حملت وانا في اولي ثانوي بقلم زيزي احمد
حملت وانا في اولي ثانوي بقلم زيزي احمد
بعد شهرين بس من جوازنا... لكن الصدمة الحقيقية حصلت بعد ما المدرسة استدعت أهلي
بعد شهرين من كتب كتابي وجوازي على كريم، كنت واقفة في أولى ثانوي لابسة المريلة الزرقا، وجزمتي القديمة، ومخفية نتيجة تحليل حمل جوه كشكول الرياضيات.
عرفت إني حامل الساعة ستة الصبح...
قبل ما أمي تناديني وتقول إننا اتأخرنا على المدرسة.
اليوم ده ما فطرتش.
واليوم ده حسيت إن حياتي داخلة على امتحان أصعب من أي امتحان درسته.
كنت متجوزة بعقد رسمي، لكن الجواز كان من غير فرح، ومن غير زفة، ومن غير ما حد في المدرسة يعرف.
كريم كان طالب في تالتة ثانوي.
وأهله قالوا إن إعلان الجواز دلوقتي هيضره في مستقبله، وإن الأفضل نستنى لحد ما أخلص الثانوية.
وافقت... وأنا فاكرة إن الصبر هيحل كل حاجة.
لكن الأسرار عمرها ما بتفضل مستخبية.
أول ما دخلت المدرسة، لقيت الهمس مالي الممرات.
هي دي.
بيقولوا حامل.
معقول وهي لسه طالبة؟
كنت ماشية وضمّة الشنطة على صدري، بحاول أهرب من نظرات الناس.
لكن الخبر سبقني.
بعد الحصة الأولى، جت المشرفة وقالت
يا نور... المديرة عايزاكي.
قلبي وقع.
دخلت المكتب...
لقيت المديرة، والأخصائية الاجتماعية، وأمي، وأبويا، وكريم، وأمه.
كلهم قاعدين...
ولا حد فيهم بيتكلم.
المديرة بصتلي بهدوء وقالت
اقعدي يا نور.
لكن رجليا كانت بتترعش.
قبل ما أتكلم...
مدام ريهام، أم كريم، بدأت الكلام.
قالت وهي بصالي
اللي حصل غلط كبير... وكان لازم البنت تستنى تخلص تعليمها.
أمي ردت بسرعة
الجواز شرعي ورسمي... وبنتي مغلطتش.
ابتسمت مدام ريهام ابتسامة باردة.
وقالت
إحنا مش معترضين على الجواز... إحنا معترضين إنها تقول للناس إن كريم جوزها.
بصيت لها بعدم فهم.
يعني إيه؟
قالت ببرود
من النهارده... محدش يعرف إن بينكم أي علاقة.
لفيت أبص لكريم...
مستنية منه كلمة واحدة.
أي كلمة.
لكنه
فضل ساكت.
سألته وأنا بحاول أمسك دموعي
كريم... هتقولهم إننا متجوزين صح؟
رفع عينه ناحيتي...
وقال بصوت هادي خنقني
الظروف دلوقتي مش مناسبة.
حسيت إن الكلام نزل على قلبي زي الحجر.
قلت
طب والطفل؟
رد بسرعة
محدش يعرف عنه حاجة دلوقتي.
أبويا قام من مكانه بعصبية.
وقال
بنتي مش هتستخبى ولا هتعيش عمرها خايفة من جوزها.
مدام ريهام طلعت ظرف أصفر من شنطتها.
وحطته قدام أبويا.
وقالت
اعتبروه تعويض... وسافروا البنت عند أي حد من قرايبكم لحد ما تولد.
أبويا زق الظرف بعيد.
وقال بغضب
بنتي مش هتتباع بفلوس.
ساد الصمت في المكتب.
وفي اللحظة دي...
المديرة فتحت درج مكتبها، وطلعت دوسيه أحمر.
بصت ناحية مدام ريهام، وقالت بهدوء
يمكن قبل ما نكمل الكلام... الكل لازم يشوف الملف ده.
وش مدام ريهام اتغير فجأة.
أما كريم...
فأول مرة أشوف الخوف ظاهر في عينيه.
