيب دولابها! سمر لقتها، وطبعاً قلبت الدنيا ومسكتها دليل ضدنا.

محمود كمل وعينيه مليانة شك وعتاب: “أنتِ بعتي واشتريتي مع أمي من ورايا يا هناء؟ البيت كله يتكتب باسمك أنتِ؟ ليه؟ وإمتى حصل ده؟”

وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت خبط ورزع على السلم، وباب الشقة اتفتح ودخلت سمر ومعاها أخوها الكبير، وصوتهم كان جايب آخر الشارع، وسمر بتصرخ وتصوت: “الحقوني يا ناس! يا فضيحتنا في المنطقة! مرات الابن الأولى طلعت نصابة وضحكت على الست العيانة وخلتها تمضي على أملاكها كلها!”

حماتي صحيت من النوم على الصويت، وخرجت تسند على الحيطة وهي بترتعش، والدنيا بقت قايدة نار في الصالة، ومحمود واقف في النص يبص لي ويبص للورقة وهو مش عارف يصدق مين…

يتبع…



اتقفل الباب ورايا بسرعة، ولقيت سمر داخلة وعينيها بتلف في الأوضة زي الصقر، بتدور على أي حاجة غريبة. بصت لإيدي اللي كانت لسه مخبية الظرف ورا ضهري، وحسيت بنظراتها بتخترقني.

سمر دخلت بابتسامتها الصفرا اللي متعودة عليها وقالت: “ألف سلامة عليكي يا ماما.. شدة وتزول. إيه ده، هناء هنا من بدري؟ مش تقولوا لي عشان آجي أقعد معاكوا؟”

حماتي لفت وشها الناحية التانية بتعب، ومردتش عليها بنفس الحماس بتاع زمان. الحركة دي خلت سمر تبرق وعينيها تروح وتيجي بيني وبين حماتي. أنا في اللحظة دي كنت حاسة بضربات قلبي بتسمع في وداني، والظرف في إيدي كأنه جمرة نار. استأذنت بسرعة وقلت: “الحمد لله إنك اطمنتي عليها يا سمر، أنا هطير أنا بقى عشان أشوف الولاد زمانهم صحيوا للمدرسة، ومحمود برا مع الدكتور بيخلص بقية الحسابات.”

خرجت من الأوضة وأنا حاطة الظرف في الشنطة وقافلة عليه السوستة مية قفلة. ركبت التاكسي وروحي رايحة، مش قادرة أستنى لحد ما أوصل البيت. أول ما دخلت شقتي، قفلت الباب بالمفتاح، ودخلت أوضتي وطلعت الظرف. إيديا كانت بترتعش وأنا بفتحه.

لما طلعت اللي جواه، جالي ذهول.. مكنش فلوس ولا دهب فعلاً، لكن كان ورق عقد بيع وشراء ابتدائي، ومعاه التنازل الرسمي والوصية المسجلة في الشهر العقاري لبيت العيلة الكبير! البيت اللي حماتي عايشة فيه، واللي فيه شقتي وشقة سمر، والأرض اللي ورا البيت اللي تسوى ملايين دلوقتي بعد ما المنطقة دخلت كردون مباني وبقى يتعمل فيها أبراج.

العقد كان مكتوب باسمي أنا! “هناء عبد الرحمن”. حماتي كتبت لي البيت كله والأرض بكامل تصرفها، والتاريخ كان قديم، يعني العقد كان مكتوب من فترة ومكتوب فيه إن البيع تم وقبضت الثمن، بس كانت شايلاه ومترددة تسلمه لمين، والظاهر إنها كانت ناوية تديه لسمر لولا اللي حصل في المستشفى.

قعدت على السرير ومش مصدقة. الست اللي كانت شايفاني مجرد “مرات ابنها الأولى” والشغالة اللي ملهاش تمن، أمنتني على ورث أولادها وعلى شقا عمرها كله. شافت فيا السند اللي بجد مش المظاهر.

تاني يوم الصبح، نزلت لحماتي المستشفى تاني عشان أطمن عليها، بس لقيت الأجواء متكهربة تماماً. أول ما دخلت الدور، سمعت صوت سمر عالي وهي بتتخانق مع محمود في الممر برا الأوضة.

سمر كانت بتزعق وتقول: “بقولك يا محمود، أمك مخبية حاجة! أنا لمحت هناء وهي بتخبي ظرف كبير ورا ضهرها أول ما دخلت الأوضة امبارح، وأمك كانت بتبص لها بنظرات غريبة. أنت لازم تدخل تسألها، هو إحنا ملناش حق في الست دي ولا إيه؟ أنا اللي كنت بفسحها وأوديها النوادي، وفي الآخر تقعد مع هناء لوحدهم؟”

محمود كان واقف حاطط إيده على راسه وتعبان وقال لها: “بس يا سمر الله يهديكي، أمي لسه طالعة من العمليات ومابين الحياة والموت، وأنتِ بتفكري في ظروف وورق؟ هناء شالت شيل كبير امبارح وإنتِ كنتِ واقفة بتعيطي ومش عارفة تتصرفي.”

سمر ردت بلؤم: “ماشي يا محمود.. بكره نشوف مين اللي بيحبكم بجد ومين اللي بيدور على مصلحته.”

دخلت الأوضة وعملت نفسي مسمعتش حاجة. حماتي أول ما شافتني، ابتسمت بضعف وقالت لي بصوت واطي: “شفتيه يا هناء؟”

هزيت راسي وقلت لها: “شفته يا ماما.. بس ده كتير عليا، والبيت ده حق محمود وأخواته، أنا مش عايزة مشاكل.”

حماتي مسكت إيدي وقالت بعزم ما فيها: “لأ يا بنتي، ده حقك وحق تعبك وصبرك. البيت ده لو وقع في إيد سمر، هتخلي محمود يبيع نصيبه ويطردك أنتِ وعيالك في الشارع. سمر عينها مش مليانة، وأنا كنت عمية بس ربنا فتح عيني على آخر ليلة. خلي الورق معاكي واوعي حد يعرف عنه حاجة لحد ما أخرج بالسلامة وتقوم لي قومة.”