والمديرة بدأت تفتح الدوسيه ببطء، وهي بتقول
الملف ده اتحط تحت باب مكتبي امبارح بالليل... وفيه حاجات هتغير مجرى الاجتماع كله المديرة سحبت أول ورقة من الدوسيه، وحطتها قدامها من غير ما تديها لحد.
كل العيون كانت متعلقة بإيديها.
حتى صوت المروحة اللي في السقف بقى مسموع.
بصت ناحية كريم وقالت بهدوء
قبل ما أي حد يتكلم... عايزة أسألك سؤال واحد.
كريم حاول يبان ثابت.
اتفضلي.
رفعت ورقة مختومة بختم رسمي.
عقد الجواز ده... إمضتك؟
اتسعت عينيه للحظة، لكنه حاول يتماسك.
بص لأمه بسرعة، وكأنه مستني منها إشارة.
مدام ريهام ردت قبله
أيوه العقد صحيح... لكن ده موضوع عائلي، والمدرسة مالهاش دعوة.
المديرة هزت راسها.
كان فعلًا موضوع عائلي... لحد ما بدأ الضغط على طالبة علشان تخفي جوازها، وتغيب عن المدرسة، وتتنازل عن حقها في التعليم.
سكتت الأوضة كلها.
أمي بصتلي، ودموعها لمعت.
أما أبويا فكان قابض على طرف الكرسي بكل قوته.
المديرة
طلعت ورقة تانية.
ودي طلب تحويل قدمته ولية أمر كريم باسم نور... من غير توقيع نور ولا ولي أمرها.
أبويا انتفض واقف.
إزاي ده حصل؟
الأخصائية الاجتماعية قالت وهي بتراجع الورق
الطلب اتقدم فعلًا... لكن اترفض لأن البيانات كانت ناقصة.
مدام ريهام بدأت تفقد هدوءها.
أكيد في سوء تفاهم.
لكن المديرة ما سابتهاش تكمل.
طلعت فلاشة صغيرة من الدوسيه.
وقالت
والأهم من الورق... اللي على الفلاشة.
كريم بلع ريقه.
ولأول مرة، وشه فقد لونه.
قال بسرعة
فيها إيه؟
المديرة ردت وهي بتحط الفلاشة على المكتب
تسجيل لمكالمة... وصل مع الملف.
حدق كريم في أمه.
وأمه حدقت فيه.
كأن كل واحد فيهم بيسأل التاني نفس السؤال...
مين اللي سجّل؟
وقبل ما أي حد ينطق...
سمعنا خبطتين هادئين على باب المكتب.
السكرتيرة فتحت الباب، وقالت بتوتر
يا فندم... في شخص بره بيقول إن عنده معلومات مهمة جدًا بخصوص الملف... ومصرّ يقابل حضرتك دلوقتي.
المديرة بصت للحاضرين، ثم قالت
دخّلوه.
الباب بدأ يفتح ببطء...
وأول ما الشخص حط رجله جوه المكتب...
اتغيرت ملامح كريم تمامًا، وهمس من غير ما يحس
مستحيل... هو إزاي جه؟
يتبع...الباب اتفتح ببطء...
ودخل راجل في آخر الأربعينات، لابس بدلة بسيطة، وماسك شنطة جلد قديمة.
أول ما كريم شافه، وشه اصفر.
أما مدام ريهام فقامت واقفة فجأة وقالت بعصبية
إنت؟!
الراجل رد بهدوء
أيوه... أنا.
المديرة أشارت له يقعد.
لكنه فضل واقف.
فتح الشنطة، وطلع ملف أزرق أكبر من اللي على المكتب.
وقال
أنا ما جتش علشان أعمل مشاكل... أنا جيت علشان بنت صغيرة متضيعش مستقبلها.
كل الموجودين سكتوا.
الراجل حط الملف قدام المديرة، وقال
أنا المحامي اللي كتب عقد الجواز، وكنت شاهد عليه يوم اتوثق.
أبويا بص له باستغراب.
وقال
يعني حضرتك عارف كل حاجة؟
هز رأسه.
وعارف كمان إن الاتفاق من البداية
كان إن نور تكمل تعليمها عادي، وإن الحمل لو حصل بعد الجواز محدش يجبرها تسيب المدرسة.