مرت الأيام وحماتي خرجت من المستشفى ورجعت البيت. من يومها، المعاملة اتقلبت 180 درجة. حماتي بقت تطلبني بالاسم في كل حاجة. “هناء هاتي لي العلاج”، “هناء أكليني من إيدك”، “أنا مش بترتاح نفسي غير لما هناء تقعد معايا”. سمر كانت هتموت من الغيظ، المظاهر والكلام المعسول اللي كانت بتثبت بيهم حماتي مابقوش ياكلوا معاها. سمر بدأت تحس إن البساط بيتسحب من تحت رجليها، وإن مكانتها كـ “ملكة البيت” بقت في الضياع.

وفي يوم، وحماتي قاعدة في الصالة، دخلت سمر وهي شايلا صينية بسبوسة عاملاها ومزوقاها على الآخر، وقالت بدلعها المعتاد: “دوقي بقى يا ماما البسبوسة دي، عاملاها بالسمن البلدي مخصوص عشان ترم عضمك.”

حماتي خدت منها حتة صغيرة ومسحت إيدها في المنديل وقالت ببرود: “تسلم إيدك يا سمر.. بس تقيلة عليا، هناء عاملة لي شوربة خضار خفيفة على معدتي وجميلة، كتر خيرها مابتفارقنيش.”

وش سمر جاب ألوان، وبصت لي بنظرة كلها غل وحقد، وقالت: “بقيتي ليكي كلمة مسموعة أوي يا هناء في البيت ده فجأة كده.. سبحان مغير الأحوال!”

رديت عليها بكل هدوء وثقة: “الأصول مابتتغيرش يا سمر، وأنا طول عمري في البيت ده بخدم وبعمل واجبي من غير ما أستنى مقابل، والحمد لله إن ربنا بيبين كل واحد على أصله وقت الشدة.”

سمر سابت الصينية وطلعت شقتها وهي بتبرطم وتتوعد. حسيت إن الحرب الحقيقية لسه هتبدأ. سمر مش من النوع اللي يستسلم بسهولة، وذكائها لئيم. بدأت تفتش ورايا، وتراقب دخولي وخروجي، وتحاول توقع بيني وبين محمود بأي طريقة. كانت بتقول له: “شايف أمك بقت مقاطعا ركلي إزاي؟ شايف هناء مسيطرة عليها إزاي؟ دي أكيد عاملا لها حاجة أو واكلة عقلها بكلام!” بس محمود كان شايف بعينه إن أمه تعبانة وإن أنا اللي شايل الإرادة كلها.

بعد أسبوعين، وحماتي نايمة بتصحي في قيلولة الضهر، لقيت محمود داخل عليا الأوضة ووشه متغير تماماً، ماسك تليفونه وفي إيده ورقة تانية خالص.

بص لي وقال بنبرة غريبة عمري ما سمعتها منه: “هناء.. سمر لقت الورقة دي في شقة أمي وهي بتروقها امبارح.. وعايز أفهم إيه الكلام ده؟”

بصيت للورقة اللي في إيده، ولقيتها مسودة قديمة لعقد البيع والتنازل اللي معايا، الظاهر حماتي كانت كاتباها بخط إيدها قبل ما تعمل العقد الرسمي، ونسيتها في وسط كراكيب دولابها! سمر لقتها، وطبعاً قلبت الدنيا ومسكتها دليل ضدنا.

محمود كمل وعينيه مليانة شك وعتاب: “أنتِ بعتي واشتريتي مع أمي من ورايا يا هناء؟ البيت كله يتكتب باسمك أنتِ؟ ليه؟ وإمتى حصل ده؟”

وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت خبط ورزع على السلم، وباب الشقة اتفتح ودخلت سمر ومعاها أخوها الكبير، وصوتهم كان جايب آخر الشارع، وسمر بتصرخ وتصوت: “الحقوني يا ناس! يا فضيحتنا في المنطقة! مرات الابن الأولى طلعت نصابة وضحكت على الست العيانة وخلتها تمضي على أملاكها كلها!”

حماتي صحيت من النوم على الصويت، وخرجت تسند على الحيطة وهي بترتعش، والدنيا بقت قايدة نار في الصالة، ومحمود واقف في النص يبص لي ويبص للورقة وهو مش عارف يصدق مين…

أخو سمر، مدحت، دخل الصالة وهو عاقد حواجبه وفارد عضلاته، وبص لمحمود وقال بصوت جهوري هز الحيطان: “جرى إيه يا محمود؟ إحنا ناس ولاد أصول ولما ناسبناك كنا فاكرين إننا بناسب راجل يقدر يحمي أختي! إيه المسخرة اللي بتحصل من ورا ظهرنا دي؟ الست الكبيرة يتضحك عليها وهي عيانة في المستشفى والبيت كله يتكتب لمراتك الأولى؟ وأختي تطلع من المولد بلا حمص؟”

سمر كانت واقفة وراه، حاطة إيدها على وسطها وبتصوت وتولول: “آه يا ناري يا خويا! طول عمرنا شايلينها فوق راسنا، وفي الآخر تمضي لهناء على كل حاجة! دي أكيد عاملا لها عمل، ولا مستغلة إن الست كانت غايبة عن الوعي ومضتها وهي مش دارية بالدنيا!”

محمود كان واقف وعينيه بتطلع شرار، يبص للورقة اللي في إيده ويبص لي، وصوته كان مخنوق من الصدمة: “انطقي يا هناء.. الكلام ده صح؟ الورقة دي خط أمي، والوصية والعقد اللي بيتكلموا عنهم دول حقيقيين؟ أنتِ استغليتي تعب أمي في المستشفى وخلتيها تمضي؟”

أنا كنت واقفة في مكاني، الدم اتجمد في عروقي، بس مكنتش خايفة. كنت حاسة بنار بتغلي جوايا من كمية الظلم والافتراء. بصيت لمحمود وقلت له بكل ثبات: “أنا مستغلتش حد يا محمود، وأنت عارفني كويس وعارف أصلي. أنا عمري ما اتكلمت في ورث ولا أملاك طول الـ11 سنة اللي عشتهم معاك. اسأل أمك.. أمك واقفة هناك اهي، اسألها مين فينا اللي عينها على البيت!”

كلهم لفوا وبصوا ناحية الطرقة، لقوا حماتي واقفة، ساندة بضهرها على الحيطة، ووشها أصفر زي الليمونة بس عينيها كانت صاحية ومركبة مية غضب. سمر أول ما شافتها، جريت عليها وعملت نفسها بتبكي: “شفتي يا ماما؟ شفتي هناء وعمايلها؟ لولا إني دخلت أروق الدولاب بالصدفة وأهوي الهدوم، مكنتش لقيت الورقة دي! قولي لمحمود إنك متمضيتيش على حاجة، قولي إن هناء هي اللي غفلتك!”