بص ناحية مدام ريهام وقال
ده كان شرط واضح... وكل الأطراف وافقت عليه.
مدام ريهام ضربت بإيدها على المكتب.
الكلام ده كفاية!
لكن المديرة ردت بحزم
لأ... لسه ما كفاش.
المحامي طلع ورقة تانية.
وقال
ودي إقرار بخط إيد كريم، بيتعهد فيه إنه هيدعم زوجته في استكمال تعليمها، وإنه مش هيمنعها من أي حق قانوني.
كريم فضل ساكت.
ولا قدر يرفع عينه.
أمي دموعها نزلت، لكن المرة دي كانت دموع راحة.
أما أبويا فلف ناحية كريم وقال
كنت فاكر إنك هتكون سند لبنتي... مش أول واحد يسيبها تواجه الناس لوحدها.
كريم حاول يتكلم.
أنا...
لكن الكلمات وقفت في زورِه.
في اللحظة دي، المديرة قفلت الملف، وقالت بهدوء
بالنسبة للمدرسة، نور طالبة لها كل الحقوق، وحملها بعد زواج رسمي لا يمنعها من استكمال تعليمها. وأي محاولة للضغط عليها أو إجبارها على ترك الدراسة هتتسجل رسميًا.
شعرت لأول مرة من الصبح إني قادرة آخد نفس.
لكن قبل ما الاجتماع ينتهي...
المحامي قال جملة خلت الكل يبص له مرة تانية.
في حاجة لسه ما حدش يعرفها... ولو اتقالت دلوقتي، هتغير العلاقة بين العيلتين كلها.
ثم فتح الملف الأزرق مرة أخرى...
وأخرج منه ظرفًا أبيض مختومًا بالشمع الأحمر.
وقال
والظرف ده... طلب مني صاحبه ما يتفتحش إلا لو نور اتعرضت للظلم فعلًا.
مدام ريهام شهقت...
وهمست بخوف
لا... مش الظرف ده!
يتبع...الباب اتفتح ببطء...
ودخل راجل في آخر الأربعينات، لابس بدلة بسيطة، وماسك شنطة جلد قديمة.
أول ما كريم شافه، وشه اصفر.
أما مدام ريهام فقامت واقفة فجأة وقالت بعصبية
إنت؟!
الراجل رد بهدوء
أيوه... أنا.
المديرة أشارت له يقعد.
لكنه فضل واقف.
فتح الشنطة، وطلع ملف أزرق أكبر من اللي على المكتب.
وقال
أنا ما جتش علشان أعمل مشاكل... أنا جيت علشان بنت صغيرة متضيعش مستقبلها.
كل الموجودين سكتوا.
الراجل حط الملف قدام المديرة، وقال
أنا المحامي اللي كتب عقد الجواز، وكنت شاهد عليه يوم اتوثق.
أبويا بص له
باستغراب.
وقال
يعني حضرتك عارف كل حاجة؟
هز رأسه.
وعارف كمان إن الاتفاق من البداية كان إن نور تكمل تعليمها عادي، وإن الحمل لو حصل بعد الجواز محدش يجبرها تسيب المدرسة.
بص ناحية مدام ريهام وقال
ده كان شرط واضح... وكل الأطراف وافقت عليه.
مدام ريهام ضربت بإيدها على المكتب.
الكلام ده كفاية!
لكن المديرة ردت بحزم
لأ... لسه ما كفاش.
المحامي طلع ورقة تانية.
وقال
ودي إقرار بخط إيد كريم، بيتعهد فيه إنه هيدعم زوجته في استكمال تعليمها، وإنه مش هيمنعها من أي حق قانوني.
كريم فضل ساكت.
ولا قدر يرفع عينه.
أمي دموعها نزلت، لكن المرة دي كانت دموع راحة.
أما أبويا فلف ناحية كريم وقال
كنت فاكر إنك هتكون سند لبنتي... مش أول واحد يسيبها تواجه الناس لوحدها.
كريم حاول يتكلم.
أنا...
لكن الكلمات وقفت في زورِه.