حماتي نفضت إيد سمر من عليها بقوة خلت سمر ترجع خطوتين لورا، وقالت بصوت شاحب بس مسموع ومسموم: “بس يا سمر.. اقفلي بوقك ده خالص، واطلعي أنتِ وأخوكي برا شقتي!”

مدحت أخوها اتدخل وقال بقياحة: “جرى إيه يا حجة؟ إحنا جايين نجيب حق أختنا، والبيت ده فيه شقتها، والأرض دي حق جوزها برضه! إزاي تكتبي كل حاجة لهناء؟”

حماتي اتنفست بصعوبة، ومشت خطوتين وسندت على كتفي، وحسيت بإيدها بترتعش بس كانت متبتة فيا كأني طوق النجاة. بصت لمحمود وقالت له: “اسمع يا محمود.. عشان لو مت في أي وقت تبقى عارف الحقيقة. الورقة اللي في إيدك دي أنا اللي كاتباها بخط إيدي من سنتين، قبل ما أدخل المستشفى بكتير، وقبل ما أمرض حتى. كنت شايلاها وكنت محتارة، بس الليلة اللي شفت فيها الموت بعيني في المستشفى، عرفت مين اللي يستاهل ومين اللي يدير البيت ده ويحافظ عليه.”

بصت لسمر وكملت: “أنتِ يا سمر.. كنتِ بتيجي تقعدي تحت رجلي عشان المظاهر، وعشان تآكلي عقلي بالكلمتين الحلوين، وفي الآخر لما وقعت وكنت بموت، وقفتي تتفرجي عليا وكنتي خايفة على فلوسك ومكياجك وهدومك! أما هناء، اللي كنت بظلمها وأقول عليها عادية وخدامة، هي اللي شالتني وهي اللي جرت بيا في المستشفيات، وهي اللي أمنتها على اسمي وعرضي. أنا اللي كتبت لها البيت والأرض بفلوس وتنازل رسمي في الشهر العقاري، وبرضايا ومحدش غصبني!”

البيت كله سكت، ومحمود كان بيبص لأمه ومش مصدق إن أمه اللي كانت دايماً بتقدم سمر وتدلعها، هي اللي بتقول الكلام ده.

مدحت أخو سمر لما لقى الكلام مش في مصلحتهم، وبص لأخته وقال بغضب: “بقى كده يا حجة؟ طيب طالما البيع والشراء تم، إحنا لينا حساب تاني. أختي مش هتقعد في البيت ده ولا دقيقة وهي ملهاش فيه قشة! يلا يا سمر، هاتي حاجتك ودهبك، ومحمود يطلقك ويديكي مؤخرك ونفقتك وكل مليم ليكي، والمنطقة كلها هتعرف إنكم ناس بتاكلوا حقوق بعض!”

سمر صرخت: “أطلق إيه يا اخويا! أنا مش هسيب حقي لهناء! البيت ده شقتي فيه متعوب عليها، والأرض دي محمود كان واعدني إننا هنبني فيها شقة تانية لأولادنا لما يكبروا!”

محمود هنا اتنرفز وزعق لمدحت: “جرى إيه يا مدحت؟ أنت جاي تطلق أختي في بيتي؟ وأنتِ يا سمر، اتهدي واقعدي! أمي حرة في أملاكها، تديها للي تديها، طالما هي بكامل قواها العقلية!”

بس الشك كان لسه بياكل في قلب محمود من ناحيتي. هو دافع عن أمنا قدامهم، بس نظراته ليا كانت عتاب طويل. مدحت خد أخته وطلعوا شقتهم فوق وهم بيحلفوا ويتحلفوا، وباب الشقة اترزع وراهم.

حماتي تعبت جداً من العصبية، ومحمود وأنا سندناها لحد ما دخلت سريرها. محمود خرج للصالة وقعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه. رحت وقفت قدامه وقلت له: “محمود.. أنت زعلان مني؟”

رفع راسه وبص لي بعيون حمرا وقال: “مش زعلان يا هناء.. بس مصدوم. 11 سنة متجوزين، وعمري ما شفتك بتفكري في قرش، إزاي تخبي عليا حاجة بالصورة دي؟ البيت ده كله يبقى باسمك؟ يعني أنا وأخواتي ملناش حاجة؟ أمي كتبت لك الأرض اللي تسوى ملايين؟ أنتِ وافقتي على كده إزاي من غير ما تقولي لي؟”

قعدت جنبه وقلت له ونبرة صوتي كلها حزن: “يا محمود، أنا مكنتش أعرف إن أمك كاتبة الورق ده من سنتين أصلاً! هي سلمتني الظرف في المستشفى وقالت لي افتحيه في البيت. ولما فتحته وشفت اللي فيه، اتصدمت زيك بالظبط. ولما جيت أرجعها لها، قالت لي ده حقك وحق تعبك وصبرك على مر السنين، وقالت لي لو الورق ده ظهر دلوقتي، سمر هتقلب الدنيا. وأهو، سمر قلبت الدنيا من غير ما الورق الأصلي يظهر حتى، لمجرد إنها لقت مسودة قديمة!”

محمود سكت شوية، كأنه بيوزن الكلام في دماغه. هو عارف إني صريحة وعمري ما كدبت عليه. بس فكرة إن البيت والأرض مابقوش بتوعه، كانت تقيلة على أي راجل.

تاني يوم، صحينا على صوت خناقة تانية بس المرة دي في الشارع تحت البيت! سمر ملقطتش غزلها وسكتت. كانت واقفة في البلكونة وبتتكلم مع جاراتنا وصوتها عالي: “يا ناس شوفوا الظلم! الست الكبيرة تعبانة ومخرفين عقلوها، وكاتبين البيت كله لواحدة غريبة، وجوزي طالع من المولد بلا حمص! أنا هرفع قضية حجر على الست دي وهثبت إنها مش في وعيها!”