في اللحظة دي، المديرة قفلت الملف، وقالت بهدوء
بالنسبة للمدرسة، نور طالبة لها كل الحقوق، وحملها بعد زواج رسمي لا يمنعها من استكمال تعليمها. وأي محاولة للضغط عليها أو إجبارها على ترك الدراسة هتتسجل رسميًا.
شعرت لأول مرة من الصبح إني قادرة آخد نفس.
لكن قبل ما الاجتماع ينتهي...
المحامي قال جملة خلت الكل يبص له مرة تانية.
في حاجة لسه ما حدش يعرفها... ولو اتقالت دلوقتي، هتغير العلاقة بين العيلتين كلها.
ثم فتح الملف الأزرق مرة أخرى...
وأخرج منه ظرفًا أبيض مختومًا بالشمع الأحمر.
وقال
والظرف ده... طلب مني صاحبه ما يتفتحش إلا لو نور اتعرضت للظلم فعلًا.
مدام ريهام شهقت...
وهمست بخوف
لا... مش الظرف ده!
يتبع...المحامي مسك الظرف لحظة، وبص للمديرة.
قال بهدوء
قبل ما أفتحه... أنا هسأل سؤال واحد.
لف ناحية مدام ريهام.
لسه مُصرة إن نور هي السبب في كل اللي حصل؟
مدام ريهام حاولت تتمالك نفسها.
طبعًا... أنا بدافع عن ابني.
المحامي هز
رأسه بأسف.
يبقى مفيش قدامي غير إني أنفذ الأمانة.
قطع الختم، وفتح الظرف.
طلع منه ورقة مكتوبة بخط اليد.
وفي أول السطر كان مكتوب
إقرار وإقرار مسؤولية.
المديرة أخدت الورقة، وبدأت تقرأ بصوت واضح
أنا كريم منصور، أقر أن نور زوجتي بعقد زواج رسمي، وأن استمرارها في الدراسة كان اتفاقًا بين العائلتين، وأتعهد بألا أسمح لأحد بحرمانها من حقها في التعليم أو الإساءة إليها...
رفعت المديرة عينيها عن الورقة.
بصت لكريم.
الإمضاء إمضتك؟
كريم نزل برأسه.
وقال بصوت بالكاد يُسمع
أيوه... إمضتي.
الأوضة كلها غرقت في صمت.
أبويا تنفس بعمق، وكأنه أخيرًا سمع الحقيقة من صاحبها.
أما أنا...
فكنت ببص لكريم.
مش غضبانة.
ولا فرحانة.
بس مستغربة...
إزاي الإنسان ممكن يخاف من كلام الناس للدرجة دي؟
المديرة قفلت الورقة، وقالت بحزم
خلاص... بالنسبة للمدرسة، الموضوع انتهى. نور هتكمل تعليمها، وأي إساءة أو تنمر عليها هيتعامل معاه بمنتهى الجدية.
كريم رفع عينه لأول مرة من بداية الاجتماع.
بصلي وقال
يا نور... ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟
بصيت لأبويا.
فقال بهدوء
القرار قرارك.
خرجت مع كريم قدام باب المكتب.
وقف ساكت شوية، ثم قال
أنا غلطت... خوفت من ضغط أمي وكلام الناس، وما قدرتش أقف جنبك زي ما وعدتك.
ما رديتش.
كمل وهو صوته بيرتعش
لو سامحتيني... أوعدك إني أصلح كل حاجة.
كنت لسه هرد...
لكن باب المدرسة الخارجي اتفتح فجأة، ودخلت عربية فاخرة وقفت قدام المبنى.
نزل منها رجل كبير في السن، وكل العاملين في المدرسة عرفوه أول ما شافوه.
وأول كلمة قالها وهو داخل كانت
فين كريم؟ وفين مرات ابني؟
كريم اتجمد مكانه...
ومدام ريهام، أول ما شافت الراجل، وشها اتغير تمامًا، وقالت بصوت خافت
هو رجع...!
يتبع...الرجل دخل بخطوات ثابتة، وكل اللي في المدرسة وقفوا باحترام.
كان والد كريم.
كان مسافر بره مصر من شهور، ولسه راجع الصبح، وأول حاجة وصلته كانت أخبار اللي حصل.