الكلام ده كان زي السكينة في قلب حماتي. نزلت بسرعة من شقتي ورحت لسمر فوق، فتحت الباب ودخلت لها وهي بتتكلم في البلكونة، وقفت قدامها وقلت لها وعيني في عينها: “قضية حجر يا سمر؟ على الست اللي لسه طالعة من المستشفى وربنا نجاها؟ أنتِ للدرجادي معندكيش أصل؟”

سمر لفت ليا وبصت لي بغل وقالت: “آه هرفع حجر يا هناء! وهثبت إنك نصابة وضحكتي عليها. والورق اللي معاكي ده هخليه ميسواش الحبر اللي مكتوب بيه! وأعلى ما في خيلك اركبيه!”

في اللحظة دي، دخل محمود الشقة وسمع كلام سمر. بص لها وقال لها ببرود قاتل: “مش هتلحقي ترفعي قضايا يا سمر.. لأنك من اللحظة دي، طالق!”

سمر برقت وعينيها اتفتحت على آخرهم، وأنا شهقت من الصدمة ومحمود كمل كلامه وهو بيبص لها بكل قسوة: “أنا كنت مستحمل دلعك وقرفك ومظاهرك الكدابة عشان بحبك، وعشان قولت ست بيت تفتح النفس. بس توصلي إنك تشهري بأمي في المنطقة وتتمني لها المرض وتقولي عليها مخرفة وعايزة تحجري عليها عشان شوية طوب وأرض؟ أنتِ متلزمنيش. لمي هدومك وروحي لبيت أخوكي، والورقة هتوصلك لحد عندك!”

سمر قعدت تصوت وتلطم على وشها، وأخوها جه تاني والدنيا اتقلبت في البيت والموضوع كبر. سمر نزلت لبيت أخوها وهي بتتوعد إنها مش هتمشي بالسهل، وإنها هتدمر البيت ده كله فوق دماغنا.

بعد ما سمر مشت، البيت هدي تماماً، بس الهدوء ده كان مرعب. حماتي كانت قاعدة في السرير، ندمانة على كل يوم قدمت فيه سمر عليا، وبقت تمسك إيدي وتبكي وتقول: “سامحيني يا هناء.. أنا اللي عملت في نفسي كده، أنا اللي قدمت المظاهر الكدابة على الأصل الطيب.”

كنت بطيب خاطرها وبقول لها: “حصل خير يا ماما، المهم صحتك.”

بس المشكلة الكبيرة مكنتش هنا. المشكلة إن سمر وأخوها منفذوش تهديدهم بالكلام بس. بعد يومين بالظبط، وأنا نازلة أشتري طلبات للبيت، لقيت محمود بيتصل بيا وصوته مرعوب وبيعرق من التلفون: “الحقيني يا هناء.. المحامي بتاعي كلمني، سمر وأخوها قدموا بلاغ في النيابة، وجايبين شهود زور من المنطقة بيقولوا إن أمي مضت على العقود وهي غايبة عن الوعي في المستشفى، والنيابة طالبانا بكره للتحقيق، ومعاهم أمر بمعاينة العقود الأصلية!”

وقفت في الشارع والشنطة وقعت من إيدي.. الورق الأصلي اللي معايا مكتوب بتاريخ قديم وصح مية في المية، بس الشهود الزور والمحامي اللئيم بتاعهم ممكن يقلبوا الترابيزة علينا، خصوصاً إن حماتي فعلاً عملت عملية كبيرة والكل عارف إنها كانت تعبانة.

رجعت البيت جري، دخلت أوضتي وفتحت الدولاب عشان أطلع الظرف الأصلي وأشوف هنعمل إيه مع المحامي.. بس لما فتحت المكان اللي كنت مخبية فيه الظرف.. لقيت الصدمة الكبيرة اللي وقعتني من طولي.

الظرف مكنش موجود! الدولاب كان مترتب ومفيش فيه أي أثر للورق!

قعدت على الأرض وأنا بصرخ وبدور في كل حتة، محمود دخل عليا الأوضة ولقاني بقلب الهدوم زي المجنونة، وقال لي بخوف: “في إيه يا هناء؟ فين الورق؟”

بصيت له والدموع مغرقة وشي وقلت له بصوت مخنوق: “الورق مش هنا يا محمود.. الورق اتسرق! العقد والوصية الأصليين مش موجودين!”

وفي نفس اللحظة، رن تليفون محمود.. وكان رقم سمر…



محمود بص للتليفون ووشه اتقلب، وبصلي بنظرة رعب وهو بيفتح السبيكر. صوت سمر طلع من السماعة، بس مكنش فيه عياط ولا ولولة زي الأول، مكنتش سمر الضحية.. دي كانت سمر الحية اللي بتنفث سمها، وضحكتها السخيفة كانت مالية المكان.

قالت بنبرة كله تشفي وقياحة: “إيه يا حودة؟ صوتك ماله مخضوض كده ليه؟ أكونش بوظت عليكوا طبخة الظهر؟”

محمود جز على سنانه وزعق في التليفون: “أنتِ فين يا سمر؟ والورق اللي اتسرق من البيت ده معاكي؟ انطقي بدل ما آجي أطربق الدنيا فوق دماغك ودماغ أخوكي!”

ضحكت تاني وقالت بكل برود: “تطربق إيه يا عين أمك؟ أعلى ما في خيلك اركبه. الورق الأصلي معايا وفي حرز حريز، وعقد البيع والوصية المسجلة اللي هناء كانت فاكرة نفسها هتاخد بيهم بيت العيلة كله، بقوا في إيدي أنا. تحب أقولك لقتهم فين؟ أصل هناء غبية، فاكرة إنها لما تخبي الظرف في وسط ملايات السرير اللي في الدولاب مفرشة بالورد، مش هعرف أتوصل له! ده أنا حافظة دبة نملة البيت ده، ودخلت في غفلة منكم وأمك نايمة وهي زي الفرخة الديخة، وخدت حقي وحق أولادي اللي كنتم عايزين تأكلوه عليا.”

أنا حطيت إيدي على بوقي وأنا مش مصدقة، افتكرت اليوم اللي سمر نزلت فيه تلم حاجتها وذهبها، طبعاً كانت بتتحجج بالهدوم ودخلت شقتي بحجة إنها بتدور على حاجة تخصها ومحمود مكنش مركز معاها من كتر الزعيق، وغفلتنا وسرقت الشقا كله!

محمود صرخ فيها: “أنتِ حرامية يا سمر! حرامية وبتسرقي ورق مش حقك، ده تزوير وسرقة وهحبسك!”