بص لابنه نظرة طويلة.
وقال
صحيح اللي سمعته؟
كريم ما ردش.
كرر السؤال بصوت أقوى
صحيح سيبت مراتك تواجه الناس لوحدها؟
كريم نزل راسه.
أيوه... وأنا غلطت.
مدام ريهام قربت من جوزها بسرعة.
اسمعني الأول، الموضوع مش زي ما أنت فاهم...
رفع إيده، وقال بحزم
دوري أسمع الحقيقة من كل الأطراف، مش من طرف واحد.
لف ناحيتي.
وقال بهدوء
يا بنتي... حقك عليا.
الكلمة دي خلت أمي تبكي لأول مرة من بداية الأزمة.
وأبويا وقف ساكت، لكنه رد باحترام
إحنا مطلبناش غير حق بنتنا وكرامتها.
هز الرجل رأسه.
وده حقها كامل.
ثم التفت للمديرة.
أشكر حضرتك إنك ما سمحتِش إن طالبة تضيع بسبب ضغوط عائلية.
المديرة ابتسمت ابتسامة بسيطة.
ده واجبنا.
بعدها التفت لابنه.
من النهارده، مفيش إخفاء للجواز، ومفيش حد يجبر نور تسيب تعليمها. وهتتحمل مسؤولية بيتك وزوجتك وابنك.
كريم قال فورًا
حاضر يا بابا.
لكن والده رد بصرامة
الاعتذار بالكلام سهل... الأفعال هي اللي هتثبت.
ساد هدوء قصير.
وفجأة، المديرة قالت
بما إن الجميع موجود... في قرار لازم يتاخد بخصوص مستقبل نور الدراسي.
كل الأنظار اتجهت لها.
فتحت ملفًا جديدًا، وقالت
نور من الطالبات المتفوقات، وغيابها الفترة الأخيرة كان بسبب ظروفها الصحية. المدرسة مستعدة تساعدها تكمل دراستها، لكن لازم يكون فيه التزام من الأسرة كلها بدعمها.
أبويا قال فورًا
إحنا موافقين.
والد كريم قال
وأنا كمان.
أما كريم، فبصلي لأول مرة بثبات وقال
وأنا هكون أول واحد يساعدها.
بصيت له...
ولأول مرة من أيام طويلة، حسيت إن الخوف اللي كان مالي قلبي بدأ يخف.
لكن لسه ما كنتش قادرة أنسى كل اللي حصل.
ولما خرجنا من المدرسة، كانت ساحة المدرسة مليانة طلبة مستنيين يعرفوا نتيجة
الاجتماع.
أول ما شافونا خارجين سوا...
بدأ الهمس يرجع من جديد.
واحدة من البنات قالت بصوت عالي
يعني الإشاعات كانت كذب؟
وردت عليها بنت تانية
لأ... الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
وقبل ما نركب العربية، المديرة نادت عليّ من بعيد وقالت
يا نور... استنيني، في ورقة لازم تستلميها قبل ما تمشي.
رجعت لها، وأنا فاكرة إنها ورقة عادية...
لكن أول ما بصيت فيها، اتسعت عيني من المفاجأة.
كانت موافقة رسمية على منحة دراسية كاملة من المدرسة، تقديرًا لتفوقي، مع قرار خاص يضمن استمراري في الدراسة حتى بعد الولادة، من غير ما أخسر مستقبلي.
وقفت مكاني، والورقة بين إيديا...
وحسيت لأول مرة إن الأزمة دي، رغم قسوتها، ممكن تكون بداية حياة جديدة... لا نهايتها بعد ما استلمت الورقة، فضلت باصة لها وأنا مش مستوعبة.
المديرة ابتسمت وقالت
دي أقل حاجة تستحقيها. تعبك في المذاكرة عمره ما يضيع بسبب ظروف حياتك.
شكرتها، وخرجت مع أمي وأبويا.
لكن أول ما وصلنا باب المدرسة...
لقينا مجموعة من أولياء الأمور واقفين.
بعضهم كان بيبص باستغراب.
وبعضهم كان بيبتسم.
وست كبيرة قربت من أمي وقالت
ربنا يقوم بنتك بالسلامة... وإوعي تخليها تسيب تعليمها.
أمي ابتسمت لأول مرة من أيام.
وقالت
بإذن الله هتكمل.
ركبنا العربية، لكن كريم وقف برة.
كان واضح إنه عايز يتكلم.
أبويا بصلي وقال
لو حابة تسمعيه، اسمعيه... ولو مش حابة، محدش هيجبرك.
نزلت من العربية.
وقفت قدامه.
قال وهو بيحاول يبص في عيني
أنا عارف إن كلمة آسف قليلة... بس أنا فعلًا ندمان.
قلت بهدوء
الندم مش هيخليني أنسى اللي حصل.
هز رأسه.
عارف... وعشان كده مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي. هخلي أفعالي هي اللي تتكلم.
سكت شوية، وبعدين مد إيده بورقة صغيرة.
دي مواعيد أول متابعة مع الدكتور... حجزتها من امبارح، حتى قبل ما بابا يرجع.
بصيت للورقة.
كان عامل حساب كل حاجة.
مواعيد الكشف.
والتحاليل.
وحتى عربية هتيجي توصلني وترجعني علشان مكلفش نفسي.
رفعت عيني له.
ولأول مرة حسيت إنه بدأ يفهم معنى المسؤولية.
لكن الطريق
قدامنا كان لسه طويل.
بعد أسبوع...
رجعت المدرسة.
كنت متوقعة همسات ونظرات.
لكن اللي حصل كان مختلف.
المديرة دخلت الفصل بنفسها.
وقالت قدام البنات كلها
أي إساءة لزميلتكم أو تدخل في حياتها الشخصية هيعرض صاحبها للمساءلة. المدرسة مكان للتعليم، مش لإطلاق الأحكام.
بعدها بدأت الأيام تهدى واحدة واحدة.
رجعت للمذاكرة.
ورجعت أضحك مع صحباتي.
وكل شهر كنت بروح المتابعة الطبية، وبرجع أكمل دروسي.
وفي نهاية الترم...
دخلت الامتحانات وأنا في شهور حملي الأخيرة.
كنت مرهقة...
لكن كل ما أفكر أستسلم، أفتكر كلام أبويا
اللي بدأتيه... كمليه.
خرجت من آخر امتحان، وأنا حاسة إن حملي بقى تقيل جدًا.
كريم كان مستنيني برة اللجنة.
ابتسم وقال
جاهزة نروح؟
ابتسمت لأول مرة من غير تردد.
وقبل ما أرد...
حسيت بألم شديد وقفني مكاني.
حطيت إيدي على بطني.
والدنيا لفت بيا.
كريم جري ناحيتي وهو بيصرخ
نور... مالك؟!
بصيت له وأنا بحاول أتنفس، وقلت بصوت متقطع
أظن... ابننا اختار ييجي النهارده... بعد آخر امتحان كريم شال الشنطة من على كتفي بسرعة، وأسندني.
كان وشه مليان خوف، لكن لأول مرة شفته بيتصرف من غير تردد.
قال
حد يجيب العربية بسرعة!
مدرسين وطلبة اتجمعوا حوالينا، والمديرة نزلت بنفسها من المكتب.
أول ما شافتني، قالت
متضيعوش وقت... روحوا المستشفى حالًا.
ركبنا العربية، وأمي كانت ماسكة إيدي طول الطريق، تقرأ قرآن وتدعي.
أما كريم...
فكان ساكت.
لكن إيده ما سابتش إيدي لحظة.
بعد ما وصلنا المستشفى، الدكتورة كشفت عليا بسرعة.
وبعد دقائق خرجت وقالت للأسرتين
اطمنوا... دي مش ولادة لسه، لكن لازم تدخل ترتاح تحت الملاحظة.
كلنا خدنا نفس طويل.
دخلت الأوضة، ولقيت كريم داخل بعد ما الممرضة سمحت له.
وقف عند الباب، وكأنه مش عارف يبدأ منين.
قلت بهدوء
اتفضل.
قرب، وقعد على الكرسي
اللي جنب السرير.