ردت عليه بكل لؤم وثقة: “توجع قلبك ليه يا محمود؟ المحامي بتاعي قال لي إن الورق ده ملوش أي لزمة في إيدكم طالما مش معاكم الأصل، والآن الأصل معايا أنا، يعني أنا اللي في إيدي ألغيه، أو أثبت إن أمك مضت عليه وهي مش في وعيها، والشهود بتوع المنطقة كلهم هيبصموا بالعشرة إن الحجة مكانتش دريانة بالدنيا. لو عايز الورق ده يرجع، والنيابة والمحاكم والفضايح تقف، يبقالنا كلام تاني خالص.”

محمود سألها وعينيه بتطلع شرار: “عايزة إيه يا سمر؟ خلصي!”

قالت بقسوة: “عايزة الأرض اللي ورا البيت تتنازل لي عنها رسمي بعقد بيع منك ومن أمك، وشقتي تتكتب باسمي ومحدش يقدر يخرجني منها، والمؤخر بتاعي يتدفع كاش طالما استرجلت وطلقتني في وسط أهلي. قدامك لحد بكره الصبح قبل معاد النيابة، يا إما الورق ده هيتحرق قدام عينيك والنيابة هتيجي تعاين وتقلب البيت، وأمك هتدخل المحاكم وهي على آخر أيامها.” قفلت السكة في وشه، والخط قطع.

الصالة بقت زي القبر. محمود رمى التليفون على الكنبة وقعد يلطم على فخاده وهو مش عارف يتصرف إزاي. بصلي وقال وهو عاجز تماماً: “ضيعتينا يا هناء.. ضيعتينا وضيعتي حق أمي. لو الورق ده راح، سمر هتاخد الأرض والبيت وهتطردنا كلنا، وأمي مش هتحتمل بهدلة المحاكم وقضايا الحجر.”

دموعي نزلت، بس مكنتش دموع ضعف، كانت دموع قهر وغيظ. وقفت في نص الأوضة وقلت له بصوت حاد وقوي: “أنا مضيعتش حد يا محمود! أمك هي اللي كتبت الورق ده بأرادتها، وأنا مكنتش أعرف إن سمر بالوساخة دي عشان تدخل تسرق من دولابي. بس وحياة ولادي، ما هسيبها تفرح باللي عملته، والأرض والبيت مش هيروحوا للي ميسواش.”

دخلت أوضة حماتي، لقيتها صاحية وعينيها مليانة دموع، الظاهر سمعت كل حاجة من برا. مسكت إيدي وقالت بصوت مبحوح: “الورق ضاع يا هناء؟ سمر سرقته؟”

وطيت عليها وبست إيدها وقلت لها: “ماتخافيش يا ماما، حقك وحق تعب عمرك مش هيروح، ربنا مابيسبش المظلوم، والست اللي صبرت 11 سنة على المر، مش هتقع في آخر الخطوة.”

خرجت من البيت وأنا دماغي بتلف زي الموتور. سمر فاكرة إنها كسبت الحرب عشان معاها الورق الأصلي، وفاكرة إن المحامي بتاعها أذكى خلق الله. بس أنا فكرت في حاجة هما مخدوش بالهم منها. العقود دي مسجلة وصية وتنازل في الشهر العقاري! يعني فيه أصل مسجل في دفاتر الحكومة والدولة، والسرقة دي ملهاش قيمة غير لو هما قدروا يثبتوا إن حماتي مكانتش في وعيها وقت التسجيل، والتسجيل ده تم من سنتين يعني وهي بكامل صحتها وقوتها قبل ما يحصل لها أي حاجة!

رحت للمحامي بتاعنا، أستاذ رأفت، راجل طيب ومن بقية أهلنا وبيفهم في الأصول. حكيت له كل اللي حصل من طقاطق للسلام عليكم.

أستاذ رأفت عدل نضارته وابتسم وقال لي: “يا مدام هناء، سمر دي بغبائها ده وقعت نفسها في مصيبة. هي فاكرة إن الورق ده زي عقود البيع العادية اللي بتتدفن وخلاص. طالما فيه تنازل مسجل وصية في الشهر العقاري ومن سنتين، يبقى التاريخ ده هو الحماية بتاعتكم. المحكمة لما بتيجي تبحث في قضايا الحجر أو التزوير، بتبص لتاريخ التسجيل، وحماتي في التاريخ ده مكنش عندها أي تقارير طبية بتقول إنها فاقدة الأهلية. السرقة اللي هي عملتها دي، دي جناية سرقة مستندات وهدم حق، ولو ثبتنا إنها سرقته، هتروح ورا الشمس.”

قلت له بلهفة: “ونثبت إزاي يا أستاذ رأفت؟ دي بتقول معاها شهود زور من المنطقة وهيقولوا إن أمي مضت في المستشفى!”

قال لي بخبث: “النيابة مابتمشيش بكلام مصاطب وشهود زور في وجود ورق رسمي ومسجل. إحنا بكره هنروح النيابة، وهنطلب استخراج صورة رسمية مختومة من الشهر العقاري للعقود دي، وهنقدم بلاغ رسمي ضد سمر بطلب تفتيش وسرقة مستندات، وهنطلب شهادة الدكتور اللي عمل العملية للحجة عشان يثبت إن الست لما دخلت المستشفى كانت بكامل قواها قبل ما تدخل العمليات، وإنها متمضتش على حاجة جوه المستشفى أصلاً! سمر هتروح بكره النيابة وهي فاكرة إنها ماسكة السكينة من يدها، وهتفاجأ إن السكينة هتقطع رقبتها.”

رجعت البيت وروحي ردت فيا شوية، فهمت محمود الخطة، وبدأ يهدأ ويمسح عرق الخوف من على وشه. بس الليل ده مكنش بيمر، الساعات كانت بتعدي كأنها سنين.

تاني يوم الصبح، الساعة 9 بالثانية، كنا واقفين قدام باب النيابة. أنا ومحمود وأستاذ رأفت. وبعد دقايق، وصلت سمر ومعاها أخوها مدحت والمحامي بتاعهم، وكانوا داخلين وفاردين ضهرهم وعينيهم مليانة شماتة. سمر بصت لي من تحت لفوق وقالت بصوت واطي وهي بتمر من جنبي: “جهزي شنطتك يا هناء، الأيام اللي جاية هتقضيها في الشارع.”