فضل ساكت شوية، وبعدين قال
فاكرة أول مرة وعدتك إني عمري ما هسيبك لوحدك؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
فاكرة... وإنت أول واحد كسر الوعد.
نزل عينه للأرض.
وعشان كده هفضل طول عمري أصلحه.
في اللحظة دي دخل أبويا.
بص لكريم، ثم قال
يا ابني... الغلط أي حد ممكن يقع فيه، لكن الرجولة إنك تصلحه.
وقف كريم، وقبّل إيد أبويا باحترام.
وقال
أوعدك... نور وابني هيبقوا أول مسؤوليتي.
أبويا حط إيده على كتفه.
يبقى خلّي وعدك يفضل أفعال، مش كلام.
عدّى أسبوعين، ورجعت البيت أرتاح.
وبدأت أذاكر لنتيجة الامتحانات وأنا مستنية يوم الولادة.
وفي صباح هادئ، صحيت على صوت هاتفي.
كانت رسالة من المدرسة.
فتحتها بسرعة...
وكان مكتوب
تهانينا... حصلتِ على المركز الأول على الصف.
دموعي نزلت من الفرحة.
جريت أمي .
وأبويا رفع الورقة وهو بيقول بفخر
أهو ده المستقبل اللي قالوا إنها ملهاش حق فيه.
وفي نفس اللحظة، حسيت بانقباضات أقوى من أي مرة فاتت.
بصيت لكريم وقلت وأنا بضحك وسط الألم
المرة دي بجد... شكله مستني يفرح معانا بالنتيجة.
ابتسم وهو بيساعدني أقف.
وقال
يلا... نستقبل أول فرحتين في يوم واحد.
يتبع...خرجنا بسرعة للمستشفى.
الطريق كان قصير... لكنه بالنسبة ليا كان أطول طريق عشته.
كنت ماسكة إيد كريم بقوة، وكل شوية أبصله.
المرة دي ما كانش فيه خوف من الناس.
ولا من كلامهم.
كل خوفي كان على الطفل اللي مستنياه من شهور.
أول ما وصلنا، استقبلتنا الدكتورة بابتسامة.
قالت بعد الكشف
المرة دي خلاص... الولادة بدأت.
أمي قبل ما أدخل غرفة الولادة.
وهمست في ودني
ربنا يقومك بالسلامة يا بنتي.
أما أبويا، فوقف برة يدعي وهو ماسك سبحته.
ساعات قليلة عدت...
وبعدين سمعنا صوت بكاء طفل صغير.
الممرضة خرجت وهي مبتسمة.
وقالت
ألف مبروك... ربنا رزقكم بولد جميل.
كريم
وقف مكانه، وكأنه مش مصدق.
أخد ابنه بين إيديه، ودموعه نزلت لأول مرة قدام الكل.
قال وهو بيبصله
أوعدك... هكبرك وإنت فخور بأبوك، مش زعلان منه.
دخل الأوضة بعد ما سمحوا له.
ناولني الطفل برفق.
أول ما شلته، حسيت إن كل التعب اللي عشته خلال الشهور اللي فاتت اختفى.
كان صغير جدًا...
لكن وجوده ملأ الدنيا كلها.
أبويا دخل بعدها، وبص لحفيده وهو بيضحك.
وقال
الحمد لله... رزق جميل، وأم متعلمة، ومستقبل لسه في أوله.
مرت الشهور...
ورجعت أكمل دراستي.
كانت أمي تساعدني مع الطفل وقت الامتحانات.
وكريم، بعد ما يخلص شغله، يقعد يذاكرلي المواد اللي كانت صعبة عليا.
ومع الوقت...
رجعت الثقة بينا، لكن بالتدريج.
مش بالكلام...
بالمواقف.
وفي يوم التخرج من الثانوية، كنت طالعة أستلم شهادة النجاح، وابني الصغير قاعد في أول صف.
لما نادوا اسمي، سمعت أعلى تصفيق.
بصيت ناحية أهلي.
لقيت أمي بتبكي من الفرحة.
وأبويا واقف بيصفق بكل قوته.
وكريم شايل ابننا، وبيقوله وهو مبتسم
بص يا بطل... دي مامتك. عمرها ما استسلمت.