مردتش عليها، وبصيت قدامي بكل برود.

دخلنا لغرفة وكيل النيابة. المحامي بتاع سمر بدأ يتكلم ويقول: “يا فندم، موكلتي سمر بتتهم المشكو في حقها هناء، بالتدليس والنصب، واستغلال مرض الحجة أم محمود، وتوقيعها على عقود بيع وتنازل عن البيت والأرض وهي غايبة عن الوعي في المستشفى، ومعانا صور المسودات اللي بتثبت النية، وبنطلب معاينة العقود الأصلية وإبطالها.”

وكيل النيابة بص في الورق، وبص لمحمود وبصلي، وقال: “أين العقود الأصلية التي تم التنازل بها؟”

هنا أستاذ رأفت اتدخل بكل هدوء وثقة، وطلع ورق من شنطته وقال: “يا فندم، العقود الأصلية تم سرقتها من شقة الموكلة هناء عبد الرحمن بواسطة المشكو في حقها سمر، وإحنا مقدمين بلاغ سرقة رسمي ومثبت بوقائع تفتيش الشقة. ومقدمين لسيادتك دلوقتي صورة طبق الأصل مستخرجة رسمي من دفاتر الشهر العقاري، ومختومة بشعار الجمهورية، والتاريخ المدون عليها يعود إلى سنتين ماضيتين، أي في فترة كانت الحجة بكامل صحتها وقواها العقلية، وقبل دخولها المستشفى بمدد طويلة.”

وكيل النيابة مسك الصور الرسمية وبدأ يراجع التواريخ والأختام. وش المحامي بتاع سمر اتقلب، وبص لسمر بغضب مكتوم، وسمر بدأت تترعش وتبرق وعينيها تروح وتيجي.

أستاذ رأفت كمل وقال: “وبنطلب من النيابة الموقرة، إلزام المشكو في حقها بتقديم العقود الأصلية التي أقرت في مكالمات مسجلة (ومعانا تفريغ ليها) إنها بحوزتها بعد ما سرقتها، وتوجيه تهمة سرقة مستندات رسمية والشهادة الزور.”

وكيل النيابة رفع عينه وبص لسمر بحدة وقال لها بصوت صارم: “الورق الأصلي فين يا سمر؟”

سمر لسانها اتقلبت واتلعثمت وقالت برعب: “يا.. يا فندم.. أنا.. أنا كنت فاكرة..”

أخوها مدحت اتدخل وحاول ينقذ الموقف وقال: “يا باشا إحنا معناش ورق، دي إشاعات!”

لكن وكيل النيابة زعق فيهم وقال: “الكلام ده ميمشيش هنا! الورق مسجل من سنتين يعني مفيش تزوير ولا استغلال مرض. وبناء على البلاغ المقدم، هتشكل لجنة لتفتيش شقة المشكو في حقها بحثاً عن الأصول المسروقة.”

خرجنا من غرفة التحقيق وسمر كانت هتموت من الرعب وأخوها عمال يزعق لها في الممر ويقول لها: “وديتينا في داهية بغبائك! مش قولتي الورق ده ملوش أصل في الحكومة!”

حسيت بنصر كبير، بس النصر ده مكنش كامل.. لأن لما رجعنا البيت، لقينا جارتنا أم أحمد واقفة بتصوت على السلم وبتقول: “الحق يا محمود! الحق يا هناء! الحجة أم محمود تعبت والوجع مسكها تاني، وشكلها بتودع!”

جريننا على جوه، ولقينا حماتي في السرير، بتتنفس بصعوبة جداً، وعينيها مقلوبة لفوق. محمود صرخ ووقع على ركبه: “أمي! ماتموتيش وتسيبيني يا أمي!”

حماتي فتحت عينيها بالعافية، وبصت حولين الأوضة كأنها بتدور على حد، ولما شافتني، شاورت بإيدها المرتعشة وقالت بصوت طالع بالعافية كأنه حشرجة الموت: “هناء.. الأرض.. الأرض يا هناء فيها…”

وملحقتش تكمل الكلمة، وإيدها وقعت على السرير وعينيها اتفلتت تماماً…

البيت كله اتشقلب، الصراخ ملى الحيطان، ومحمود وقع على الأرض مش قادر يقف من الصدمة. في لحظة واحدة، راحت الست اللي كانت محور حياتنا، الست اللي بكلمة منها كانت بتغير موازين الدنيا، والست اللي كانت شايلة سر الأرض والورق في عقلها وقلبها.

كنت واقفة مذهولة، مش قادرة أصدق إن حماتي راحت، وقبل ما تكمل جملتها! “الأرض يا هناء فيها…” فيها إيه يا حجة؟ إيه اللي كانت مخبياه وعايزة تقوله؟

سمر وأخوها كانوا واقفين على باب الشقة، أول ما سمعوا الصريخ والولولة، دخلوا بوشوش كأنه عليها قناع حزن مصطنع، بس عيونهم كانت بتلمع بشماتة خفية. كانوا فاكرين إن بموتها، كل حاجة هتبوظ، وإننا مش هنعرف الحقيقة اللي كانت لسه هتخرج من بقها.

الايام اللي بعدها كانت كابوس، عزا وناس طالعة وناس داخلة، وأنا كنت غايبة عن الوعي. كنت بفتكر كلام حماتي الأخير، وبدور في عقلي، يا ترى الأرض فيها إيه؟ هل فيها كنز؟ ولا ورق تاني؟ ولا هي كانت بتلمح لحاجة تانية خالص؟

سمر ما سكتتش، في نص العزا، لقيتها داخلة المطبخ وأنا بصب القهوة للمعزيين، وبتقولي بصوت واطي وسم: “أهو الست راحت، والسر مات معاها. والورق اللي معاكي ده يا هناء ملوش أي تلاتين لازمة من غيرها، هتقدري تثبتي إيه قدام النيابة لما يسألوا عن تفاصيل التسجيل؟ أنا لسه معايا الأصل، وبكره هقلب الطاولة عليكم، والبيت ده هيتوزع ورث شرعي على الكل، يعني غصب عنك، هتبيعي وتديني حقي!”

بصيت لها ببرود، رغم إن قلبي كان بيتقطع، وقلت لها: “يا سمر، الموت بيغير الناس، بس واضح إنك مفيش حاجة هتغيرك. الحجة ماتت وهي راضية عني، وماتت وهي بتوصيني على الأرض دي، والوصية دي مش بس ورق في الشهر العقاري، دي عهد في رقبتي.”

خرجت من المطبخ وسيبتها بتتوعد. محمود كان مكسور، فقد أمه، وفقد ثقته في سمر تماماً، وبدأ يعيش في دوامة حزن. بس أنا مكنتش هسكت. أخدت مفتاح “الأرض” اللي كان في ميدالية مفاتيح حماتي، المفتاح اللي كانت دايماً بتلبسه في رقبتها في سلسلة دهب، وكنت دايماً بفتكرها بتلمسه وهي قلقانة.

في يوم التالت، والكل نايم من التعب، خدت محمود ونزلت للأرض دي. الأرض كانت عبارة عن مساحة كبيرة ورا البيت، فيها مخزن قديم كانت حماتي قفلاه بقالها سنين، ومحدش كان بيدخله غيرها.

محمود بص لي باستغراب: “هناء، بتعملي إيه هنا؟ الوقت متأخر والأرض دي مفيهاش غير خردة وكراكيب.”

قلت له: “يا محمود، أمك قبل ما تموت قالت لي ‘الأرض فيها’. لازم نعرف إيه اللي فيها.”

حطينا المفتاح في قفل المخزن الصدي، ولفناه بصعوبة. الباب اتفتح، وطلع ريحة تراب وقديم. دخلنا بالكشافات، ولقينا المكان مليان صناديق خشبية قديمة، وأكياس مكدسة. دورنا في كل حتة، لحد ما لمحنا صندوق حديد صغير، متغطي بقطعة قماش خيش.

فتحت الصندوق، وشهقت! مكنش فيه دهب ولا فلوس، كان فيه “دفتر حسابات” مكتوب فيه كل تفاصيل الأرض، ومعاه “شهادة تسجيل” تانية خالص، ومعاها رسالة مكتوبة بخط إيد حماتي، وموجهة ليا أنا!

فتحت الرسالة وإيديا بترتعش وقرأت:

“بنتي يا هناء، لو قريتي الورقة دي، يبقى أنا روحت للي خلقني. الأرض دي يا هناء مش بس طوب وأرض، الأرض دي تحتها ‘خزنة قديمة’ كان جوزي -أبو محمود- مخبي فيها ورق الملكية الأصلي من أيام جدي، ومعاه وصية تانية بتوضح إن الأرض دي ‘وقف’ لولاد ولادنا، ومحدش من العيال يقدر يبيعها أو يورثها لأي حد من بره البيت، والشرط ده كان مكتوب وموثق قبل ما نتجوز حتى. سمر لو عرفت إن الأرض ‘وقف’ وملكيتها مقيدة، هتتجنن، لأنها مكنتش عايزة غير إننا نبيع ونقسم عشان تاخد نصيبها وتخلع.”

بصيت لمحمود اللي كان بيقرا معايا والدموع في عينيه، وقلت له: “يعني الأرض دي مش للبيع يا محمود؟ يعني سمر مهما عملت، مش هتاخد فيها مليم؟”

محمود مسح دموعه وقال: “دي وصية أمي، والوقف ده يعني الأرض محمية بقوة القانون والشرع. سمر كانت عايزة تبيع وتسترزق، وأمي كانت عارفة ده وعشان كدة كتبت لي الأرض في الوصية التانية عشان تحميها من طمع سمر، ولما لقت سمر زادت في غيها، خلت الوصية دي هي الضمان الأخير.”

سمعنا صوت حد ماشي برا المخزن، ووقع في قلبي الرعب. كان مدحت، أخو سمر، واقف ومعاه اتنين من صبيانه، وكانوا مراقبيننا! دخل علينا وهو بيضحك ضحكة شيطانية: “آدي اللي كنت بدور عليه! أصل أختي قالت لي إنكم رايحين الأرض، وأنا قولت أكيد فيه حاجة مخبية هنا.”

بص لنا وهو بيقرب وبيمد إيده ياخد الصندوق: “هاتوا اللي في إيدكم ده، بدل ما أتصرف تصرف مش هيعجبكم!”

محمود وقف قدامه بجسمه وقال له بصوت عالي: “مدحت، ابعد عننا، المكان ده ملكنا، والورق اللي هنا ده هيوديكم في داهية!”

مدحت ضحك وقال: “ورق إيه؟ إحنا في بلد مفيهاش قانون، والورق ده لو اتحرق، مين هيعرف الحقيقة؟”

في اللحظة دي، سمعنا صوت صرخة سمر من بعيد، كانت جاية هي كمان، وشكلها كانت خايفة من حاجة. بس الصرخة دي مكنتش خوف، كانت صرخة “فضيحة”.

سمر دخلت وهي بتنهج وقالت: “مدحت! سيبهم.. سيب الصندوق! فيه.. فيه ناس برا.. الحكومة!”

اتحولت ملامح مدحت للرعب، بص للباب، ولقى نور عربيات شرطة داخلة على الأرض! سمر كانت بلغت عننا فاكرة إننا بنخبي دهب أو ممنوعات، بس هي مكنتش تعرف إن البلاغ ده هو اللي هيجيب نهايتها هي ومدحت.

وكيل النيابة دخل الأرض، ومعاه قوة، بص لسمر اللي كانت واقفة مصدومة وبص لمدحت اللي في إيده الصندوق، وقال بصوت قوي: “سمر، أنتِ اللي بلغتِ إن فيه تزوير وأعمال غير قانونية في الأرض دي؟ أدينا جينا نعاين، ونشوف إيه الحكاية.”

أنا طلعت الرسالة ودفتر الحسابات، وقدمتهم لوكيل النيابة: “يا فندم، الأرض دي ‘وقف’ موثق، وإحنا معانا أصول الأوراق، ودول كانوا بيحاولوا يسرقوها ويهددونا!”

سمر صرخت: “دي كدابة! دي بتلفق تهم!”

وكيل النيابة خد الصندوق من مدحت وفتحه، وشاف الأوراق، وبص لسمر نظرة كفيلة إنها تموتها من الرعب: “أوراق وقفية مسجلة ومختومة؟ يعني الأرض دي مينفعش حد يتصرف فيها بالبيع؟ وأنتِ كنتِ بتحاولي تضغطي عليهم عشان يبيعوا ويقسموا؟”

مدحت بدأ يتراجع ويقول: “أنا.. أنا كنت جاي أساعدهم بس!”