ابتسمت وأنا باستلم شهادتي.
وافتكرت اليوم اللي دخلت فيه المدرسة وأنا خايفة ومنكسرة.
وعرفت إن أصعب الأيام... مش لازم تكون نهاية الحكاية.
أوقات كتير...
بتكون مجرد بداية لحياة أقوى وأجمل. تم القصة وصلت بالفعل إلى نهاية طبيعية ومتكاملة في الجزء السابق، وانتهت بتخرج نور، واستمرار تعليمها، وولادة طفلها، وإصلاح العلاقة مع زوجها، لذلك لا يوجد تسلسل منطقي لإكمالها من نفس الأحداث.
إذا حابة تطوليها، أقدر أكتب جزءًا جديدًا بعنوان مثل
بعد 15 سنة... ابني دخل نفس المدرسة، واللي حصل يوم التكريم رجّع كل الذكريات.
أو جزء جديد عن
حياة نور في الجامعة.
أزمة جديدة بين العائلتين.
نجاحها في العمل بعد التخرج.
أو عودة شخصية قديمة تُحدث مفاجأة جديدة.
بهذا
نحافظ على ترابط القصة بدل ما نمد النهاية بشكل غير منطقي بعد خمس سنين...
كنت واقفة قدام باب الحضانة، ماسكة إيد ابني ياسين، وهو بيشدني من إيدي وبيقول ببراءة
ماما... هتيجي تاخديني بدري النهارده؟
ابتسمت ونزلت لمستواه.
أوعدك.
هز راسه وهو بيجري ناحية أصحابه.
وقفت أبصله لحد ما اختفى جوا الفصل.
افتكرت نفسي وأنا في سنه تقريبًا...
قد إيه كنت خايفة من بكرة.
ودلوقتي بقيت أنا اللي بصنع بكرة لابني.
بعد ما خلصت دراستي، اشتغلت محاسبة في شركة صغيرة.
وكريم كان بيكبر في شغله هو كمان.
العلاقة بينا بقت أحسن بكتير، لكن عمرنا ما نسينا الدرس اللي اتعلمناه.
إن الخوف من كلام الناس ممكن يهدم بيوت... لكن الصراحة بتبنيها من جديد.
وفي يوم، رجعت البيت لقيت كريم مستنيني بابتسامة.
قال
جهزي نفسك.
استغربت.
ليه؟
ناولني ظرف أبيض.
فتحته...
لقيت دعوة من مدرستي القديمة.
كانوا عاملين احتفال بمرور عشر سنين على افتتاح المبنى الجديد، وداعيين الطلبة اللي حققوا نجاحات بعد التخرج.
وقفت ساكتة.
آخر مرة دخلت المدرسة دي، كنت داخلة وأنا ببكي.
ودلوقتي...
راجعة ضيفة شرف.
يوم الاحتفال، دخلت وأنا ماسكة إيد ياسين.
المديرة القديمة كانت كبرت في السن، لكنها أول ما شافتني .
وقالت بابتسامة
كنت واثقة إنك هترجعي هنا وانتي رافعة راسك.
طلعت على المسرح.
وبصيت للطلبة.
وشوفت في عيونهم نفس الخوف اللي كان في عيني زمان.
مسكت الميكروفون وقلت
النجاح مش معناه إن حياتك كانت سهلة... النجاح معناه إنك رفضت تستسلم مهما كانت الظروف.
القاعة كلها سكتت.
وبعدين بدأ التصفيق يعلو.
وأنا نازلة من على المسرح، بنت صغيرة في أولى ثانوي جريت عليا.
وقالت وهي دموعها في عينيها
قالت بصوت مكسور
كلامك خلاني أحس إن أي مشكلة في حياتي ليها حل.
ربتّ على كتفها وقلت
طول ما الإنسان متمسك بالحق، وبيجتهد، ربنا بيفتح له أبواب ما كانش يتخيلها.
خرجت من المدرسة وأنا مبتسمة.
بصيت للمبنى للمرة الأخيرة.
المكان اللي شهد أصعب يوم في حياتي...
بقى هو نفسه المكان اللي شهد أجمل انتصار ليا.


تعليقات
إرسال تعليق