وكيل النيابة أشار للعساكر: “قبضوا عليهم، بتهمة تهديد، ومحاولة سرقة مستندات، وبلاغ كاذب!”

سمر كانت بتصرخ باسم محمود، بس محمود كان واقف بعيد بيبص لها بإشفاق.. مكنش فيه حب، مكنش فيه غضب، كان فيه بس راحة من كابوس طويل كان عايش فيه.

بصيت لمحمود، ومسكت إيده، وكان الصندوق في إيدي التانية.. الصندوق اللي كان مفتاح النجاة، واللي كان آخر هدية من “حماتي” اللي عرفت في الآخر تختار مين اللي يصون الأمانة.



مشهد القبض على سمر ومدحت كان زي الحلم، الناس في المنطقة اتلمت، والكل كان بيبص بذهول على “الملكة” اللي كانت بتتباهى بجمالها وفلوسها، وهي دلوقتي خارجة من أرضنا مكتفة ومحطوطة في عربية البوكس، وشعرها منكوش ووشها باهت من الصدمة. أخوها مدحت كان بيبص في الأرض، باين عليه إنه بدأ يحس بقيمة الغلطة اللي عملها، بس خلاص، ساعة الحساب دقت.

بعد ما الشرطة مشيت، الدنيا هديت في الأرض. كنت واقفة أنا ومحمود، ساكتين، بنبص للمكان اللي شهد على كل الظلم اللي اتعرضت له حماتي، وبدأ يظهر فيه الحق. محمود لف لي وبص في عيوني، لأول مرة من سنين شفت في عينيه لمحة من محمود اللي حبيته زمان.. الراجل الشهم اللي بيقدر الأصول.

مسك إيدي وقال بصوت واطي: “سامحيني يا هناء.. على كل يوم خليتك فيه تحسي إنك قليلة. على كل مرة سمر كانت بتكسر بخاطرك وأنا واقف بتفرج. أمي كانت عارفة، كانت عارفة إنك أنتِ اللي معدنك أصيل، وعشان كده هي اللي أنقذتني وأنا غرقان في وهم المظاهر.”

دموعي نزلت، بس كانت دموع ارتياح. قلت له: “المهم يا محمود إننا عرفنا الحقيقة، وإن حق حماتي رجع، وإن الوقف اللي هي كانت خايفة عليه بقى في إيدينا.”

الأسابيع اللي تلت الحادثة كانت كلها تحقيقات وقضايا، بس كل حاجة كانت ماشية في صالحنا. المحامي أستاذ رأفت كان شاطر جداً، وطلع كل الأوراق الرسمية اللي بتثبت إن الأرض “وقف”، وإن تصرفات سمر ومدحت كانت عبارة عن سرقة وتزوير. سمر أخدت حكم بالسجن بتهمة سرقة مستندات رسمية ومحاولة نصب، ومدحت اتورط معاها، والمحامي بتاعهم سابهم لما عرف إنهم كدبوا عليه.

أما البيت.. البيت رجع يهدى من جديد. ولادي كانوا بيسألوا على جدتهم كتير، كنت بحكي لهم عنها، وعن إنها ست كانت قوية، وبتحبنا، وكانت بتحمينا حتى وهي مش موجودة. شقتي اللي كنت شايلة همها، بقت مليانة أمان.

بعد مرور سنة.. كنت قاعدة في البلكونة الصبح، بشرب شاي، وبشوف الأرض ورا البيت.. بقت حديقة صغيرة جميلة، نظفناها وزرعنا فيها شجر مثمر، بطلب من ولادي. محمود بقى إنسان تاني، رجع لربنا، ورجع لحياته العادية، وبقينا نشتغل سوا في إدارة الأرض اللي بقت بتطلع خيرها لينا ولأولادنا، زي ما كانت حماتي متمنية.

في يوم، كنت بقلب في الصندوق القديم تاني، ولقيت ورقة تانية مخدتش بالي منها، كانت صورة قديمة لينا كلنا.. أنا ومحمود، وحماتي وهي مبتسمة، وكانت كاتبة ورا الصورة: “يا هناء، البيت مش بالحطان، البيت باللي بيصون الأصول. وأنتِ صنتي، فاستحقتي تكوني صاحبة البيت وصاحبة الدار.”

عرفت وقتها إن حماتي مكنتش بس بتورثني أرض، كانت بتورثني “بيت” حقيقي، مبني على الصبر والحب.

بقيت أنا “ست البيت” زي ما كانت بتناديني في آخر أيامها، بس مش بالشغل والخدمة بس، لأ.. بالكلمة، وبالرأي، وبالاحترام اللي محمود بقى بيعاملني بيه. سمر بقت ذكرى وحشة، كابوس وراح لحاله، والمنطقة كلها بقت عارفة قصة “هناء”، الست البسيطة اللي طلعت أقوى من كل الألاعيب.

النهارده، ولادي كبروا، والبيت دايماً مليان دفى. محمود دخل عليا وهو شايل كيس فاكهة، وبص لي بابتسامة وقال: “تعالي يا هناء، الأرض طرحت أول طرح، وكل الجيران بيسألوا عليكي.”

ابتسمت وقمت، بصيت لصور حماتي اللي متعلقة في الصالة، حسيت إنها بتراقبني ومبسوطة.

يا جماعة، الدنيا دوارة، والحق مابيروحش مهما طال الزمن، والمظلوم بيجي له يوم وبيبقى هو الملك بجد، بس الفرق إن “مُلك” الحق بيدوم، ومُلك المظاهر والكدب بيقع في أول مطب.

أنا هناء.. الست البسيطة اللي طلعت من المعركة دي بدرس، إن الصبر مش ضعف، وإن الأصول هي اللي بتعيش، وإن “حماتي” اللي كنت فاكراها عدوتي، كانت هي أكتر واحدة بتحبني وخايفة على مستقبلي.. وعشان كده.. أنا دلوقتي ملكة في بيتي، بس ملكة بقلبي، مش بتاجي.

وخلصت الحكاية، حكاية هناء اللي ما اتكسرتش، وحكاية بيت فضل واقف ببركة “ست العيلة” اللي عرفت في الآخر مين اللي يستاهل يشيّل الأمانة.


تعليقات

close